стр. 141
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 151010
المسائل والأجوبة لابن قتيبة
ابن قتيبة
Полный текст (422 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
٣٩ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ. . . ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (٢).
وَقُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ مُكَذِّبٌ بِيَومِ الْقِيَامَة، وَقُلْتَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ (٣)؟ .
• قُلْتُ: وَهَذَا إِيمَانٌ بِيَومِ الْقِيَامَة، وَكَيفَ يَكُوْنُ مُكَذِّبًا بِهِ مُصَدِّقًا؟ ! وَلَوْ تَدَبَّرْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - صَدْرَ الْكَلامِ لَدَلَّكَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ شَاكًّا فِي الْقِيَامَةِ؛ أَلْا تَرَاهُ يَقُوْلُ: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، وَلَمْ يَقُلْ: مَا تَبِيدُ هَذِهِ أَبَدًا، وَلا قَالَ: وَلا تَقُوْمُ السَّاعَةُ. فَدُخُولُ الظَّنِّ فِي هَذَا الْكَلامِ دَلِيلٌ عَلَى شَكِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ لَئِنْ كَانَ الْكَلْامُ عَلَى مَا تَقُوْلُ مِنَ الْمَعَادِ لأَكُوْنَنَّ هُنَالِكَ أَفْضَلَ حَالًا، وَأَحْسَنَ مُنْقَلَبًا، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾. أَي شَكَكْتَ فِيهِ. والشَّاكُّ في اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ - كَافِرٌ بِهِ (٤).
стр. 143
٤٠ - سَأَلْتَ عَنْ قَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوْا فِي وُجُوْهِهِمْ التُّرَابَ" (١)؟ .
• وَهَذَا عِنْدَنَا أُرِيدَ بِهِ الْمَدَّاحُوْنَ بِالْبَاطِلِ كَالرَّجُلِ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَسْتَنْزلُ مَا عِنْدَهُ بِتَقْدِيمِ مَدْحِهِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مَا أَمَّلَهُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُ الشُّعَرَاءُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَنْتَ أَسْرَعُ (٢) مِنَ الرِّيحِ (٣) وَأَشَدُّ إِقْدَامًا مِنَ السَّيلِ (٤) وَأَهْيَبُ مِنَ اللَّيلِ (٥) وَأَجْرَأُ مِنَ اللَّيثِ (٦). وَإِنَّمَا كَرِهَ هَذَا لِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ وَلِأَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْعَجْبِ والْكِبْرِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: "الْمَدْحُ هُوَ الذَّبْحُ" (٧)، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَنْ مَدَحَ رَجُلًا بِمَا فِيهِ فَقَدْ مُدِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشِّعْر، وَفِي الْخُطَب، وَفِي الْمُخَاطَبَة، فَلَمْ يَحْثُ فِي وَجَوْهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ. وَلا أَمَرَ بِذَلِكَ كَقَوْلِ أَبِي طَالِبٍ (٨) فِيهِ:
стр. 144
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ (١)
وَكَقَوْلِ العَبَّاسِ (٢):
مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الْظِلالِ وَفِي ... مُسْتَوْدَعٍ حَيثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ (٣)
وَكَمَدْحِ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ (٤) في كَثِيرٍ مِنْ شِعْرِه، وكَعْبِ بْنِ زُهَيرٍ (٥) وَهَذَا
стр. 145
يَكْثُرُ جِدًّا. وَكَانَ أَبُوْ بَكْرٍ (١) يَقُوْلُ عِنْدَ الْمِدْحَةِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُوْنَ، وَاجْعَلْنِي خَيرًا مِمَّا يَظُنُّونَ" (٢). ولم يَبْلُغْنَا أَنَّهُ وَلا أَنَّ غَيرَهُ حَثَا فِي وَجْهِ مَادحٍ تُرَابًا.
وَقَدْ مَدَحَتِ الأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهَا، فَقَالَ يُوْسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرٌ" (٤) وَمَدْحُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَدْحِ غَيرِهِ لَهُ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يمْدَحَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ جَازَ أَنْ يَمْدَحَ غَيرَهُ. وَمَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ، فَقَالَ: "أَنَا وَاللهِ مَا عَلِمْتُكُمْ إِلَّا تَقِلُّوْنَ عِنْدَ الطَّمَع، وَتَكْثُرُوْنَ عِنْدَ الْفَزَعِ" (٥). وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ (٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ (٧) أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا أَثْنَيتَ عَلَى الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ فِي وَجْهِهِ لَمْ تُزَكِّهِ" (٨)، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَينِ (٩): "لا يَقُوْلُ رَجُلٌ فِي رَجُلٍ مِنَ
стр. 146
الْخَيرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ إِلَّا أَوشَكَ أَنْ يَقُوْلَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (١) وَقَالَ وَهْبٌ (٢): "إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُوْلُ فِيكَ مِنَ الْخَيرِ مَا لَيسَ فِيكَ فَلا تَأْمَنْ أَنْ يَقُوْلَ فِيكَ مِنَ الشَّرِّ مَا لَيسَ فِيكَ" (٣) وَهَذِهِ أَشْيَاءُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَدَّاحِينَ الَّذِينَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِحَثْوِ التُّرَابَ فِي وُجُوْهِهِمْ هُمُ الْكَذَّابُوْنَ.
وَأَمَّا حَثْوَ التُّرَابِ في وُجُوهِهِمْ فَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّغْلِيظُ عَلَيهِمْ في رَدِّ مَا أَتَوْا بِه، وَلَمْ يُرِدْ إِيقَاعَ الفِعْل، كَمَا قَالَ في شَارِبِ الْخَمْرِ: "وفي الرَّابِعَةِ إِنْ شَرِبَ فاقْتُلُوْهُ" (٤) ولم يُرِدُ أَنْ يُقْتَلَ، وَلَكِنْ غَلَّظَ عَلَيهِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ [عن] (٥) ذَلِكَ. وَكَمَا قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ" (٦) وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا تَغْلِيظَ الْوَعِيدِ. والْمَعْنَى الْآخَرُ أَنْ يُقَالَ لِلْمَادِحِ بِالْبَاطِلِ: بِفِيكَ التُّرَابُ (٧).
