← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151010

المسائل والأجوبة لابن قتيبة

ابن قتيبة

Полный текст (422 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٥٨ - سألتَ عن قَوْلِ الثَّوْرِيّ (١): يُكْرَة للرجلِ أن يَجْمَعَ بَينَ امْرَأَتَينِ إذا كانتْ إحداهما الأخرى إذا كان ذلك من نَسَبٍ؟ . • أراد الثَّوْرِيُّ مثلَ العَمَّةِ والخالَةِ أَنْ يَنْكِحَها على بِنْتِ الأخ، وعلى بِنْتِ الأُخْتِ لأَنَّكَ إذا جعلتَ العمَّةَ رجلًا صارت عَمًّا، فلم تَحِلَّ لَهُ بِنْتُ الأُخْتِ. وكذلك تحريمُ الجمعِ بَينَ الأُخْتَينِ. تَرى هذا وشِبْهَهُ واللهُ أعلمُ؛ لأنك إذا جعلت إحدى الأُخْتَينِ أخًا لم تَحِلَّ له الأُختُ. وقولُ سفيانَ (٢) إذا كان مِنْ نَسَبٍ يُريدُ أَنّما نكرهُ هذا له في النسب، ولا نَكْرَهُهُ في الصِّهْر، ألا ترى أنَّهم قد أَجازُوا للرجلِ أن يَجْمَعَ بين امْرأةِ الرجلِ وابنتِهِ مِنْ غَيرِها، وأَنّها إذا جُعِلَت البنتُ ابنًا كانت المَرْأَةُ حَرامًا عليهِ؛ لِأَنّها امرأةُ أَبيهِ. وقد كَرِهَ أيضًا هذا قومٌ، ورأوهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ (٣).

стр. 177

٥٩ - سألتَ عن لَبَنِ الفَحْلِ ما هو؟ وكيف سمي لَبَنَ الفَحْلِ؟ . • ومعنى لبنِ الفَحْل أنه دَرَّ بوَطْءِ الرجل، فإذا أَرْضَعَتْ به امرأةُ الرجلِ جاريةً صار الرجلُ لها أبًا؛ لِأَنَّها شربت لبنًا دَرَّ بمائِه، ونكاحِه، وصار ولدُهُ (١) لها أخوةً وسأل ابنُ عباسٍ (٢) عن رجلٍ له امرأتان، فأَرْضَعَتْ إحداهما جاريةً، والأخرى غُلامًا. أتَحِلُّ للغلامِ الجاريةُ؟ قال: لا. اللقاحُ واحدٌ، وهذا لبنُ الفحل؛ لأنَّ اللبَنَ دَرَّ للجاريةِ والغلامِ بِوَطْءِ الرجلِ. وقد ذهبَ قومٌ من الفقهاءِ إلى أَنَّ الرضاعَ من قِبَلِ الرجالِ لا يُحَرِّمُ، فلم يُحَرِّمُوا بلَبَنِ الفَحْلِ (٣).

стр. 178

٦٠ - سألتَ عن حديثٍ رَواهُ النَّضْرُ بن شمَيلٍ (١) عن الهِرْماسِ بنِ حبيبٍ (٢) عن أَبيهِ عن جدِّه "أَنَّهُ التقطَ (٣) شَبَكَةً (٤) على ظَهْرِ جَلّالٍ (٥) بقُلَّةِ الحَزْنِ (٦) ليالي عمرِ بنِ الخطاب ﵁، فأتى عمَر بنَ الخطاب، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ أسْقِني شَبَكَةً التَقَطْتُها على ظَهْر جَلّالٍ بِقُلَّةِ الحَزْن، فقال عُمَرُ: ما تركتَ عليها من الشارِبةِ؟ (٧) قال: كذا وكذا. قال الزُّبَيرُ بن

стр. 179

العَوّامِ (١): إنَّك يا أَخَا بَني تَميمٍ تَسَلُ خيرًا قليلًا قال عُمَرُ: ما خيرٌ قليلٌ؟ قِرْبتانِ: قِرْبةٌ من ماءٍ وقِرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ تُغادِيانِ (٢) أَهْلَ بيتٍ مِنْ مُضَرَ بقُلَّةِ الحَزْنِ لا بَلْ خيرٌ كَثِيرٌ قد أَسْقاكَهُ اللهُ" (٣). • الشَّبَكَة: واحدةُ الشِّباك وهي آبارٌ مُتَقارِبةٌ قرينةٌ يُفْضي بَعْضُها إلى بَعْضٍ. وقولُهُ: التقطتُها: يريد هَجَمْتُ عليها بجلّال، وهو حَبْلٌ، وأنا لا أشعرُ بها يقال: وردتُ على القومِ التقاطًا إذا وردتَ عليهِمْ، ولا تَشْعُرُ بهم (٤) ومنه قولُ الشاعرِ (٥): ومنهلٍ وردتُهُ التقاطًا (٦)

стр. 180

والحَزْنُ: مُعْظَمُهُ لبني يَرْبوع (١). وقولُهُ لعمرَ: أَسْقِنيها بقَطْعِ الألفِ: يُريدُ اجعلها لي سُقيا وأَقْطِعْنيها (٢). وقول عمر: ما خيرٌ قليلٌ؟ قربتانِ قِرْبةٌ من ماءٍ وقِربةٌ من لَبَنٍ: يُريدُ أَنَّ هذه الشبكةَ تَرِدُ عليها إِبلُهُمْ، وترعى بِقُرْبِها، فيأتيهم الماءُ واللبنُ كلَّ يومٍ بِقُلَّةِ الحَزْن، وهو موضع لا يُقْدَرُ فيه على الماءِ.

стр. 181

٦١ - سألتَ عن حديثٍ رُوِيَ مرفوعًا: "لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ الغارِفَةَ" (١)؟ . • والغارِفَةُ التي تَجُزُّ ناصِيَتَها عندَ المُصِيبَةِ (٢). يُقالُ: غَرَفْتُ ناصيةَ الفرس، إذا جَزَزْتَها (٣). وأصْلُ الغرفِ الْقَطْعُ، ومنه: غَرَفْتُ من القِدْرِ غرفةً، أي قَطَعْتُ منها قِطْعَةً (٤). والمِغْرَفَةُ. هي في تقدير مِقْطَعَة (٥) ....

стр. 182

٦٢ - سألتَ عن قولِ اللهِ : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ (١) وقلت: أيُّ إِثْمٍ للمقتولِ ها هنا؟ . • والذي عندي فيه أَنّهُ لو قاتله، وكانا مُتَقاتِلَينِ كان كلُّ واحدٍ منهما آثمًا، فلما أَمْسَكَ عن قتالِه، فقتلَهُ الآخَرُ باءَ بالإثمينِ جميعًا، ولو قاتلَهُ الآخَرُ، فَقَتَلَهُ باءَ بإِثْمٍ واحِدٍ (٢).

стр. 183

٦٣ - سَألْتَ عن حديثٍ "ذُكر فيه أن رجلًا سئِلَ عن القيامةِ متى تكونُ؟ فقال: إذا تكاملت العُدَّتانِ" (١). • والذي عندي في هذا أنَّ العُدَّتَينِ عُدَّةُ أهْلِ الجَنَّة، وعُدَّةُ أهْلِ النَّارِ إذا تَكامَلَتا عِنْدَ اللهِ برُجوعِهِمْ إِلَيهِ قامَت القِيامَةُ. ومعناهُ (٢) الحديثُ الذي رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ فيه أَنَّهُ قال: كتابٌ لأَهْلِ النَّارِ بأسمائِهِمْ: وأسماءِ آبائِهِمْ لا يُزادُ فيهم، ولا يُنْقَصُ مِنْهُمْ قال: ومثلُ ذلك في أهل الجَنَّة، فإذا تَكاملتْ هاتانِ العُدَّتانِ عندَ اللهِ قامت القيامةُ (٣).

