← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151010

المسائل والأجوبة لابن قتيبة

ابن قتيبة

Полный текст (422 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عُروقَها، ولا هَبَطَتْ مَلْحاؤُها (١)، فيبينَ زَوالُها (٢) فقال: قَرِمْنا إلى اللَّحْمِ" (٣)؟ . • المُغِدُّ: الناقةُ تَأْخُذُها الغُدَّة، وهي طاعون الإِبل (٤)، ومنه قولُ عامرِ بنِ الطُّفَيْلِ (٥) حِيْنَ انصرفَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فَطُعِنَ: أَغُدَّةً كَغُدَّةِ البعير وموتًا في بيت سلولية (٦). واسْتَحْجَى اللَّحْمُ تَغَيَّرَتْ رِيْحُهُ من المَرَضِ العارِضِ للبعيرِ (٧) ومِثْلُهُ الدَّخَنُ (٨).

стр. 72

والفَقِيء (١) الذي يأْخذُهُ داءٌ يقال له: الحَقْوَةُ، فلا يَبولُ، ولا يَبْعَرُ، وربما سَلَحَ الدَّمَ، وربما شَرِقَتْ عُرُوقُه، ولَحْمُهُ بالدَّم، فَيَنْتَفِخُ، فإنْ ذُبِحَ، وطُبِخَ لَحْمُهُ امتلأت القِدْرُ (٢) منه دَمًا، وربما انفقأت (٣) كَرِشُهُ من شِدَّةِ انتفاخِهِ فهو الفَقِيْءُ (١) حينَئذٍ (٤). وقوله: "ولا هبطت ملحاؤها فيبين زوالها". وهبوط الملحاء يكون من عِظَم سنام الناقة يثقل السنام على الملحاء، فَيَهْبُطُ (٥). ° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه "أنَّ عائشةَ (٦) ﵂ كانت تَأْخُذُ الزرنقة" (٧) والزَّرْنَقَةُ العِيْنَةُ (٨) ومنها حديثٌ رَواهُ أبو إسحاقَ (٩) عن البراءِ بن .....

стр. 73

عازِبٍ (١) قالَ: لمّا صالَحَ رسولُ اللهِ ﷺ ، أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ صالَحَهُمْ على أَنْ يَدْخُلَها (٢) هو، وأصْحابُهُ ثَلاثةَ أَيَّامٍ، ولا يدخلونها إلّا بِجُلُبَّانٍ" (٣)؟ . • الجُلُبَّانُ: أوْعِيَةُ السِّلاحِ بما فيها مثلُ (٤) الغِمْدِ. والسَّيْفُ فيه، والكِنانَة، والسِّهامُ فيها، ولا أراه سمي جُلُبَّانًا إلّا لِجَفائِهِ؛ ولذلك قيل للمَرْأةِ الجافية الغليظة (٥) جُلُبَّانَة (٦)، وقال (٧) حُميدُ بن ثَوْرٍ (٨) ﵁:

стр. 74

جُلُبَّانةٌ وَرْهاءُ تَخْصي حِمارَها ... بِفِيْ مَنْ بَغَى خَيْرًا لَدَيْها الجَلامِدُ (١) وفي حديثٍ آخَر: (لا يَدْخُلُ مكةَ السلاح إلا السَّيْفَ في القرابِ) (٢). ° ومنها حديثٌ رَواهُ الفُضَيلُ (٣) بن مَرْزوقٍ (٤)، عن جَبَلَةَ بِنْتِ المُصْفَّح (٥)، عن أبيها قال عَلِيٌّ (٦): مَنْ كَذَبَ على رَسولِ اللهِ ﷺ ، فإنّما يُدَمِّثُ مَجْلِسَهُ من النّار (٧)، وحَرَّكَ يَدَهُ حتى ثارَتْ قَسْطلانِيَّةٌ (٨).

стр. 75

• قَوْلُهُ: يُدَمِّثُ مجلسه (١) من الدَّمْث، وهو التُّرابُ السَّهْلُ اللَّيِّنُ، يريد فإنما يُوَطِّيءُ لنفسِهِ من النار كما يُوَطِّيءُ الرّجلُ مَجلِسَهُ بالدَّمْث، ومن هذا قيل للرَّجُلِ السَّهْلِ الأَخْلاقِ اللَّيِّنِ: دَمِثٌ (٢). وقوله: "حتى ثارت قَسْطَلانِيَّةٌ" والقَسْطَلانِيَّةُ رِيْحٌ مَنْسوبَةٌ إلى القَسْطَلِ (٣)، وهو الغُبارُ. ومنه الحديثُ في وَقْعَةِ نَهاوَنْدَ: "إنّهم لما الْتَقَوا ثارَتْ قَسْطلانِيَّةٌ (٤) ". ° ومنها حديثٌ ذُكِر فيه "أنَّ رَجُلًا من أهْلِ الكِتابِ قالَ: ألم تر إلى كثْرَةِ دُعاءِ النَّاسِ وقِلَّةِ الإِجابَةِ ذلك (٥) أَنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ إلّا الناخِلَةَ" (٦). • الناخِلَةُ: الخالِصُ من كُلِّ شَيْءٍ ومنه (٧) تَنَخَّلْتُ من القَوْم أَفاضِلَهُمْ وهذا مُتَنَخَّلُ الشِّعْرِ. ° ومنها حَديثٌ ذُكِرَ فيه "أنَّ جريرَ بنَ عبد اللهِ البَجَلِي (٨) قالَ: يا