стр. 147
والعَرَبُ تَقُوْلُ للْمُتَكَلِّمِ بِالْبَاطِل، وَبِالأَمْرِ الَّذِي يَفْحُشُ، أَو يَقْبُحُ. بِفِيكَ التُّرَابُ، والتُّرَابُ لِفِيكَ، وَبِفِيكَ الْكَثْكَثُ والإِثْلِبُ (١). قَالَ الشَّاعِرُ (٢):
أَنْكَحْتَ عَبْدَينِ تَرْجُوْ فَضْلَ مَالِهِمَا ... بِفِيكَ مِمَّا طَلَبْتَ التُّرْبُ وَالْحَجَرُ (٣)
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" (٤) وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيهِ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لا شَيءَ لَهُ إِلَّا مَا يَهِينُهُ وَلا يَنْفَعُهُ، فَيُقَالُ لَهُ إِذَا طَالَبَ بِالْوَلَدِ: الْحَجَرُ لَكَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَسْتَعْمِلُ النَّاسُ هَذَا فَيُقَالُ لِمَنْ طَالَبَ بِمَا لا يَجِبُ لَهُ: لَكَ الْحَجَرُ.
стр. 148
٤١ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَقْضِي الرَّجُلُ حَقَّ وَالِدَيهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا، فَيُعْتِقَهُمَا" (١) وَقُلْتَ فِيهِ: وجَازَ أَنْ يَمْلِكَهُمَا إِلى أَنْ يَعْتِقَهُمَا؟ .
• وَالنَّاسُ جَمِيعًا عَلَى أنَّ الوَالِدَينِ لا يَمْلَكَانِ شَيئًا مَتَى اشْتُرِيَا عُتِقَا عَلَى الْوَالِدِ (٢) وإِنَّمَا يَخْتَلِفُوْنَ فِي ذَوِي الْمَحَارِم مِثْلِ الأُخْتِ والْعَمَّةِ والْخَالَةِ وأَمْثَالِهِمْ مِنَ الرِّجَال، وَلَمْ يُجْمِعُوْا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِإِمْكَانِ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لا يَقْضِي الرَّجُلُ حَقَّ وَالِدَيهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا. فَيُعْتِقَهُمَا". وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيئَينِ يَقَعُ أَحَدُهُمَا، فَيَقَعُ الآخَرُ بِوُقُوعِهِ مِنْ غَيرِ تَحْدِيثٍ، فَجَائِزٌ أَنْ يُنْسَبَ الْفِعْلُ إِلَى الْحَادِثِ؛ لِأَنَّهُم كَانُوا (٣) يُجِيزُوْنَهُ، فَكَأَنَّهُ الْفَاعِلُ. وَمِثْلُ هَذَا قَالَ لِغُلامِهِ: إِنْ قدمَ فلانٌ فأنت حرٌّ، ثمَّ يقدمُ فلان، فيُعتقُ العبدُ فيجوز أن يُقالَ على هذا: قدِم فلان، فأَعْتَقَهُ، يُرادُ أنَّه أعتقه بقدومه وسيّدُه المُعْتِقُ لَهُ. كذلك قولُهُ: "لا يقضي حق أبويه إلّا أنْ يَشتريَهما فيُعتِقَهما" أي لعتقهما بالشراء لهما إذ كان لا رق عليهما (٤). . . عتقًا.
стр. 149
٤٢ - سَألْتَ عن حديثٍ ذَكَرَ يُونُسُ (١) أَنَّه سألَ (٢) ... قال: سألتُه عن بيع الثمر قبل أن يَبْدُوَ صلاحُهُ قال: وكان الناسُ إذا جَزُّوا (٣) وحَقَّ تَقاضِيهِمْ قال المبتاع: قد أصاب الثمرَ الدَّمانُ (٤) وأصابه قشام (٥) وأصابه مُراض (٦) عاهات (٧) ... فلما كثرت خُصومتُهم عند النبيّ ﷺ قال كالمشورةِ يُشيرُ بها: لا تبتاعوا الثمرَ حتى يَبْدُوَ صَلاحُهُ (٨).
• أما الدَّمانُ فهو أن تُشَقَّ الطَّلْعَةُ عن سوادٍ وعَفَنٍ كأنه احتراق، فيقال: قد أصابَ النخلَ الدَّمانُ، وفيه لغة أخرى الأَدَمان (٩).
стр. 150
وأمَّا القُشامُ فإنَّه داءٌ يُصيبُ الطَّلْعَ قبل أن يصيرَ بَلَحًا، فينتثر، فإن نفضته بعد أن يصير بسرًا فهو المَرَقُ، يقال: أصاب النخلَ مَرَقٌ، ومرقت النخلةُ (١)، وفي حديث آخرَ ذُكر فيه ما يَشْترطُهُ المُشْتري على البائع "أنه ليس له مِسْلاخٌ" (٢) وهي التي ينتثر بُسْرُها، فإنْ انتثرَ، وهو أخضرُ، فهي مِخْضارٌ (٣)، وليس له مِعْرارٌ (٤) وهي التي يُصيبُها مثلُ الجرب تجرب، وهو العَرُّ، وَالفَغَا نحوُهُ (٥) وذلك أن يَصيرَ فيه مثلُ أجنحةِ الجرادِ (٦). وليسَ له مِبْسار، وهي التي لا يَرْطُبُ بُسْرُها (٧)، فإن تَأَخَّرَ ذلك، ثم أرطب في آخر الأوقات فهي مِئْخارٌ (٨)، وليس له السُّخَل (٩) وهو الشيص (١٠) يُقال: سَخَلَتِ النَّخْلةُ (١١).
стр. 151
٤٣ - سألت عن حديث ذُكر فيه عن النبي ﷺ أَنَّه قال: "أُرِيتُ الشيطانَ، فرأيته يَنْهِتْ كما يَنْهِتُ القِرْدُ، فَوَضَعْتُ يَدِي على وَذَمَتِهِ" (١)؟ .
• قوله: يَنْهِت: من النَّهيت، وهو صوت يَخْرج من الصَّدْرِ شبيةٌ بالزَّحير، وكذلك يكون صوتُ القردِ (٢). وقوله: وضعت يدي على وذمته: يريد على السَّيْرِ الذي يكون في عنقه. شبهِ القِلادةِ. ويقال: وَذَّمْت القِرْدَ والكَلْبَ إذا أنت جعلتَ ذلك في أعناقهما (٣).
