← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قال الطبري: "وإنما سماه الله (أمنا)، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] " (١). وقد روي عن ابن زيد في قوله: " ﴿وأمنا﴾ قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له" (٢). وعن الربيع: " قوله: ﴿وأمنا﴾، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن" (٣). وعن السدي: أما ﴿أمنا﴾، فمن دخله كان آمنا" (٤). وقال مجاهد: "تحريمه، لا يخاف فيه من دخله" (٥). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (٦). قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي وقلنا لهم اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" (٧). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أقوال (٨): أحدها: أن ﴿مقام إبراهيم﴾، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعطاء (١١)، والشعبي (١٢). الثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (١٣)، وروي عن ابن عباس (١٤)، مجاهد (١٥)، والشعبي (١٦)، نحو ذلك. الثالث: أنه الحرم كله (١٧). وهو قول مجاهد (١٨)، والنخعي (١٩)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (٢٠) عن ابن عباس (٢١).

стр. 947

الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢). ثم هؤلاء ذكروا وجهين (٣): أحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (٤)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (٥)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (٦). إذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (٧): ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (٨). وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (٩)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (١٠). وقال ابن جبير ناقداً هذا القول: "ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه" (١١).

стр. 948

خامسا: وقال آخرون: بل ﴿مقام إبراهيم﴾، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، والسدي (٣). والراجح: أن المقام هو (الحجر) (٤) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (٥) (٦) من حديث جابر (٧)، وعند البخاري أيضاً (٨). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، على قولين (٩): أحدهما: مَدْعَى يَدْعِي فيه، وهو قول مجاهد (١٠). وهؤلاء وَجَّهوا (المصَلَّى) إلى أنه (مُفَعَّل)، من قول القائل: (صليت) بمعنى دعوت، وقائلوا هذا القول، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله. ومعنى الآية على هذا القول: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي ﵇ فيها، فإني قد جعلته لمن بعده - من أوليائي وأهل طاعتي - إماما يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به. والثاني: أنه مصلى يصلي عنده، وهو قول قتادة (١١)، والسدي (١٢)، والحسن البصري (١٣). والقول الثاني هو الراجح، لما يسنده من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ (١٤). والله تعالى أعلم. قال الشيخ السعدي: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر

стр. 949

كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ومزدلفة ورمي الجمار والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله: ﴿مُصَلًّى﴾ أي: معبدا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى، لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له" (١). واختلفت القرأة في قراءة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ على وجهين (٢): أحدهما: ﴿وَاتَّخذُوا﴾، بكسر (الخاء)، على وجه الأمر باتخاذه مصلى، قرأ بها ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي. وفي توجيه قراءة الجمهور أربعة أقوال: أحدها: أنه معطوف على ما تضمنه قوله: ﴿مَثَابَةً﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا (٣). الثاني: أنه معمول لمحذوف أي: وقلنا اتخذوا (٤). الثالث: أن يكون الواو للاستئناف (٥). الرابع: أن قوله ﴿وَاتَّخذُوا﴾ معطوفة على ﴿اذكُرُوا﴾ [لبقرة: ١٢٢]، إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا، ولم يرتضِ هذا الوجه الطبري (٦)، واستبعده أبو حيان (٧). والثاني: ﴿وَاتَّخذُوا﴾ بفتح (الخاء) على وجه الخبر. وهي قراءة نافع وابن عامر. ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: (واتخذوا) إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر، وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه معطوف على تقدير (إذ)، كأنه قال: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. قاله بعض نحويي البصرة (٨). والثاني: أنه معطوف على قوله: (جعلنا)، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى. وهو قول بعض نحويي الكوفة (٩). فعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. والثالث: وقيل: على محذوف تقديره: فثابوا، أي: رجعوا واتخذوا (١٠) والراجح في القراءة: (واتخذوا) بكسر (الخاء)، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله ﷺ ، عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " (١١). قال الحافظ ابن حجر: "والجمهور (١٢) على كسر الخاء من قوله: (وَاتَّخِذُوا) بصيغة الأمر" (١٣).

стр. 950

قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي: ووصينا إبراهيم وإسماعيل" (١). قال البيضاوي: أي: " أمرناهما" (٢). قال المراغي: " أي ووصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوى كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسى كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء العبادات كالطواف به والسعى بين الصفا والمروة والعكوف فيه والركوع والسجود" (٣). قال أهل العلم: "وفي الآية إيماء إلى أن إبراهيم كان مأمورا هو ومن بعده بهذه العبادات، ولكن لا دليل على معرفة الطريق التي كانوا يؤدونها بها، وسماه الله بيته لأنه جعله معبدا للعبادة الصحيحة، وأمر المصلين بأن يتوجهوا في عبادتهم إليه" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنآ إِلى إبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، تأويلان (٥): أحدهما: أي أَمَرْنَا. وهذا قول ابن جريج (٦)، وابن زيد (٧). والثاني: أي أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل (٨). و﴿َإِسْمَاعِيل﴾: هو ابن إبراهيم؛ وهو أبو العرب؛ وهو الذبيح على القول الصحيح؛ يعني: هو الذي أمر الله إبراهيم أن يذبحه؛ وهو الذي قال لأبيه: ﴿يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ وقول من قال: (إنه إسحاق) بعيد؛ وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا منقول عن بني إسرائيل: لأن بني إسرائيل يودون أن الذبيح إسحاق؛ لأنه أبوهم دون إسماعيل؛ لأنه أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين له ضعف هذا القول. قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، "أي أمرناهما بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان" (٩). قال صاحب الكشاف: أي "طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم" (١٠). قال أبو السعود: " أي أمرناهما أمراً مؤكداً" (١١). قال البيضاوي: " يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه" (١٢). قال القاسمي: " أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ: فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ

стр. 951

وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، أو أخلصاه للطائفين وما بعده لئلا يغشاه غيرهم. فاللام صلة «طهرا» على هذا. وعلى ما قبله، لام العلة. أي طهراه لأجلهم" (١). قال ابن عطية: " وأضاف الله (البيت) إلى نفسه تشريفا للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك" (٢). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أوجه (٣): أحدها: من الأصنام. قاله ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، وابن زيد (٦)، وروي عن عبيد بن عمير (٧)، وسعيد بن جبير (٨)، نحو ذلك. والثاني: من الشرك. قاله مجاهد (٩)، روي عن سعيد بن جبير (١٠)، وأبي العالية (١١)، وقتادة (١٢)، وعطاء (١٣) نحوه. والثالث: من الأنجاس. روي عن سعيد بن جبير نحوه (١٤). والرابع: وقيل: "من الفرث والدم" (١٥). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار" (١٦). والراجح أن تطهير البيت يقصد به: تطهيره من الأرجاس الحسية والمعنوية، أي: إعداده وتخصيصه للمؤمنين بالله، فلا يقربه مشرك، ولا يطوف به، ولا يعكف فيه إلا مؤمن خالص الإيمان، و (أنْ) تفسيرية؛ لأنّ (عهدنا) فيه معنى القول دون حروفه؛ أي أنّ العهد هو قوله تعالى: (طَهِّرَا بَيْتِيَ)؛ و (طَهِّرَا) فعل أمر؛ و (بيتي) المراد به الكعبة؛ وأضافها الله إلى نفسه إضافة تشريف. والله أعلم. قال الرازي: ويقصد بتطهير البيت: "التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى: وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله، وكل ذلك داخل تحت الكلام" (١٧). وإن قيل: فلم يكن على عهد إبراهيم، قبل بناء البيت بيت يطهر، قيل: عن هذا جوابان (١٨): أحدهما: معناه وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطَهَّراً، وهذا قول السدي (١٩). والثاني: معناه أن طهرا مكان البيت (٢٠).

стр. 952

قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: " ليكون معقلاً للطائفين حوله والمعتكفين الملازمين له والمصلين فيه" (١). وقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ [البقرة: ١٢٥]، اختلف في هذه الاوصاف الثلاثة على قولين (٢): القول الأول: أن تلك الأوصاف الثلاثة على فرق ثلاثة، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف، وعلى هذا القول يمكن تعريف الأوصاف الثلاثة كالآتي: أ- (لِلطَّائِفِينَ): فالمراد بـ (الطَّائِفِينَ): كل من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به فاللام هذه للتعليل أي لأجلهم. وقد اختلف أهل التفسير في معنى ﴿الطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، في هذا الموضع على وجهين (٣): الأول: أنهم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ، أي من أتاه من مكان بعيد. قاله سعيد بن جبير (٤). الثاني: أنهم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله. وهذا قول عطاء (٥)، ومقاتل (٦). والقول الثاني أولى، لأن (الطائف): هو الذي يطوف بالشيء دون غيره، والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم (طائف بالبيت)، إن لم يطف به. ب- ﴿الْعَاكِفِينَ﴾: كل من يقيم هناك ويجاور. فالعاكف على الشيء "، هو المقيم عليه، كما قال نابغة بني ذبيان (٧): عكوفا لدى أبياتهم يثمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف الكوانع قال الطبري: "وإنما قيل للمعتكف (معتكف)، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى" (٨). قال صاحب الكشاف: (وَالْعَاكِفِينَ) أي " المجاورين الذين عكفوا عنده، أى أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين، ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعنى القائمين في الصلاة .. لأنّ القيام والركوع والسجود هيآت المصلى" (٩).

