← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151010

المسائل والأجوبة لابن قتيبة

ابن قتيبة

Полный текст (422 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣١ - سَأَلْتَ عن قَوْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ في حديثِ العَمَرَّدَةِ (١) "ومأكولُ حِمْيَرَ خَيْرٌ مِنْ آكِلِهَا" (٢)؟ . • والمأكولُ الرَّعِيَّةُ وعَوامُّ النّاس، والآكِلونَ المُلُوكُ، نُعِتُوا بذلك لِأَنَّ الملوكَ يَأْكُلونَ أموالَهُمْ بما يَجْتَبونَهُ من الخَراجِ ويُلزِمونَهم وَيَتَعَسَّفونَهُمْ؛ أَرادَ أن عَوَامَّ أهلِ اليَمَنِ خَيْرٌ من مُلُوكِهِمْ (٣).

стр. 107

٣٢ - سَأَلْتَ عن قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ (١): "لا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ على مُفِيْئٍ" (٢)؟ . * والمُفَاءُ الذي افْتُتِحَتْ كُوْرَتُهُ عَنْوَةً فصارت فيئًا. والمُفِيْئُ الذي افْتَتَحَتها فَصَيَّرَهَا فَيْئًا. يُقالُ: أَفَأْتُ كَذا وَكَذا إِذا جَعَلْتَهُ فَيْئًا فأنا مُضِيْءٌ وذلك الشَّيْءُ مُضَاءٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لا يَلِيَنَّ أَحَدُ مِنْ أَهْلِ السّوَادِ على النُّخْبَةِ الذينَ افْتَتَحُوا السَّوادَ عَنْوَةً فَصَارَ السَّوادُ وأَهْلُهُ لَهُمْ فَيْئًا (٣). هذا وما أَشْبَهَهُ.

стр. 108

٣٣ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١)، وقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٢)، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣)، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿مِنْ طِينٍ﴾ (٤)؟ . * وظَنَنْتَهُ اخْتِلافًا، وتَناقُضًا، ولم أَتْرُكْ ذِكْرَ هذا في كتابِ تأويلِ مُشْكِلِ القُرْآنِ إلا لوُضُوحِهِ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ. ولَيْسَ في هذا اخْتِلافٌ بِحَمْدِ اللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ ﵎ خَلَقَ الإِنْسانَ أَطْوارًا كَما قَالَ (٥). فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِيْنٍ كَأَنَّهُ سُلَّ مِنْ جَميعِ طِينِ الأَرْضِ شَيْءٌ خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ، فهو من طِيْنٍ، ومِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِيْنٍ، ثُمَّ تُرِكَ هذا الطِّيْنُ حَتَّى عادَ حَمَأً (٦) مَسْنونًا. والمَسْنونُ: المُتَغَيِّرُ الرِّيْح، وَيُقَالُ: هُوَ المَصْبُوبُ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَّ الماءَ إذا صَبَّهُ (٧). وهذا مُسْتَقْصىً في كِتابِ غَريبِ القُرْآنِ (٨)، ثُمَّ صَوَّرَهُ مِنْ ذلك الحَمَأِ حَتَّى جَفَّ، فَصَارَ صَلْصَالًا أي يَتَصَلْصَلُ مِنْ

стр. 109

شِدَّةِ يُبْسِهِ كما يُصَلْصِلُ اللِّجامُ، وَيطِنُّ إذا نُقِدَ (١)، ثُمَّ نَفَخَ فِيْهِ الرُّوحَ، ثمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ؛ يَعْني وَلَدَ آدَمَ في الرَّحِمِ. وقد يَجُوزُ أَنْ يَكونَ أَرادَ بِقَوْلِهِ: "ولقد خلقنا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" وَلَدَ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ أي مِنْ نُطْفَةٍ، وتلك النُّطْفَةُ مِنْ آدَمَ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِن الطِّيْنِ (٢).

стр. 110

٣٤ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١)، وقُلْتَ: ما الكتابُ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ؟ . • وكأنّكَ تَوَهَّمْتَ شَيْئًا. ولَيْسَ الكِتابُ عِنْدي في هذا المَوْضِعِ - واللهُ أَعْلَمُ - إلا الحُكْمَ. وكذلك قولُ اللهِ : ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) أَيْ فَرَضْنَا، وَحَكَمْنَا. وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (٣) أي فَرَضْتَهُ. وكذلك قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ اللهِ" (٤) أي بِحُكْمِ الله، فَكَأَنَّهُ أَرادَ أَعِنْدَهُمْ الغَيْبُ فَهُمْ يَحْكُمُونَ (٥). وَيَقُولُونَ: نَفْعَلُ بِكَ كَذا، ونَضْرِبُكَ (٦)، ونَقْتُلُكَ، وَتَكُونُ العاقِبَةُ عَلَيْكَ. هذا وما أشبهه.

стр. 111

٣٥ - سَأَلْتَ عن حَديثِ الزُّهْرِيِّ (١)، عَنْ أَبي سَلَمَةَ (٢)، عن أبي هُرَيْرَةَ (٣) عن النَّبيِّ ﵇: "أنا أَحَقُّ بالشَّكِ مِنْ أبي إِبْراهيمَ، وَرَحِمَ اللهُ لُوطًا لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ، ولو دُعِيْتُ إلى ما دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لأَجَبْتُ" (٤). * أَمَّا قَوْلُهُ: أَنا أَحَقُّ بالشَّكِّ من أبي إِبْراهيمَ، فإِنَّهُ لهذا نَزَل عَلَيْهِ: ﴿وإذْ