стр. 152
٤٤ - سألتَ عن حديثٍ ذُكر فيه أن النبيّ ﷺ قال في الوَرِكِ (١): "ظاهرُة نَسًا وباطنُهُ شَلًا" (٢)؟ .
• النَّسا عِرْقٌ في الوَرِك ثم ينحدر إلى الفَخِذِ والسَّاقِ (٣)، والشعراء تصف الخيل بِشَنِجِ النَّسَا (*)، وإذا كان الفرس كذلك لم يسلم بالمشي.
وقوله: شلًا: يريد أنّه لا لحم له على باطنه وإذا قُلع فارق ما تحته من اللحم وهو من قولك: استشليت الشيء واشتليته إذا أنت أخذتَه كأنه اشتلي ما في بطنه من اللحم (٤).
стр. 153
٤٥ - سألتَ عن حديثٍ ذُكر فيه في تفسير قول الله جلّ وعزّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)؟ .
• قال: جعله في آذِيّ الرجال، أحسبه يريد بآذيّ الرجال، إن كانت الرواية على ما ذكرت، نطف الرجال في أصلابهم كأنه يقال للكثير من الماء والسيل: آذيّ وللقليل من الماء: آذيّ (٣) كما يقال للماء الكثير: نطفة، وللبحر نطفة، ويقال للماء القليل أيضًا: نطفة (٤)، وهو من الأضداد (٥). قال النابغة (٦):
فما الفراتُ إذا جاشت غوارِبُهُ ... يرمي أواذيُّهُ العِبْرينِ بالزبدِ (٧)
стр. 154
٤٦ - سألت عن حديثٍ ذُكر فيه "أنّ من أشراط الساعة أنْ يُرَى الهلالُ قَبَلًا" (١)؟ .
• يُقالُ: رأيتُ الهِلالَ قَبَلًا إذا رَأيتَه ساعةَ يَطْلعُ من غيرِ أنْ تَطْلُبَهُ (٢) كما يقال: تكلم فلان قبلًا إذا تكلم الكلام، ولم يستعدّ، ورأيته قَبَلًا وقِبَلًا أي معاينة (٣).
وأراد من أشراط الساعة أن يُدبرَ الهلالُ لليلته ساعةَ يطلعُ لعظمِه، ويوَضِّحُ هذا الحديثَ الآخرُ: "أن من أشْراط الساعةِ انتفاخَ الأهلّةِ" (٤)، والحديثُ الآخرُ: "حتى يُرى الهلالُ لليلتِهِ" كأنّه لليلته يُرى. ونحوه من الكلام.
стр. 155
٤٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).
• قلتُ: يزعمُ قومٌ أن التيممَ لا يجوزُ إلا للمريضِ والمسافرِ لأنّ الكلامَ الأوّلَ انقطع عند قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم ابتدأَ، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ﴾ فهذا كلامٌ ثانٍ. وقال آخرون: هو كلامٌ مُتصلٌ واحدٌ.
وقال: وقد يجوز للمقيم إذا كان محبوسًا ممنوعًا من الماء أن يتيممَ ويُصَلِّيَ، كما يجوزُ للمسافر إذا لم يجد الماءَ. والذي عندي أنّ الكلامَ منقطع عند قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ﴾. فالتيمّم للمريضِ والمسافرِ دونَ المقيمِ الممنوع، يدلّك على ذلك أنه قال بعد ذكرِ الوضوءِ والصلاةِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال فيما بعد: ﴿أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. "أو لامستم" هو مثلُ قولِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ فلو كان الكلام واحدًا متصلًا لاستغنى عن التكرار. ولمّا كان كلامينِ أحدُهُما للحاضرِ فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا.
стр. 156
ثم ذكرَ المسافرَ فقال: ﴿أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حَسُنَ التكرارُ؛ لأنَّ الأوّلَ يكونُ للمقيم، والثاني يكونُ للمسانر. ولو كان للحاضر أن يتيمم بهذه لكان وجهُ الكلامِ أن يقولَ: وإن كنتم جنبًا فاطّهروا وإن كنتم مرضى أو مسافرين ولم تجدوا ماء من غير إعادة لذكر الجنابة بملامسة النساء. و "أَو" في قولِهِ: ﴿أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ في معنى الواو (١) وكأَنّهُ قالَ: "وإن كنتم على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا" يَدُلّكَ على ذلك أنّ السفرَ ليس بموجبٍ للوضوء، وللغسل، وإِنّما يُوجِبُهُما الحَدَثُ، والجنابَةُ. و "أوْ" تقام مُقامَ واوِ النَّسَقِ كثيرًا، من ذاك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَو يَزِيدُونَ﴾ (٢) هي بمعنى قوله: ويزيدون، وكذلك ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَو هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣) قال الشاعر (٤):
أثعلبةَ الفوارسَ أو رياحًا ... عدلتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا (٥)
أراد ثعلبة أو رياحًا عدلتَ بهم هذين.
стр. 157
٤٨ - سألتَ عن المسافرِ يقدمُ المصرَ أيأكلُ في يومِهِ؟ وطَهُرت امرأتُهُ من المحيضِ هل يجوز له أن يجامعها؟ .
• وقد أعلمتُكَ في كتاب الصيامِ (١) أنَّ هذا لا يجوزُ له. إنْ وردَ المصرَ دخل في حكمِ أهلِه، وأنّه لا يجوزُ أيضًا لو كان مسافرًا بامرأتِهِ في شهرِ رمضانَ وأفطرا في السفر أنْ يُلمَّ بها لحرمةِ الشهر، ولأنّ حكمَ النكاح فيه خلافُ حكمِ الأكلِ والشرب، يَدلُّك على ذلك أنَّ الله ﵎ كان حرَمَ على الصائم في صَدْر الإِسلام النِّكاحَ في شهر رمضانَ ليلَهُ ونهارَهُ، وحرمَ عليه أن يَطعَمَ وَيشْرَبَ في نهارِه، ثُمَّ كان من بعض الصحابةِ فيه ما كان، فأَنزلَ الله ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (٢).