стр. 953

وعلى هذا اختلف فيمن عنى الله بقوله ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، على أقوال (١): أحدها: أنه عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة. قاله ابن عباس (٢)، وعطاء (٣). والثاني: أنهم المعتكفون المجاورون. قاله مجاهد (٤)، وعكرمة (٥). والثالث: أنهم أهل البلد الحرام. قاله قتادة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وروي عن الربيع (٨)، نحو ذلك. الرابع: أنهم المصلون. قاله ابن عباس (٩). والراجح: أن (العاكف) في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة " العكوف " ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ - المصلين والطائفين، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من " العاكف "، غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا (١٠) ". ج- ﴿الرُّكَّعِ السُّجُود﴾: كل من يصلي هناك، واختلف المفسرون في معناه على أقوال (١١): الأول: أن (الرُّكَّعِ)، جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم (راكع)، وكذلك (السجود) هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم (ساجد). الثاني: أن المراد بـ ﴿الركع السجود﴾، المصلين. قاله ابن عباس (١٢)، وعطاء (١٣)، وقتادة (١٤)، ومقاتل (١٥). قلت: عبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلاً على أن هذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونه؛ و (الرُّكَّعِ) جمع راكع؛ و (السُّجُودِ) جمع ساجد. قال ابن عطية: " وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى" (١٦). القول الثاني: وقيل: أنه إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود، وهو قول عطاء (١٧). والصواب هو القول الأول، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. والله تعالى أعلم. وهنا بدأ بـ (الطائفين)؛ لأن عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بـ (العاكفين﴾؛ لأن عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطائفين؛ وثلّث بـ (الرُّكَّعِ السُّجُود)؛ لأن ذلك يصح بكل مكان بالأرض؛ لقوله، عليه

стр. 954

الصلاة والسلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (١)؛ فإذاً يكون الله بدأ بالأخص فالأخص (٢). الفوائد ١ - من فوائد الآية: فضيلة البيت الحرام من وجهين: أنه مثابة؛ وأمن، فقوله تعالى: ﴿وَأَمْناً﴾ استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٧] كأنه قال: آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ، لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا؟ والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه. وقال أبو حنيفة: من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج. فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا. وفي قوله: "وأمنا" تأكيد للأمر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه (٣). ٢ - ومنها: ظهور رحمة الله؛ فإنه لما جعل هذا البيت مثابة، والناس لابد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله أمناً؛ وإنما أحلها الله لرسوله ﷺ ساعة من نهار للضرورة؛ وهي ساعة الفتح؛ ثم قال ﷺ : "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس»؛ ثم أورد ﷺ سؤالاً قال فيه: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (٤)؛ والحكم لله العلي الكبير: أذِن للرسول في تلك الساعة؛ ولكنه لم يأذن لأحد بعده كما لم يأذن لأحد قبله؛ ولهذا نُهي عن حمل السلاح في الحرم حتى يبقى كل إنسان آمناً؛ ولما طعن ابن عمر ﵄ وهو على راحلته في منى طعنه أحد الخوارج بسنان الرمح في أخمص قدمه حتى لزقت قدمه بالركاب جاءه الحجاج يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ ! فقال ابن عمر: أنت أصبتني! قال: وكيف؟ قال: "حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم" (٥)؛ وبهذا تعرف عظم جرم أولئك الذين يوقعون المخاوف بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم والعياذ بالله من أعظم الناس جرماً؛ لأن الله جعل هذا البلد آمناً في كل وقت؛ فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أُمِّن والله أعلم إلا لأجلها. ٣ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون كل مكان مثابة للناس أمناً؛ ولهذا كره أهل العلم أن يحمل السلاح في المساجد؛ قالوا: لأن المساجد محل أمن؛ لكن إذا كان المراد من حمل السلاح حفظ الأمن كان مأموراً به. ٤ - ومنها: وجوب اتخاذ المصلى من مقام إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن قلنا بأن المراد بالمقام جميع مناسك الحج فلا إشكال؛ لأن فيه ما لا يتم الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ ومنه ما يصح الحج بدونه مع وجوبه كالمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات؛ ومنه ما يصح الحج بدونه وليس بواجب، كصلاة الركعتين بعد الطواف على المشهور؛ وإذا قلنا: المراد به الركعتان بعد الطواف صار فيه إشكال: فإن جمهور العلماء على أنهما سنة؛ وذهب الإمام مالك إلى أنهما واجبتان؛ والذي ينبغي للإنسان: أن لا يدعهما؛ لأن الرسول ﷺ فسر الآية بهما، حيث تقدم إلى مقام إبراهيم بعد الطواف، فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. ٥ - ومنها: أن الله يثيب العامل بأكثر من عمله؛ فإبراهيم ﷺ لما أتم الكلمات جعله الله تعالى إماماً للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلًّى؛ وهذا بعض من إمامته. ٦ - ومنها: وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية، والمعنوية؛ لقوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا﴾؛ والعهد هو الوصية بالأمر الهام؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ ولهذا لا يجوز للمشركين وغيرهم من أهل الكفر أن يدخلوا أميال الحرم؛ لأنهم إذا دخلوها قربوا من المسجد الحرام والله تعالى يقول: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨]. ٧ - ومن فوائد الآية: اشتراط طهارة مكان الطواف؛ لقوله تعالى: ﴿للطائفين﴾. ٨ - ومنها: اشتراط طهارة لباس الطائفين من باب أولى، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان. ٩ - ومنها: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿وطهرا بيتي للطائفين﴾؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان مثلاً أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفاً بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كان من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزم من سعيها أن تمكث في المسجد. ١٠ - ومن فوائد الآية: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود؛ وأن الركوع والسجود أفضل هيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل هيئة من القيام؛ والسجود أفضل منه؛ والقيام أفضل من الركوع، والسجود بما يُقرأ فيه؛ ولهذا نُهي المصلي أن يقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً؛ فإنَّ ذِكْر القيام كلام الله؛ وهو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود هو التسبيح؛ وهو أقل حرمة من القرآن؛ ولذلك حل الذكر للجنب دون قراءة القرآن، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دون مس المصحف؛ فالله حكيم: جعل لكل ركن من أركان الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقيام اختصه بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل هيئتهما. ١١ - ومن الفوائد: جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا (٦) إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، وهو خلاف قول مالك (٧) في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت، فإن قيل: لا نسلم دلالة الآية على ذلك، لأنه تعالى لم يقل: والركع السجود في البيت، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت، وإنما دلت على فعله خارج البيت، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه، قلنا: ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت أو خارجا عنه، وإنما

стр. 955

أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩] وأيضا المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه. والجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كل المسجد، بل لا بد وأن يكون متوجها إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلا تحت الآية (١). القرآن ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦] التفسير: واذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم داعيًا: ربِّ اجعل "مكة" بلدًا آمنًا من الخوف، وارزق أهله من أنواع الثمرات، وخُصَّ بهذا الرزق مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر. قال الله: ومن كفر منهم فأرزقه في الدنيا وأُمتعه متاعًا قليلا ثم أُلجئُه مرغمًا إلى عذاب النار. وبئس المرجع والمقام هذا المصير. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي"واذكروا إِذ قال إبراهيم" (٢): ربي "اجعل مكة بلدا آمنا" (٣). قال الحسن: " هذا دعاء، دعا به إبراهيم فاستجاب له دعاءه فجعله بلدا آمنا" (٤). قال الزمخشري: " أى: اجعل هذا البلد أو هذا المكان ذا أمن" (٥) قال أبو السعود: " أي اجعل هذا الواديَ من البلادِ الآمنة وكان ذلك أولَ ما قَدِمَ ﵇ مكةَ" (٦). قال الآلوسي: " أي اجعل هذا المكان القفر بلدا آمنا، وكان النداء بلفظ (الرب) مضافا لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته" (٧). قال الطبري: أي: "واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد" (٨). قال ابن عطية: " دعا إبراهيم ﵇ لذريته وغيرهم بمكة بالأمن ورغد العيش، ﴿واجْعَلْ﴾: لفظه الأمر وهو في حق الله تعالى رغبة ودعاء، ﴿وآمِناً﴾: معناه من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلاث التي تحل بالبلاد، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيه ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيره، ونبتت فيها أنواع الثمرات" (٩). قال المراغي: " وهذا دعاء منه أن يكون البيت آمنا في نفسه من الجبابرة وغيرهم أن يسلّطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان من خسف وزلزال وغرق ونحو ذلك مما ينبئ عن سخط الله ومثلاته

стр. 956

التي تصيب سائر البلاد، وقد استجاب الله دعاءه فلم يقصده أحد بسوء إلا قصم ظهره، ومن تعدى عليه لم يطل زمن تعديه، بل يكون تعديا عارضا ثم يزول" (١). قال الواحدي: " والعرب تقول: آمَنُ من حمام مكة، يضربون المثلَ بها في الأمن" (٢). قال أبو حيان: قوله: " ﴿هَاذَا الْبَلَدَ﴾، باعتبار ما يؤول إليه سماه بلداً. ووصف بلد بآمن، إما على معنى النسب، أي ذا أمن، كقولهم: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، أي ذات رضا، أو على الاتساع لما كان يقع فيه الأمن جعله آمناً كقولهم: نهارك صائم وليلك قائم" (٣). قال الليث: "كل موضع من الأرض عامرٍ أو غامر مسكونٍ أو خالٍ: بلدٌ، والطائفة منه: بلدة" (٤)، لأنها لا تثار ولا تهاج (٥). وقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر. من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (٦)، البعير: بلدة. لأنه إذا برك أثرت، قال ذو الرمة (٧): أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ... قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها ويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ، قال القُطامي (٨): ليست تجرح فُرّارًا ظهورهم ... وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ وقال ابنُ الرِّقاع (٩): عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ... مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها وإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال الشاعر (١٠): كلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ... ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد ومن هذا يقال: رجلٌ بليدٌ، إذا أثَّرَ فيه الجهلُ، ثم يقالُ منه: تبلَّدَ الرجلُ، وهو نقيضُ التجلُّد، قال (١١): ألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا وبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي، قال الشاعر (١٢): جَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ... تداركَه أعراقُ سوءٍ فَبَلَّدَا (١٣) نستنتج مما بق بأن (البلد): "اسم لكل مكان مسكون سواء كان ذلك مدينة كبيرة، أو مدينة صغيرة؛ كله يسمى بلداً؛ وقد سمى الله مكة بلداً، كما في قوله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: ٣]؛ وسماها الله