стр. 76

رسولَ اللهِ إنِّي رَجُلٌ قَلِعٌ فادعُ اللهَ لي" (١)؟ . • والقَلِعُ (٢) الذي لا يَثْبُتُ على السَّرْجِ. ° ومنها حديثٌ ذُكِرَ فيه "أن رَجُلَيْنِ اخْتَصَما عندَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَغَضِبَ أحَدُهُما حتى كادَ يَتَمَزَّعُ أنْفُهُ" (٣)؟ . • هذا الحرفُ قد ذَكَرَهُ أبو عُبَيْدٍ في كتابِهِ (٤)، وقال: أراه يَتَرَمَّغ أَنْفُهُ أي يكادَ يُرْعِدُ من شِدَّةِ الغَضَب، فإنْ كانَ المحفوظُ يَتَمَزَّعُ، ولم يكنْ على ما روى أبو عُبَيْدٍ، فإنّهُ من المُمَزَّعُ، وهو المُقَطعُ، يُقال: مَزًعَ اللَّحْمَ، وهذه مُزْعَةٌ من

стр. 77

اللَّحْمِ أي قطعة (١) قال: خبَيْبٌ (٢) ﵁: وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِكْ على أَوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (٣) ° ومنها حديثٌ رواهُ أبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ (٤) عن دَهْثَم بن قُرَّان (٥) اليماميّ عن نِمْران بن جارِيةَ الحَنَفِي (٦) عن أَبيه أنّ قومًا اخْتَصموا في خُصّ (٧) فارْتَفَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَ معهم حُذَيْفَةَ (٨) ...............

стр. 78

فقضى (١) به حذيفة للذينَ يليهم القُمُطُ (٢) فأجازَهُ النَّبِيُّ ﷺ (٣). • القُمُطُ: جَمْعُ قِماطٍ، وهو الشِّدادُ والعِصَابُ (٤)، ومنه قِيلَ: قَمَطْت الصَّبِيَّ إذا شَدَدْتَهُ، وقيلَ لِلْخِرْقَةِ التي يُشَدُّ بِها: قِماطٌ (٥) أرادَ أنَّ خذَيْفَةَ قَضَى به لِلْقَوْمِ الذين كان الشَّدُّ، والعَقْدُ من ناحِيَتِهِمْ. ° ومنها حديثٌ ذُكر فيه أنّ النبيَّ ﷺ ، قال: "الإِمامُ جُنَّةٌ" (٦)؟ . • أراد (٧) أنه يَقِي المأْمُومِيْنَ مَأْثَمَ الزَّلَلِ والسَّهْوِ وما أشبه (٨) ذلك. شَبَّهَه بالتُّرْس الذي يَقي صاحِبَهُ من السِّلاحِ. والتُّرْسُ: يُقال لَهُ جُنَّةٌ وكذلك الدِّرْعُ (٩) والمِغْفَرُ (١٠). قال أبو جعفر (١١): يقال أجنّة الليل كأنه ستره بسواده، ويقال للجنِّ جنُّ

стр. 79

لاستتارهم عن الأبصار. والجنين بسلاه مستتر في بطن أمه. ° ومنها حديثُ عمرو بنِ عَبَسَةَ (١) قالَ: قلتُ لرسولِ اللهِ ﷺ : هل مِنْ ساعَةٍ أقْرَبُ إلى اللهِ من أُخْرى؟ قال: "نعم جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرُ أفْضَلُ حتى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثم أَنْهِهْ حتى تطلع الشمس، وما دامت كأنها جَحْفةٌ حتى تنتشر" (٢) ثم ذكر الوضوء فقال: "إذا قامَ الرجلُ إلى الصَّلاةِ، فكان هَوْءُهُ وقَلْبُهُ إلى اللهِ انصرفَ كما وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (٣). • قوله: أَنْهِهْ (٤) مَعْناة انْتَهِ، ثم تُدْخِلُ الهاءُ بعد (٥): فَتَقولُ: انْتَهِهْ كما تقولُ اقْتَدِهْ. يقال (٦): ......

стр. 80

أنهى الرجل (١) إذا انتهى. فإذا أمرت قلت: أَنْهِ يا فلان، كما تقول انْتَه، ثم تُدخل الهاء، فتقول: أَنْهِهْ كما تقول: إِقْتَدِهْ. إلا أن الألف من أَنْهِهْ مفتوحة والألف من اِقْتَدِهْ مكسورة (٢). والهَوْءُ الهِمَّةُ. قال رؤبة (٣). "لا عاجِزُ الهَوْءِ ولا جَعْدُ القَدَمْ" (٤) ° ومنها قَوْلُهُ (٥): "القَ الفاجِرَ بوجهٍ مُكْفَهِرٍّ" (٦)؟ . • أيْ غَليظٍ صُلْبٍ، يُريدُ لا تَسْتَبْشِرْ لَهُ، ولا تستحيِ منهُ، يُقالُ: سحابٌ

стр. 81

مُكْفَهِرٌ إذا كانَ كثيفًا (١) وجيش مُكْفَهِرٌ. ° ومنها قولُ عائِشَةَ (٢) في سَوْدَةَ (٣) "إنّها كانت امرأةً ثَبِطَةً" (٤). • الثبطة: البطيئة (٥)، ومنه يقال: ثَبَّطْتُ فُلانًا عن الأمْرِ. وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٦) ° ومنها قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إذا اِرْتَجَّ" (٧)؟ . • هذا الحرف يَرْويهِ أبو عُبَيْدٍ (٨) ....