стр. 184

٦٤ - سألتَ عن حديثٍ: "ذُكِرَ فيه أنَّهُ نَهَى عن السَّوْمِ قَبْلَ طلوعِ الشَّمْسِ" (١)؟ . • وفي هذا الحديثِ تَأْويلانِ: أحدُهُما أنَّهُ أرادَ بالسَّوْم رَعْيَ الماشيةِ يُقالُ: أَسَمْتها، فَسَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا، فهي سائِمَةٌ. وإِنّما كَرِهَ سَوْمَ المَاشيةِ قبلَ طُلوعِ الشمسِ للبَرْدِ والنَّدَى الذي يَقَعُ على الكَلأَ بالغَداة، فَيُخَشى عليها مِنْهُ الغائِلةُ (٢). والوَجْهُ الآخَرُ أَنَّهُ أراد: السومَ: البَيْعَ والشِّراءَ قبلَ طُلوعِ الشمس، وإنما كَرِهَ ذلك لأَنَّهُ وقتٌ يُستَحبُّ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فيه المَرْءُ نَفْسَهُ للتسبيح، والحمد، وذكرِ اللهِ (٣). يَقولُ اللهُ جل وعز: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٤). ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٥). وقد رُوِي في

стр. 185

الحديثِ: "من أصْبَحَ ولَيسَ اللهُ هِمّتَهُ لم يُبالِ اللهُ بأيّ وادٍ هَلَكَ" (١). هذا أو معناه من الكلام، ومن اشترى، وباعَ قبلَ طلوعِ الشمسِ شُغِلَ بذلك عن ذِكْرِ اللهِ. ولهذا كَرِهَ قَوْمٌ الكلامَ قبلَ طلوعِ الشمسِ إلا بالتسبيحِ والذِّكْرِ.

стр. 186

٦٥ - سألتَ عن قولِ النبيّ ﷺ : "أوتيتُ الكتابَ ومثلَهُ مَعَهُ" (١)؟ . • والكتابُ هو القرآنُ، ومثلُهُ يعني السُّنَنَ التي كان يأتيهِ بها جبريلُ ﷺ ، وليستْ في الكتابِ كرَجْمِ المُحْصَن، ونَفْيِ البِكْرِ، وتَحْريمِ نِكاحِ المرأةِ على عَمَّتِها، وخالَتِها، ومقدارُ ما يُقْطَعُ من يدِ السارق، وأشباهِ ذلك هذا مما يَعْمَلُ به المسلمونَ، وليسَ لهُ ذِكْرٌ في الكتابِ (٢).

стр. 187

٦٦٠ - سألتَ عن قول النبيّ ﷺ : "انْقَطَعَت الهجرةُ إِلّا مِن ثلاثَةٍ جِهادٍ أوْ نِيَّةٍ أوْ حَشْرٍ" (١)؟ . • والحَشْرُ عندي هُوَ الجَلاءُ (٢) ومِنْهُ قَوْلُ الله في سُوْرَةِ الحَشْرِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٣) يُريدُ أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ أُخْرَجَ عن دارِه، وَجَلا يَقولُ: فلا هجرةَ إلّا في جهادٍ، أو نِيَّةٍ يُفارِقُ بها الرَّجُلُ أَهْلَ الفُجور، والفِسْقِ إذا لم يَقْدِرْ على إِنْكارِ ذلكَ، وتَغْييرِه، أو جَلاءٍ يَنالُ الناسَ، فَيُخْرَجون عن دِيارِهِمْ، وهَواهُمْ (٤).

стр. 188

٦٧ - جَوابُ كتابِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلَ هَرَاةَ (١)؟ . • قَدْ قرأتُ الكتابَ الذي ذَكَرْتَ فيه أنَّ خالدَ بنَ يَزيدَ الرازيَّ (٢) كَتَبَ بِهِ إليكَ، فيما أَنْكَرَهُ على أبي عُبَيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، رَحِمَة الله، في تفسيرِ "التحيّات للهِ" وَكَتَبْتَ أَنَّكَ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ ما عندي في ذلك، وَقَدْ تَدَبَّرْتُ هذا الكِتابَ، وَأجَبْتُ بما حَضَرَني فيهِ. قلتُ: ذَكَرَ خالدُ بن يَزيدَ أَنَّ أبا عُبَيدٍ رَوَى عَنْ أبي عمرٍو والشيبانيِّ (٣) في تَفْسيرِ "التحِيّات للهِ"، أَنَّها الملْكُ للهِ (٤)، واحْتَجَّ بِقَوْلِ زُهيرِ بنِ جَنَابٍ (٥): مِنْ كُلِّ ما نالَ الفَتَى ... قَدْ نِلْتة إلّا التّحِيَّهْ (٦)

стр. 189

قلت: وقال خالدُ بن يَزيدَ: وَجَدْنا الكِتابَ والسنَّةَ وأَشْعارَ العَرَب تدفَعُ تَفْسيرَهُ. أمّا الكِتابُ فإِنَّ اللهَ قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا﴾ (٢). يعني التسليمَ، وقال في اليهودِ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣). يُريدُ قَوْلَهُمْ: "السامُ عَلَيكَ"، يَعْنُوْنَ الموتَ (٤)، وقالَ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٥) قُلْتُ: وقال: لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيءٌ مِنْ هذا في مَعْنى المُلْك، وَذَكَرَ أَيضًا أَشْياءَ مِن الحديثِ والشِّعْرِ يَطُوْلُ اخْتِطَاطُها (٦)، وفيما ذَكَرَ مِنْ هذه الحُرُوْفِ غَنِيٌّ عَنِ الإِطَالةِ فيها، وقد صَدَقَ الرجلُ فيما ذَكَرَ، وكذلك هُو عِنْدَ أبي عُبَيدٍ وعِنْدَنَا وَعِنْدَ جميعِ أَهْلِ العِلْمِ باللُّغَةِ. ولَيسَ قولُ أبي عُبَيدٍ في التحيّاتِ: إِنَّها المُلْكُ ما يُوجِبُ أن تَكُونَ التَّحِيَّةُ في كُلِّ مَوْضِعٍ المُلْكَ، لِأَنَّ الأسْماءَ قد تَتَّفِقُ، وتَخْتَلِفُ المعاني، وَقَدْ يَكُوْنُ للْحَرْفِ أَصْلٌ، فيُسْتعاد لموضع آخَرَ كقولهِمْ لِقَوائِمِ الدَّابَّةِ: "أرضٌ"، لِأَنَّها تَلِي الأَرْضَ من الدَّابِّةِ (٧)، وكقولهِمْ للنَّبَاتِ "نَوْءٌ وَنَدَىً" لأَنَّهُ بالْنَوْءِ يَكُونُ عِنْدَهُمْ، وكقولهِمْ لِلْمَطَرِ "سَمَاءٌ" لأَنّهُ من السماءِ يَنْزِلُ (٨). وهذا