فأحلّ الله لنا الوَطْءَ في الليل. وبَقِيَ النهارُ على حالِهِ الأوّلِ في التحريم، ووصلَ ذلك بأن قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يريد ليلًا ونهارًا، فهذا يَدُلُّكَ على أنَّ حُكْمَ النِّكاحِ في الصيام خلافُ حكمِ الطعام، وأنّه
стр. 158
إنّما منع منه من أجل حرمةِ الشهرِ لا من أجل الصَّوْم، ولأنهُ كان أولًا يُمْنَعُ المفطرُ في الليل من النّكاح، ولو كان من أجل الصَّوْمِ ما مُنِعَ منه المفطرُ في الليل.
والدَّليلُ أيضًا على أنَّ حُكْمَ النّكاحِ في شهر رمضانَ خلافُ حكمِ الطّعامِ أنَّ رسولَ الله ﷺ أَوْجَبَ على المجامعِ نهارًا الكفارةُ، وهي عِتْقُ رقبةٍ إنْ قَدَرَ عليها، فإن لم يَقْدُرْ أطْعَمَ ستينَ مسكينًا، وقال لمن أَفْطرَ بالأكلِ: . صُمْ يومًا مكانَهُ.
ولهذا أوجبَ الفُقَهاءُ جميعًا على الواطِيءِ في شهرِ رمضانَ نهارًا القَضاءَ والكَفَّارةَ (١)، واختلفوا في الآكِلِ مُتَعَمِّدًا فقال بعضهم: عليه القضاءُ ولا كَفّارةَ عليه، منهم الشافعي (٢)، وقال قوم: عليه القضاءُ والكفارةُ قياسًا على الذي جامَعَ نهارًا، منهم الثوري (٣)، وقال قوم: عليه الكفّارةُ ولا قضاءَ عليه.
стр. 159
٤٩ - سألتَ عن حديثِ النبيّ ﷺ أنّه سُئِلَ متى تَحِلُّ لنا المَيتَةُ؟ فقال: "ما لم تَصْطَبِحوا أو تَغْتَبِقوا أو تَحْتَفِئوا بَقْلًا فَشَأْنُكم بها" (١)؟ .
• وهذا حديثٌ قد ذكرَهُ أبو عبيدٍ (٢) في كتابِهِ المُؤَلَّفِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ (٣)، ووقع فيه إغفالٌ منه، ولم أَذْكُرْهُ في كتاب إصلاحِ الغَلَطِ (٤) فيما أَرَى إلّا لأَنْظُرَ في تَبَاعَتِه، وسأبين لك إن شاء الله ما قالَ فيه، وما قلت فيه.
قال أبو عُبَيدٍ: قال الأصمعيُّ (٥): لا أعرف "تَحْتَفِئُوا (٦) " ولكن أراها "تَخْتَفُوا (٧) " أي تَقْلَعُونَهُ من الأرضِ. يقال: اختفيت الشيءَ، وخَفَيتُهُ: أَخْرَجْتُهُ،
стр. 160
وسُمِّيَ النبّاشُ المُخْتَفِيَ؛ لِأَنَّهُ يستخرجُ الأكفانَ (١).
قال أبو عبيد: وسألت عنها أبا عمرٍو (٢) وأبا عبيدةَ (٣) فلم يعرفا تحتفئوا، ثم بَلَغَني عن أبي عُبَيدَةَ بَعْدُ أَنّهُ قال: من الحَفَإِ مهموز مقصور، وهو أصل البَرْدِيِّ الأبيضِ الرَّطْب، وهو يُؤْكَلُ، فتأوَّلَهُ: ما لم تَقْتَلِعوا ذلك بِعَينِه، فَتَأْكُلُوهُ (٤).
وقال الهيثمُ بن عَدِيٍّ (٥) سألتُ عنها أعرابيًّا قال: فلعله تَجْتَفِئُوا بالجيم يَعْنِي تَقْتلعُ الشَّيءَ، ثم تَرْمي به. يقال: جَفَأْتُ الرجلَ إذا صَرَعْتَهُ وضَرَبْتَ به الأَرْضَ (٦). قال: وبعضُهُمْ يَرْوِيهِ تحْتفّوا بتشديد الفاء. فإنْ يكنْ هذا محفوظًا فهو من احتَفَيتُ الشَّيءَ كما تَحفُّ المرأةُ وَجْهَهَا من الشعرِ (٧).
стр. 161
قال أبو عُبَيدٍ: وأما قولُهُ: ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا فإنّهُ يقول: إنّما لكم منها الصبوحُ (١) وهو الغداءُ. والغَبُوق (٢) وهو العِشاءُ، يقولُ: فليس لكم أن تَجْمَعُوْهَا في المَيتَةِ قال: ومن ذلك حديثُ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ (٣) "أنّهُ يُخْرِجُ من الاضطرارِ أو الضارورة صبوح أو غبوق" (٤) وهذا كله قولُ أبي عُبَيدٍ. وقد تَدَبَّرْت ما حكاهُ في "تحتفئوا"، فَرَأَيتُهُ غَلَطًا مِمَّنْ فَسَّرَهُ؛ لأنّهُ قال: ما لم تحتفئوا بها بقلًا.
وقال المُفَسِّرُ: هو من الحَفَأ، وهو أَصْلُ البَرْدِيِّ يُريدُ ما لم تقتلعوا ذلك بعينِه، فتأكلوه. ولو كان أرادَ ما ذهب إليه لقالَ: ما لم تحتفئوا أي ما لم تقتلعوا الحَفَأَ، ولم يقل تحتفئوا بَقْلًا، فَذِكْرُهُ للبقلِ دَليلٌ على أن المفعولَ المقلوعَ هو البقلُ.
وأما قولُ الآخرِ: ما لم تجتفئوا بالجيم يريد: تقتلعواه ثم ترموا به من قولك: جَفَأْتُ الرجلَ إذا صرعتَهُ، وضربتَ به الأرضَ. جفأت ليس من قلعت في شيء، إنما هو ضربت بالشيء الأرض، ولم يكونوا يَقْلَعونَ البَقْلَ ليضربوا به الأرضَ
стр. 162
إنّما كانوا يقلعونه ليأكلوه، وكذلك تحتفّوا ليس له وجهٌ لأنّ حفاف الوجه أن يُجعلَ له حفافان، أو حفافٌ من الشعر بأن يؤخذ ما تحته من الزَّغَب، وقصار الشعر (١). ولا وَجْهَ للحرف إلّا ما قال الأصمعي: ما لم تحتفوا بها أي تستخرجونَهُ (٢) بأصولِهِ.