стр. 82

إذا ارْتجّ تقدير (١) افتعل (٢) بمعنى اضْطَرَبَ، واخْتَفَقَتْ أصواته (٣)، فإنْ كان المحفوظُ أَرْتَجَ كما ذكرت (٤) فمعناه أُغْلِقَ، ومعناه أنْ يَهُب، وتَكْثُرَ أمواجُهُ، ولا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرْكَبَهُ، فذلك إغْلاقهُ، وكذلك الثَّلْجُ يُرْتِجُ، فلا يَسْتطيعُ المُسافِرُ أَنْ يَرْكَبَ الطَّريقَ (٥). ° ومنها حديثٌ رَواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ (٦) عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي جَعْفَرٍ (٧) قال: "رأيتُ على عبد اللهِ بنِ الحارِثِ (٨) عمامةً حَرْقانِيَّةً" (٩)؟ .

стр. 83

• وهذا الحرف تفسيره في الحديث. قيل (١): الحَرْقانِيةُ السَّوْداءُ، ولست أدري من أَيِّ شَيْءٍ أُخِذَ؟ .

стр. 84

٢٢ - سألت عن الجنة ما هي؟ . • والجنة الشجرة يقول الله ﵎ (١): ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يريد أشجارًا (٢) وقال زهير (٣) يذكر سانية (٤): كأن عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... من النَّواضِحِ تسقى جَنَةً سُحُقا (٥) فالجنّة (٦): ههنا النخل، والسحق: الطوال، يقال: نَخْلَةٌ سَحوقٌ إذا كانتْ طَويلةً (٧).

стр. 85

٢٣ - سألت (١) عن حرف رواه القاسم بن معن (٢) "أن عليًّا ﵇ خرج ذات يوم يتفلفل" (٣) أي يستاك؟ . • ولست أعرف هذا، ولعلّه أن يكون خرج، وهو يَتَتَفَّلْ (٤)، وهذا يجوز أن يكون في معنى يستاك؛ لأنه إذا استاك تفل.

стр. 86

٢٤ - وسألت (١) عن قوله: من أحب أن يستخم له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده (٢) من النار (٣)؟ . • أحسبه (٤) يستخيم له الرجال، وهو يستفعل (٥) من خام يخيم إذا أقام بمكانه، يقال: خام الرجل وخيم بالمكان إذا أقام به. ومعنى الحديثِ: مَنْ أرادَ أنْ يَقومَ الرِّجالُ على رَأْسِهِ كما يُقامُ بين يَدَيْ الملوكِ والأمراءِ. ومن (٦) الناس من يَظُنُّ أنَّ قيامَ الرَّجُلِ لأخيه، إذا سَلَّمَ عليهِ مِنْ هذا، وليس هو منه. يَدُلُّ على ذلك الحديثُ الآخَرُ "من سَرَّهُ أَنْ يَقُوْمَ الرِّجالُ (٧) ....

стр. 87

له صُفونًا" (١) والصافِنُ هو الذي أطالَ القِيامَ، فاحتاجَ لطولِ قيامِهِ إلى (٢) أنْ يَرْفَعَ إحدى رِجْلَيْهِ ليَسْتَريحَ، وكذلك الصافِنُ من الدَّوابِّ: هو الذي أطالَ القيامَ، فرفعَ إحدى قوائِمِهِ (٣).

стр. 88

٢٥ - سألَ (١) رجلٌ فقال (٢): من أينَ قلت (٣) إنَّ الوضوءَ مِن مَسِّ الذَّكَرِ هو غَسْلُ اليَدِ؟ . • فقلتُ: لِحَديثِ طَلْقٍ (٤) أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إِنما هُوَ بَضْعةٌ مِنْكَ" (٥) فقالَ (٦): وأَيُّ حُجَّةٍ لكَ في ذلك؟ فقلتُ: إنَّ الحجةَ فيه (٧) أنَّ رَسولَ الله ﷺ لم يُوجِبْ في مسّ الذكر في (٨) حديثِ طَلْقٍ وُضوء وأَوْجَبَهُ عندك (٩) في حديثِ بُسْرَةَ (١٠)