стр. 190

كَثِيرٌ لا يَخْفَى إِنْ شَاءَ الله على هذا الرجلِ إنْ كان في المَعْرِفَةِ على ما ذكرتَ. كذلكَ التَّحِيَّةُ أصْلُها التَّسْليمُ، ثُمَّ تُسْتَعادُ فَتُوضَعُ مَوْضِعَ المُلْك، لأَنَّ التَّحِيَّةَ في الأصْلِ كانتْ لِلْمُلُوكِ إذا دُخِلَ عَلَيهِمْ، ولا تكونُ تلك التحيَّةُ لغيرِهِمْ وهي قولُهُمْ: أَبَيتَ اللعنَ (١). وكانت العربُ تقولُ: لَبِثَ فلانٌ المَلِكُ في تَحِيَّتِهِ خمسينَ عامًا أربعينَ وثلاثينَ، يُريدونَ في مُلْكِهِ الذي يُحَيَّى فيهِ بِتَحِيَّةِ المَلِكِ. وقالَ عمرُو بن مَعْدِي كَرْبٍ (٢): أُسَيِّرُهَا إلى النُّعْمانِ حَتّى ... أُنيخَ على تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي (٣) يُريدُ على مُلْكِه، ولا يَجوزُ أَنْ يَكونَ أُنيخَ على سَلَامَتِهِ أو تَسْلَيمِه، وكذلك قولُ زُهَيرِ بنِ جَنابٍ (٤): مِنْ كُلِّ ما نالَ الفَتَى ... قَدْ نِلتُهُ إِلّا التَّحِيَّهْ (٥) يُريد مِن كلِّ ما نالَهُ الكاملُ في الشَّرَفِ من الرجالِ قد نِلتُهُ إلّا أَنِّي لم أَصِرْ مَلِكًا أُحَيَّى بتحيّة الملوك، وليس الفتى في هذا المَوْضِعِ بمعنى الشَّابّ، والحَدَثِ

стр. 191

وإِنَّما هو بمعنى الكاملِ الجَزْلِ من الرِّجالِ (١)، يَدُلُّكَ على ذلك قولُ الشاعرِ (٢): إِنَّ الفتى حَمَّالُ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... لَيسَ الفَتَى بِمُنَعَّمِ الشُّبّانِ (٣) وكذلك قَوْلُ ابنِ هَرْمَةَ (٤): قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى ورِداؤُهُ ... خَلَقٌ وَجَيْبُ قميصِهِ مَرْقوعُ (٥) وقَدْ يقولونَ للرجلِ الكاملِ: هو فَتَى الفِتْيان، قالتْ ليلى (٦): كأَنَّ فتى الفتيانِ توبةَ لم يُنِخْ ... قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الحَصَى بالكَراكِرِ (٧)

стр. 192

وأمَّا قَوْلُهُ: لو كانت "التَّحِيَّاتُ لله" في معنى "المُلْكُ لله" لَقِيلَ: التَّحِيَّةُ للهِ كما يُقال: المُلْكُ للهِ. ولم يُسْمَعْ الأَمْلاكُ لله، فإنَّ الذي يَلْزَمُهُ في تفسيرِ التَّحِيَّةِ للهِ إذا كانتْ بمعنى السلامةِ مِثْلُهُ، ولكنْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ لا يُقالُ: السلاماتُ للهِ. وَلَوْ كانَ أُريدَ ذلك لكانَ يَنْبَغي أنْ يُقالَ: التَّحِيَّةُ للهِ. والذي عندي أَنَّهُ إِنَّما قيلَ: التَّحِيَّاتُ للهِ على الجميعِ لِأَنَّهُ كان في الأرضِ مُلوكٌ يُحَيَّوْنَ بتَحِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُقالُ لِبَعْضِهِمْ: أَبَيتَ اللَّعْنَ، ويقالُ لِبَعْضِهِمْ: أنْعِمْ صَباحًا، ويقالُ لِبَعْضِهِمْ: اسْلَمْ وانْعَمْ. وكانت العَجَمُ تَقولُ لمُلوكِها: عِشْ ألفَ سنةٍ: زِهْ هَزَارْ سَالْ نَوْرُوْزْخَرْ (١). ولذلك قال الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ (٢). وقيلَ لنا: قُولُوا في التَّشَهُّدِ: التَّحِياتُ لله، أَي هذهِ الألفاظُ الَتي تَدُلُّ على المُلْك، ويكْنى عَن المُلْكِ بها هي للهِ يُراد: هذه المَمالِكُ لله. ولَوْ أَنَّ قائِلًا قالَ في اللهِ : مالكُ الأَمْلاكِ يُرادُ مالكُ ما تَمْلِكُهُ المُلوكُ كان ذلك حَسَنًا كما يُقالُ: مَلِكُ المُلوك، وسَيِّدُ السادة، وإِلَهُ الآلِهَة، وكذلك له الأملاكُ يُرادُ له أَمْلاكُ المُلوكِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ في التَّحِيَّاتِ لله إِنَّها بمعنى السَّلامِ أو السلامةِ فإنَّهُ يَبْعُدُ ألا ترى أَنَّهُ لا يُقالُ: السَّلامُ لله، ولا السَّلامُ عَلى الله، ولا السَّلامَةُ لله، وإنَّما يَكونُ السَّلامُ مِنْهُ على عبادِهِ يُقال: أنت السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، وحَيِّنا رَبُّنا منك بالسَّلامَ. وقد احْتَجَّ لهذا التَّأْوِيلِ بحديثٍ هُوَ لَهُ أَلْزَمُ، وَنَحْنُ بِهِ راضُونَ قال: رَوَى

стр. 193

منصورٌ (١) والأعمشُ (٢) عن أبي وائل (٣) عن ابنِ مَسْعودٍ (٤) قالَ: كُنَّا إِذا قَعَدْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الصَّلاةِ نَقُولُ: السَّلامُ على اللهِ قَبْلَ خَلْقِه، السَّلامُ على جِبْريلَ، السَّلامُ على فلانٍ وفُلانٍ، فَقالَ لنا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فلا تقولوا: السَّلامُ على الله، ولكن قُولوا: "التَّحِيَّاتُ للهِ والصَّلَوات والطَّيِّبَاتُ" (٥). أفما ترى أَنَّ التَّحِيَّاتِ لو كانتْ فيها مَعْنَى السَّلامَةِ أو السَّلامِ ما نَقَلَهُمْ عَن

стр. 194

السَّلامِ إلى حَرْفٍ في مَعْناهُ، والسَّلامُ إِنَّما هو مثلُ مَعْنَى السَّلامَةِ يُقالُ: سَلامٌ وسَلامَةٌ كما يُقالُ: لَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ (١)، وَقَدْ بَيَّنَ ذلك الشَّاعِرُ (٢): تُحَيِّي بالسلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... فَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلامِ أي هَلْ لكِ من: سَلَامةٍ بَعْدَ قَوْمِك، فَبَيَّنَ في البيتِ أنَّ السَّلامةَ هي السَّلامُ. وكذلك قَوْلُ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) أي سلامة. فكيفَ يَجوزُ أَنْ تكونَ التحياتُ بِمَعْنَى السَّلامِ أو السَّلامة، ثُمَّ يَنْهانا عن السَّلام، وَيأْمُرُنا بالتَّحِيَّات، وهما عِنْدَهُ شَيءٌ واحِدٌ؟ وإِنَّما يَجوزُ هذا إذا اخْتَلَفَ المَعْنَيان، فكانت التَّحِيَّاتُ، كما قالَ أبو عُبَيدٍ عن أبي عمرٍو الشَّيبانيّ، إِنَّها المُلْكُ وكان السَّلامُ بِمعنى السَّلامِ.