وأما قولُ أبي عُبَيدٍ: ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا إنه يقول: إنّما لكم من الميتة الصَّبُوحُ، وهو الغداءُ، أو الغَبُوق، وهو العشاءُ، فليس لكم أنْ تجمعوهما من الميتة، فإنّ هذا ليس يُشكلُ لما سألوه عنه؛ لأنّهم قالوا له: متى تحل لنا الميتة؟ فكيف يُجيبُهم بأن يقول: ليس لكم أن تجمعوا الصَّبُوحَ والغَبُوقَ من المَيتَة، وإنّما هو جَوابٌ لقولهِمْ لو قالوا: هل يَحلُّ لنا أن نَأْكُلَ في يومٍ مرتينِ من المَيتَة.
والذين عندي أَنّهم سألوه متى تحل لنا الميتة؟ فقال لهم: ما لم تصيبوا غداء، وهو الصبوح، أو عشاء، وهو الغبوق، أو تُصيبُوا بَقْلًا تَسْتخرجونَهُ من الأرضِ لتأكلوه، فإذا لم تجدوا هذه الأشياء حلَّتْ لكم الميتةُ.
стр. 163
٥٠ - سألتَ عن قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ (١). وقلت: قد اختلف الناسُ في غيركم. فقال قوم من الفقهاء: يذهبونَ إلى إجازة شهادةِ أهلِ الذّمَّةِ في الوصئةِ في السفرِ يُريدُ من غير المسلمينَ (٢). وقال قوم منهم: يذهبون إلى أنّها لا تجوز في سَفَرٍ، ولا حَضَرٍ في وَصِيّةٍ، ولا غِيرِها يريد من غير قبيلتِكم؟ .
• والذي عندي أن الأمرَ على ما قال الأَوَّلونَ، وأنّه لا يجوز أن يكون في هذا الموضع من غيركم: من غير قبيلتكم؛ لأنه قال في صدر الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ﴾. وهذا عام لجميع المؤمنين. والكاف في بينكم للمؤمنين، ثم قال: ﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. يعني أحد المؤمنين. ثُمَّ قال: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ يعني من المؤمنين، ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيرِكُمْ﴾ يعني من غير المؤمنينَ، وغيُر المؤمنينَ هم الكافرونَ، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرُ المؤمنينَ في هذا المَوْضِعِ المؤمنينَ، ولو كان اللهُ خاطبَ في صَدْرِ الآيةِ خاصًّا من الناس لجاز أن يكونَ من غيركم يعني من غيرِ قبيلتِكم.
وسأمَثِّلُ لك ما قلث لتفهمَهُ إنْ شاءَ الله. كأنّه قال: يا بني تميم شهادةُ
стр. 164
بينِكُمْ اثنانِ ذوا عَدْلٍ منكم، أو آخَرانِ من غيرِكُمْ أي مِن غيرِ قبيلتِكم، فيكون الإشهادُ في الموضعينِ للمؤمنينَ، ولا يجوزُ مع العمومِ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن يكونَ غيرُ المؤمنينَ مؤمنينَ. ومثلُ هذا من التمثيلِ أيضًا لو قال: يا مَعْشرَ الجنّ ألم يأتِكم رُسُلٌ منكم، ومن غيرِكم، ولا يكون غيرُ الجنّ من الجنّ، وإنّما يكون غيرُهُم من الإِنسِ.
ومن الدليلِ أيضًا أنّه لو أراد إشهادَ غيرِ قبيلتِهِ من المؤمنينَ كان الحكمُ فيهم أن يكونوا أيضًا عُدولًا، كما شَرَطَ فيمن كان من أنفسِهِم وقبيلتِهِم، وإذا كانوا مسلمين عدولًا فبأي معنى أمرنا بإحلافهم؟ والشاهد غيرُ العَدْلِ لا يَمينَ عليه فكيف العَدْلُ؟ . ولِمَ أمر بإحلافِهِما من بعد الصلاةِ؟ يريد صلاةَ العصرِ إنْ نحن ارْتَبْنَا في شهادتِهِما، ويَأْثَمُ المسلمونَ في كل وقتٍ من اليمينِ الفاجرة، وإنّما يَتَوَقّى الحلفَ بعدَ العصرِ أهلُ الكتابِ؛ لأنّهم يُصلّون لطُلوعِ الشمسِ وغُروبِها، ولمَ جعلنا نرتابُ بشهادةِ المسلمَينِ الَعَدْلَينِ إذا كانا من غير قبيلتِنا، ولا نرتابُ بهِما إذا كانا من قبيلتِنا. ثم قال: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (١)؛ يعني حَنْثًا في اليمين ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ (٢) من أَوْلياءِ المَيِّتِ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وكيف صارَ الوليانِ من أولياءِ الميِّتِ أَصَحَّ شهادةً من المؤمنَينِ العَدْلَينِ وأولى بالقول، لو كان الأمر على ما ذهبوا إليه، ولكنهما صارا أحق بقبول القول، وإبرار القسم لكفر الشاهدين، وإيمان الوليين ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ يعني أهل الذّمّة، ولا يجوز أن يكون هذا للمؤمنَين العدلَين؛ لأن المؤمنَين العدلَين يأتيان بالشهادة على وجهها على كل حال ثم قال: ﴿أَو يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيمَانٌ﴾ على أولياء الميت ﴿بَعْدَ أَيمَانِهِمْ﴾، فيفضحوا أو يُغرّموا.
стр. 165
стр. 166
٥١ - سألتَ عن قول الحَسَن (١): "يا بن آدمَ إن دين الله ليس بالتّحلي، ولا بالتّمني، ولكنه ما وَقَرَ في القلب، وَصَدَّقَتْهُ الأعمالُ" (٢)؟ .