стр. 89

في قولِهِ: "من مسَّ فَرْجَهُ فلْيَتَوَضَّأْ" (١) وهذا تَناقُضٌ. قال: فإنَّ حديثَ طَلْقٍ يَطْعَنُ فيه أصْحابُ الحديث، قُلْتُ من أيِّ وَجْهٍ؟ قالَ: لأنَّ طَلْقًا أعرابيٌّ، قلت: فما بالُ الأَعْرابِ؟ أليس هم النَّقَلَةً لكَثيرٍ من سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلينا؟ أَولَيْسَ منهم الذينَ قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية؟ وبُسْرَةُ أَولَى بأَنْ يُضَعَّفَ الحديث بها؛ لأنَّها امْرأَةٌ، وقد جعلَ الله شهادةَ امرأَتَيْنِ شهادةَ (٣) رَجُلٍ، قال: فإنَّ حديثَ طَلْقٍ قد طُعَنَ فيه، وليسَ بِصحيحٍ، قلتُ: كيف يكونُ غيرَ صحيحٍ، وجِلَّةُ (٤) أصْحابِ النبي (٥) ﷺ ، وكبراؤُهُمْ، والتابعونَ عليه (٦)؟ وحديث بُسْرَةَ ليس عليه إلّا ابنُ عباس، وعدد (٧) يسير. فإنْ كانَ قَوْمٌ قد طَعَنُوا في الحديثِ فقد طَعَنَ آخَرونَ في حديثِ بُسْرَةَ، وَضَعَّفوه باختلافِ الألفاظ فيه (٨)، فمرّةً مروانُ يقول (٩):

стр. 90

حَدَّثَتْنِي بُسْرَةُ، ومرةً بَعَثَ إليها شُرْطِيًّا يَسْأَلُها، فأرسلتْ إليه معه بالجواب، ومروانُ ليس كغيرِهِ. يقول لنا (١) إسحاقٌ: حديثُ بُسْرَةَ أثْبَتُ الأحاديثِ في الوُضوءِ من مَسِّ الذَّكَر، وإذا كان مع هذا الاضطراب أَثبَتَ الأحاديث، فما ظَنُّكَ بغيرِهِ؟ قال: فَنَعْمل (٢) على أنّ الحديثَيْنِ قد تَكافَأ، أو أَحَدُهُما ناسِخٌ للآخَرِ. قلت: أيُّهُما عندَكَ الناسِخُ، وأيُّهما المَنْسوخُ؟ قال: حديثُ بُسْرَةَ ناسِخٌ لحديثِ طَلْقٍ، قلتُ: لا يجوز هذا، ولا يقولُهُ من يَعْلَمُ؛ لأنَّ اللهَ إنّما يَنْسَخُ الثَّقيلَ بالخفيف، والعَسيرَ باليسير، قال : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَو مِثْلِهَا﴾ (٣) أي نأت بخير منها في الخفة والسهولة. وكذلك حديث النبي ﷺ في "نَهْيِهِ عن زيارَةِ القبورِ" فلما ثَقُل ذلك على النَّاسِ أذِنَ لهم (٤) [في الزيارَةِ] (٥).

стр. 91

وكذلك نَهْيُهُ عن ادِّخارِ لُحومِ الأضاحِي (١) ثم أذِنَ لهم في ادِّخارِها (٢). وكذلك قولُهُ في الهلال "إذا غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له" (٣) فلما خَفِيَ ذلك على أَكْثَرِهِمْ، وشَقَّ على مَنْ وَضَحَ عندَهُ قال. "إن غُمَّ عليكمْ فأكْمِلُوا العِدَّةَ" (٤) وحديثُ بُسْرَةَ فيه (٥) الضِّيقُ والمَشَقَّةُ، فَلأَنْ يُنْسَخَ بحديثِ طَلْقٍ أَوْلَى، وأَحْرَى، قال: فإنّ الناسَ على قديم الأيّام (٦) وحَديثِها لم يَخْتَلِفُوا في أنَّ الوُضُوءَ الذي أَوْجَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إِنّما هو وُضُوءُ الصَّلاة، ولم يَقُلْ أَحَدُ إنّهُ غَسْلُ اليَدِ (٧) قلت: أمّا مَنْ عَلِمَ مَعْنى الوُضوءِ من المُتَقَدِّمِينَ فقد عَرَفَ أنَّهُ غَسْلُ اليَدِ (٧)، فَلَمْ

стр. 92

يَأْخُذْ بِه، ولو لم يَعْلَمْ أنَّ ذلك تَأْويلُهُ لم يُفْتِ بأنَّهُ لا وُضوءَ في مَسِّ الذَّكَر، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ لم يَعْلَمْ بِحَديثِ بُسْرَةَ؛ لأنّ حديثَها لو لم يَكُنْ مُنْتَشِرًا مُسْتَفيضًا لم يَسْأَلْ أَكابِرُ أصْحاب رَسولِ اللهِ ﷺ عن الوُضوءِ مِنْ مَسِّ الذكَر، بل لم يَكُنْ رسول اللهِ ﷺ سئل (١) عنه، فَيَقولُ: "إنما هو (٢) بَضْعَةٌ مِنْكَ"، ويقولُ: "حِذْيَةُ منك" (٣). ولكنَّهُ لمّا قالَ أولًا: "من مَسَّ ذَكَرَهُ فلْيَتَوَضَّأْ" (٤)، وَتَوَهَّمَهُ قَوْمٌ وَضَوءَ الصَّلاة، وعَرَفَ قَوْمٌ أَنَّهُ غَسْلٌ اليَد، واخْتَلَفُوا، سألُوا (٥). وقد روي (٦) أيضًا حديث يشهد على تأويلنا، وإن كان في إسناده مقالٌ ذكرته ليعلم أني قد سُبقت إلى هذا التأويل: حدثني عبد الله بن أبي سعد أبو محمد (٧)، عن داود بن رُشَيْد (٨)، عن مُطَرِّف بن مازن (٩)، عن إسحاق بن