стр. 195

٦٨ - سألتَ عن حديثِ ابنِ عباسٍ (١) "أنَّ رجلًا أتى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إِنِّي رَأيتُ ظُلَّةً (٢) تَنْطِفُ (٣) سَمْنًا وعَسَلًا، ورَأَيتُ الناسَ يَتَكَفَّفُوْنَهُ (٤) فمنهم المُسْتَكْثِرُ، ومنهم المُسْتَقِلُّ، وَرَأيتُ سَبَبًا (٥) دُلِّيَ من السماء، فَتَعَلَّقْتَ بِه، فَعَلَوْتَ، فأعلاكَ الله، ثم دُلِّيَ بَعْدَ ذلك، فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجُلٌ، فَعَلا، فَأَعْلاهُ الله، ثم دُلِّيَ بَعْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجُلٌ فَعَلَا، فَأعْلَاهُ اللهُ، ثم دُلِّيَ. فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجلٌ، فَقُطِعَ بِه، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ، فَعَلَا، وأعْلَاهُ اللهُ، فقالَ لَهُ أبو بَكْرٍ يا رَسولَ اللهِ أعْبُرُها قال: اعْبُرْها (٦). قال أَمّا الظُّلَّةُ فالإِسلامُ، وأمّا السَّمْنُ والعَسَلُ فالقرآنُ، وأَمّا السَّبَبُ الذي دُلِّيَ لك من السَّماء، فتعلقتَ بِهِ فهو ما أَنْتَ عليهِ من الهُدَى حتى يَتَوَفَّاكَ اللهُ. وأما السبَبُ الثاني فرجُلٌ يَقُومُ مَقَامَكَ حتى يَتَوَفَّاهُ الله، وذكرَ مثلَ ذلك في الثالثِ. والرابعُ يُقْطَعُ بِه، ثُمَّ يُوْصَلُ لَهُ

стр. 196

هذا وما أَشْبَهَهُ من الكلام، فقالَ أَبُو بَكْرٍ يا رسولَ اللهِ هَلْ أَصَبْتُ؟ قال: أَصَبْتَ، وأَخْطَأْتَ قال: أقسَمت يا رسول الله لتُخْبِرَنِّي قال: "لا تُقْسِمْ"، ولم يُخْبِرْهُ" (١). • والذي عندي في قولِهِ أَصَبْتَ، وأَخْطَأْتَ أنه أراد أصبت تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، وأَخْطَأْتَ في بِدارِكَ (٢) إلى عِبارَتِها، وقد سُئِلْتُ عنها أنا، فإنّي كنتُ أَوْلَى بِذلكَ مِنْكَ، وقالَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). يريد أَلَّا تَقُولُوا قبلَ أنْ يقولَ رسولُ الله، ولا تُجيبُوا إذا سُئِلَ، ولا تَجْهَروا له بالقَوْلِ كجَهْرِ بعضِكُمْ لبَعْضٍ أنْ تقولوا: يا محمدُ، ولكنْ قولوا يا نبيَّ اللهِ ويا رسولَ الله، وأشباهَ (٤) ذلكَ. يُقالُ: فلانٌ يُقَدِّمُ القولَ بينَ يَدَي أبيه، وبينَ يَدَي السُّلْطانِ إذا قال قبلَ أَنْ يقولَ (٥)، وليسَ يَجوزُ أنْ يكونَ الخَطَأُ في تأويلِ الرُّؤْيا، والإِصابةُ فيه؛ لأنّ التأويلَ وَقَعَ مُوافِقًا للحالِ التي كانَ عليها رسولُ اللهِ ﷺ ، والثلاثةُ الخلفاءِ بَعْدَهُ.

стр. 197

٦٩ - سَألْتَ عَنْ قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إنّ اللهَ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغي له أَنْ يَنامَ، ولكنَّهُ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ" (١)؟ . • القِسْطُ: الميزانُ. قال اللهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا﴾ (٢) وسُمِّيَ الميزانُ قِسْطًا لأنَّ القِسْطَ العَدْلُ. يُقالُ: أَقْسَطَ فُلانٌ إذا عَدَلَ (٣) قال رسولُ اللهِ: "إن المُقْسِطينَ في الدنيا على منابرَ من لُؤْلُؤٍ يومَ القيامةِ" (٤) يُريدُ السُّلْطانَ العادلَ. وبالميزانِ يَقَعُ العَدْلُ في القِسْمَةِ فَسُمِّيَ، لذلك الميزانُ قِسْطًا قال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ (٥) وكذلكَ القِسْطاسُ قال: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (٦) وأراد أن الله جَلَّ وعَزَّ يخفضُ الميزانَ بالقِسْط، وَيرْفَعُهُ بما يُوزَنُ من أعمالِ [العبادِ] (٧) المُرْتَفِعَةِ إليه ويُوزِنُ من أرزاقِهِمْ النازلةِ من عندِهِ قال اللهُ

стр. 198

تَبارَكَ وتعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْزُونٍ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢) وهذا المقدَّرُ من الرِّزْقِ، وهو الموزونُ الذي يَخْفِضُ به القسطَ، وَيَرْفَعُهُ. والقُسْطارُ (٣) إذا وزنَ بالشَّاهينِ (٤) خفضَ يَدَهُ ورَفَعَها، وإِنما هذا تَمْثيلٌ لما يُقَدِّرُهُ ثم يُنْزِلُهُ، فَشَبَّهَهُ بوَزْنِ الوَزَّانِ الذي يَزِنُ، فيَخْفِضُ يَدَهُ، وَيرْفَعُها. ومثلُهُ قَوْلُهُ: في حديثٍ آخَرَ لرجُلٍ أتاهُ فقال لَهُ: "أرَبُّ إِبِلٍ أنتَ أمْ غَنَمٍ"؟ فقالَ: من كُلٍّ قد آتاني اللهُ، فَأَكْثَرَ، وَأَطْنَبَ قال: "فَتُنْتِجُها وافِيَةً أَعْيُنُها وآذانُها، فتجدَعُ هذه، وتقولُ: بَحيرةٌ، فساعدُ اللهِ أشَدُّ، ومُوْساهُ أَحَدُّ" (٥). أراد أنك تَجْدَعُ الصِّحاحَ الآذانِ، وتقولُ: أَذِنَ الله بذلك. ولو شاءَ اللهُ أتاك بها مَجْدوعَةً، ومُوساهُ أَحَدُّ من مُوساكَ، يريد أنك تجدعها بالموسى الذي يَجْدَعُ اللهُ بِهِ ما أَرادَ جَدْعَهُ، وهو أُمْرُهُ أَحَدُّ من موساك، فجعله موسى إذْ كانَ النَّاسُ يَجْدَعونَ بالمَواسي، وإِنّما هو مَثَلٌ. ومَعْنى قَوْلِهِ على هذا التأويل يخفض القسط، ثم يرفعه: أنه يُقَدِّرُهُ، ثم يُنْزِلُهُ مُقَدَّرًا مَوْزونًا، فَكَأَنَّهُ، فيما يَعْرِفون ويُشاهِدون، القِسْطُ

стр. 199

الذي يَخْفِضُ الشاهينُ يَدَهُ، وَيَرْفَعُهَا إذا هو وَزَنَ. وأمّا المَوازينُ التي تُوزَنُ فيها أعْمالُ العبادِ يَوْمَ القِيامَةِ فالموازينُ بأعيانِها لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "يُوضَعُ كذا في كَفَّةٍ وكذا في كَفَّةٍ" (١). وقد يجوزُ أن يكونَ أيضًا قولُهُ: يَخْفِضُ القِسْطَ وَيرْفَعُهُ أراد به مِيزانًا كما شاءَ تخفِضُهُ ملائِكَتُهُ، وتَرْفَعُهُ بأَمرِهِ بما تُنَزِّلُهُ من الأرْزاق، وبما تَرْفَعُهُ من الأعْمالِ كاللَّوْحِ والقَلَمِ والصُّحُف، وأشباهِ هذا، والله أعْلَمُ.