стр. 112

قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) قَالَ قَوْمٌ سَمِعوا الآيَةَ: شَكَّ إِبْراهيمُ، ولم يَشُكَّ نَبِيُّنا ﷺ ، فقَالَ رَسولُ اللهِ ﵇: "أَنا أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْراهيمَ" تَواضُعًا مِنْهُ، وَتَقْديمًا لإِبْراهيمَ على نَفْسِهِ؛ يُريدُ أنّا لم نَشُكَّ، وَنَحْنُ دُونَهُ، فكَيْفَ يَشُكُّ هُوَ؟ وَمِثْلُ هذا مِنْ تَواضُعِهِ ﷺ . * قَوْلُهُ: "لا تُفَضِّلُوني على يُونُسَ" (٢) فاخْتَصَّ يُونُسَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ العَزْمِ مِن الرُّسْلِ؛ يُريدُ فإذا كُنْتُ لا أُحبُّ أَنْ أُفَضَّلَ على يُونُسَ ﷺ ، فَغَيْرُهُ مِن الأَنْبِياءِ الذينَ هم فَوْقَهُ في الدَّرَجَةِ كإِبْراهيمَ وإسْماعيلَ وإسحاقَ ومُوسى وعِيسى أَحْرَى بل لا أُحِبُّ أَنْ أُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ هذا ناقِضًا لقَوْلِهِ: "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرُ" (٣) أنا سَيِّدُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيَّ، وإِنْعَامِهِ لْا بِعَمَلِيْ. وكذلك أُمَّتُهُ أَسْهَلُ الأُمَمِ مِحْنَةً بَعَثَهُ اللهُ إِلَيْها بالحِنيفِيّةِ السَمْحَة، وَوَضَعَ عَنْهُ الإِصْرَ، والأَغْلالَ التي كانَتْ عَلَى بَني إسْرائيلَ في فَرائِضِهِمْ، وهيَ مع هذا خَيْرُ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ بِفَضْلِ اللهِ (٤). • وتَأْوِيلُ قَوْلِ إبْراهيمَ ﷺ : ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أَنْ يَطْمَئِنَّ بِيَقينِ النَّظَرِ. واليَقينُ جِنْسانِ: أَحَدُهُما يَقينُ السَّمْع، والآخَرُ يَقينُ البَصَرِ. ويَقينُ البَصَرِ أَعْلاهُما؛ ولذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ المُخْبِرُ كالمُعايِنِ" (٥). حيْنَ ذَكَرَ قَوْمَ مُوسَى

стр. 113

عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: فَلَمّا أَعْلَمَهُ اللهُ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا العِجْلَ، فَلَمْ يُلْقِ الأَلْواحَ، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ عَاكِفِينَ غَضِبَ، وأَلْقَى الأَلْواحَ حَتَّى انْكَسَرَتْ. وكذلك المُؤْمِنُونَ بِالقِيامَة، والبَعْث، وَالْجَنَّة، والنَّارِ مُسْتَيْقِنُونَ أَنَّ ذلك كُلَّهُ حَقٌّ، وَهُمْ في القِيامَةِ عِنْدَ النَّظَر، والعِيانِ أَعْلى يَقينًا، فأرادَ إِبْراهيمُ ﷺ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بالنَّظَرِ الذي هُوَ أَعْلَى اليَقينِ. • وأمَّا قَوْلُهُ: "رَحِمَ اللهُ لُوطًا إِنْ كانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ" فإِنّه أَرادَ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (١) يُريدُ سَهْوَهُ في هذا الوَقْتِ الذي ضَاقَ فيه صَدْرُهُ، واشْتَدَّ جَزَعُهُ بما دَهِمَهُ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى قال: ﴿أَو آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وَهُوَ يَأْوِي إلى اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - أَشَدِّ الأَرْكانِ قالوا: فَمَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا بَعْد لُوْطٍ ﵇ إلّا في ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ. • وأَمَّا قَوْلُه: "لَوْ دُعِيْتُ إِلى ما دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لأجَبْتُ" يُرِيْدُ حِيْنَ دُعِيَ للإِطْلاقِ مِن الحَبْسِ بَعْدَ الغَنِّم الطَّوِيل، فَقَالَ للرَّسُولِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٢)، ولم يَخْرُجْ مِن الحَبْسِ في وَقْتِهِ يَصِفُهُ بالأَناةِ، والصَّبْر، وَقالَ: لو كُنْتُ مَكانَهُ، وَدُعِيْتُ إلى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِن الخُروجِ مِن الحَبْسِ لأَجَبْتُ، وَلَمْ أَتَلَبَّثْ. وهذا أَيْضًا جِنْسٌ مِنْ تَواضُعِهِ ﷺ لا أَنَّهُ كَانَ ﵇ لَوْ كانَ مَكَانَ يُوسُفَ، فَبَادَرَ، وَخَرَجَ، أَو على يُوسُفَ ﷺ ، لَوْ خَرَجَ مِن الحَبْسِ مَعَ الرَّسُول، نَقْصٌ، ولا إِثْمٌ، وإِنما أَرَاْدَ أَنَّهُ لم يَكُنْ يَسْتَثْقِلُ مِحْنَةَ اللهِ لَهُ، فَيُبَادِرُ، ويَتَعَجَّلُ، ولكنّهُ كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا (٣).

стр. 114

٣٦ - سَأَلْتَ عَنْ حَديثِ ظَبْيانَ بنِ كُدَادٍ (١) الوافِدِ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ بِرِوَايَةِ الشَّعْبِيّ (٢)، وَهذا حَدِيثٌ فيهِ طُولٌ (٣)، وَقَدْ ذَكَرْتُ مِنْهُ الأَلْفَاظَ الّتي بِها الحَاجَةُ إلى مَعْرِفَةِ تَفْسيرِها. • قَالَ: بَعْدَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، والثَّنَاءِ عَلَى اللهِ ، الذي صَدَعَ الأَرْضَ بالنَّبَاتِ (٤)، وَفَتَقَ السّمَاءَ (٥) بالرَّجْعِ.

стр. 115

• والرَّجْعُ: المَطَرُ (١). قال اللهُ : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ (٢). وَقالَ الهُذَلِيُّ (٣) يَصِفُ سَيْفًا: أَبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ... ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي (٤) شَبَّهَهُ في بَيَاضِهِ بالماء، وَثَاخَ: غَاصَ. يَخْتَلِيْ: يَقْطَعُ. * ثمَّ قَالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ سَرَارَةِ (٥) مَذْحِجٍ (٦) مِنْ يُحابِرَ بنِ مالكٍ؟ . • سَرارَةُ القَوْمِ خِيارُهُمْ، وسَرارَةُ الوادي وَسَطُهُ وَمُعْظَمُهُ، وَوَسَطُ كُلِّ شَيْءٍ خَيْرُهُ (٧). قَالَ اللهُ ﵎: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (٨) أَيْ خَيْرُهُمْ (٩).