стр. 93

عبد الله بن أبي المجالد (١)، عن أبي الحكم الدمشقي (٢)، أن عبادة بن نُسَيّ (٣) حدث عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري (٤)، عن معاذ بن جبل (٥) أنه قال: (ليس الوضوء من الرعاف، والقيء، ومس الذكر، وما مسّته النار بواجب. فقيل له: إن ناسًا يقولون إن رسول الله ﷺ قال: "توضؤوا مما مست النار". فقال إن قومًا سمعوا، ولم يعوا. كنا نسمي غَسْل الفم واليدين وضوءًا، وليس بواجب. وأَمَّا المُتَأَخِّرُونَ من أَصْحاب الحديثِ فلا عِلْمَ لَهُمْ بمعنى الوُضوءِ في اللُّغَةِ، وإنّما يَعْرِفونَ وُضوءَ الصَّلاة، فإذا وَرَدَ عليهم معنى الوضوءِ في حديثٍ ظَنُّوا أنَّهُ ذلك، وقد قال قَتَادَةُ: غَسْلُ اليَدِ وُضوءٌ، يريد من مسّ الذكر، والإِبط، ولا يجوز أن يكون أراد غسل اليد وضوء قَبْلَ الطعامِ وبَعْدَهُ، لأنّه لا يكونُ في الكلامِ فائِدَةٌ لو أراد ذلك. وقالَ عبدُ اللهِ بن عمرٍو مِثْلَ قَوْله، وَكيعٌ: وُضوءُ الجُنُبِ قَبْلَ مَنافٍ، غَسْلُهُ (٦) يَدَهُ (٧).

стр. 94

فإذا كانَ الحديثانِ صَحِيْحَيْنِ كانا على تأويلِكَ مُتَناقِضَيْن، ولا يَجوزُ أن (١) يتناقَضَ (٢) قَوْلُ رسولِ الله ﷺ (٣)، وإنْ ادَّعَيْتَ النَّسْخَ بَطَلَ حَديت بُسْرَةَ، وَثَبَتَ حَديثُ طَلْقٍ؛ لأنّهُ لا يجوزُ أن يكونَ النَّاسِخُ غَيْرَهُ لما ثَبَتَ وإذا كان الوضوء غسل اليد على ما تأولت، سلم الحديثان من التناقض؛ لأن الوضوء (٤) يكونُ في حديث بُسْرَةَ فَضِيْلَةً، وتَأْدِيْبًا، ويكونُ في حديثِ طَلْقٍ وُضوءَ الصلاةِ الواجِبَ، وإنْ بَطَلَ الحديثانِ جميعًا فنحنُ مُسْتَغْنُونَ عن حديثِ طَلْقٍ؛ لأنَّا لا نَجِدُ في وُضوءِ الصلاةِ مِنْ مَسِّ الذَّكَر حُجَّةً من كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا نَظَرٍ، فنحنُ على الأصْل، ومَعَنَا جِلَّةُ المهاجرينَ، والأَنْصارِ، والتابعينَ، وأكْثَرُ فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ المتقدِّميِن (٥)، ولست مُسْتَغْنيًا بمَذْهَبِكَ إِنْ بَطَلَ حديثُ بُسْرَةَ عن حديثِ تَشُدُّهُ (٦) بِهِ أَصحَّ منهُ، ولَسْتَ تَجِدُهُ على ما ذَكَرَهُ إسحاقُ إلَّا أَوْهَى، وَأضْعَفَ.

стр. 95

٢٦ - سألتَ عن حديثِ ابنِ لهيعةَ (١)، عن الحارث (٢) بنِ يزيدَ (٣)، عن عليِّ بنِ رباحٍ (٤)، عن عتبةَ بنِ النُّذَّر (٥)، وكان من أصحاب النبيّ ﷺ ، أن رسول الله ﷺ (٦) سُئل: أيَّ الأجلين قضى موسى ﷺ ؟ فقال: أبرّهما، وأوفاهما، وأن نبي الله موسى ﵇ لما أراد فراق شعيب ﵉ قال لامرأته: سَلِي أباكِ من نتاج غنمه ما تعيشون به، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالِب لون ذلك العام، فوقف موسى بإزاء الحوض، فلما

стр. 96

وردت الغنم لم تصدر شاة إلا طَعَنَ جنبها بعصاه، فوضعت قوالب ألوان، فوضعت اثنين وثلاثين ليس فيهن فَشوش ولا ضَبوب ولا كَمْشَةٌ تفوت الكفّ (١) ولا ثَعول (٢). • الفَشُوشُ: هي الواسعةُ ثَقْبِ الضَّرْع، فلا يَسْتَمْسِكُ اللَّبَنُ فيه، فَيَقْطُرُ من غَيْرِ حَلْبٍ، وَينْفَشُّ (٣). والضَّبوبُ من الضَّبّ، وهو الحَلْبُ بالإِبهام، ثم تَرُدُّ أَصابِعَكَ (٤) على الإِبْهام والضَّرْع، وأحْسِبُ ذاك يُفْعَلُ بالشَّاةِ إذا كانتْ ضَيِّقَةَ مَخْرَجِ اللَّبَنِ (٥). والكَمْشَةُ القَصيرةُ الضَّرْعِ التي يَفُوْتُ ضَرْعُها كَفَّ الحالب، ولا يَتَمَكَّن من حَلْبِها (٦). والثَّعُولُ التي لها حَلَمَةٌ زائِدَةٌ، ويقالُ لها: الثُّعْلُ (٧). قال الشاعر (٨):