стр. 200

٧٠ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (١)؟ . ° قلتَ: وهو في التوراةِ وفي جميعِ الكتب المُتَقَدِّمَةِ ورِوَاياتِ النُسَّابِ "تارِيخ" (٢) وعن قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٣) وعن قَوْلِهِ حِكايةً عَنْ قَوْمِ مَرْيَمَ لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٤)؟ . ° قلت: ولم يكنْ لهم أَخٌ يُقالُ لَهُ هارونُ، وذَكَرْتَ أن أهلَ الكتابِ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ على المسلمينَ، ويَطْعَنونَ بهِ على القُرْآنِ. • ونحن نقولُ في أبي إبراهيمَ: إن اسمه كما ذكروا في التَّوْراةِ "تارِخ"، ولا نَعْلَمُ كيف اسمُهُ في غَيرِها من الكُتُب، ولا يَبْعُدُ أيضًا أن يكونَ اسمُهُ "آزَرُ"، لأنَّ الرجلَ قد يكونُ لَهُ الاسْمان، ويكونُ له الكُنْيَتان، ويكونُ له الاسمُ، والوصفُ، فَيُدْعَى بالوصفِ إذا غلبَ عليه، ويُتْرَكُ الاسمُ. فهذا إدريسُ اسمُهُ في التوراةِ

стр. 201

خَنُوخُ (١)، ويعقوبُ اسمُهُ إسرائيلُ (٢)، وعيسى يُدْعَى المَسيحَ (٣)، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لي خمسةُ أسماءٍ أنا مُحَمَّدٌ وأحمَدُ والماحي والعاقِب والحاشِرُ" (٤) وقال اللهُ حكايةً عن المسيحِ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥). وقال جلَّ وعزَّ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٦). وقد تكونُ للرجلِ الكُنْيَتانِ كما كان له اسمانِ. فحمزةُ بن عبد المطلبِ يُكْنَى أبا يَعْلَى وأبا عُمارَةَ (٧)، وعبدُ العُزَّى بن عبد المطلب يُكْنَى أبا لَهَبٍ وأبا عُتْبَةَ (٨)، وصَخْر بن حَرْبٍ أبو معاوِيَةَ يُكْنَى أبا سفيانَ وأبا حَنْظَلَةَ (٩)، وعثمان بن

стр. 202

عَفَّانَ يُكْنَى أبا عبد اللهِ وأبا عمرٍو وأبا لَيلَى (١). وعبدُ اللهِ بن الزبيرِ يُكْنَى أبا بَكْرٍ وأبا خُبَيبٍ (٢). وهذا كثير في العرب. فما يُنْكَرُ مِنْ أنْ يكونَ لأبي إبراهيمَ اسمانِ بأيِّهما دعوتَهُ كنتَ صادِقًا، أو اسمٌ وصفةٌ فتَدْعوهُ، بالصفةِ تارةً، وبالاسمِ تارةً كما قلتَ في عيسى والمسيح، وخنوخَ وإدريسَ. وقد كان بعض القُرَّاء (٣) يَقْرَأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ (٤) يرفع آزرَ على نيّةِ النِّداءِ كأنَّهُ: يا آزَرُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ (٥) وعلى هذه القراءةِ يجوزُ أن يكونَ دَعاهُ لصفةٍ كأنّهُ قال: يا ضعيفُ، أو يا جاهلُ إن كان ذَمَّهُ، أو ما أشبه هذا، أو قال: يا مؤازري، ويا مصاحبي إن لم يكن ذمَّهُ، ويا شيخي، وما أشبهه (٦). • وأمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧) فإن بُخْذَنُصَّرَ (٨) لما أخْرَبَ بيتَ المَقْدِسِ ونَفَى بني إسرائيلَ وسَبَى ذَراريهِمْ حَرَّقَ التوراةَ حتى لم يُبقِ به

стр. 203

رَسْمًا، وكان في أُساراهُ دانيالُ وعزيرٌ. فأمَّا دانيالُ فَعَبَرَ لَهُ رُؤْياهُ ونَزلَ مَعَهُ بأَحْسَنِ مَنْزِلٍ (١)، وأمَّا عزير فإنّه أقام لهم التوراةَ بِعَينِها حينَ عادَ إلى الشَام يَعْرِفُونَها، فقالتْ طائِفَةٌ من اليهودِ: هوَ ابنُ الله، ولم يقل ذلك كُلُّ اليهودَ (٢). وهذا خصوصٌ خَرَجَ مَخْرَجَ العُموم كما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٣) ولم يَقُلْ ذلكَ كُلُّ النّاسِ لكلّ النَّاسِ (٤). وقد انقرضَ هؤلاءِ اليهودُ الذينَ قالوا: ﴿عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، فلم يَبْقَ منهمْ أحَدٌ. • وأما قَوْلُهُ في مَرْيمَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (٥)، فلم يُرِدْ أنَّها أُخْتُهُ في النَّسَب، وإِنّما أرادَ "يا شِبْهَ هارونَ، يا مِثْلَ هارونَ في الصَّلاحِ" وكان في بني إسرائيَلَ رجلٌ صالحٌ يُسَمَّى هارونَ. وقد يقولُ الرجُلُ للرَّجُلِ يا أخي لا يُريدُ بِهِ أُخُوَّة النَّسَب، وإنّما يُريدُ بِهِ الصداقةَ (٦)، أو أُخُوَّةَ الدين، قال اللهُ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٧). وتقول أيضًا: هذا الشَّيءُ أخو هذا إذا كان له مُشاكِلًا، ومُشْبِهًا (٨) قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (٩) يريد من الآيَةِ التي تُشْبِهُهَا.