стр. 116

وَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ حَسَبًا. وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١). * ثُمَ قَالَ: فَتَوَقَّلَتْ (٢) بنا القِلاصُ (٣) مِنْ أَعالي الجَوْفِ (٤)، ورُؤُوس الهضاب، يَرْفَعُها عَزَازُ (٥) الرُّبَا (٦)، وَيَخْفِضُها بُطْنَانُ (٧) الرَّقاقِ (٨)، ويُلْحِقُها (٩) دَيَاْجِيْ (١٠) الدُّجَى (١١). • التَّوَقُّلُ يَكْوْنُ في الجَبَلِ. يُقالُ: وَعِلٌ وقِلٌ ووَقُلٌ. الجَوْفُ: أَرْضٌ لمراد (١٢). وَكَانَ سَكَنَهَا رَجُلٌ مِنْ بَقايا قَوْمٍ عَادٍ يُقالُ لَهُ: حِمارٌ فَكَفَرَ، وَبَغَى،

стр. 117

فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهَا نَارًا، فَأَحْرَقَتْ كُلَّ ما كانَ فيها (١)، فقالت الشُّعَراءُ (٢): ووادٍ بِجَوْفِ العَيْرِ [قَفْرٍ قَطَعْتُهُ ... به الذئبُ يَعْوِي كالخَليعِ المُعَيَّلِ] (٣) يريد أنَّه مُقْفِرٌ مُوْحِشٌ. وقَالَ النَّاسُ في البَلَدِ يَخْرَبُ: هُوَ جَوْفُ حِمارٍ (٤). والعَزَازُ: ما صَلُبَ مِن الأَرْضِ. والرُّبَا ما ارْتَفَعَ جَمْعُ رَبْوَةٍ. والرَّقَاقُ: ما لانَ واتَّسَعَ مِن الأَرْضِ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ في فَرَسٍ: رَقاقُها حَزِمٌ [وَجَرْيُها خَذِمٌ ... ولَحْمُهَا زِيَمٌ والبَطْنُ مَقْبوبُ] (٥) يُرِيدُ أَنَّها إِذا عَدَتْ في الرَّقَاقِ اضْطَرَمَ الرَّقاقُ وثَارَ عُثَانُهُ (٦) كما تَضْطَرِمُ النَّارُ فَيَثُورُ دُخانُها. وتُلْحِقُها أَيْ تُهْزِلُها يُقالُ: ناقَةٌ لاحِقٌ إِذا هَزُلَتْ (٧).

стр. 118

° ثمَّ قَالَ: إِنَّ وَجًّا (١) وَسَرَوَاتِ الطَّائِفِ كَانَتْ لِبَنِي مَهْلائِيلَ (٢) بنِ قَيْنانَ غَرَسُوا وِدَانَهُ (٣)، وذَلَّلُوا (٤) خِشَانَهُ (٥)، وَرَعَوْا قُريانَهُ (٦). • الوِدَانُ: مَوْضِعُ النَّدَى والماءِ الذي يَصْلُحُ للغِراس. يُقالُ: وَدَنْتُ الشيء إذا نَدَّيْتَهُ، أَو بَلَّلْتَهُ (٧)، ومِنْهُ قُوْلُ الشَّاعِرِ: لَهُ شَرَطٌ مَوْدُونَةٌ وَمَراير (٨) ... .......................... وذَلَّلُوا خِشَانَهُ يُريدُ أَنَّهُمْ أَتَوْا ما خَشُنَ مِن الأَرْض، وصَلُبَ، فَقَلَعُوا مِنْهُ حُزُونَتَهُ، وَخُشُونَتَهُ حَتَّى إِذا ذَلَّ، وَلانَ صَلَحَ (٩) للغِراس والبَذْرِ. والقُرْيانُ: مَجَاري ماءِ الرِّياضِ واحِدُها قرِيٌّ (١٠).

стр. 119

° ثُمَ ذَكَرَ نُوْحًا حين خرج بمن معه في السَّفينَةِ فَقَالَ: وكانَ أَكْثَر بنيه بَتَاتًا (١)، وأَسْرَعَهُمْ نَبَاتًا (٢) من بَعْدِهِ عَادٌ وَثَمُودُ. • والبَتَاتُ المَتَاعُ والآلَةُ. يُقالُ قد تَبَتَّتَ فُلانٌ بَعْدَ فَقْرِهِ. ° ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ فَقَالَ: رَمَاهُمُ اللهُ بالدَّمالِقِ (٣) وَأَهْلَكَهُمْ بالصَّوَاعِقِ (٤). • والدَّمالِقُ: الحِجَارَةُ، وأَحْسِبُها المُلْسَ مِنْ قَوْلِكَ: دَمْلَكْتُ الشَيْءَ إِذا أَدَرْتَهُ، وَمَلَّسْتَهُ، فأُبْدِلْتِ القَافُ مِن الكافِ لأنّهما يَخْرُجانِ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ. ° ثُمَّ قَالَ: وَكَانَتْ بَنُو هَانِيءٍ مِنْ ثَمُوْدَ تَسْكُنُ الطَّائِفَ وَهُمْ الَّذينَ خَطُّوا مَشَايِرَهَا (٥)، وأَتَّوْا جَدَاوِلَهَا، وَأَحْيَوْا غِرَاسَها، وَرَفَعُوا عَريشَتَها؟ . • والمَشَاوِرُ جَمْعُ مَشَارَةٍ. وأتَّوْا (٦) جَدَاوِلَهَا: أي سَهَّلُوا طَرِيْقَ الماءِ إِلَيْها. يُقالُ: أَتَّيْتُ الماءَ إِذا أَصْلَحْتَ مَجْراهُ حَتّى يَجْرِيَ. ورَفَعُوا عَريشَتَها يَعْنِي ما عَرَشَ مِن الكُرُومِ.

стр. 120

° ثُمَّ قَالَ: وإنَّ حِمْيَرَ مَلَكُوا مَعَاقِلَ (١) الأَرْضِ وقَرَارَهَا (٢) وكُهُولَ (٣) النَّاسِ وأَغْمارَهَا (٤)، وَرُؤُوسَ المُلُوكِ وغِرَارَها (٥). • معاقلُ الأَرْضِ: جِبَالُها سُمِّيَتْ مَعَاقِلَ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَحَصَّنُوْنَ فيها. والمَعْقِلُ: الحِصْنُ. والأَغْمَارُ: الصِّغَارُ، جَمْعُ غُمْرٍ سُمُّوا بذلك لِأَنَّهم لَمْ يُجَرِّبُوا الأُمُورَ. والغرار جمع غُرٍّ وهُوَ الحَدَثُ الَّذي لم يُجَرِّبِ الأُمُورَ. ° ثُمَّ قَالَ: وكان لَهُمُ البَيْضَاءُ، والسَّوْدَاءُ، وفَارِسُ الحَمْراء، والجِزْيَةُ الصَّفْراءُ. فَبَطَرُوا النِّعَمَ واسْتَحَقُّوا النِّقَمَ، فَضَرَبَ اللهُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ. • أَمَّا البَيْضاء والسَّوْدَاءُ فَيُرَادُ بِهِما الخَرابُ والعامر؛ لِأَنَّ الخَرابَ والمَوَاتَ مِن الأَرْضِ يَكُونُ أَبْيَضَ فإِذا غُرِسَ فِيْهِ الشَّجَرُ، ونَبَتَ النَّبَاتُ اخْضَرَّ واسْوَدَّ وأَمَّا فارِسُ الحَمْراءِ فإِنَّ العَرَبَ تَدْعُو العَجَمَ الحَمْراءَ لِبَيَاضِ أَلْوانِها وَحُمْرَتِها يُقالُ: أَتاني الأَسْوَدُ والأَحْمَرُ يُرادُ العَرَبُ وَالْعَجَمُ. وقَوْلُهُ: الجِزْيَةُ الصَّفْراءُ أَحْسِبُهُ يُريدُ الذَّهَبَ وأَنَّهُمْ كانوا يَجْتَبُونَ الخَراجَ ذَهَبًا (٦).

