← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151010

المسائل والأجوبة لابن قتيبة

ابن قتيبة

Полный текст (422 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (١) أنه قال: هذا مما كان ابنُ عبّاس يَكْتمُهُ (٢). فهل يجوز أن يكون يكتمُهُ إلا وهو يَعْلَمُهُ؟ وإذا كان يَعْلَمُهُ فقد علم بعضَ المتشابِهِ إذ كان المحكم لا يُكْتَمُ، ولا يَقَعُ فيه الإشْكالُ، وإذا جاز أن يَعْلَمَ بعضَ المتشابِهِ معٍ قولِ اللهِ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) على تاويلِكَ جازَ أن يعلَمَهُ كلَّهُ بعدُ، فإنهُ ليس لأحدٍ أن يَحْتَجَّ علينا بقراءَةِ ابنِ عبّاسٍ، ولم تَثْبُتْ في مصاحِفِنا لا سيما، والروايات تُخالِفُها، وابن عباس في رواية أخرى يقول: "كل القرآنِ أعْلمُ إلّا أربعًا: حنانًا، والأوّاه، وغسلين، والرقيم" (٤) وقوله: "كُلَّ القرآن أعْلَمُ" يدل على علمه بالمتشابه؛ لأنّهُ ليسَ في معرفتِهِ للمُحْكَمِ فضلٌ على غيرِهِ من أهلِ العلم، وإنّما يَقَعُ الفَضْلُ لمعرفتِهِ بالمتشابِه، وأصحابُ ابنِ عَبّاسٍ على مثلِ ذلك. روى ابنُ مَسْعودٍ (٥) عن شِبْلٍ (٦) عن ابنِ أبي نَجيحٍ (٧)، عن مُجاهدٍ (٨) في

стр. 212

قولِ الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١) يَعْلمونَهُ، ويقولونَ آمنّا بِهِ (٢). وأمَّا قولُكَ: لولا أنّ الأمْرَ كما ذَكَرْنا لَمَا اقرُّوا ابنَ عبّاسٍ على قراءَتِه، ولَمَا رَضُوا بِه، وبينَ القراءتينِ عندَ العَوامِّ من تبايُنِ المعنى ما وَصَفْتُهُ فإنّا، لم نقلْ: إنّ النّاسَ جميعًا تَأوَّلُوا هذه الآيةَ على ما تَأوَّلْناهُ فيها فَيَلْزَمُنا ما ذكرتَ، ولكنَّا نقولُ: إنّهم اختلفوا، فذهبَ قومٌ إلى أنّ تأويلَكَ على الظاهر، وتَأَوَّلَ قومٌ تَأويلَنا، فالذي سمِعَ قراءةَ ابنِ عبّاسٍ هذه، وإنْ كانت تَصحُّ ظَنَّ أَنَّ قولَ الله: ﴿لا يعلمه إِلَّا اللَّهُ (٣) وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلم ينازِعُوه في قراءتِه، وسَلَّمُوا له، والاختلافُ في القراءاتِ بين ابنِ مسعودٍ، وأبيٍّ (٤)، وزيدٍ (٥)، وعليٍّ، وليسَ لنا أن نستعملَ إلّا ما ثَبَتَ في مِصْحَفِنَا، لأنَّهُ آخِرُ العَرْض، ولأنّ الذي جمعه بين اللَّوْحينِ أرادَ جمعَنا عليه، وألا نتفرقَ، ونَخْتَلِفَ. وفي هذا كلامٌ يَطولُ، وَيكْثُرُ. وقد أَوْدَعْتُ كتابي المُؤَلَّفَ في مُشْكِلِ القرآنِ طَرَفًا منه (٦).