стр. 204

٧١ - سألتَ عنْ قَوْلِ اللهِ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١)؟ . ° وقلتَ: فما معنى قَوْلِهِ في صفةِ النبيينَ: الذينَ أسلموا؟ وهل يجوزُ أن يكونَ نبيٌّ لم يُسْلِمْ؟ . • والذي عندي في ذلكَ أنَّ الإسلامَ ها هنا من النبيينَ ليس هو ما ذهبتَ إليهِ من الإسْلام الذي هو ضِدُّ الكُفْر، ولا يجوزُ أن يكونَ نبي إلا مُسْلمًا مُؤْمِنًا، وإنّما أراد يَحْكمُ بها النبيونَ المسلمونَ بما في التوراةِ من أحكامِ اللهِ التاركونَ لِتَعَقُبِ ذلكَ بكَثْرَةِ السُّؤالِ عنه، فقد كانَ عُزَيرٌ ﷺ أكْثَرَ السؤالَ عن القَدَرِ فَمُحِيَ من ديوانِ النُّبُوَةِ (٢)، وخَرَجَ يونُسُ فغاضِبًا (٣)، "ونهى رسولُ اللهِ عن كَثْرَةِ السُّؤال، وعن قيلَ وقالَ" (٤) وقال: "إنّما هَلَكَ من كانَ قَبْلَكُمْ بكثرةِ سؤالِهِمْ أنبياءَهُمْ" (٥) وقال: "لا تُمارُوا في القرآنِ فإن

стр. 205

المراءَ فيه كُفْرٌ" (١) يقول: لا تقولوا: لِمَ أمر الله بكذا؟ وإنما أمر الله بكذا. ولهذا قال إبراهيم، صلّى الله عليهِ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢) أراد اجْعَلْنا مُسْلِمَينِ لأمرِكَ منقادَينِ لحُكْمِكَ بالنِّيَّةِ والعَمَلَ (٣). وكذلك قَوْلُهُ: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). أي أسلمت لأمْرِه، وكذلك قولُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ (٥) في الجاهليّة: أسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالًا (٦) أي انقدتُ لمن انقادتْ لهُ المُزْنُ، فأرادَ على هذا التاويلِ: يحكم بها النبيون الذين أسلموا لأحكام الله، والربانيّون، والأحبار لليهود بما استحفظوا من كتاب الله أي يحكمون لهم بما اسْتُودِعُوا من حُكْمِ اللهِ في التَّوْراةِ (٧).

стр. 206

٧٢ - سؤالُ رجلٍ من أهل سَمَرْقَنْدَ (١) والجوابُ عَنْهُ: يقال له: أحمدُ بن محمدِ بنِ قمرٍ (٢)؟ .... • وقد قَرأتُ كتابَكَ بما مَتَتْتَ به إلينا من إخلاصِكَ الود وإيجابك الحقَّ (٣) ... الذكر، ووقع ذلك مني الموقع الذي قَدَّرْتَهُ وبلغ الغايةَ التي تَمَنَّيتَها، وكل ما حَكَيتَهُ فأنتَ عندَنا فيه الصادقُ، ونحن عليه شاكِرونَ، أحسن الله جزاءَكَ، ووصَلَ إخاءَكَ، وقد تبيَّنْت بما رأيته في كتابِكَ من حُسْنِ المطالبةِ والتَّنْبِيهِ على الحُجَّةِ فضلَ النعمةِ عليك في علمِكَ وفهمِكَ وسَهَّلَ ذلك على سبيلِ الإطالةِ في إجابَتِكَ، وقد أجَبْتُكَ عما ذَكَرْتَ، وفَصَّلْتُ سؤالَكَ، وأتْبَعْتُ كُلَّ فَصْلٍ منه بما أَقولُ فيه ليكونَ ذلك أبلغَ في إفهامِكَ. سَهَّل لك سبيلَ الخَير، ووَفَّقَكَ وإيانا للحَقّ، ونفعنا بالعِلْم، وجعل شُغْلَنا فِيهِ (٤) بما يُقَربُ إليه، ويزْلِفُ عندَهُ برحمتِهِ.

стр. 207

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ° ذكرت أنّ بعضَ حَمَلَةِ الفِقْهِ قِبَلَكَ أنْكَرَ ما ذكرتَهُ من معرفةِ الراسخينَ في العلمِ بتأويلِ متشابهِ القُرْآنِ. وإنما تَمامُ الكلامِ عِنْدَ قولِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) قلتَ: وقالَ: كيف يَصِحُّ هذا القولُ، والكتابُ يَنْطِقُ بالذَّمِّ لمن ابتغى تأويلَ المُتَشابه، وهو قولُ الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٢) فأخبر أن في الكتاب نوعين: محكمًا، ومتشابهًا، ثم قال على إِثْرِ ذلكَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) فزجر الجميعَ عن اتباعِ المُتَشابِهِ لابتغاءِ تأويلِهِ ودلَّ بقولِهِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أن ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ لا يُفِيدُ إلا الفِتْنَةَ. هذا فَصْلٌ من كتابِك والجوابُ عنه (٤): • أما قولُكَ: إن الكتابَ يَنْطِقُ بِذَمِّ من ابتغى تأويلَ المُتشابِه، فليس كذلك، وإنما ذمّ اللهُ من ابتغى تأويله من اليهودِ أو من المنافقينَ الذينَ في قلوبِهم زَيغٌ أي انحرافٌ عن الإسلام، فَهُمْ يبتغونَ تأويلَهُ بغيرِ مُرادِ اللهِ فيه ليَفْتِنُوا به النَّاسَ، فيَسْتَزِلُّوهُمْ عن الإسلام، لأنّ المتشابِهَ يحتملُ التأويلاتِ المختلفَةَ، والمُحْكَمُ لا يحتملُ ذلك، فالمذمومونَ من مُبْتَغي تأويلِهِ هم هؤلاءِ الذين سلكُوا فيه سبيلَ الإضلالِ والفِتْنَةِ بالتَّحْريف، وأمّا المُبْتَغي تأويلَهُ لِيَعْلَمَهُ ويُعَلِّمَهُ وَيرْشُدُ بِهِ فغيرُ مذمومٍ (٥). وأشْبَهُ الأشياءِ بهذِهِ الآيةِ قولُهُ في سورةِ البقرةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا

стр. 208

يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (١) فالفاسقونَ ها هنا هم الذين في قلوبِهِمْ زَيغٌ، وهم الضالونَ بالمَثَلِ. وإذا أنت جعلتَ المبتغينَ المتشابِهَ بالتأويلِ المنافقينَ واليهودَ المحرفينَ له دونَ المؤمنينَ كما قال الله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ﴾ (٢) وَضَحَ لك الأمرُ، وصَحَّ ما تأولناهُ من معرفَةِ الراسخينَ بالمتشابِهِ. ° ثم قُلْتَ: إنه زَجَرَ الجميعَ عن اتباعِ المتشابهِ لابتغاءِ تأويلِهِ وإنّهُ دَلَّ بقولِهِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ على أنّ تأويلَهُ لا يُفيدُ إلا الَفِتْنَةَ. وهذا فصلٌ من كتابِك. • والجواب عنه: ولو كانَ زَجَر الجميعَ عن اتباع المتشابِهِ لقال: لا تتبعوا المتشابِهَ لِتَبْتَغُوا تأويلَهُ، فكان الكلامُ عامًّا، وإنّما ذَكَرَ أنَّ الذينَ في قلوبِهم الزيغُ هم المُتَبِعُونَ له المُبْتَغونَ تأويلَهُ بغيرِ الإصابةِ ليَفْتِنوا به، ويَضِلُّوا عن سبيلِ اللهِ. ورأيتُكَ قد جعلت ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ سببًا للفتنة، ولو كان أرادَ ذلك لقال: يتبعونَ ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنةِ بابتغاءِ تأويلِهِ. وإنّما قال: ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِهِ يريدُ بالفِتْنَةِ الكُفْرَ. والفِتْنَةُ تَنْصَرِفُ على وجوهٍ: منها الكفُر والإثمُ (٣) كقولهِ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٥) ويُريدُ بابتغاءِ تأويلِهِ التحريفَ لَهُ إمّا بالتَّعَمُّدِ لذلك أو الجهلِ بِه، ولو كان أيضًا على ما ذكرتَ من ابتغاءِ تأويلِهِ لا يُفيدُ إلا الفِتْنَةَ لم يكنْ في ذلك حُجَّةٌ إنْ كانَ إنّما يُريدُ تأويلَ