стр. 121

° ثُمَّ قَالَ: وإنَّ قَبائِلَ مِن الأزْدِ (١) نَزَلُوها على عَهْدِ عمرِو بنِ عامرٍ (٢)، فَنَتَّجُوا فيها النَّزَائِعَ (٣)، وبَنَوْا فيها المَصانِعَ (٤)، واتَّخَذُوا الدَّسائِعَ (٥). • والنَّزَائِعُ: الغَرائِبُ مِن الإِبِلِ يُريدُ أَنَّهُمْ حَلُّوهَا إِبِلَهُمْ، يُقالُ: حَلَّ إِذا نَزَلَ، فَنَتَّجُوها أَو أَنّهم انْتَزَعُوها مِنْ أَيْدي النَّاسِ. والمَصَانِعُ جَمْعُ مَصْنَعَةٍ (٦). . . الماء. والدَّسائِعُ: الدَّساكِرُ، وَتَكُونُ الدَّسائِعُ العَطَايَا. وَمِنْهُ يُقالُ: فُلانٌ ضَخْمُ

стр. 122

الدَّسِيعَةِ يُرادُ عَظَيمُ العَطِيَّةِ. وأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَسِعَ البَعِيرُ بِجِرَّتِهِ إذا دَفَعَها مِنْ جَوْفِهِ إلى فِيْهِ (١). ° ثُمَّ قَالَ: تَرامَتْ مَذْحِجُ بِأَسِنَّتِها (٢) وَتَشَزَّنَتْ (٣) بِأَعِنَّتِها (٤) فَغَلَبَ العَزيزُ أَذَلَّها وأَكَلَ الكَثيرُ أَقَلَّها. • يُريدُ أَنَّهُمْ تَحارَبُوا فتَرَامَوْا بأَسِنَّةِ الرِّماحِ. وتَشَزَّنَتْ: اسْتَعَدَّتْ، يُقالُ: تَشَزَّنْتُ للأَمْرِ إذا اسْتَعْدَدْتَ لَهُ. وَأَصْلُهُ مِن الشَّزَن، وَهُوَ الجانِبُ والحَرْفُ، كَأَنَّ المُسْتَعِدَّ لِلأَمْرِ لا يَطْمَئِنُّ، فَهُوَ على جانِبٍ (٥). ° ثُمَّ قَالَ: وكان بنو عمرِو بنِ خالدِ بنِ جَذيمةَ (٦) يَخْبِطُونَ عَضِيُدَها (٧) ويَأْكُلُونَ حَصِيْدَها وَيُرَشِّحُونَ (٨) خَضِيدَها (٩) حين ظَعَنُوا مَنها (١٠).

стр. 123

• والعَضيدُ: ما عُضِدَ من الشَّجَرِ أَيْ قُطِعَ. يَخْبِطُونَهُ: أي يَضْربُونَهُ لِيَسْقُطَ وَرَقُهُ، فَيَتَّخِذُونَهُ خَبَطًا (١)، وهو الذي تُوْجَرُهُ الإِبِلُ. والحَصِيدُ: البِرُّ والشَّعِيرُ. والخَضِيدُ: ما خُضِدَ أَيْ قُطِعَ مِنْ شَجَرِ الثَّمَرِ. وَتَرْشِيحُهُمْ له قِيامُهُمْ عَلَيْه، وتَأْميلُهُمْ لَهُ إلى أَنْ يَعُودَ، وتَطْلُعَ ثَمَرَتُهُ كما يُفْعَلُ بِالكُرومِ إِذا قُطِعَتْ (٢). ° وأَمّا قَوْلُ الأَسْوَدِ بنِ مَسْعودٍ الثَقَفِيِّ (٣) في إجابَتِهِ لَهُ: أَقامَتْ قَسِيٌّ (٤) ببطنِ وَجٍّ يَأْكُلُونَ مُلَّاحَها (٥)، ويَرْعَوْنَ سَراحها (٦) ويَخْبِطُونَ طِلاحَها (٧)

стр. 124

وَيَأْبرُونَ نَخْلَها (١)، وَيَأْرَوْنَ نَحْلَها (٢). . . (٣) حَزْنَها (٤) وسَهْلَها. وأَخْرَجُوا إِيادًا (٥) مِنْ سَرَوَاتِها (٦) وأَناخُوا (٧) عَلَيْهِمْ بالكَلْكَلِ (٨) وَسَقَوْهُمْ بِصَبِيْرِ (٩) النَّيْطَلِ (١٠) حَتّى خَلا لَهُمْ خَبارُها (١١) وحُزُونُها وظُهُورُها وَبُطونُها وَقُطُورُها (١٢) وَعُيُونُها. • فالمُلّاحُ: ضَرْبٌ مِن النَّبَاتِ قَالَ أَبو النَّجْمِ (١٣) وَذَكَرَ إِبِلَهُ:

стр. 125

يُخفْنَ مُلّاحًا كَذاوِيْ القَرْمَلِ (١) والقَرْمَلُ شَجَرٌ قَصِيرٌ، وأَرادَ أَنَّ هذا النَّبْتَ صَارَ كأَنَّهُ شَجَرٌ مِنْ طُولِهِ. والذَّاوي الذي جَفَّ بَعْضَ الجُفوفِ. والسَّراحُ: جَمْعُ سَرْحٍ، وَهُوَ شَجَرٌ. والطِّلاحُ جَمْعُ طَلْحٍ، وَهُوَ شَجَرٌ عِظامٌ. ويَأْبُرُون نَخْلَها أَيْ يُلَقِّحُونَهُ. ويَأْرُونَ نَحْلَها: والأَرْيُ عَمَلُ النَّحْل، والأَرْيُ العَسَلُ كأَنَّهُمْ يَخْرَؤُوْنَهُ. وقَوْلُهُ: أَخْرَجُوهُمْ مِنْ سَرَواتِها يُرِيدُ من أَوْساطِها ومَعاظِمِها. وفي الحَدِيثِ "لَيْسَ للنِّساءِ سَرَواتُ الطَّرِيقِ" (٢) يُرادُ لَيْسَ لَهُنَّ أَوْساطُها إِنَّما لَهُنَّ الجوانِبُ والأَطْرافُ. والصَّبِيرُ: سَحابٌ. والنَّيْطَلُ: المَوْتُ والهَلاكُ. يُقالُ: رَماهُ اللهُ بالنَّيْطَلِ. والخَبَارُ: الأَرْضُ اللَّيِّنَةُ. وفيها جِحَرَةٌ. وقُطورها: جمع قُطْرٍ، وَهُوَ الجانِبُ. • وقَوْلُ رسولِ اللهِ ﷺ في إِجابَتِهِمْ: "إنَّ نَعيمَ الدُّنْيا أَقَلُّ وَأَصْغَرُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خُرْءِ بُعَيِّضَةٍ" (٣) ثمَّ قَالَ: "لو عَدَلَتِ الدُّنْيا عِنْدَ اللهِ جَناحَ ذُبَابٍ لم يَكُنْ لكافِرٍ فيها خَلاقٌ، ولا لِمُسْلمٍ بِهَا لَحَاقٌ" (٤).