• التحليّ هو من قولك: حَلِيَ فلانٌ بعيني إذا حَسُنَ لك ظاهرُه. وأصْلُهُ من الحِلْيَة، لا من الحَلاوَةِ. تقول: تحلَى الرجلُ بأحسن ما قَدَرَ عليه (٣). والتمنّي: التلاوة، والرواية، وهما شيء واحد (٤) قال الله جل وعز: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ (٥) مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٦).
يريدُ إذا تلا القرآن أَلْقى في تلاوتِه، فينسخُ اللهُ ما يُلقي الشيطانُ أي يُبْطِلُهُ
стр. 167
قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ (١). أي ترويه، وكانوا دفنوا تحت كُرْسِيِّهِ سِحْرًا، ثم استخرجوه بعد وفاته، وقالوا: إنه ملكَ بالسحرِ (٢). وأَرَى الحسن أراد بالتلاوة رواية الحديث كأنه قال: ليس دينُ الله بأن يتحلّى الرجلُ عند النّاسِ بإظهار الخشوع، والإِخبات (٣)، وسيّما الصالحين، ولا بأن يكون راويةً للحديث، والفِقْهِ تاليًا للقرآن، ولكنّهُ ما وَقَرَ في القلوب من التقوى، ووافقَ ذلك العملُ، فاجتمع له العلمُ، والعملُ، والمنظرُ، والمَخْبَرُ.
стр. 168
٥٢ - سألتَ عن قول اللهِ جلّ، وعزّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (١)، وقلتَ: في هذا القولِ دليلٌ على أنّهُ قد أطلقَ له قتلَ الخطأ؟ .
• وليس هذا كما تَوَهَّمْتَ؛ لأنّ قتل الخَطَأ لا ئملك، ولا يجوز أن يستعبد الله عبادَهُ بما لم يَجْعَلْهُ في تركيبِهِمْ، فيقول: لا تَنْسَوْا، وقد جعل في تركيبِهِمْ النسيانَ، ولا تغلطوا، ولا تُخْطِئُوا، وقد جعل في تركيبِهِمْ الغلطَ، والخطأ، وإنّما أراد: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يَغْلَط كأنه يتعفد صيدًا يرميه، فيَصيدُ إنسانًا، فلا يكون في ذلك قَوَدٌ، لأنّهُ لا يملكُ الغلَطَ من نفسِه، وإنّما كان مباحًا له لو كان يملك الخطأ، كما يقول في الكلام: ليس لأحد أن يقتل صيدًا إلّا حلالًا، فيدل ذلك على أنه قد أطلق له قتله، وهو حَلالٌ، وحَظَرَهُ عليه، وهو مُحَرَّمٌ، لأنّهُ لا يملكُ قتلَهُ في الحالَينِ جميعًا.
стр. 169
٥٣ - سألتَ عن القَرْنِ في قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (١)، وذَكَرْتَ أَنّهُ قد اخْتُلِفَ فيه، فقال قائلونَ ثمانونَ: سنةً، وقال آخَرونَ: أقلُّ ما بينَ القرنَينِ ثلاثونَ سنةً، وقال آخَرونَ: هو أربعونَ سنةً (٢).
• والذي عندي في القَرْنِ أَنّهُ من قولِكَ: فلان قَرْنٌ لفلان في السِّنُّ إذا كان لِدَتَهُ، فإذا اجتمع قومٌ متساوونَ في أسنانِهِمْ أي متقاربونَ، ثم ماتُوا، أو مات أكْثَرهُمْ، فقد مضى قَرْنٌ لِأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم قَرْنٌ لصاحبِهِ هذا فيما لدى أهلِ الحربِ (٣). فأمّا مدَّتُهُ فإنّي اعتبرت فيها قولَ النابغةِ الجَعْدِيِّ (٤)، وكان قد عُمِّرَ مئةً وعشرينَ، سنةً وماتَ بأَصْبَهانَ (٥) وقال قبل مَوْتِهِ بأعوامٍ:
стр. 170
ومن يَحْرِصْ على كِبَري فإِنّي ... من الشُبّانِ أزمان الخُنَانِ
مَضَتْ مِئَةٌ لِعامِ وُلِدْتُ فيه ... وعَشْر بَعْدَ ذاكَ وحُجَّتَانِ (١)
فأخبر أَنّه بلغَ إلى أنْ قال هذا الشعرَ مئةً واثْنَتَي عَشْرَةَ سنةً ثم قال بَعْدَ ذلكَ يذكر أَنَّهُ أفنى ثَلاثَةَ قُرونٍ:
لَبِسْتُ أناسًا فأَفْنَيتُهُمْ ... وأَفْنَيتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا
ثلاثةَ أَهْلينَ أَفْنَيتُهُمْ ... وكان الإِلهُ هو المُسْتآسًا (٢)
وهذا يَدُلُّ على أن أَولى الأقاويل: القرنُ أربعونَ سنةً.
стр. 171
٥٤ - سألتَ عن حديثِ سهلِ بنِ سَعْدٍ (١): "أَحْصَنْت كذا من النساء، ما تزوجتُ امرأةً كانت فقيرةً إلا اسْتَغْنَتْ، ولقد رَأَيتُ امرأة مُتَجالَّةً، فقالت: كيف أنت يا أبا العَبّاسِ؟ قال: قلت: ومن أنتِ؟ قالت: أنا أحدُ أَنْقاضِكَ" (٢).
• الأنْقاضُ: جمعُ نِقضٍ، وهو البَعيرُ المهزولُ (٣). والمتجالَّةُ: العظيمةُ اللحيمةُ وتكون أيضًا الغَنِيَّةُ الموسِرَةُ (٤)، وهذه امرأةٌ كانت تحتَهُ نَكَحَها، وهي فقيرةٌ، ثم طَلَّقَها، واستغنتْ، وعَظُمتْ، فَلَمَّا رآها لم يَعْرِفْها لتَغَيُّرِ حالِها عما كانتْ عليهِ عِنْدَهُ فقال لها: من أنتِ؟ فقالتْ: أنا أَحَدُ أنقاضِكَ، أي أحدُ الأنقاض، وهي المهازيلُ التي تَتَزَوَّجُهُنَّ. ضَرَبَتْ الهزالَ للفقرِ مثلًا، ثم يَسْتَغْنِينَ. وقد يجوز أن يجعل الأنقاضَ ها هنا المطلقات، لأِنَّهُ قد نَقَضَ الطلاقُ ما بينَهُ وبينَهُنَّ، وكأنّها قالت: أنا إحدى مُطَلَّقاتِكَ، والتفسيرُ الأَوَّلُ أَشْبَهُ عندي بما أُريدَ في الحديثِ لقولهِ: "ما تَزَوَّجْتُ فقيرةً إلّا استغنتْ ولقد رَأيتُ امرأةً مُتَجالّةً" يَدُلُّ هذا القولُ على أَنّها أرادت أنا إحدى الفقيرات (٥) اللواتي كنت تنكحهن، فيستغنين.