стр. 209

المنافقينَ لَهُ واليهودِ والزائغينَ. وكيفَ يُصيبُ تأويلَ متشابِهِهِ من جعلَهُ اللهُ عليه عَمًى يقول الله جل وعزَّ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ (١). ° ثم قلتَ: ولو كان تأويلُ المتشابِهِ موجودًا لما كان متشابهًا عندَهُمْ، وهم به عالِمونَ، وبتأويلِهِ عارفونَ؟ . • الجواب عن ذلك: لأنه قد يجوز أن يكون متشابهًا عندَ العوامّ، وعندَ من لا يَعْلَمُ، ويكونَ معروفًا عندَ أهلِ العلمِ كما أنّا نقول: هذا خَفِيٌّ من العلم، ونحنُ لا نريدُ أنَّهُ يَخْفَى على جميعِ الناس، وإنما نريد أنّه يخفى على بعضِهِمْ. والمتشابِهُ هو الذي أشبه غيرَهُ. فالجَهَلَةُ به تَظُنُّ أن هذا ذاك، وذاك هذا. قال الله جل وعز في وصفِ ثمرِ الجنّةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (٢) أي مُتَّفِقَ المناظِرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُوم، فإذا رأوهُ قبلَ الذواقِ قالوا هذا الذي رُزِقْنا من قبلُ (٣). ° ثم قلتَ: ولما استحق الذمَّ من ابتغى تأويلَهُ. واسمُ المتشابهِ واقعٌ عليه عُمومًا فهو متشابهٌ عندَ الجميعِ حتى يَدُلَّ كتابٌ على أنه متشابهٌ عندَ قَوْمٍ دونَ آخرينَ، أو يُثْبِتُ ذلك خبَرٌ، وأَنَّى بوجودِ ذلكَ؟ ! والسنَّةُ ثابتةٌ في الزجرِ عن الخوضِ في المتشابِه، والأمْرِ بالإيمانِ بِجُمْلَتِهِ؟ . • الجواب: والمستحقُّ للذَّمِّ ممن ابتغى تأويلَهُ هم الذين في قلوبِهِمْ زَيغٌ عن الإسْلام، هذا على ظاهرِ الكتاب حتى تأتيَ أنتَ بآيةٍ، أو خَبَرٍ صَحيحٍ عن الرسولِ ﷺ أنّ كلَّ من ابتغى تأويلَ المتشابِهِ مذمومٌ، فيكونَ المُفَسِّرُونَ للقرآنِ جميعًا مذمومينَ عاصينَ للهِ بإِقْدامِهِمْ على تَفْسيرِ كلِّ القرآن، وتركِهِمْ التَّوَقُّفَ عن

стр. 210

شَيء مِنْهُ، فإنّا لا نَعْلَمُ أنهم تَرَكُوا شيئًا منه؛ لأنَّهُ متشابهٌ لا يَعْلَمُهُ إلا الله، ولا يَتَعاطَوْنَهُ (١) ولا يَسْألُونَ (٢) عنهُ. ° ثم قلت: وكان ابنُ عبّاسٍ يَقْرَأ: "وما يعلمُ تأويلَهُ إلا اللهُ ويقولُ الراسخونَ آمنا به" (٣) فقراءةُ ابنِ عبَّاسٍ هذه القراءةَ لا تحتملُ إلا ما قلنا، وإطباقُ الأُمَّةِ ومن سمعَ من الصحابةِ قراءةَ ابنِ عبّاسٍ على تركِ النكيرِ عليه يَدُلُّ على أن قراءَتَهُ، وإن كانت تخالِفُ قراءَتنا (٤) في اللفظ، فالمعنى فيهما معًا واحدٌ. ولولا أنّ ما ذكرنا لا يعدو ما وصفنا لَمَا أقَرُوهُ على قراءَتِه، ولما رَضُوا بِهِ. وبين القراءتين عند العوام في تناقض المعنى ما وصفته من تبيان المعنى. • الجواب: وقراءة ابن عباس هذه تخالف مذهبه في التفسير من كل وجه، فإنه كان يُفَسِّرُ القرآنَ، ولا يُسْألُ عن شَيءٍ منه، فيقولُ: هذا متشابهٌ لا أعْرِفُهُ. وقد رَوَى عبد الرزاق (٥) عن معمرٍ (٦) عن قتادةَ (٧) في قولِ الله تَبارَكَ

стр. 211

وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (١) أنه قال: هذا مما كان ابنُ عبّاس يَكْتمُهُ (٢). فهل يجوز أن يكون يكتمُهُ إلا وهو يَعْلَمُهُ؟ وإذا كان يَعْلَمُهُ فقد علم بعضَ المتشابِهِ إذ كان المحكم لا يُكْتَمُ، ولا يَقَعُ فيه الإشْكالُ، وإذا جاز أن يَعْلَمَ بعضَ المتشابِهِ معٍ قولِ اللهِ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) على تاويلِكَ جازَ أن يعلَمَهُ كلَّهُ بعدُ، فإنهُ ليس لأحدٍ أن يَحْتَجَّ علينا بقراءَةِ ابنِ عبّاسٍ، ولم تَثْبُتْ في مصاحِفِنا لا سيما، والروايات تُخالِفُها، وابن عباس في رواية أخرى يقول: "كل القرآنِ أعْلمُ إلّا أربعًا: حنانًا، والأوّاه، وغسلين، والرقيم" (٤) وقوله: "كُلَّ القرآن أعْلَمُ" يدل على علمه بالمتشابه؛ لأنّهُ ليسَ في معرفتِهِ للمُحْكَمِ فضلٌ على غيرِهِ من أهلِ العلم، وإنّما يَقَعُ الفَضْلُ لمعرفتِهِ بالمتشابِه، وأصحابُ ابنِ عَبّاسٍ على مثلِ ذلك. روى ابنُ مَسْعودٍ (٥) عن شِبْلٍ (٦) عن ابنِ أبي نَجيحٍ (٧)، عن مُجاهدٍ (٨) في

стр. 212

قولِ الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١) يَعْلمونَهُ، ويقولونَ آمنّا بِهِ (٢). وأمَّا قولُكَ: لولا أنّ الأمْرَ كما ذَكَرْنا لَمَا اقرُّوا ابنَ عبّاسٍ على قراءَتِه، ولَمَا رَضُوا بِه، وبينَ القراءتينِ عندَ العَوامِّ من تبايُنِ المعنى ما وَصَفْتُهُ فإنّا، لم نقلْ: إنّ النّاسَ جميعًا تَأوَّلُوا هذه الآيةَ على ما تَأوَّلْناهُ فيها فَيَلْزَمُنا ما ذكرتَ، ولكنَّا نقولُ: إنّهم اختلفوا، فذهبَ قومٌ إلى أنّ تأويلَكَ على الظاهر، وتَأَوَّلَ قومٌ تَأويلَنا، فالذي سمِعَ قراءةَ ابنِ عبّاسٍ هذه، وإنْ كانت تَصحُّ ظَنَّ أَنَّ قولَ الله: ﴿لا يعلمه إِلَّا اللَّهُ (٣) وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلم ينازِعُوه في قراءتِه، وسَلَّمُوا له، والاختلافُ في القراءاتِ بين ابنِ مسعودٍ، وأبيٍّ (٤)، وزيدٍ (٥)، وعليٍّ، وليسَ لنا أن نستعملَ إلّا ما ثَبَتَ في مِصْحَفِنَا، لأنَّهُ آخِرُ العَرْض، ولأنّ الذي جمعه بين اللَّوْحينِ أرادَ جمعَنا عليه، وألا نتفرقَ، ونَخْتَلِفَ. وفي هذا كلامٌ يَطولُ، وَيكْثُرُ. وقد أَوْدَعْتُ كتابي المُؤَلَّفَ في مُشْكِلِ القرآنِ طَرَفًا منه (٦).