стр. 126

• والخَلَاقُ: الحَظُّ والنَّصيبُ (١) وكذلك قول الله - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٢).

стр. 127

٣٧ - سَأَلْتَ عَنْ حَديثِ خُزَيْمَةَ بنِ حَكِيمٍ السُّلَمِيِّ (١) في وفادَتِهِ بِرَوَايَةِ عُبَيْدِ بنِ حَكِيمٍ (٢) عَن ابنِ جُرَيْجٍ (٣) عَن الزُّهْرِيِّ (٤) قَالَ: أَصَابَتْنَا سَنَواتٌ شِدادٌ تَرَكَتِ المُخَّ رَارًا (٥) والمَطِيَّ هَارًا (٦) غَاضَتْ (٧). . . . . . . . . .

стр. 128

لها الدِّرّةُ (١) وَنَقَصَت الثَّرَّةُ (٢) وَعَادَ اليَرَاعُ (٣) مُجْرَنْثِمًا (٤) والذِّيخُ (٥) مُحْرَنْجِمًا (٦) والفرِيشُ (٧) مُسْتَحْلِكًا (٨) والعَضَاهُ (٩) مُسْحَنْكِكًا (١٠) أَيْبَسَتْ بَارِضَ (١١) الوَدِيْسِ (١٢)

стр. 129

واجْتَاحَتْ جَمِيْمَ (١) اليَبيسِ (٢) وَأَفْنَتْ أُصُولَ الوَشِيجِ (٣) حَتّى آلَ (٤) السُّلَامَى (٥) وَأَخْلَفَ (٦) الخُزَامَى (٧) وَأَيْنَعَتِ الْعَنَمَةُ (٨) وَسَقَطَتِ الْبَرَمَةُ (٩)

стр. 130

وَبَضَّتِ (١) الْحَلَمَةُ (٢)، وَتَفَطَّرَ (٣) اللِّحَاءُ (٤)، وَتَبَحْبَحَ (٥) الْحَيَاءُ (٦)، وَحَمَلَ الرَّاعِي العُجَالَةَ (٧)، واكْتَفى مِنْ حَمْلِهِ بِالْقَيْلَةِ (٨)، فَأَتَيْتُكَ يا رَسُولَ اللهِ. فَأَجَابَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "وَكَانَ في جَوَابْهِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَحْظُوْرٌ عَلَيْها بالدَّآلِيْلِ (٩)، وأَنَّ النَّارَ مَحْظُورٌ عَلَيْها بِالشَّهَوَاتِ" (١٠) وكَانَ في جَوَابِهِ أَيْضًا حِيْنَ ذَكَرَ الْمَوْلُودَ في بَطْنِ أُمِّهِ: يَكُوْنُ نُطْفَةً أَرْبَعينَ لَيْلَةً، وَعَلَقَةً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَمَشِيْجًا (١١)

стр. 131

أَرْبَعِيْنَ، وَغَمِيْسًا (١) أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً، ثمَّ عَظْمًا صَحِيْحًا أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً، ثُمَّ جَنِيْنًا، فَعِنْدَ ذلك يَسْتَهِلُّ (٢) وَتُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوْحُ. • قَوْلُهُ: تَرَكَتِ الْمُخَّ رَارًا، يُرِيْدُ أَذَابَتْهُ. يُقالُ: مُخٌّ رَارٌ وَرِيْرٌ إِذَا صَارَ رَقِيْقًا ذَائِبًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ وَالْهُزَالِ. والْهَارُ: الساقِطُ. وَأَصْلُهُ الهائِرُ كما يُقَالُ: شاكِيْ وشائِكُ، ومِنْهُ يُقالُ: تَهَوَّرَ البِناءُ إِذا سَقَطَ، وانْهارَ يُريدُ أَنَّ المَطِيَّ قَدْ سَقَطَتْ مِنْ شِدَّةِ الزَّمانِ (٣). غَاضَتْ لَهَا الدِّرَّةُ: أَي نَقَصَتْ دِرّةُ اللّبَنِ (٤)، وَنَقَصتِ الثَّرَّةُ، وَهِيَ سَعَةُ مَخْرَجِ اللَّبَنِ مِنَ الضَّرْعِ. يُقالُ: نَاقَةٌ ثَرَّةُ الإِحْلِيل، وهذهِ نَاقَةٌ ثَرُورٌ (٥) وفَتُوُحٌ (٦) فَإِنْ كانَتْ ضَيِّقَةَ مَخْرَجِ اللَّبَنِ فهِيَ حَصُورٌ (٧) وَعَزُوْزٌ (٨). • وقَوْلُهُ: عَادَ اليَرَاعُ مُجْرَنْثِمًا: واليراع ما ضَعُفَ وصَغُرَ مِنْ هَوامِّ الأَرْضِ واحِدُها يَراعَةٌ (٩) وَيُقالُ لِضَرْبٍ من البَعُوض تَرَاهُ باللَّيْل كأَنَّهُ نارٌ يَرَاعٌ (١٠). واليَرَاعُ: الجَبَانُ أَيْضًا سُمِّيَ يَراعًا لِأَنَّهُ لا عُذْرَ له ولا صَبْرَ فَهُوَ اليَرَاع الأَجْوَفِ وَهُوَ القَصَبُ (٩). والمُجْرَنْثِمُ: المُجْتَمِعُ (١١) جُرْثُومُهُ (١٢). وكُلُّ شيءٍ اجتمع فقد