стр. 957

تعالى قرية، كما في قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم﴾ [محمد: ١٣] " (١). وقد اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه (٢): أحدها: أنه سأله الأمن من القحط، لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع. وضعّفه أبو حيان فقال: " فهي أكثر بلاد الله قحطاً وجدباً" (٣). الثاني: أنه سأله الأمن من الخسف والمسخ. الثالث: وقال بعض المفسرين: أي آمناً مَن فيه؛ لأن البلد نفسه لا يوصف بالأمن، والخوف، فـ (البلد) (٤) أرض، وبناء؛ وإنما الذي يكون آمناً: أهلُه؛ أما هو فيكون أمْناً. قلت: وهذا ضعيف، والذي ينبغي هو أن يبقى على ظاهره، وأن يكون البلد نفسه آمناً؛ وإذا أمِنَ البلد أمِن مَن فيه وهو أبلغ؛ لأنه مثلاً لو جاء أحد، وهدم البناء ما كان البناء آمناً، وصار البناء عرضة لأن يتسلط عليه من يُتلفه؛ فكون البلد آمناً أبلغ من أن نفسره بـ (آمناً أهله)؛ لأنه يشمل البلد، ومن فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وارزق أهله﴾؛ لأن البلد لا يرزق (٥). الرابع: أنه سأله الأمن من القتل، وهو قول أبو بكر الرازي، واحتج عليه بأنه ﵇ سأله الأمن أولا، ثم سأله الرزق ثانيا، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية: ﴿رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات﴾ وقال في آية أخرى: ﴿رب اجعل هاذا البلد امنا﴾ ثم قال في آخر القصة: ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع﴾ إلى قوله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقد أخرج الطبري عن قتادة قال: "ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان - حين أغرق الله قوم نوح - رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله" (٦). الخامس: وقيل: أنه سأله الأمن من الجبابرة. وضعّفه أبو حيان فقال: " فالواقع يرده، إذ قد دخل فيه الجبابرة وقتلوا، كعمرو بن لحي الجرهمي، والحجاج بن يوسف، والقرامطة، وغيرهم" (٧). واختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أم كانت قبله كذلك، على ثلاثة أفوال (٨): أحدها: أنه لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. أخرج الطبري عن شريح الخزاعي أنه قال: " لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال: " يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد

стр. 958

بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال: إن رسول الله ﷺ قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك " (١). الثاني: أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم ﵇ كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله ﷺ أمنا بعد أن كانت حلالا. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها" (٢). قال ابن عطية: " ولا تعارض بين الحديثين (٣)، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه" (٤). الثالث: وقيل: أنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة، فالأول: يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم، والثاني: بالأمر على ألسنة الرسل (٥). والراجح: أن الله جعل مكة حرما آمنا حين خلقها وأنشأها، "كما أخبر النبي ﷺ ، " أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض " (٦)، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه، يستنون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله، للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه " (٧). قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [البقرة: ١٢٦]، " أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات" (٨). قال ابن عباس: " يعني: من وحد الله وآمن باليوم الآخر" (٩). وعن ابن عباس أيضا: " كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين، فأنزل الله ومن كفر- أيضا- أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقا لا أرزقهم! " (١٠). وقال عكرمة: " قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال الله: نعم" (١١).

стр. 959

قال السعدي: "أي" اعط أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد ﵇ هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم" (١). قال أبو السعود: " بأن تجعلَ بقربٍ منه قرُىً يحصُل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطارِ الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمعُ فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفيةُ في يومٍ واحد" (٢). قال أبو حيان: " دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك. ألا ترى أن قريشاً لما طغت، دعا عليها رسول الله ﷺ : "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين، كسني يوسف" (٣) " (٤). قال الزهري: " إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها في الطائف لدعوة إبراهيم خليل الله" (٥). وروي عن محمد بن مسلم الطائفي (٦) مثل ذلك. و(الإيمان) في اللغة: التصديق؛ وفي الشرع: التصديق المستلزم للقبول، والإذعان؛ والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته؛ و (اليوم الآخر) هو يوم القيامة؛ وسمي آخراً؛ لأنه لا يوم بعده؛ وسبق بيان ذلك (٧). وقد "ذكر متعلق الإيمان، وهو الله تعالى واليوم الآخر، لأن في الإيمان بالله إيماناً بالصانع الواجب الوجود، وبما يليق به تعالى من الصفات، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالثواب والعقاب المرتبين على الطاعة والمعصية اللذين هما مناط التكليف المستدعي مخبراً صادقاً به، وهم الأنبياء. فتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، وبما جاؤا به. فلما كان الإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بجميع ما يجب أن يؤمن به، اقتصر على ذلك، لأن غيره في ضمنه" (٨). ويحتمل ﴿مِنَ﴾: في قوله تعالى: ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وجهين (٩): أحدهما: أنها للتبعيض، لأنهم لم يرزقوا إلا بعض الثمرات. والثاني: أنها لبيان الجنس. قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي قال الله تعالى: وأرزق" كفارهم أيضا، وأمتعهم بهذا الرزق أمدا قليلا، وهو مدة وجودهم في الدنيا" (١٠). قال الزمخشري: " أى ومن كفر، فأنا أمتعه" (١١). قال الثعلبي: أي: " فسأرزقه إلى منتهى أجله، لأنه تعالى وعد الرزق للخلق كافة كافرهم ومؤمنهم وقيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل" (١٢). قال عكرمة: " قال الله: ومن كفر أيضا فإني أرزقه من الدنيا، حين استرزق إبراهيم لمن آمن" (١٣).

стр. 960

قال الصابوني: " أي قال الله وأرزق من كفر أيضاً كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقاً ثم لا أرزقهم؟ أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعاً قليلاً وذلك مدة حياته فيها" (١). قال أبو حيان: وهذا: " إخبار من الله تعالى بما يكون مآل الكافر إليه من التمتيع القليل والصيرورة إلى النار، وليس هنا قياس الرزق على الإمامة، ولا تعريف الفرق بينهما، كما زعم" (٢). و(المتاع): " هو كل ما انتفع به، وفسر هنا التمتيع والإمتاع بالإبقاء، أو بتيسير المنافع، ومنه: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، أي منفعتها التي لا تدوم، أو بالتزويد، ومنه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ أي: زوّدوهنّ نفقة. و (المتعة): ما يتبلغ به من الزاد، والجمع: (متع)، ومنه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] " (٣). واختلف أهل التفسير في قائل هذا القول ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجهين (٤): أحدهما: أن هذا القول من الله لإبراهيم. قاله أبي بن كعب (٥) وابن إسحاق (٦) وعكرمة (٧). والثاني: أنه قول إبراهيم-﵇ على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا. وهذا قول ابن عباس (٨)، ومجاهد (٩). والصواب: ما قاله أبي بن كعب، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك. وهو اختيار الإمام الطبري (١٠) كذلك (١١). واختلف في نوع المتاع في قوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على أقوال (١٢): أحدها: أنه بالرزق. قاله مجاهد (١٣). الثاني: أن المراد: فأمتعه بالبقاء في الدنيا. الثالث: وقيل: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة، حتى أبعث محمدا ﷺ فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها. والصواب هو القول الأول، فيكون تفسير قوله تعالى﴾ فأمتعه قليلا﴾ أي: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. وأما القولان الأخيران وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه. والله تعالى أعلم. واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجهين (١٤): أحدهما: ﴿فأمتعه﴾ خفيفة من (أمتعت)، قرأ بها ابن عامر وحده. ووجه قراءته، أنّ (أمتع) لغة، ومنه قول الراعي النميري (١٥): خليلين من شعبين شتّى تجاورا ... قديماً وكانا بالتفرّق أمتعا

стр. 961

والثاني: ﴿فأمتعه﴾ مشددة التاء من (متعت)، وهي قراءة الباقون. قال أبو علي: "التشديد أولى لأن التنزيل عليه، قال تعالى: ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥]، فتمتّع مطاوع متّع، وعامّة ما في التنزيل على التثقيل، قال جلّ اسمه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً﴾ [هود: ٣]، ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٦١]. وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يونس: ٩٨]، فكما أن هذه الألفاظ على متّع دون أمتع، فكذلك الأولى بالمختلف فيه أن يكون على متّع دون أمتع" (١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي: "ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها" (٢). قال ابن أبي نجيح: " ثم مصير الكافر إلى النار" (٣). قال البيضاوي: " أي أَلُزُّهُ إليه لزَّ المضطرِ، لكفرِه وتضييعه ما متعه به من النعم" (٤). قال الواحدي: " أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار" (٥). قال الطبري: "ومعنى (الاضطرار)، الإكراه، يقال: اضطررت فلانا إلى هذا الأمر، إذا ألجأته إليه وحملته عليه، فذلك معنى قوله: (ثم أضطره إلى عذاب النار)، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه" (٦). قال الرازي: " الإضطرار: هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا، كقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة: ١٧٣) (الأنعام: ١٤٥) (النحل: ١١٥) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى: أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده" (٧). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، على وجوه (٨): احدها: ﴿ثم نضطره﴾. بالنون، وهي قراءة أبىّ بن كعب. الثاني: ﴿فاضطره﴾، بكسر الهمزة. قرأ بها يحيى بن وثاب. الثالث: ﴿ثم اضطره﴾، على لفظ الأمر. والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربه بذلك. وهي قراءة ابن عباس. الرابع: ﴿ثم أضطره﴾، بإدغام الضاد في الطاء خبراً. قرأ بها ابن محيصن. الخامس: ﴿ثم اضطره﴾، بضم الطاء، خبراً. قرأ بها يزيد بن أبي حبيب. قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي: "وساء المصيرُ عذابُ النار" (٩). قال الصابوني: " أي وبئس المال والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم" (١٠). قال أبو السعود: " أي بئس المصيرُ النارُ أو عذابُها" (١١). قال الطبري: "و (المصير)، فإنه (مَفعِل) من قول القائل: (صرت مصيرا صالحا)، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار (١٢). الفوائد:

стр. 962

١ - من فوائد الآية: التنويه بفضل إبراهيم؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإذ قال﴾ سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قال؛ ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه، والإعلام ما أمر به. ٢ - ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً؛ لقوله تعالى: ﴿رب اجعل ... ﴾ إلخ. ٣ - ومنها: أن للدعاء أثراً في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثراً لكان الدعاء عبثاً؛ وقول من يقول: «لا حاجة للدعاء: إن كان الله كتب هذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدعُ؛ وإن كان الله لم يكتبه فلن يحصل، دعوت أو لم أدعُ»، فإن جوابنا عن هذا أن نقول: إن الله قد كتبه بناءً على دعائك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنه لو قال: «لن آكل الطعام؛ فإن أراد الله لي الحياة فسوف أحيا - ولو لم آكل؛ وإن كان يريد أن أموت فسوف أموت - ولو ملأت بطني إلى حلقومي»؛ نقول: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أن يكون الدعاء سبباً إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله يقدِّر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصاً كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه؛ فإذاً الشرع، والواقع كلاهما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء. ٤ - ومن فوائد الآية: رأفة إبراهيم ﵇ بمن يؤم هذا البيت؛ لأن جعل البيت آمناً يتضمن الإرفاق بمن أمّه من الناس. ٥ - ومنها: رأفة إبراهيم ﵇ أيضاً، حيث سأل الله أن يرزق أهله من الثمرات؛ لقوله تعالى: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾. ٦ - ومنها: أدب إبراهيم ﵇، حيث لم يعمم في هذا الدعاء؛ فقال: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن﴾ خوفاً من أن يقول الله له: «من آمن فأرزقه»، كما قال تعالى حين سأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ فتأدب في طلب الرزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وهذا بالعكس: عمم. ٧ - ومنها: أن رزق الله شامل للمؤمن، والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾؛ فالرزق عام شامل للمؤمن، والكافر؛ بل للإنسان، والحيوان، كما قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود: ٦]؛ وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حوله شيء، ولكن ييسر الله له الرزق يُجلب إليه من حيث لا يشعر، ولا يحتسب؛ ويُذكر في هذه الأمور قصص غريبة، ويشاهَد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء يَجلب الله لها رزقاً كلما احتاجت إلى ذلك، فتأكله؛ والله على كل شيء قدير. ٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نتخذ من هذا الوقت القصير عملاً كثيراً ينفعنا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأمتعه قليلاً﴾؛ والعمل اليسير - ولله الحمد - يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة يضاعف بعشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ٩ - ومنها: إثبات عذاب النار. ١٠ - ومنها: إثبات كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قال﴾؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ والدليل على أنه بحرف أن قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ مثلاً مكوَّن من حروف؛ والدليل على أنه بصوت مسموع: المحاورة مع إبراهيم؛ فلولا أن إبراهيم يسمع صوتاً لم تكن محاورة. ١١ - ومنها: إثبات سمع الله؛ لأنه يسمع إبراهيم وهو يكلمه . ١٢ - ومنها: إثبات اليوم الآخر. ١٣ - ومنها: الثناء على النار بهذا الذم، وأنها بئس المصير؛ فكل إنسان يسمع هذا من كلام الله سوف ينفر من هذه النار، ولا يعمل عمل أهلها. القرآن

стр. 963

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧] التفسير: واذكر -أيها النبي- حين رفع إبراهيم وإسماعيل أسس الكعبة، وهما يدعوان الله في خشوع: ربنا تقبل منَّا صالح أعمالنا ودعاءنا، إنك أنت السميع لأقوال عبادك، العليم بأحوالهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، "أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس" (١). وقوله تعالى: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، فيه قراءتان: إحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء. والثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: (إبراهام). و(القواعد): "جمع قاعدة، وهي السارية والأساس" (٢)، ومعنى (القعود) في أصل اللغة: الثبات على أيِّ حالةٍ كانت، الدليل عليه قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، يريد: مثابت ومراكز، ولا يريد مَجَالس. وقولهم: قَعَدَتِ المرأةُ عن المحيض، معناه: ثبتت على حالة الطُّهْر، ولا يراد به الجُلوس، ويقولون: قَعَدَتِ الفَسِيلة، إذا ثَبَتَتْ في الأرض، وصار لها جذع، ومن هذا: قواعد البيت، فَقَعَدَ في أصل اللغة بمعنى: ثبت، ثم نقل إلى هذا الفعل المخصوص والمتعارف الذي لا تعرف العامة غيره (٣). قال ابن المظفر: "القواعد: أصول الأساسِ، الواحد: قاعدة" (٤). قال الزجاج: "وكل قاعدةٍ فهي أصلٌ للذي فوقها " (٥)، قال الكُمَيْت (٦): في ذِروةٍ من يفاعٍ اوّلهم ... زانت عواليَها قواعدُها ومنه يقال للخشبات أسافل الهودج: القواعد، لأنها كالأساس للهودج (٧). وقواعد البيت: يعنى: "أصولَ البيت الّتي كانت قبل ذلك". قاله ابن عباس (٨). وقد اختلف في (القواعد) التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت، أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما، وذكروا فيه أقوال (٩): أحدها: أنها قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفَّى أثرُه بعده، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام، فبناه. وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعطاء (١١).

стр. 964

والثاني: أنها قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت. وهذا قول عبدالله بن عمر (١)، وقتادة (٢)، وأبي قلابة (٣)، وأبان (٤). والثالث: أنها كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء، وذلك في موضع البيت الحرام. ثم دحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم، فبناه على أساسه. وقالوا: أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة. وهذا قول ابن عباس (٥)، مجاهد (٦)، وعمرو بن دينار (٧)، وعطاء ب أبي رباح (٨)، وكعب (٩). وقد قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنه كان مؤسَّساً قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع نقلها من مكانها إلى مكان البيت" (١٠). وقد جعل الفخر الرازي (١١)، قوله تعالى: (وَإِذْ يَرفَعُ إبرَاهيمُ الْقَوَاعدَ منَ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] صريحاً في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم رفعها وعمرها. وقد تعقبه ابن كثير إذ قال: "وفي الاستدلال مما ذكره من الآية نظر، إذ لا يلزم وجود القواعد قبل، والله أعلم" (١٢). قلت: الآية محتملة، وغالب ما ذكره الإخباريون والمفسرون مأخوذ "عن كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين" (١٣). وقال ابن عطية -بعد ذكره بعض الأقوال في ابتداء بناء البيت: "ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر" (١٤). وعند التأمل والنظر: نجد أن هذه الآية وقول الله- -في الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، تحتملان القولين، ونجد أن الطبري قد روى عن ابن عباس بسند صححه ابن حجر (١٥)، قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: "القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك" (١٦).

стр. 965

فإن كان ابن عباس لم يأخذه عن أهل الكتاب فهو حجة في بناء البيت قبل إبراهيم، وإن كان أخذه منهم فالقضية تبقى محتملة إلى أن يثبت نص صحيح عن النبي ﷺ ؛ لأن هذا أمر غيبي مبنى العلم به على النص الصحيح عن المعصوم ولا مدخل للاجتهاد فيه (١). والله أعلم. قال الشيخ ابن عثيمين: " وأخّر ذكر إسماعيل؛ لأن الأصل: إبراهيم؛ وإسماعيل مُعِين؛ هذا الظاهر" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي " قائلين: ربنا تقبل منا" (٣). قال السدي: " يبنيان وهما يدعوان" (٤). قال ابن عباس: " هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، قال، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ يبني" (٥). قال الحسن: " وكان إسماعيل يقول وهما يبنيانه، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فتقبل منهما" (٦). قال الثعلبي: " أي تقبل منّا بناءنا البيت" (٧). قال الماوردي: " المعنى: يقولان ربنا تقبل منا، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيكُم﴾ أي يقولون سلام عليكم" (٨). قال الصابوني: "أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة قائلين يا ربنا أقبل منا عملنا هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم" (٩). قال الزجاج: " المعنى: يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ومثله في كتاب اللَّه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومثله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، أي يقولون سلام عليكم" (١٠). قال ابن عثيمين: " يعني كل واحد يقول بلسانه: ربنا تقبل منا، و (القبول) أخذ الشيء، والرضا به؛ ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب، والقبول؛ فتقبُّلُ الله للعمل أن يتلقاه بالرضا، فيرضى عن فاعله؛ وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه" (١١). واختلف في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] على قولين (١٢): أحدهما: أن المعنى: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا، وقد أظهره ابن مسعود في قراءته (١٣). والثاني: وقيل: بل قائل ذلك كان إسماعيل. ثم اختلف أهل التفسير في الذي رفع القواعد، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها، وفيه أقوال (١٤):

стр. 966

أحدها: أنه رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا. قاله السدي (١) وعبيد بن عمير الليثي (٢). الثاني: أن إبراهيم رفع قواعد البيت، وكان إسماعيل يناوله الحجارة. قاله ابن عباس (٣). الثالث: أن الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده، وإسماعيل يومئذ طفل صغير. قاله علي-كرّم الله وجهه- (٤). قال ابن عطية: " ولا يصح هذا عن علي ﵁، لأن الآية والآثار ترده" (٥). والصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، أي: وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا، إذ كان إبراهيم تفرد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضا رفعاها، لأن رفعها كان بهما: من أحدهما البناء، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي" نسألك أن تقْبل، لأنك أنت السميع العليم" (٧). قال الآلوسي: " تعليل لاستدعاء التقبل، والمراد السميع لدعائنا، والعليم بنياتنا" (٨). قال أبو السعود: أي ﴿السميع﴾: " لجميع المسموعاتِ التي من جُملتها دعاؤُنا، ﴿العليم﴾، بكل المعلومات التي من زمرتها نياتُنا في جميع أعمالِنا، العليم﴾ بكل المعلومات التي من زمرتها نياتوالجملة تعليلٌ لاستدعاء التقبّل لا من حيثُ أن كونه تعالى سمعيا لدعائهما عليماً بنياتهما مصححٌ للتقبل في الجملة بل من حيثُ إنَّ علمَه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصِهما في أعمالهما مستدعٍ له بموجَب الوعدِ تفضُّلاً وتأكيدُ الجملة لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها وقصرُ نعتي السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاصِ دعائهما به تعالى وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية" (٩). قال الطبري: هذه الجملة تعليل لطلب القبول ... فإنك "أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا، من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه - العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك في الطاعة، والمصير إلى ما فيه لك الرضا والمحبة، وما نبدي ونخفي من أعمالنا" (١٠). وفي قراءة أبي وعبدالله بن مسعود: ﴿وإذ يرفع وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا﴾ (١١). قال الماوردي: "وتفسير (إسماعيل): إسمع يا الله، لأن إيل بالسريانية هو الله، لأن إبراهيم لما دعا ربه قال: اسمع يا إيل، فلما أجابه ورزقه بما دعا من الولد، سمّى بما دعا " (١٢). قال ابن عطية: " وهذا ضعيف" (١٣). قال ابن إسحاق: ﴿السميع﴾، أي: سميع بما يقولون" (١٤).