стр. 97

ذَمُّوا (١) لنا الدُّنْيا وَهُمْ يَرضَعونَها ... أَفاوِيْقَ حتى ما يَدِرُّ لَها ثَعْلُ (٢)

стр. 98

٢٧ - سألتَ عن قول النبي ﷺ (١): "اطْلُبُوا المالَ في خَبايا الأَرْضِ" (٢)؟ . • يُريدُ الرِّكازَ، وهي المَعَادِنُ في قولِ بَعْضِهِمْ، والكُنُوْزُ في قولِ بَعْضِهِمْ (٣) قال عبدُ اللهِ بن جُدْعانَ (٤): أبْغي خبايا الجُدّ (٥) في شرفاتها ... وأدِبُّ تحت الأرض بالمصباح (٦)

стр. 99

الجُدّ (١) هي بئر كان في أعلاها (٢) ذهبَةٌ حمراء كبركة الجزور، فاطلع يومًا في البئر، فرأى ظلها، فاستخرجها، فيقال: إنّه (٣) أول مال تَمَوَّلَهُ (٤).

стр. 100

٢٨ - سألتَ عن قول النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردلٍ من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان" (١)؟ . • وهذا كلامٌ خَرَجَ (٢) مَخْرَجَ الحُكْمِ يُريدُ (٣): لَيْسَ حُكْمُ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، ولا مَنْ كان في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ من كِبَرٍ أن يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لأنَّ الكِبْرِيَاءُ للهِ ، ولا تَكُونُ لِغَيْرِه، فَإِذا نازَعَهَا الله لم يَكُنْ حُكْمُهُ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، واللهُ يفعل بَعْدَ ذَلك ما يَشاءُ (٤). ومِثْلُ هذا مِنَ الكَلامِ قولك (٥) في دارٍ رَأَيْتَها صَغِيرَةً فَقُلْتَ: لا يَنْزِلُ هذه الدَّارَ أَمِيرٌ، تُريدُ: حُكْمُها، وحُكْمُ أَمْثالِها ألَّا يَنْزلَها الأمراءُ، وقد يجوزُ أَنْ يَنْزِلوها.

стр. 101

ونَحْوُ هذا قَوْلُكَ (١): هذا بَلَدٌ لا يَنْزِلُهُ، حُرٌّ تُرِيْدُ لَيْسَ حُكْمُهُ أَنْ (٢) يَنْزِلَهُ الأَحْرارُ. وكذلك قَوْلُهُ: "مَنْ صامَ الدَّهْرُ ضُيِّقَتْ عليهِ جَهَنَّمُ" (٣)؛ لأنّه رغب عن هَدِيَّة الله، وصَدَقَتِه، ولم يَعْمَلْ بِرُخْصَتِه، ويُسْرِه، والراغِبُ عن الرُّخْصَةِ كالرَّاغِبِ عن العَزْمِ (٤)، وكِلاهما مُسْتَحِقٌّ للعُقُوبَةِ (٥) إنْ عاقَبَهُ (٦) اللهُ . وكذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٧) أَيْ حُكْمُهُ أَنْ يُجازِيَهُ بذلك، والله يَفْعلُ ما يَشاءُ. وهذا على حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ (٨) عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ وَعَدَهُ الله على عَمَلٍ ثَوَابًا فهو مُنْجِزُهُ له ومَنْ أوْعَدَهُ (٩) على عَمَلٍ عِقابًا فهو فيه (١٠) بالخِيارِ" (١١).

стр. 102

٢٩ - وسألتَ (١) عن حديثِ النَّبِيِّ ﷺ في الرَّجُل الذي قَالَ لِبَنِيْهِ: إِذا مِتُّ فاحْرِقُونِيْ، ثُمَّ أُذْرُونِيْ (٢) في اليَمِّ؛ لعلّي أَضِلُّ اللهَ (٣)؟ . * قَوْلُهُ: أَضِلُّ اللهَ ، يُريدُ أَفوتُ اللهَ ، تَقُولُ: ضَلِلْتُ كذا وأَضْلَلْتُهُ (٤)، ومنه قول الله ﵎: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٥) أَيْ لا يفوت (٦) ربي. وهذا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ باللهِ مُقِرٌّ بِهِ إلَّا أَنَّه جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفاتِه،

стр. 103

وَظَنَّ (١) أَنَّهُ إذا أُحْرِقَ وذُرِيَ في الرِّيحِ (٢) أنَّهُ يَفُوْتُ اللهَ ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ بِمَعْرِفَتِهِ إيّاهُ (٣)، ومَخَافَتِهِ (٤) مِنْ عَذابِه، وجَهْلُهُ (٥) بهَذهِ (٦) الصِّفَةِ من صِفاتِهِ (٧).