стр. 132

اجْرَنْثَمَ يُريدُ أَنّ صِغَارَ الهَوَامِّ مِثْلَ النَّمْلِ والذَّرِّ والْبَعُوضِ لا يَجدُ شَيْئًا، ولا يَطْلُبُهُ، فَهُوَ مُجْرَنْثِمٌ أَيْ مُجْتَمِعٌ في مَكانٍ واحِدٍ، وَقَدْ مَاتَ (١). • وقَوْلُهُ: والذِّيخَ مُحْرَنْجِمًا. والذِّيْخُ: ذَكَرُ الضِّبَاع، وَهُوَ الضِّبْعانُ (٢). والمُحْرَنْجِمُ: المُجْتَمِعُ أَيْضًا يُقالُ: احْرَنْجَمَتِ الإِبِلُ إِذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ (٣) يُريدُ الضِّباعُ أَيْضًا لا تَجِدُ شَيْئًا إِذا هِيَ اعْتَشَبَتْ (٤) بِاللَّيْلِ وَطَافَتْ فهي مُجْرَنْثِمَةٌ، أَو يُريدُ أَنَّها قَدْ سَقَطَتْ هُزْلًا وضَعْفًا. • وَقَوْلُهُ: والفَرَيْشُ مُسْتَحْلِكًا. والفَرِيْشُ من نَبات الأَرْضِ ما انْبَسَطَ على وَجْهِ الأَرْض، وَلَمْ يَقُمْ على ساقٍ كَأَنَّهُ مَفْروشٌ عَلَيْها (٥). مستحلكًا: أي شَديدُ السَّوادٍ مِنَ الاحْتِرَاقِ (٦) يُقالُ: أَسْوَدُ حالِكٌ، وأَسْوَدُ مِنْ حَلَكِ الغُرابِ (٧) وَقَوْلُهُ: والعَضَاهُ مُسْحَنْكِكًا. والعَضَاهُ كُلُّ شَجَرَةٍ (٨)

стр. 133

ذَاتِ شَوْكٍ مِثْلِ السِّدْرِ (١)، والعَوْسَجِ (٢). والمسحَنْكِكُ: الشَّديدُ السَّوادِ أَيْضًا أَرادَ أَنَّهُ قدْ احْتَرَقَ صِغَارُ النَّبْت، وكِبَارُهُ، فاسْوَدَّ. • وقَوْلُهُ: أَيْبَسَتْ بَارِضَ الوَدِيْسِ: والبَارِضُ ما بَرَضَ مِن النَّبْتِ وذلك حِيْنَ يَكْسُوْ الأَرْضَ. والوَديسُ: ما أَخْرَجَتْهُ الأَرْضُ مِنْ نَبَاتٍ. يُقالُ: أَوْدَسَتِ الأَرْضُ وما أَحْسَنَ وَدْسَها وأَبْشَرَتْ وما أَحْسَنَ بَشْرَتَها وأَمْشَرَتْ وما أَحْسَنَ مَشْرَتَها كُلُّ ذلك سَوَاءٌ (٣). • وقوله: واجْتاحَتْ جَمِيْمَ اليَبِيْسِ يُريدُ أَنَّهَا أَذْهَبَتْ ما جَمَّ واجْتَمَعَ من اليَبِيسِ (٤). وقَوْلُهُ: وأَفْنَتْ أُصولَ الوَشِيْجِ. والوَشِيْجُ: ما الْتَفَّ من الشَّجَر، ومِنْهُ يُقالُ: بَيْنَهُمْ رَحِمٌ واشِجَةٌ (٥) أي مُشْتَبِكةٌ (٦). أَرادَ أَنَّها أَذْهَبَتْ أُصولَ الشَّجَرِ وَلَيْسَ يَكَادُ (٧) يَجِفُّ أُصولُ الشَّجَرِ إِلَّا بِأَنْ لا يَبْقَى في الأَرْضِ ثَرَىً. وقولُهُ: حتَّى آلَ السُّلَامَى: يُريدُ أَنَّهُ لَمَّا قَضَى الْجَدْبُ، وآلَ السُّلْامَى أَي رَجَعَ إِلَيْهِ الْمُخُّ. وكَانَ قد خَلَا مِنْهُ، وصَارَ رَارًا كما قَالَ في صَدْرِ الكَلامِ. والرَّارُ

стр. 134

الذَّائِبُ والسُّلَامَى عظامٌ صغَارٌ تَكُونُ في فَراسِنِ (١) الْبَعِيرِ. يُقالُ: إِنَّ آخِرَ ما يَبْقَى مِن الْمُخِّ السُّلْامَى والْعَيْنُ (٢). وأَخْلَفَ الْخُزَامَى: أَي طَلَعَتْ مِنْ أُصُولِهِ خِلْفَةٌ بالمَطَرِ (٣). وأَيْنَعَتِ الْعَنَمَةُ. والعَنَمَةُ واحِدَةُ العَنَم، وَهُوَ شَجَرٌ دِقاقُ الأَغْصَانِ يُشَبَّهُ به بَنَانُ المَرْأَةِ. وإِيْنَاعُها: إِدْراكُ ثَمَرَتِهَا (٤). وسَقَطَتِ الْبَرَمَةُ، وهي واحِدَةُ البَرَم، وهُوَ ثَمَرُ الطَّلْحِ (٥). وبَضَّتِ الْحَلَمَةُ أَي دَرَّتْ حَلَمُ الضُّرُوعِ باللَّبَنِ (٦). وتَفَطَّرَ اللِّحَاءُ يَعْني لِحَاءَ الشَّجَر، وهُوَ قِشْرُهُ يُفَطَّرُ بِالْوَرَقِ والقُضْبَانِ (٧). وَتَبَحْبَحَ الْحَيَاءُ أَي اتَّسَعَ، والحَيَاءُ الْغَيْثُ المُحْيِي بِإِذْنِ اللهِ كُلَّ مَواتٍ مِنْ أَرْضٍ وَشَجَرٍ (٨). • وقَوْلُهُ: وَحَمَلَ الرَّاعِي الْعُجَالَةَ. وَهُوَ لَبَنٌ يَحْمِلُهُ مِنَ الْمَرْعَى إِلى أَصْحَابِ الشَّاءِ قَبْلَ أَنْ تَصْدُرَ الْغَنَمُ، وإِنَّما يُفْعَلُ ذلك إِذا كَثُرَ اللَّبَنُ (٩). • وقَوْلُهُ: واكْتَفَى مِنْ حَمْلِهِ بِالقَيْلَةِ يُريدُ أَنَّهُ يَكْتَفِيْ بِشُرْبِهِ نِصْفَ النَّهَار، ولا يُعْرِضُ لما يَحْمِلُهُ، وذلك للْخِصْب، وشِدَّةِ الرِّيِّ (١٠). • وأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الْجَنَّةَ مَحْظُورٌ عَلَيْهَا بِالدَّآلِيْلِ" فَإِنَّها المَكارِهُ والشَّدائِدُ واحِدُهَا ذُؤْلُولٌ (١١).