стр. 967

وعن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿السميع العليم﴾ ـيعني عالم بها" (١). الفوائد: ١ - فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحادثة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع ... ﴾ إلخ. ٢ - ومنها: فضل إبراهيم، وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، حيث قاما برفع هذه القواعد. ٣ - ومنها: أن من إحكام البناء أن يؤسس على قواعد؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد﴾؛ وإذا بني على غير قاعدة فإنه ينهار. ٤ - ومنها: جواز المعاونة في أفعال الخير. ٥ - ومنها: أهمية القبول، وأن المدار في الحقيقة عليه؛ وليس على العمل؛ فكم من إنسان عمل أعمالاً كثيرة وليس له من عمله إلا التعب، فلم تنفعه؛ وكم من إنسان عمل أعمالاً قليلة قبلت فنفعه الله بها؛ ولهذا جاء في الحديث: «رب صائم حظه من صيامه الجوع، والظمأ؛ ورب قائم حظه من قيامه السهر» (٢). ٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما ﴿السميع﴾، و ﴿العليم﴾؛ وكل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته؛ بل على صفتين أحياناً، أو أكثر - ما يلزم من إثبات الصفة التي يدل عليها الاسم -؛ مثال ذلك: «الخالق» دل على صفة الخلق؛ وصفة الخلق تستلزم ثبوت صفة العلم، والقدرة؛ وقد يدل الاسم على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعدياً؛ مثاله: ﴿السميع﴾ يدل على صفة السمع، ويدل على أن الله يسمع كل صوت يحدث. ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات السمع لله ؛ وينقسم السمع إلى قسمين: سمع بمعنى سماع الأصوات؛ وسمع بمعنى الإجابة؛ فمثال الأول قوله ﵎: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿إن ربي لسميع الدعاء﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي مستجيب الدعاء؛ وكذلك قول المصلي: «سمع الله لمن حمده» - يعني استجاب لمن حمده -؛ والسمع الذي هو بمعنى سماع الأصوات من صفاته الذاتية؛ والسمع بمعنى الاستجابة من صفاته الفعلية؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته: إن شاء استجاب لمن حمده؛ وإن شاء لم يستجب؛ وأما سماع الأصوات فإنه ملازم لذاته - لم يزل، ولا يزال سميعاً -؛ إذ إن خلاف السمع الصمم؛ والصمم نقص؛ والله منزه عن كل نقص؛ وكلا المعنيين يناسب الدعاء: فهو يسمع صوت الداعي، ويستجيب دعاءه. والسمع - أعني سماع الأصوات - تارة يفيد تهديداً؛ وتارة يفيد إقراراً، وإحاطة؛ وتارة يفيد تأييداً. يفيد تهديداً، كما في قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ... ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية، وقوله تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ [الزخرف: ٨٠] ويفيد إقراراً، وإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]؛ ويفيد تأييداً، كما في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦]. ٨ - ومن فوائد الآية: إثبات العلم لله ﵎ جملةً، وتفصيلاً؛ موجوداً، أو معدوماً؛ ممكناً، أو واجباً، أو مستحيلاً؛ مثال علمه بالجملة: قوله تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً﴾ [طه: ٩٨]، ومثال علمه بالتفصيل: قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]؛ ومثال علمه بالموجود: ما أخبر الله به عن علمه بما كان، مثل قول الله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي قد وجِد: ما علمه الله من أحوال الماضين؛ ومثال علمه بالمعدوم الذي لم

стр. 968

يوجد بعد: ما علمه الله من أحوال القيامة، ومآل الخلق؛ ومثال علمه بالممكن: ما علمه الله من الحوادث الواقعة من الإنسان؛ ومثال علمه بالواجب: ما علمه الله من كمال صفاته؛ ومثال علمه بالمستحيل: قوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. واعلم أن من أنكر علم الله فهو كافر سواء أنكره فيما يتعلق بفعله، أو فيما يتعلق بخلقه؛ فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة والجماعة غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم أفعال العباد؛ فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: ١٦]، ويقول : ﴿أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠]؛ فالذي يقول: إن الله لا يعلم أفعال العباد فإنه كافر بهذه الآيات؛ ولهذا قال الشافعي في القدرية: «ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا»؛ وإيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك فإنك تخشاه؛ تستحيي منه عند المخالفة؛ وترغب فيما عنده عند الموافقة. ٩ - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته المناسبة لما يدعو به؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾. ١٠ - ومنها: أن الدعاء يكون باسم «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من شأن الربوبية؛ لأنها خَلْق، وإيجاد. القرآن ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨] التفسير: ربنا واجعلنا ثابتَيْن على الإسلام، منقادَيْن لأحكامك، واجعل من ذريتنا أمة منقادة لك، بالإيمان، وبصِّرْنا بمعالم عبادتنا لك، وتجاوز عن ذنوبنا. إنك أنت كثير التوبة والرحمة لعبادك. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، "أي: ربنا واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك " (١). قال الواحدي: أي اجعلنا: " مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك" (٢). قال الثعلبي: أي: اجعلنا" موحّدين مطيعين مخلصين لَكَ" (٣). قال النسفي: أي: " زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك" (٤). قال سلام بن أبي مطيع: " كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات" (٥). وعن عكرمة: " قال إبراهيم: تجعلنا مسلمين لك؟ قال الله: نعم" (٦). وعن عبد الكريم: " ﴿واجعلنا مسلمين لك﴾، قال: مخلصين لك" (٧). قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان (٨): أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.

стр. 969

والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]، معناه: خالصًا لرجل. وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر (١): فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم ... فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ أراد: استسلموا (٢). وقد أتى بالواو عطفاً على قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، يعني: ربنا واجعلنا مع قبولك، مسلمين لك، لا نشرك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك، والإسلام هو الخضوع لله بالطاعة. قال الشيخ ابن عثيمين: " إن قال قائل: كيف يستقيم أن يسأل إبراهيم، وإسماعيل ربهما أن يجعلهما مسلمين له مع أنهما كانا كذلك؟ فالجواب: أن المراد بذلك تثبيتهما على الإسلام؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان لا يأمن العاقبة؛ أو يقال: إن المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله ، والانقياد لطاعته؛ أو يقال: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدها في قولهما: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ والأول أقوى الاحتمالات" (٣). وتجدر الإشارة بأن الإسلام في هذا الموضع: الإيمان والأعمال جميعا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ففي هذا دليل لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي "مسلمين" على الجمع (٤). وقرأ عون بن أبي جميلة: ﴿مُسْلِمِينَ﴾، بكسر الميم على الجمع (٥). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: " واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك" (٦). قال الصابوني: "أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك" (٧). قال أبو السعود: " واجعل بعضَ ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحقُّ بالشفقة ولأنهم إذا صلَحوا صلَح الأتباع وإنما خَصّا به بعضَهم لمّا علما أن منهم ظلمةً وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاقَ لكل على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله فإن ذلك مما يُخلُّ بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخَرِبَتِ الدنيا" (٨). قال الطبري: "فأتى بـ (من) التي للتبعيض؛ إذ "أنهما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله ﷺ قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصا بالدعوة بعض ذريتهما" (٩). قال القرطبي: " يقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم، فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة" (١٠). قال ابن عطية: " والإسلام في هذا الموضع الإيمان والأعمال جميعا ... و ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا﴾، للتبعيض، وخص من الذرية بعضا لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين" (١١).

стр. 970

وقد اختلف في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، على قولين (١): أحدهما: أنه يعم العرب وغيرهم. وهذا قول الجمهور. قال شيخنا ابن عثيمين: "والمراد بـ ﴿ذريتنا﴾ من تفرعوا منهما؛ فذرية الإنسان من تفرعوا منه" (٢). والثاني: وقد قيل: إنهما عنيا بذلك العرب. قاله السدي (٣). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم" (٤). وكذلك ضعفه الطبري، قائلا: بأن "هذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه، لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره. وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة، من الفريقين. فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم" (٥). وردّ عليه الحافظ ابن كثير فقال: "وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمَّد ﷺ ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة" (٦). والراجح هو القول الأول، أي يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل والله تعالى أعلم. و(الأمة) في هذا الموضع، فإنه يعني بها "الجماعة من الناس، من قول الله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٩] " (٧). وهذه الأمة هي أمة محمد ﷺ ؛ لأنه لا يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم، وإسماعيل إلا أمة محمد ﷺ ؛ لأن اليهود، والنصارى ليسوا من بني إسماعيل؛ بل من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و﴿الأمَّةُ﴾، في اللغة تكون على وجوه (٨): أحدها: الدين والملة: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي على دين وملة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] (٩).