стр. 172
٥٥ - سألتَ عن الحديثِ: "من اتَّقَى الله وُقِيَ الهَوَراتِ" (١)؟ .
• ومعناهُ: من اتَّقَى اللهَ وُقِيَ المَهالِكَ وكَنَى، عنها بالهَوَراتِ واحدُها هَوْرَةٌ (٢). يُقالُ للحائِطِ إذا سَقَطَ: قد تَهَوَّرَ، وللبئرِ إذا انْخَسَفَتْ: قد تَهَوَّرَتْ (٣)، ومنه قولُ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٤). كأَنَّهُ قالَ: من اتَّقَى اللهَ وُقِيَ المهالِكَ التي تُشْبِهُ تَهَوُّرَ البناءِ على الرجلِ من فَوْقِه، أو تَهَوُّرَ الآبارِ من تحتِهِ.
стр. 173
٥٦ - سألتَ عن حديثِ أبي أَيّوبَ (١) في الغُولِ وأَنَّهُ قالَ له: قل لها: تِيسِي (٢) ... جَعارِ" (٣)؟ .
• وجَعارِ مَأْخوذٌ من الجَعْر، وهو الحَدَث، وهو على فَعالِ بمنزلةِ قَطامِ ورَقاشِ معدولٌ عن قاطمةَ وراقشةَ كذلك جعارِ معدولٌ عن جاعرةَ. وقَوْلُهُ: "تيسي" كلمةٌ تُقالُ في معنى الإِبطالِ للشَّيء، والتَّكْذيب بِه، فكأنَّهُ قال لها (٤): كذبتِ يا خارِئَةُ. والعامَّةُ تُغَيُّرُ هذا اللفظَ فتُبْدِلُ التاءَ طاءً ومن السعنِ زايًا لتقارُبِ ما بينَ هذهِ الحروفِ في المخارِج، يُريدُ: طِيزي.
стр. 174
٥٧ - سَألْتَ عن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ حَرَّمَ من الرَّضاعَةِ ما حَرَّمَ من النَّسَبِ" (١) وفي حديثٍ آخَرَ "ما حَرَّمَ من الوِلادَةِ" (٢)؟ .
• وأنا (٣) أُعَرِّفُكَ مَوْضِعًا يتساوى [فيه] (٤) الرَّضَاعُ والنَّسَبُ في التَّحْريمِ. والرَّضَاعُ قد يُساوِي النَّسَبَ، فَيُحَرمُ مِنْهُ كما يُحَرَّمُ من النَّسَبِ. وقد يتساويان فيحرّم أحدهما، ولا يحرّم الآخر (٥) ... المُحرّمة وسأبين ذلك إن شاء الله.
أما الموضع الذي يتساوى فيه النسب والرضاعة فَيُحَرِّمان، فهي الظِئْرُ تُرضِعُ رجلًا، فتحرم عليه كما تَحْرُمُ أُمُّهُ، وتَحْرُمُ عليه كما تحرُمُ خالتُهُ، وتحرُم عليه ابنتُها كما تحرُمُ أُخْتُهُ، وتحرمُمُ عليه أُمُّها كما تحرُمُ عليه جَدّتُهُ، وتحرم عليه عَمَّتُها؛ لأنّها كعمةِ أُمِّه، وخالَتُها لأنّها كخالةِ أُمِّهِ. فهذا وما أَشْبَهَهُ يستوي فيه الرِّضاعُ والنَّسبُ.
стр. 175
وأما الموضع الذي تكون في أحدهما علّة تُحَرِّمُهُ، ولا تكون في الآخَر فإنّهُ لا بَأْسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ ظِئْرَ ابنتِه، وابنةَ ظِئْرِ بِنْتِه، وهي أختُ بِنْتِهِ بالرَّضاع، ولا يكون مِثْلُ هذا في النَّسَبِ؛ لأَنَّهُ لا يكون لابنتِهِ أُخْتٌ بالنَّسَب إِلَّا من قِبَلِ أُمِّه، أو من قِبَلِ أُمِّها، وهي زوجةٌ. فإنْ كانت من قِبَلِهِ فهي بِنْتُهُ، وإِنْ كانت أُخْتُها لأُمِّها فهي رَبِيبَتُهُ، وقد حَرَّمَ اللهُ نِكاحَ الرَّبائِب اللاتي (١) دُخِلَ بأُمَّهاتِهِنَّ. ومن ذلك أَنّهُ لا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُختَ أَخيهِ لأُمِّهِ بالنسبِ كأنّ رجلًا له أخٌ لِأَبيهِ ولِأَخيهِ أُخْتٌ لِأُمِّه، فلا بأسَ أن يَتزَوَّجَ الرجلُ تلك الأختَ، لِأَنَّ الفقهاءَ مجمعونَ على أَنّهُ لا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ امرأةً، ويزَوِّجَ ابْنَهُ ابْنَتَها، وكذلك أن يَتَزَوَّجَ البنتَ ويُزَوِّجَ ابْنَهُ أُمَّها، وهذا يَقَعُ في الرَّضاعِ كما يَقَع في النَّسَبِ سَواءً. ولا بَأْسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُخْتَ أُختِهِ لأبيها من الرَّضاع، كأَنَّ امرأةً أَرْضَعَتْ رَجُلًا بِلَبانِ بنتٍ لها، ولتلك البِنْتِ أُخْتٌ لأبيها، فللرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَها، وهذا يَمْتَنِعُ في النَّسَب، لأنَّ النَّسبَ لا يكونُ فيه رَجُلٌ لَهُ أُخْتُ أَخٍ لأَبٍ إِلَّا والأَبُ يَجْمَعُ الثلاثةَ، فيكونُ أَبًا لهم جَميعًا فإنْ كانوا أخوةً متفرقينَ (٢) وكانَ للأخِ للأب أختٌ أنْ جاز لِكُلِّ واحدٍ من الأخَوَينِ أَنْ يَتَزَوَّجَها على ما مَرَّ مُتَّفِقُ القَوْل، وكذلك إنْ كان للأَخَوَينِ اللذين تَجْمَعُهما الأُمُّ أُخْتٌ لِأُمِّها جاز أن يَنْكِحَها الأخُ لِلأَبِ (٣).