стр. 135

• وقَوْلُهُ في صِفَةِ المَوْلُودِ: "يَكُونُ مَشِيْجًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ (١) وهي الأَخْلاطُ. يُقالُ: مَشَجَهُ اللهُ، فهو مَشِيْجٌ كَأَنَّهُ أَرادَ اخْتِلاطَ مَاءِ الرَّجُلِ بِماءِ المَرْأَةِ (٢). "وَيَكُونُ غَمِيسًا أَرْبَعينَ لَيْلَةً" أَي مَغْموسًا في الرَّحِمِ (٣)، "ثُمَّ يَكُونُ عَظْمًا صَحيحًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً" أَي يَكُونُ عَظْمًا قَدْ صَلُبَ واشْتَدَّ.

стр. 136

٣٨ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ القائِلِ: لَقِيْتُ زيدًا. مَا المَفْهُومُ عَنْهُ؟ وهَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَايَنَهُ، أَو كَلَّمَهُ، أَو كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ؟ وَعَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ (١) بِالبَعْث، أَو بِرُؤْيَتِهِ؟ . وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٢) أَرادَ بِهِ البَعْثَ فَإنْ كَانَ أَرادَ ذَلِكَ فالكافِرُونَ أَيْضًا مَبْعُوثُونَ أَمْ أَرادَ النَّظَرَ إِلَيْهِ - جَلَّ وَعَزَّ -؟ . الْجَوَابُ: قَدْ يَقَعُ اللِّقَاءُ، فَيَكُونُ مَعَهُ العِيَانُ، وَرُبَّما لَمْ يَكُنْ وَيَكُونُ مَعَهُ الْكَلْامُ. ورُبَّما لَمْ يَكُنْ، وَيَكُونُ مَعَهُ الحِجَابُ مِثْلُ السِّتْرِ والثَّوْبِ الرَّقِيْقِ الَّذي لا يَقْطَع عَنِ الْكَلامِ والتَّدَانِي، ورُبَّما لم يَكُنْ لأَنَّ مَعْنَى اللِّقاءِ في اللُّغَةِ تَدَانِي الشُّخُوص، واجْتِمَاعُها بَعْدَ الافْتِرَاق، وَيَقُولُ اللهُ : ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ (٣)، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٤) ثُمَّ قَالَ: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (٥) يُريدُ ماءَ السَّماء، ومَاءَ الأَرْضِ. والعَرَبُ تَقُولُ: الْتَقَى الثَّرَيَانِ (٦) يُريدونَ

стр. 137

المَطَرَ وَنَدَى الأَرْض، ويَقُولُونَ الْتَقَى الْخِتَانَانِ (١) والْتَقَى النَّجْمانِ قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبي رَبِيْعَةَ (٢): أَيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ... عَمْرَكَ اللهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ هِيَ شامِيَّةٌ إِذَا ما استَقَلَّتْ ... وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ (٣) واعْلَمْ أَنَّهما لا يَلْتَقِيَانِ كَمَا يَلْتَقِي غَيْرُهُما مِنَ النُّجُوْمِ. وقَدْ يَلْتَقِي الرَّجُلان، وَهُمَا أَعْمَيَان، ومُهْتَجِرَان، فَلَا يُفْسِدُ مَعْنَى اللِّقَاءِ العَمَى، وَلا الهِجْرَةُ. وَتَقُولُ: لَقِيْتُ مِنْ فُلانٍ أَذىً، وقَالَ اللهُ : ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤)، وقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٥) وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب (٦): ومَا بِي لِقَاءُ المَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ ... وَلَكِنَّ خَوْفَ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ (٧)

стр. 138

ولَمَّا كَانَ اللِّقَاءُ قَدْ يَكُونُ بِعِيَانٍ وَغَيْرِ عِيَانٍ، وَيَكُونُ بِكَلامٍ وَغَيْرِ كَلامٍ، وَيَكُوْنُ بِحِجَابٍ رَقيْقٍ وَغَيْرِ حِجَابٍ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُجْمِلُ أَحْيَانًا، وَتُفَسِّرُ أَحْيَانًا. كَانَ مِنْ إِجْمَالِهِمْ أَنْ يَقُوْلُوا لَقِيْتُ، فُلانًا فَلا يَسْتَدِلُّ السَّامِعُ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ تَدَانِي الشَّخْصَيْنِ. فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا عَنْ هَذَا الْكَلامِ الْحِجَابَ، وأَنْ يُعْلِمُوا أَنّ التَّلاقِيَ كَانَ مَعَ إِيْقَاعِهِ بَيْنَهُمَا، قَالُوا لَقِيْتُهُ كِفَاحًا، وَلَقِيْتُهُ مُوَاجَهَةً (١)، وَهَذا قَدْ يَقُوْلُهُ الأَعْمَى لِلأَعْمَى إِذَا الْتَقَيَا، وَلا حِجَابَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَدُلُّوا فِي هَذَا الكَلامِ عَلَى المُعَايَنَةِ مَعَ اللِّقَاءِ قَالُوا: لَقِيْتُهُ عِيَانًا وَصُرَاحًا، وَلَقِيْتُهُ أَوَّلَ عَائِنَةٍ أَي أَوَّلَ نَاظِرٍ (٢). وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّقَاءَ قَدْ يَقَعُ مَعَ الْحِجَابِ قَوْلُ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٣). فَالْوَحْيُ مَا أَرَاهُ اللهُ الأَنْبِيَاءَ فِي مَنَامِهِمْ، وَالْكَلامُ مَنْ وَرَاءِ الحِجَابِ كَلَّمَهُ مُوْسَى ﵇، وإِرْسَالُهُ بِالْوَحْيِ إِرْسَالُهُ جِبْرِيْلَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وأَمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ. فَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ كَلَّمَ مُوْسَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَعْلَمَنَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُوْسَى لَقِيَهُ حِيْنَ كَلَّمَهُ إِذْ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ (٤). أَي لا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَاءِ مُوْسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَبَّهُ حِيْنَ كَلَّمَهُ مِنَ الشَّجَر، وَكَتَبَ لَهُ فِي الأَلْوَاحِ. قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥).