стр. 971

الثاني: الحين والزمان والقرن، ومنه قوله تعالى ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي بعد حين وزمان (١)، وذلك لجماعة الشهور والأعوام. قال الزجاج: " الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم، أي: قرون" (٢). الثالث: ويقال: هذه أمة زيد، أي أم زيد (٣)، إذ منه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ: مجمع الحلال والحرام. والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع الجماعة (٤). وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها، وأمُّ القوم: رئيسُهم الذي يجتمع إليه أَمْرُهم (٥)، قال الشنفرى (٦): وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ... إذا أحْتَرتْهُمْ أحْتَرَتْ وأقَلَّتِ الرابع: و (الأمة) أيضا: القامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي حسن القامة (٧)، قال الشاعر (٨): وإن معاوية الأكرميـ ... ـن حسان الوجوه طوال الأمم فقوله (طوال الأمم)، أي: طوال القامات (٩). الخامس: وقيل: (الأمة): الشجة التي تبلغ أم الدماغ، يقال: رجل مأموم وأميم (١٠). السادس: والأمة: الرجَل الذي لا نظير له، ومنه قوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، قال أبو عبيدة معنى ﴿كَانَ أُمَّةً﴾، كان إمَاما (١١). وقال ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: "يُبعث أمة وحده" (١٢)، لأنه لم يشرك في دينه غيره (١٣). السابع: والأمة في اللغة: النَعْمَةُ والخير، قال عدي بن زيد (١٤): ثم بعد الفلاح والرشد والأ ... مَّةِ وارتْهُمُ هناك القبور. أي بعد النعمة والخير، وذكر أبو عمرو الشيباني أن العرب تقول للشيخ، إذا كان باقي القوة فلان بِأمَّةٍ، ومعناه راجع إلى الخير والنعمة، لأن بقاءَ قوته من أعظم النعمة (١٥). الثامن: والأمة: القصد، يقال أمَمْتُ الشيءَ إذا قصدْتُه (١٦). وتلتقي جميع الأقوال السابقة في القول الأخير، لأن"أصل هذا كله من القصد، فمعنى الأمة في الدين: أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى الأمة في الرجل: المنفرد الذي لا نظير له، أن قصده منفرد من قصد سائر

стр. 972

الناس، ويروى أن زيد بن عدي بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده (١)، وإنما ذلك لأنه أسلم في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ فمات موحداً فهذا أمة في وقته لانفراده ... ومعنى الأمة القامة: سائر مقصد الجسد، فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت أي قصدت، ويقال إِمامنا هذا حَسنُ الأمة أي يقوم بإمامتهِ بنَا في صلاته ويحسن ذلك" (٢). قال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين" (٣). وقال الليث: "كلُّ قوم نُسبوا إلى نبيٍّ فأضيفوا إليه فهم أمته، وقيل: أمة محمد ﷺ : كل من أرسل إليه ممن آمن به أو كفر، قال: وكل جيل من الناس هم أمة على حدة" (٤). قال ابن الأنباري: "والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد ﷺ " (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، " أي: وعلمنا شرائع عبادتنا ومناسك حجنا" (٦). قال ابن عثيمين: " أي بيِّنها لنا حتى نراها، و «المناسك» جمع منسك؛ وهو هنا مكان العبادة" (٧). قال الزجاج: أي: " عرِّفنا متعبداتنا، وكل متعبَّد فهو مَنْسَك ومَنْسِكِ، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، وقيل للذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى النسيكة، كأنَّ الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة للَّهِ جلَّ وعزَّ" (٨). وقال الواحدي: " و (نسك) في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى أيهما الأصل" (٩). وقال القرطبي: " إن أصل (النسك) في اللغة الغسل، يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله، وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا" (١٠). قال أبو السعود: " والنُسُك في الأصل غايةُ العبادة وشاعَ في الحج لما فيه من الكُلفة والبعد عن العادة" (١١). و(المناسك) جمع (منسك)، "وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح: إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. ولذلك قيل لمشاعر الحج (مناسكه)، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويترددون إليها ... وأصل (المنسك) في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال: " لفلان منسك "، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر، ولذلك سميت المناسك (مناسك)، لأنها تعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله." (١٢). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، على وجهين (١٣): أحدهما: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة، وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكن الراء من (أرنا)، غير أنه يشمها كسرة. ومن ثم اختلفوا هؤلاء في تفسير قوله: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ على قولين: القول الأول: أنها مناسك الحج ومعالمه. قاله قتادة (١٤)، والسدي (١٥).

стр. 973

القول الثاني: أن (المناسك): المذابح. قاله عطاء (١)، ومجاهد (٢)، وعبيد بن عمير (٣). فكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك. قال القرطبي: " ومن كسر، فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء" (٤). قال الزجاج" "والأجود الكسر، لأن الأصل في هذا (أرْئِنَا) فالكسرة إنما هي كسرة همزة ألقيت، وطُرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة، فحذفها قبيح" (٥). الثاني: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ بتسكين (الراء) (٦)، وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا، ودلنا عليها - لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول الشاعر (٧): أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا يعني بقوله: (أريني)، دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين. واختاره أبو عبيد، وأصله: أرئنا، بالهمز، فمن قرأ بالسكون قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول الشاعر (٨): أرنا إداوة عبدالله نملؤها ... من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا قال عطاء: ﴿أرنا مناسكنا﴾، أخرجها لنا، علمناها" (٩). وروي عن علي بن أبي طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال: " فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا " - أبرزها لنا، علمناها - فبعث الله جبريل، فحج به" (١٠). قلت: إن القول واحد، إذ لا فرق بين الرؤيتين: رؤية العين ورؤية القلب. والله تعالى أعلم (١١). قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، "أي ووفقنا للتوبة فنتوب" (١٢). قال ابن عثيمين: "والتوبة من العبد: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة؛ ومن الله : هي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منه" (١٣). قال البيضاوي: " استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهواً. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما" (١٤).

стр. 974

قال النسفي: أي وتب علينا" ما فرط منا من التقصير أو استتاباً لذريتهما" (١). قال أبو السعود: " استتابة لذريتهما وحكايتُها عنهما لترغيب الكفرةِ في التوبة والإيمانِ أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوا ولعلمهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما" (٢). قال المراغي: " أي ووفقنا للتوبة، لنتوب ويرجع إليك من كل عمل يشغلنا عنك، وهذا نظير قوله تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا). وهذا منهما إرشاد لذريتهم، وتعليم منهما لهم بأن البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف أمكنة للتخلص من الذنوب وطلب الرحمة من الله" (٣). قال الطبري: والتوبة: " أصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه، أوبته مما يكرهه الله منه، بالندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه، والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه" (٤). وقد اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]، وهم أنبياء معصومون، وفيه وجوه (٥): أحدها: قالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب، وهذا حسن. الثاني: "إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة" (٦). قال ابن عطية: "وهو الأحسن عندي" (٧). واعترض عليه أبو حيان فقال: "وفيه خروج قوله: ﴿وتب علينا﴾ عن ظاهره إلى تأويل بعيد، أي إن الدعاء بقوله: ﴿وتب علينا﴾، ليس معناه أنهما طلبا التوبة، بل نبها بذلك الطلب على أن غيرهما يطلب في تلك المواضع التوبة، فيكونان لم يقصدا الطلب حقيقة، إنما ذكرا ذلك لتشريع غيرهما لطلب ذلك، وهذا بعيد جداً" (٨). الثالث: وقيل: المعنى وتبّ على الظلمة منّا. قال أبو حيان: " قالوا التوبة من حيث الشريعة تختلف باختلاف التائبين، فتوبة سائر المسلمين الندم بالقلب، والرجوع عن الذنب، والعزم على عدم العود، ورد المظالم إذا أمكن، ونية الرد إذا لم يمكن، وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء، والفتور في الأعمال، والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال، وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات، والترقي في المقامات، فإن كان إبراهيم وإسماعيل دعوا لأنفسهما بالتوبة، وكان الضمير في قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ خاصاً بهما، فيحتمل أن تكون التوبة هنا من هذا القسم الأخير. قالوا: ويحتمل أن يريد التثبيت على تلك الحالة مثل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، وإن كان الضمير شاملاً لهما وللذرية، كان الدعاء بالتوبة منصرفاً لمن هو من أهل التوبة. وإن كان الضمير قبله محذوفاً مقدراً، فالتقدير على عصاتنا، ويكون دعا بالتوبة للعصاة. ولا تدل هذه الآية على جواز وقوع الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لما ذكرناه من الاحتمال، خلافاً لمن زعم ذلك وقال: التوبة مشروطة بتقدم الذنب، إذ لولا ذلك لاستحال طلب التوبة. والذي يقوي أن المراد الذرية العصاة قوله

стр. 975

تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصْنَامَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي فأنت قادر على أن تتوب عليه وتغفر له" (١). وقال الزمخشري: " ﴿وتب علينا﴾، ما فرط منا من الصغائر، أو استتاباً لذريتهما" (٢). قال أبو حيان: "فقوله: "ما فرط منا من الصغائر" (٣)، هو على مذهب المعتزلة، إذ يقولون بتجويزها على الأنبياء" (٤). قال ابن عطية: " وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول النبي ﷺ «إني لأتوب إلى الله في اليوم وأستغفره سبعين مرة» (٥)، إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد علومه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى، والتوبة هنا لغوية" (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أي: " فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة" (٧). قال ابن عباس: "أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته إلى أفضل دينه" (٨). قال الطبري: أي: " إنك أنت العائد على عبادك بالفضل، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران - الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك" (٩). قال المراغي: " أي إنك أنت وحدك كثير التوبة على عبادك بتوفيقهم لحسن العمل وقبول ذلك منهم، الرّحيم بالتائبين المنجّى لهم من عذابك وسخطك" (١٠). قال ابن عثيمين: " هذا من باب التوسل بأسماء الله المناسبة للمطلوب؛ و (التواب) صيغة مبالغة لكثرة من يتوب الله عليهم، وكثرة توبته على العبد نفسه؛ و (الرحيم) أي الموصوف بالرحمة التي يرحم بها من يشاء من عباده" (١١). قال أبو السعود: " وهو تعليلٌ للدعاء ومزيدُ استدعاء للإجابة قيل إذا أراد العبدُ أن يُستجاب له فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه" (١٢). قال الآلوس قال الآلوسي: "وتقديم التوبة للمجاورة، وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب بالفواصل" (١٣). وقرأ عبد الله ﴿وتب عليهم﴾، بضمير جمع الغيبة (١٤). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: شدة افتقار الإنسان إلى ربه، حيث كرر كلمة: ﴿ربنا﴾؛ وأنه بحاجة إلى ربوبية الله الخاصة التي تقتضي عناية خاصة.