стр. 213

° ثم قلتَ في قولِ ابنِ عبّاسٍ: "كلَّ القرآنِ أعْلَمُ إلّا أربعًا" (١) أرادَ أعْرِفُ كلَّ القرآنِ ما خلا المتشابهَ إلَّا هذه الأربعة، ومثّلتَ ذلك برجلٍ دفعَ إلى رجلٍ رسالةً، وقالَ: أعْجَمْ لي جميعَ حُروفِها، فقالَ: قد أعْجَمْتُها كُلَّها، فالعِلْمُ مُحيطٌ بأنَّهُ إنّما أعْجَمَ منها ما يَقَعُ عليه الإعْجامُ دونَ ما لا يُعْجَمُ، فأنت تَعْلَمُ أنّهُ غَيرُ كاذبِ في قولِهِ: أعْجَمْتُها كُلَّها، ومُسْتَيقِنٌ أنّهُ قد تَرَكَ من حروفِها ما لا يُعْجَمُ كذَلك قولُ ابنِ عبّاسٍ؟ . • الجوابُ: والذي مَثَّلتَ بهِ المتشابهَ من الإعْجام لا يُشْبِهُهُ؛ لأنَّ ما لا يُعْجَمُ من حروفِ المُعْجَمِ يَعْلَمُ الناسُ جمَيعًا من غيرِ اختَلافٍ أنه لا إعجامِ له، والناس جميعًا عالمون أن المتشابه يُعْلَمُ إلَّا أنَّ بَعْضَهُمْ قالَ: يَعْلَمُهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ وحده، وقال قوم: يعلمه الله، والنبيّ، والروح الأمين صلى الله عليهما الذي نزل به، وقال قوم: يعلمه الله، ورسوله، وجبريل، والراسخون في العلم. فكيف تُشَبِّهُ شيئًا له تأويلٌ على كُلِّ حالٍ بشَيءٍ لا إعجامَ لَهُ على كُلِّ حال (٢) ... هذينِ هذا المتشابِهُ الذي لا يعلَمُهُ إلا اللهُ ألَا وَقَفْتَنَا مِنْهُ على حرفٍ واحدٍ، أو خَبَّرْتَنَا عنِ واحدٍ من الأئمةِ أنّهُ قال في شَيءٍ من القرآنِ إنهُ متشابِة لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ وحدَهُ وإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ، ولا جِبْريلُ صلى اللهُ عليهما، ولا الراسخونَ في العِلْمِ. وما مَعْنى تَعْليمِ رسولِ اللهِ ﷺ عليًّا التَّفسيرَ (٣)؟ أعَلَّمَهُ المُحْكَمَ الذي لا يَعْلَمُهُ غَيرُهُ؟ وما معنى دُعائِهِ لابنِ عبّاسٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأويلَ" (٤) أكانَ دعاؤُهُ يُعَلِّمُهُ الظّاهِرَ

стр. 214

الواضِحَ؟ . فإنْ أحْبَبْتَ أن تَعْرِفَ المتشابِهَ، وكيف يكون علمُ الراسخينَ له؟ وهل يَجْتَمعُ ذلك كُلُّهُ عند الواحِدِ مِنهُمْ، أوْ يكون متفرقًا؟ قلنا: قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك مُجْتَمِعًا عندَ مَنْ دعا له رسولُ اللهِ ﷺ ، ويكونَ متفرقًا عندَ العلماء، فهذا يَعْرِف منه بعضًا (*) وَيذْهب عليه بعضٌ، وهو عند غيرِهِ قد يجوزُ أن يكونَ مِنْهُ شَيءُ يَعْلَمهُ رسولَ اللهِ وَحْدَهُ؛ لأنّهُ صلّى اللهُ عليهِ أرسخ الراسخينَ في العِلْمِ. مِنْ ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (١) يحتمل أن يكونَ أراد إقبالَ ظلامِهِ في أوَّلِهِ وأن يكونَ أراد إدبارَ ظلامِهِ في آخِرِهِ. ولا يُعْلَمُ مُرادُ اللهِ ولا أيَّ الوَقْتَينِ أقسمَ بِهِ. ورسولُ اللهِ يَعْلَمُ ذلك، ومَنْ أعْلَمَهُ إيّاهُ (٢). وكذلك القَرْءُ في كلام العَرَب يكونُ الطُّهْرَ ويكونُ الْحَيضَ (٣)، وإنما يُعْرَفُ مُرادُ اللهِ بِتَوْقيفٍ رسولُ الَلهِ ﷺ . وكذلك الحروفُ المُقَطَّعَةُ قد اخْتُلِفَ في تَفْسيرِها، وهي أوْلى الكتابِ بالإِشْكالِ والتشابُه، ولم نَرَهُمْ أمْسَكُوا عن التأويلِ لها، ولا ابنَ عبّاسٍ القارِيءَ بذلك الوَجْهِ إن كان صحيحًا. وقال في تفسير الرحمن: الرحمن (٤) ... أخَذَهُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ. ولكُلِّ فيما فَسَّرَ مَذْهَبٌ تَحْتَمِلُهُ الحُروفُ، ولم يَخْرُجِ الحَقُّ منها إن شاءَ اللهُ.

стр. 215

٧٣ - مسألة أخرى: وذكرتَ شيئًا من نَحْوٍ تَذْكُرُ فيه عامةَ من يَنْظُرُ في النَّحْوِ وهو قَوْلك (١): ولو أن قارِئًا قَرَأ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٢) وتَرَكَ طريقَ الابتداءِ بإنّا وأعْمَلَ القولَ فيها بالنصب على مذهب من يَنْصِبُ أنّ بَعْدَ القولِ كما يَنْصِبُها بالظنِّ لَقَلَبَ المعنى وأزاله عن طريقتِه، وجعل النَّبِيَّ ﷺ محزونًا لقولِهِمْ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كفرٌ ممن تَعَمَّدَهُ، وَضَرْبٌ من اللَّحْنِ لا تجوز الصلاةُ به، ولا يجوزُ للمأمومينَ فيه. قلتَ: ورَأيتُهُمْ لا يَعْرِفونَ هذا المَذْهَبَ، وزعموا أنّ ما جاء بعدَ القولِ فهو على الحكايَةِ؟ . • الجواب: وأحسب هؤلاءِ الناظرينَ في النَّحْوِ قبلَكَ ذهبَ عليهم هذا البابُ من كُتُبِ النَّحْو، وهو مذكور في كُتُب القُرَّاءِ (٣) وكتاب سيبويهِ (٤). وسأبين طرفًا مما قالوه فيه لِتَفْهَمَهُ، وتُلْقِيَهُ إليهم.
следующие страницы →