стр. 139

• وأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ (١) فَإِنَّهُ أَرَادَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالنُّشُوْرِ وَالْبَعْثِ (٢)، وعِنْدَهُما يَكُوْنُ لِقَاءُ الله، وَالْمَصيرُ إِلَيه، وإِلى حِسَابِه، وَعَفْوه، أَو عِقَابِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالنَّظَرِ إِلَيهِ لِأَنَّهُمْ قَبْل النَّظَرِ لَمْ يُؤْمِنُوْا بِالْبَعْثِ الَّذِي يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، وَمَنْ أَنْكَرَ الأَصْلَ فَهُوَ أَحْرَى أَلَّا يُقِرَّ بِالْفَرْع، وَلِأَنَّ اللِّقَاءَ قَدْ يَكُوْنُ مِنْ غَيرِ نَظَرٍ، وَيَكُوْنُ مَعَ النَّظَرِ عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ، وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ التَّأْوِيلُ لِكُلِّ مُتَأَوِّلٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ (٣) يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيبِ. والظَّنُ هَاهُنَا يَقِينٌ (٤)، وَلَمْ يُرِدِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ نَاظِرُوْنَ إلى اللهِ. • وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٥) فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ: إِنَّهُمْ رَاجِعُوْنَ إِلَيهِ فَيَأْخُذُ لَهُمْ مِنِّي إنْ طَرَدْتُهُمْ بِذَلك (٦). عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ (٧) يُريدُ مَنْ يُجِيرُنِي مِنْهُ إِنْ سَخِطَ عَلَيَّ بِطَرْدِي لَهُمْ (٨). وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْمَحْذُوْفِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِظَاهِرِ الْكَلامِ عَلَيهِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَيَكُونُ لِقَاءُ اللهِ الموتَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْبَعْث، وَالْبَعْثُ يُؤَدِّي إِلَى لِقَاءِ اللهِ (٩). وَمِنْهُ يَقُوْلُ النَّاسُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي لِقَائِكَ؛ يُرَادُ بَارِكْ لِي فِي الْمَوتِ.

стр. 140

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَحْمَرَ (١) وَكَانَ سُقِيَ (٢) بَطْنُهُ: لِقَاؤُكَ خَيرٌ مِنْ ضَمَانٍ وَفِتْنَةٍ ... وَقَدْ عِشْتُ أَيَّامًا وَعِشْتُ لَيَالِيَا (٣) يُرِيدُ: الْمَوْتُ خَيرٌ مِنْ زَمَانَةٍ دَائِمَةٍ وَاخْتِبَارٍ طَوِيلٍ. وَقَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ (٤) أَي يَخَافُ المَوْتَ ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٥) والرَّجَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَخَافَةِ (٦). قَالَ الشَّاعِرُ (٧): إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيتِ نَوْبٍ عَوَاسِلِ (٨)

стр. 141

أَي لَمْ يَخَفْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ (١) يَعْنِي إِلَى يَوْمِ مَمَاتِهِمْ لا يَتُوْبُونَ مِنْهُ (٢).

стр. 142

٣٩ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ. . . ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (٢). وَقُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ مُكَذِّبٌ بِيَومِ الْقِيَامَة، وَقُلْتَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ (٣)؟ . • قُلْتُ: وَهَذَا إِيمَانٌ بِيَومِ الْقِيَامَة، وَكَيفَ يَكُوْنُ مُكَذِّبًا بِهِ مُصَدِّقًا؟ ! وَلَوْ تَدَبَّرْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - صَدْرَ الْكَلامِ لَدَلَّكَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ شَاكًّا فِي الْقِيَامَةِ؛ أَلْا تَرَاهُ يَقُوْلُ: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، وَلَمْ يَقُلْ: مَا تَبِيدُ هَذِهِ أَبَدًا، وَلا قَالَ: وَلا تَقُوْمُ السَّاعَةُ. فَدُخُولُ الظَّنِّ فِي هَذَا الْكَلامِ دَلِيلٌ عَلَى شَكِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ لَئِنْ كَانَ الْكَلْامُ عَلَى مَا تَقُوْلُ مِنَ الْمَعَادِ لأَكُوْنَنَّ هُنَالِكَ أَفْضَلَ حَالًا، وَأَحْسَنَ مُنْقَلَبًا، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. أَي شَكَكْتَ فِيهِ. والشَّاكُّ في اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - كَافِرٌ بِهِ (٤).

стр. 143

٤٠ - سَأَلْتَ عَنْ قَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوْا فِي وُجُوْهِهِمْ التُّرَابَ" (١)؟ . • وَهَذَا عِنْدَنَا أُرِيدَ بِهِ الْمَدَّاحُوْنَ بِالْبَاطِلِ كَالرَّجُلِ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَسْتَنْزلُ مَا عِنْدَهُ بِتَقْدِيمِ مَدْحِهِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مَا أَمَّلَهُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُ الشُّعَرَاءُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَنْتَ أَسْرَعُ (٢) مِنَ الرِّيحِ (٣) وَأَشَدُّ إِقْدَامًا مِنَ السَّيلِ (٤) وَأَهْيَبُ مِنَ اللَّيلِ (٥) وَأَجْرَأُ مِنَ اللَّيثِ (٦). وَإِنَّمَا كَرِهَ هَذَا لِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ وَلِأَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْعَجْبِ والْكِبْرِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: "الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ" (٧)، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَنْ مَدَحَ رَجُلًا بِمَا فِيهِ فَقَدْ مُدِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشِّعْر، وَفِي الْخُطَب، وَفِي الْمُخَاطَبَة، فَلَمْ يَحْثُ فِي وَجَوْهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ. وَلا أَمَرَ بِذَلِكَ كَقَوْلِ أَبِي طَالِبٍ (٨) فِيهِ:

стр. 144

وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ (١) وَكَقَوْلِ العَبَّاسِ (٢): مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الْظِلالِ وَفِي ... مُسْتَوْدَعٍ حَيثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ (٣) وَكَمَدْحِ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ (٤) في كَثِيرٍ مِنْ شِعْرِه، وكَعْبِ بْنِ زُهَيرٍ (٥) وَهَذَا

стр. 145

يَكْثُرُ جِدًّا. وَكَانَ أَبُوْ بَكْرٍ (١) يَقُوْلُ عِنْدَ الْمِدْحَةِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُوْنَ، وَاجْعَلْنِي خَيرًا مِمَّا يَظُنُّونَ" (٢). ولم يَبْلُغْنَا أَنَّهُ وَلا أَنَّ غَيرَهُ حَثَا فِي وَجْهِ مَادحٍ تُرَابًا. وَقَدْ مَدَحَتِ الأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهَا، فَقَالَ يُوْسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرٌ" (٤) وَمَدْحُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَدْحِ غَيرِهِ لَهُ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يمْدَحَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ جَازَ أَنْ يَمْدَحَ غَيرَهُ. وَمَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ، فَقَالَ: "أَنَا وَاللهِ مَا عَلِمْتُكُمْ إِلَّا تَقِلُّوْنَ عِنْدَ الطَّمَع، وَتَكْثُرُوْنَ عِنْدَ الْفَزَعِ" (٥). وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ (٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ (٧) أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا أَثْنَيتَ عَلَى الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ فِي وَجْهِهِ لَمْ تُزَكِّهِ" (٨)، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَينِ (٩): "لا يَقُوْلُ رَجُلٌ فِي رَجُلٍ مِنَ
следующие страницы →