стр. 976

٢ - ومنها: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى: ﴿واجعلنا مسلمين﴾؛ فإنهما مسلمان بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله للرسول (ص): ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلًا * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. ٣ - ومنها: أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: ﴿مسلمين لك﴾: ﴿لك﴾ تدل على إخلاص الإسلام لله ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه﴾ [البقرة: ١١٢]. ٤ - ومنها: أن الإسلام يشمل كل استسلام لله ، ظاهراً وباطناً. ٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؛ وقال إبراهيم (ص) في آية أخرى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان. ٦ - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ يعني: أعلمنا بها. ٧ - ومنها: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية - يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع -؛ لقوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾. ٨ - ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعَوَا الله أن يريهما مناسكهما؛ فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتَعبدا بدون هذا السؤال. ٩ - ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا﴾؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير. ١٠ - ومنها: إثبات ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾ اسمين من أسماء الله ، وما تضمناه من صفة. ١١ - ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه، وصفاته؛ لأن قوله تعالى: ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه. ١٢ - ومنها: أن التوسل بأسماء الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى: ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾، ولقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. القرآن ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩] التفسير: ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة، ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق. إنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: ربنا: و"أرسل فيهم رسولاً مرسَلاً من عندك" (١). قال الصابوني: " أي: ابعث في الأمة المسلمة رسولاً من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد ﷺ َ" (٢). قال أبو السعود: " أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعثَ منهم ولم يُبعث من ذريتهما غير النبيِّ ﷺ فهو الذي أُجيب به دعوتُهما ﵉" (٣). قال المراغي: " أي ربنا وأرسل في الأمة المسلمة لك رسولا من أنفسهم ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعزّ به، وأقرب لإجابة دعوته، إذ أنهم يكونون قد خبروه وعرفوا منشأه ودرسوا فاضل أخلاقه من صدق وأمانه وعفة ونحو ذلك مما هو شرط في صحة نبوّة النبي، وقد أجاب الله دعوته، وأرسل خاتم النبيين محمدا ﷺ رسولا منهم، ومن ثمّ روى الإمام أحمد قوله ﷺ : «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى» (٤) " (٥). قال الحافظ ابن كثير: " وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق في تعيين محمد - صلوات الله وسلامه عليه - رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن" (٦). قال البيضاوي: " ولم يبعث من ذريتهما غير محمد ﷺ ، فهو المجاب به دعوتهما" (٧). قال ابن عطية: " ومعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص" (٨). وفي قراءة أبيّ: ﴿وابعث في آخرهم رسولا منهم﴾ (٩). قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: "يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه" (١٠). قال الصابوني: " أي يقرأ آيات القرآن" (١١). قال البيضاوي: أي: " يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة" (١٢). قال أبو السعود: " يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من البينات" (١٣). قال ابن عثيمين: أي" يقرأ عليهم آياتك، ويبينها لهم، كما قال الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] " (١٤). وفي قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وجهان من التفسير (١٥): الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد ﷺ لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته ، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي و"يعلمهم القرآن العظيم والسنة المطهرة" (١٦). قال البيضاوي: " ﴿الْكِتابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام" (١٧). قال أبو السعود: " أي القرآن، ﴿والحكمة﴾ وما يُكمل به نفوسَهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة" (١٨).

стр. 977

أخرج الطبري عن ابن زيد: " ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، القرآن" (١). قال ابن عطية: " ونسب التعليم إلى النبي ﷺ من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه" (٢). واختلفوا في معنى ﴿الْحِكْمَةَ﴾ في هذه الآية على أقوال (٣): أحدها: أنها السنّة. قاله قتادة (٤)، والحسن (٥)، ومقاتل بن حيان (٦)، وأبو مالك (٧)، والشافعي (٨)، ويحيى بن كثير (٩)، وغيرهم. والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا وتعليمه ثانيا ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول ﵇ (١٠). الثاني: أن (الحكمة)، هي المعرفة بالدين والفقه فيه. أي: ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها. قاله مالك (١١)، وابن زيد (١٢). الثالث: أن الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة (١٣). قال الطبري: والحكمة مأخوذ من " (الحكم) الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل" (١٤). والمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا: الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة. الرابع: وقيل: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أراد به الآيات المحكمة، ﴿والحكمة﴾ أراد بها الآيات المتشابهات. الخامس: وقيل: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أي: يعلمهم ما فيه من الأحكام، ﴿والحكمة﴾ أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع. والسادس: ان الحكمة: العقل في الدين. وهذا قول زيد بن أسلم (١٥). قلتُ: ولا منافاة بين الأقوال السابقة، فإذا كانت الحكمة هي الفهم في الدين، فالعلم بأحكامه لايدرك علمها إلا ببيان سنة رسول الله- ﷺ ، والكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة. والله تعالى أعلم. قال الرازي: قوله تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، "المراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزا لمحمد ﷺ ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن

стр. 978

الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورا لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ " (١). وأما ﴿الحكمة﴾: فهي: "الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيما إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه. قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية (٢) ". قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، أي: و"يطهرهم من رجس الشرك" (٣). قال البيضاوي: " عن الشرك والمعاصي" (٤). قال أبو السعود: "أي يطهرها عن دنس الشرك وفنون المعاصي" (٥). قال ابن عثيمين: " أي ينمي أخلاقهم، ويطهرها من الرذائل" (٦). قال السعدي: " بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الردية، التي لا تزكي النفوس معها" (٧). قال ابن عطية: أي: " يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية" (٨). قال المراغي: أي ويطهر نفوسهم من الشرك وضروب المعاصي التي تدسّيها وتفسد الأخلاق وتقوّض نظم المجتمع، ويعوّدها الأعمال الحسنة التي تطبع فيها ملكات الخير التي ترضى المولى جلّ وعلا" (٩). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وجهان (١٠): أحدهما: أن المعنى: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. قاله ابن جريج (١١)، وروي عن الحسن (١٢) نحو ذلك. قال الطبري: " "ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله" (١٣). الثاني: أن التزكية هي الطاعة لله والإخلاص. قاله ابن عباس (١٤). وذكر الفخر الرازي في معنى هذه التزكية وجهين (١٥): أحدهما: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله ﵇ من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان ﵇ يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق. الثاني: يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود.

стр. 979

قال الرازي: "والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية" (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]، "أي إنك أنت القوى الذي لا يغلب ولا ينال بضيم من توكل عليك، الحكيم في أفعالك في عبادك، فلا تفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة" (٢). قال ابن كثير: أي: "العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ وحكمته وعدله" (٣). قال البيضاوي: " ﴿الْعَزِيزُ﴾: لا يقهر ولا يغلب على ما يريد، ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكم له" (٤). قال الطبري: ﴿العزيز﴾ القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك؛ و ﴿الحكيم﴾ الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك (٥). قال الصابوني: " ﴿العزيز﴾: الذي لا يُقهر ولا يُغلب، ﴿الحكيم﴾: الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة" (٦). قال ابن عطية: " ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد، و ﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيب مواقع الفعل المحكم لها" (٧). قال السعدي: " ﴿لْعَزِيزُ﴾ أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته شيء. ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك، ابعث فيهم هذا الرسول" (٨). قال أبو السعود: "والجملة تعليلٌ للدعاء وإجابة المسئول فإن وصفَ الحكمةِ مقتضٍ لإفاضة ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور التي من جملتها بعثُ الرسول ووصفُ العزة مستدعٍ لامتناع وجود المانِع بالمرة" (٩). قال المراغي: " وقد ختم إبراهيم دعواته بالثناء على ربه، وذكر له من الأوصاف ما يشاكل مطالبه، فوصفه بأنه العزيز الذي لا يردّ له أمر، وأنه الحكيم الذي لا معقّب لحكمه، فمن الهيّن عليه أن يجيبه إلى ما طلب، مما هو متنافر مع طباع العرب، بعيد من معايشهم وأحوالهم، فهم بعيدون عن ورود مناهل العلم، وفيهم خشونة في الطباع، وغلظ في الأكباد، ليس لديهم استعداد لحضارة ولا مدنية، وقد أجاب الله دعاءه وكوّن منهم أمة كانت خير الأمم، سادت العالم وملكت المشارق والمغارب ردحا من الزمان، وكان فيها رجال حفظ لهم التاريخ صادق بلائهم، وعظيم سياستهم للشعوب التي انضوت تحت لوائهم، بما لم تجارهم فيه أرقى الأمم مدنية في عصرنا، عصر الرقى والحضارة" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيمُ وإسماعيلُ الله أن يبعث فيهم الرسول.