стр. 104

٣٠ - سألني سائلٌ عن العَقْلِ وسَبَبِه، وقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ أن أَجْنِيَ وَأَنا مُوسِرٌ لما يَلْزَمُنِي بتلكَ الجِنايَةِ ولأكثرَ منه أضعافًا (١) فلا أَلْزَمُهُ أنا، ولا وارثي، ويَلْزمُهُ الضعيفُ من عَصَبَتي، وعَشيرتي، والله يَقولُ: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)؟ . * وتَوَهّمَ أنَّ العَقْلَ داخلٌ في حُكْمِ هذه الآيةِ. ولَيْس العَقْلُ داخلًا في حُكْمِ هذه الآيةِ لأنَّ تأويلَ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) لا يَحْمِلُ أحدٌ حَيْفَ غَيْرِه، فَيُؤْخَذُ به. وكانَتْ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذلك. فإذا قَتَلَ رجلٌ رجلًا ثمَّ ماتَ (٣)، فلم يَصِلُوا إليه ليقُتَصُّوا مِنْهُ قَتَلُوا ابنَهُ إِنْ قَدَرُوا عليه، أو أباهُ، أو أخاهُ. فإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِم ذُو النَّسَبِ به قَتَلُوا رَجُلًا من قَبيلَتِهِ. وكذلك إذا جَنَى على أحدٍ منهم اقْتَصُّوا مِنْ عْيرِ الجاني إِنْ لم يَجِدوا الجانِيَ. فقالَ اللهُ : ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤). وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ رَأَى مَعَهُ ابنَهُ: "لا يَجْني عليكَ ولا تَجْني عليهِ" (٥) يُريدُ إِنْ جَنَى لم تُؤْخَذْ بجنايتِه، وإِنْ جَنَيْتَ لم يُؤْخَذْ بِجنايتِكَ. فأمَّا العَقْلُ فإنّهُ لُطْفٌ من اللهِ لعبادِه، ونَظَرٌ لهم أَوْجَبَهُ كما أَوْجَبَ التَّناصُرَ

стр. 105

والتَّرافُدَ والتَّعاوُنَ، وقد كانت العربُ ربما جاورَ القبيلةَ منهم رجلٌ غريبٌ، فيَعْقِلونَ عنه، ولا يُسَلِّمونَهُ، ولا يُحَمِّلُونَهُ ما لَعَلَّ يَدَهُ لا تبلُغُهُ، وَوُجْدُهُ لا يَتَّسِعُ له، فَيُسفَكُ لذلك دَمُهُ. وإِذا كانَ هذا حسنًا في المجاوِرِ الغَريبِ فَهُوَ في العَصَبَة، والعَشيرَةِ أَحَقُّ، وأَوْلى. ولو أُسْلِمَ كُلُّ جاني خَطَأٍ بجنايَتِه، ولم يُتَحَمَّلْ عَنْهُ، وَوُكِلَ إلى نَفْسِه، ومالِه، أَو إِلى مالِ وَرَثَتِهِ دِنيًا دونَ عَصَبَتِهِ وَعَشيرَتِهِ لم يَكُ في أموالِ أَكْثَرِ الناس، ولا أموالِ وارثيهِمْ ما يُحيطُ بِهِ من الإِبِلِ؛ لأنَّ أَهْلَ الثَرْوَة، واليسارِ في الناسِ قليلٌ، وإذا لم يَكُ في أموالِهِمْ ما يَفُكُّهُ من الجنايَةِ ارْتُهِنَ بذلك أبدًا حتى يُوسِرَ، أو يُطَلَّ الدمُ، أو عدا عليه السَّفيهُ من الأولياء، فَقَتَلَهُ، فأَرْفَقَ اللهُ عبادَهُ بأن أَوْجَبَ عَقْلَ الخَطَأِ على العاقِلَة، وأَلْزَمَ الواحِدَ منهمْ قَدْرَ الثلاثَةِ والأَرْبَعَةِ والخَمْسَة، وأَشْباهِ ذلك، مما لا يَفْدَحُ، ولا يُثْقِلُ مُتَحَمّلَهُ، وكان ذلك، إذا اجتمعَ، كثيرًا عظيمًا في صَلاحِ حالِ الجاني، وفَكاكِهِ ممَّا لَزِمَهُ. ولم يَجْعَلْهُ في العَمْدِ عُقُوبَةً للمُتَعَمِّد، وتَشْديدًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ بينَ أَمْرَيْنِ غَليظَيْنِ؛ إِمّا القِصاصُ، وإِمّا الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ اللازِمَةُ في مالِه، ولَعَلَّهُ لا يَجِدُها، وقَدْ حَرمَهُ اللهُ أن يُعَانَ عَلَيْها لِيَتَنَاهَى الناسُ عن الدّماء، وعن الجِراحِ. ولَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يَلْزَمُ لِأَحَدٍ من العَقْلِ في الخَطَأِ إِلَّا لَزِمَهُ مِثْلُهُ لِأَخيهِ إذا أَصابَ خَطَأً، فإذا لم تكُنْ لِلرَّجُلِ عاقِلةٌ، وعَشيرَةٌ عَقَلَ عَنْهُ المُسْلِمونَ من بَيْتِ مالِهِمْ كَيْلا تَضيعَ الدِّماءُ، ولا يُلْزَمُ المُخْطِئونَ ما لا يُطِيفُون.