стр. 176
٥٨ - سألتَ عن قَوْلِ الثَّوْرِيّ (١): يُكْرَة للرجلِ أن يَجْمَعَ بَينَ امْرَأَتَينِ إذا كانتْ إحداهما الأخرى إذا كان ذلك من نَسَبٍ؟ .
• أراد الثَّوْرِيُّ مثلَ العَمَّةِ والخالَةِ أَنْ يَنْكِحَها على بِنْتِ الأخ، وعلى بِنْتِ الأُخْتِ لأَنَّكَ إذا جعلتَ العمَّةَ رجلًا صارت عَمًّا، فلم تَحِلَّ لَهُ بِنْتُ الأُخْتِ.
وكذلك تحريمُ الجمعِ بَينَ الأُخْتَينِ. تَرى هذا وشِبْهَهُ واللهُ أعلمُ؛ لأنك إذا جعلت إحدى الأُخْتَينِ أخًا لم تَحِلَّ له الأُختُ. وقولُ سفيانَ (٢) إذا كان مِنْ نَسَبٍ يُريدُ أَنّما نكرهُ هذا له في النسب، ولا نَكْرَهُهُ في الصِّهْر، ألا ترى أنَّهم قد أَجازُوا للرجلِ أن يَجْمَعَ بين امْرأةِ الرجلِ وابنتِهِ مِنْ غَيرِها، وأَنّها إذا جُعِلَت البنتُ ابنًا كانت المَرْأَةُ حَرامًا عليهِ؛ لِأَنّها امرأةُ أَبيهِ. وقد كَرِهَ أيضًا هذا قومٌ، ورأوهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ (٣).
стр. 177
٥٩ - سألتَ عن لَبَنِ الفَحْلِ ما هو؟ وكيف سمي لَبَنَ الفَحْلِ؟ .
• ومعنى لبنِ الفَحْل أنه دَرَّ بوَطْءِ الرجل، فإذا أَرْضَعَتْ به امرأةُ الرجلِ جاريةً صار الرجلُ لها أبًا؛ لِأَنَّها شربت لبنًا دَرَّ بمائِه، ونكاحِه، وصار ولدُهُ (١) لها أخوةً وسأل ابنُ عباسٍ (٢) عن رجلٍ له امرأتان، فأَرْضَعَتْ إحداهما جاريةً، والأخرى غُلامًا. أتَحِلُّ للغلامِ الجاريةُ؟ قال: لا. اللقاحُ واحدٌ، وهذا لبنُ الفحل؛ لأنَّ اللبَنَ دَرَّ للجاريةِ والغلامِ بِوَطْءِ الرجلِ.
وقد ذهبَ قومٌ من الفقهاءِ إلى أَنَّ الرضاعَ من قِبَلِ الرجالِ لا يُحَرِّمُ، فلم يُحَرِّمُوا بلَبَنِ الفَحْلِ (٣).
стр. 178
٦٠ - سألتَ عن حديثٍ رَواهُ النَّضْرُ بن شمَيلٍ (١) عن الهِرْماسِ بنِ حبيبٍ (٢) عن أَبيهِ عن جدِّه "أَنَّهُ التقطَ (٣) شَبَكَةً (٤) على ظَهْرِ جَلّالٍ (٥) بقُلَّةِ الحَزْنِ (٦) ليالي عمرِ بنِ الخطاب ﵁، فأتى عمَر بنَ الخطاب، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ أسْقِني شَبَكَةً التَقَطْتُها على ظَهْر جَلّالٍ بِقُلَّةِ الحَزْن، فقال عُمَرُ: ما تركتَ عليها من الشارِبةِ؟ (٧) قال: كذا وكذا. قال الزُّبَيرُ بن
стр. 179
العَوّامِ (١): إنَّك يا أَخَا بَني تَميمٍ تَسَلُ خيرًا قليلًا قال عُمَرُ: ما خيرٌ قليلٌ؟ قِرْبتانِ: قِرْبةٌ من ماءٍ وقِرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ تُغادِيانِ (٢) أَهْلَ بيتٍ مِنْ مُضَرَ بقُلَّةِ الحَزْنِ لا بَلْ خيرٌ كَثِيرٌ قد أَسْقاكَهُ اللهُ" (٣).
• الشَّبَكَة: واحدةُ الشِّباك وهي آبارٌ مُتَقارِبةٌ قرينةٌ يُفْضي بَعْضُها إلى بَعْضٍ. وقولُهُ: التقطتُها: يريد هَجَمْتُ عليها بجلّال، وهو حَبْلٌ، وأنا لا أشعرُ بها يقال: وردتُ على القومِ التقاطًا إذا وردتَ عليهِمْ، ولا تَشْعُرُ بهم (٤) ومنه قولُ الشاعرِ (٥):
ومنهلٍ وردتُهُ التقاطًا (٦)
стр. 180
والحَزْنُ: مُعْظَمُهُ لبني يَرْبوع (١). وقولُهُ لعمرَ: أَسْقِنيها بقَطْعِ الألفِ: يُريدُ اجعلها لي سُقيا وأَقْطِعْنيها (٢).
وقول عمر: ما خيرٌ قليلٌ؟ قربتانِ قِرْبةٌ من ماءٍ وقِربةٌ من لَبَنٍ: يُريدُ أَنَّ هذه الشبكةَ تَرِدُ عليها إِبلُهُمْ، وترعى بِقُرْبِها، فيأتيهم الماءُ واللبنُ كلَّ يومٍ بِقُلَّةِ الحَزْن، وهو موضع لا يُقْدَرُ فيه على الماءِ.