стр. 980

٢ - ومنها: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لقوله تعالى: ﴿رسولاً منهم﴾؛ لأنهم يعرفونه، كما قال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ٥٣]؛ فتأمل قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم﴾ [النجم: ٥٣]، حيث أضافه إليهم؛ يعني: صاحبكم - الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته - ما ضل، وما غوى. ٣ - ومنها: أن الرسول ﷺ جعل الله فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾. ٤ - ومنها: أن رسالة النبي ﷺ تتضمن ذكر آيات الله الكونية، والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوةً، ومعنًى، وتتضمن أيضاً الحكمة - وهي معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾. ٥ - ومنها: أن ما جاء به النبي ﷺ يزكي الأخلاق، ويطهرها من كل رذيلة، كما قال ﷺ «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١)؛ وهكذا كانت شريعة الرسول ﷺ : تنمية للأخلاق الفاضلة، وتطهيراً من كل رذيلة؛ فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير؛ كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه فإن الإسلام يأمر به - وهذه تزكية -؛ وينهى عن ضد ذلك؛ ينهى عن الإثم، والقطيعة، والعدوان، والعقوق، والكذب، والغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق - وهذه أيضاً تزكية -. وحال الناس قبل الإسلام بالنسبة للعبادة لا تَسأل! شرك، وكفر؛ وبالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تَسأل أيضاً عن حالهم! القوي يأكل الضعيف؛ والغني يأكل الفقير؛ ويأكلون الربا أضعافاً مضاعفة؛ يُغيِر بعضهم على بعض؛ يتعايرون بالأنساب؛ يدعون بدعوى الجاهلية ... إلخ. جاء الإسلام، وهدم كل هذا؛ ومن تدبر التاريخ قبل بعثه (ص) وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة، وحالهم بعدها؛ وظهر له معنى قوله تعالى: ﴿ويزكيهم﴾. ٦ - ومنها: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي ﷺ لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته. ٧ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾. ٨ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله: ﴿العزيز﴾، و ﴿الحكيم﴾. ٩ - ومنها: مناسبة العزة، والحكمة لبعث الرسول؛ وهي ظاهرة جداً؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة: قال الله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨٠]؛ للمؤمنين عرباً كانوا، أو عجماً؛ من كان مؤمناً بالله قائماً بأمر الله فإن له العزة؛ ومن لم يكن كذلك فاته من العزة بقدر ما أخل به من الإيمان، والعمل الصالح؛ ولهذا يجب أن تكون رابطة الإيمان أقوى الروابط بين المؤمنين؛ لأنه لا يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير برابطة أقوى من هذه الرابطة. القرآن ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠] التفسير: ولا أحد يُعرض عن دين إبراهيم -وهو الإسلام- إلا سفيه جاهل، ولقد اخترنا إبراهيم في الدنيا نبيًّا ورسولا وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرجات.

стр. 981

في سبب نزول الآية: قال الثعلبي: "إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجرا أن يسلم، فأنزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي يترك دينه وشريعته" (١). والخبر في تفسير مقاتل بن سليمان (٢)، وذكره الزمخشري (٣)، والسيوطي (٤)، وابن حجر في العجاب (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، يعني: "وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها؟ " (٦). قال ابن كثير: " أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها" (٧). قال البيضاوي: " استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته" (٨). قال الزجاج: " المعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم" (٩). قال الصابوني: " أي لا يرغب عن دين إِبراهيم وملته الواضحة الغراء" (١٠). قال الطبري: "وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن " ملة إبراهيم " هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] " (١١). قال قتادة: "رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم - يعني الإسلام - حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا ﷺ بملة إبراهيم" (١٢). وروي عن أبي العالية (١٣) نحوه. قال الثعلبي: " رغب في الشيء، إذا أردته، ورغبت عنه إذا تركته، وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه" (١٤). و(الملَّةُ): "وهي السُّنَّة والمذهب" (١٥). قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: " إِلا من استخفّ نفسه وامتهنها" (١٦). قال ابن زيد: إلا من أخطأ حظَّه" (١٧). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: إِلَّا من خسر نفسه من أَهْل الكتاب" (١٨).

стр. 982

وأخرج الكلبي عن ابن عباس: " في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: خسر نفسه" (١). قال الطبري: أي: " إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها، ويضرها في معادها" (٢). قال ابن كثير: " أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال" (٣). قال ابن كيسان: إلا من جهِل نفسه" (٤). قال أبو عبيدة: " أي أوبق نفسه وأهلكها" (٥). قال ابن أبي زمنين: " أي: عجز رأيه عن النظر لنفسه، فضلّ" (٦). قال ابن عبّاس: "حيّر نفسه" (٧). قال الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه" (٨). قال أبو روق: عجّز رأيه عن نفسه" (٩). قال يمان: حمق رأيه" (١٠). وقال ابن بحر: "جهلها ولم يعرف ما فيها من الدلائل" (١١). قال البيضاوي: أي: " إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها" (١٢). قال الزجاج: أي: " إلا من جهل نفسه، أي لم يفكر فى نفسه، كقوله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فوضع جهِل" (١٣). قال السعدي: " أي: جهلها وامتهنها، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم" (١٤). قال ابن عثيمين: "أي أوقعها في سفه؛ و (السفه) ضد الرشد؛ وقيل: معناه: جهل نفسه أي جهل ما يجب لها، فضيعها؛ ولنا أن نقول: إن التعبير بما يحتمل الوجهين فيه نكتة عظيمة؛ وهي أن يكون التعبير صالحاً للأمرين؛ فكأنه ناب عن جملتين؛ فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة؛ وسفيه إن تعمد المخالفة" (١٥). قال الواحدي: " لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم ما يحق لله عليه، والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: "الكِبْرُ أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ الناسَ " (١٦)، أي: تجهل الحق، ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث: "مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربه" (١٧)، قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله" (١٨).

стр. 983

وفي قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، ثلاثة تأويلات (١): أحدها: أن ذلك سفّه نفسه، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً، وهذا قول الأخفش (٢). والثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي عَلَى عقدة النكاح، وهذا قول الزجَّاج (٣). والثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة (٤). قال الثعلبي: " وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه" (٥). وقراء: ﴿إلا من سفه نفسه﴾، بتشديد الفاء (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: ولقد: " اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإِمامة" (٧). قال ابن عباس: " يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو يذكره بخير، وينتحل دينه" (٨). قال الواحدي: " وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة" (٩). قال أبو مالك: " قوله: اصطفى، يعني اختار" (١٠). قال ابن أبي زمنين: " أي: اخترناه" (١١). قال مقاتل بن سليمان: " يعني اخترناه بالنبوة والرسالة" (١٢). قال الزجاج: " معناه اخترناه ولفظه مشتق من الصفوة" (١٣). قال السعدي: " أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار" (١٤). قال الطبري: أي: " اخترناه واجتبيناه للخلة، ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما .. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد ﷺ ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته،

стр. 984

وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده" (١). قال أبو حيان: " أي جعلناه صافياً من الأدناس، واصطفاؤه بالرسالة والخلة والكلمات التي وفى ووصى بها، وبناء البيت، والإمامة، واتخاذ مقامه مصلى، وتطهير البيت، والنجاة من نار نمروذ، والنظر في النجوم، وأذانه بالحج، وإراءته مناسكه، إلى غير ذلك مما ذكر الله في كتابه، من خصائصه ووجوه اصطفائه" (٢). قال المراغي: " ولا شكّ أن ملة هذا شأنها، وبها كانت له المكانة عند ربه، لا يرغب عنها إلا سفيه يعرض عن التأمل في ملكوت السموات والأرض، ورؤية الآثار الكونية والنفسية الدالة على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته، كما أن في الآية بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة وعده له بذلك (٣). قلت: والاصطفاء مفهوم قرآني تكرر في العديد من الآيات القرآنية، من جملتها هذه الآية الكريمة، وكقوله تعالى: - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]. - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] - ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. نلحظ بأن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الاصطفاء يقصد معنيين وهما: أولا: الخلوص والصفاء (٤). ثانيا: الاختيار والتفضيل والتقديم (٥). فالله ﵎ هو الحكيم الخبير، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار للنبوة إلا أصلح الناس لها، وأليقهم بها، والنبوة اصطفاء لا اكتساب، ولا يمكن للعبد بالاجتهاد في الطاعة والترقي في مقامات العبودية أن ينال مرتبة النبوة، بل هي اجتباء واصطفاء واختيار من الله تعالى، وليس معنى ذلك أن الأنبياء لم يكن فيهم مزية عن غيرهم، أو أنهم لم يكونوا أهلًا للنبوة، فإنهم أفضل الخلق! وإنما معناه أنهم لم ينالوا هذه المرتبة باجتهادهم، وإنما نالوها بفضل الله عليهم، واجتبائه لهم فجمع الله للأنبياء الفضل من أطرافه، ميزهم على خلقه من قبل النبوة، ثم زادهم فضلًا عليهم بالنبوة، فلا يبلغ أحد منزلتهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: " وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين" (٦).

стр. 985

قال ابن أبي زمنين: " وهم أهل الجنة" (١). قال السعدي: أي" الذين لهم أعلى الدرجات" (٢). قال الصابوني: أي: "من المقربين الذين لهم الدرجات العلى" (٣). قال المراغي: أي: و"جعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح وإرشاد الناس للعمل بهذه الملة" (٤). قال الطبري: " و (الصالح) من بني آدم: "هو المؤدي حقوق الله عليه" (٥). قال الزجاج: " فَالصالحُ في الآخرة الفائز" (٦). قال البيضاوي: " حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر" (٧). قال أبو حيان: أي" وفي الآخرة من المشهود له بالاستقامة في الخير، ومن كان بهذه الصفة فيجب على كل أحد أن لا يعدل عن ملته" (٨). قال ابن عبّاس: "يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة" (٩)، قال الثعلبي: "بيانه قوله: خطابه عن يوسف ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ [يوسف: ١٠١] " (١٠). وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، قال: عمله يجزى به في الآخرة" (١١). وقال الحسن: "أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك" (١٢). وقال الحسين بن الفضل: "في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل (١٣) " (١٤). قال أبو حيان: " وهذا الذي ذهب إليه خطأ ينزه كتاب الله عنه" (١٥). قلت: إن الصالح هو من صلحت المعاملة بينه وبين الله وبين الناس على قدر الإمكان، فتعلم ما أمر الله بتعلمه وعمل به، ودعا إليه وصبر على طريق الحق، والله يتولى أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) [يونس: ٦٢ - ٦٤].
следующие страницы →