стр. 106

٣١ - سَأَلْتَ عن قَوْلِ رَسولِ اللهِ ﷺ في حديثِ العَمَرَّدَةِ (١) "ومأكولُ حِمْيَرَ خَيْرٌ مِنْ آكِلِهَا" (٢)؟ . • والمأكولُ الرَّعِيَّةُ وعَوامُّ النّاس، والآكِلونَ المُلُوكُ، نُعِتُوا بذلك لِأَنَّ الملوكَ يَأْكُلونَ أموالَهُمْ بما يَجْتَبونَهُ من الخَراجِ ويُلزِمونَهم وَيَتَعَسَّفونَهُمْ؛ أَرادَ أن عَوَامَّ أهلِ اليَمَنِ خَيْرٌ من مُلُوكِهِمْ (٣).

стр. 107

٣٢ - سَأَلْتَ عن قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ (١): "لا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ على مُفِيْئٍ" (٢)؟ . * والمُفَاءُ الذي افْتُتِحَتْ كُوْرَتُهُ عَنْوَةً فصارت فيئًا. والمُفِيْئُ الذي افْتَتَحَتها فَصَيَّرَهَا فَيْئًا. يُقالُ: أَفَأْتُ كَذا وَكَذا إِذا جَعَلْتَهُ فَيْئًا فأنا مُضِيْءٌ وذلك الشَّيْءُ مُضَاءٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لا يَلِيَنَّ أَحَدُ مِنْ أَهْلِ السّوَادِ على النُّخْبَةِ الذينَ افْتَتَحُوا السَّوادَ عَنْوَةً فَصَارَ السَّوادُ وأَهْلُهُ لَهُمْ فَيْئًا (٣). هذا وما أَشْبَهَهُ.

стр. 108

٣٣ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ - جَلَّ وَعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (١)، وقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٢)، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٣)، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿مِنْ طِينٍ﴾ (٤)؟ . * وظَنَنْتَهُ اخْتِلافًا، وتَناقُضًا، ولم أَتْرُكْ ذِكْرَ هذا في كتابِ تأويلِ مُشْكِلِ القُرْآنِ إلا لوُضُوحِهِ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ. ولَيْسَ في هذا اخْتِلافٌ بِحَمْدِ اللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ ﵎ خَلَقَ الإِنْسانَ أَطْوارًا كَما قَالَ (٥). فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِيْنٍ كَأَنَّهُ سُلَّ مِنْ جَميعِ طِينِ الأَرْضِ شَيْءٌ خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ، فهو من طِيْنٍ، ومِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِيْنٍ، ثُمَّ تُرِكَ هذا الطِّيْنُ حَتَّى عادَ حَمَأً (٦) مَسْنونًا. والمَسْنونُ: المُتَغَيِّرُ الرِّيْح، وَيُقَالُ: هُوَ المَصْبُوبُ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَّ الماءَ إذا صَبَّهُ (٧). وهذا مُسْتَقْصىً في كِتابِ غَريبِ القُرْآنِ (٨)، ثُمَّ صَوَّرَهُ مِنْ ذلك الحَمَأِ حَتَّى جَفَّ، فَصَارَ صَلْصَالًا أي يَتَصَلْصَلُ مِنْ

стр. 109

شِدَّةِ يُبْسِهِ كما يُصَلْصِلُ اللِّجامُ، وَيطِنُّ إذا نُقِدَ (١)، ثُمَّ نَفَخَ فِيْهِ الرُّوحَ، ثمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ؛ يَعْني وَلَدَ آدَمَ في الرَّحِمِ. وقد يَجُوزُ أَنْ يَكونَ أَرادَ بِقَوْلِهِ: "ولقد خلقنا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" وَلَدَ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ سُلالَةٍ أي مِنْ نُطْفَةٍ، وتلك النُّطْفَةُ مِنْ آدَمَ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِن الطِّيْنِ (٢).

стр. 110

٣٤ - سَأَلْتَ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١)، وقُلْتَ: ما الكتابُ مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ؟ . • وكأنّكَ تَوَهَّمْتَ شَيْئًا. ولَيْسَ الكِتابُ عِنْدي في هذا المَوْضِعِ - واللهُ أَعْلَمُ - إلا الحُكْمَ. وكذلك قولُ اللهِ : ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) أَيْ فَرَضْنَا، وَحَكَمْنَا. وقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (٣) أي فَرَضْتَهُ. وكذلك قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ اللهِ" (٤) أي بِحُكْمِ الله، فَكَأَنَّهُ أَرادَ أَعِنْدَهُمْ الغَيْبُ فَهُمْ يَحْكُمُونَ (٥). وَيَقُولُونَ: نَفْعَلُ بِكَ كَذا، ونَضْرِبُكَ (٦)، ونَقْتُلُكَ، وَتَكُونُ العاقِبَةُ عَلَيْكَ. هذا وما أشبهه.
следующие страницы →