стр. 213

° ثم قلتَ في قولِ ابنِ عبّاسٍ: "كلَّ القرآنِ أعْلَمُ إلّا أربعًا" (١) أرادَ أعْرِفُ كلَّ القرآنِ ما خلا المتشابهَ إلَّا هذه الأربعة، ومثّلتَ ذلك برجلٍ دفعَ إلى رجلٍ رسالةً، وقالَ: أعْجَمْ لي جميعَ حُروفِها، فقالَ: قد أعْجَمْتُها كُلَّها، فالعِلْمُ مُحيطٌ بأنَّهُ إنّما أعْجَمَ منها ما يَقَعُ عليه الإعْجامُ دونَ ما لا يُعْجَمُ، فأنت تَعْلَمُ أنّهُ غَيرُ كاذبِ في قولِهِ: أعْجَمْتُها كُلَّها، ومُسْتَيقِنٌ أنّهُ قد تَرَكَ من حروفِها ما لا يُعْجَمُ كذَلك قولُ ابنِ عبّاسٍ؟ . • الجوابُ: والذي مَثَّلتَ بهِ المتشابهَ من الإعْجام لا يُشْبِهُهُ؛ لأنَّ ما لا يُعْجَمُ من حروفِ المُعْجَمِ يَعْلَمُ الناسُ جمَيعًا من غيرِ اختَلافٍ أنه لا إعجامِ له، والناس جميعًا عالمون أن المتشابه يُعْلَمُ إلَّا أنَّ بَعْضَهُمْ قالَ: يَعْلَمُهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ وحده، وقال قوم: يعلمه الله، والنبيّ، والروح الأمين صلى الله عليهما الذي نزل به، وقال قوم: يعلمه الله، ورسوله، وجبريل، والراسخون في العلم. فكيف تُشَبِّهُ شيئًا له تأويلٌ على كُلِّ حالٍ بشَيءٍ لا إعجامَ لَهُ على كُلِّ حال (٢) ... هذينِ هذا المتشابِهُ الذي لا يعلَمُهُ إلا اللهُ ألَا وَقَفْتَنَا مِنْهُ على حرفٍ واحدٍ، أو خَبَّرْتَنَا عنِ واحدٍ من الأئمةِ أنّهُ قال في شَيءٍ من القرآنِ إنهُ متشابِة لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ وحدَهُ وإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ، ولا جِبْريلُ صلى اللهُ عليهما، ولا الراسخونَ في العِلْمِ. وما مَعْنى تَعْليمِ رسولِ اللهِ ﷺ عليًّا التَّفسيرَ (٣)؟ أعَلَّمَهُ المُحْكَمَ الذي لا يَعْلَمُهُ غَيرُهُ؟ وما معنى دُعائِهِ لابنِ عبّاسٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأويلَ" (٤) أكانَ دعاؤُهُ يُعَلِّمُهُ الظّاهِرَ

стр. 214

الواضِحَ؟ . فإنْ أحْبَبْتَ أن تَعْرِفَ المتشابِهَ، وكيف يكون علمُ الراسخينَ له؟ وهل يَجْتَمعُ ذلك كُلُّهُ عند الواحِدِ مِنهُمْ، أوْ يكون متفرقًا؟ قلنا: قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك مُجْتَمِعًا عندَ مَنْ دعا له رسولُ اللهِ ﷺ ، ويكونَ متفرقًا عندَ العلماء، فهذا يَعْرِف منه بعضًا (*) وَيذْهب عليه بعضٌ، وهو عند غيرِهِ قد يجوزُ أن يكونَ مِنْهُ شَيءُ يَعْلَمهُ رسولَ اللهِ وَحْدَهُ؛ لأنّهُ صلّى اللهُ عليهِ أرسخ الراسخينَ في العِلْمِ. مِنْ ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (١) يحتمل أن يكونَ أراد إقبالَ ظلامِهِ في أوَّلِهِ وأن يكونَ أراد إدبارَ ظلامِهِ في آخِرِهِ. ولا يُعْلَمُ مُرادُ اللهِ ولا أيَّ الوَقْتَينِ أقسمَ بِهِ. ورسولُ اللهِ يَعْلَمُ ذلك، ومَنْ أعْلَمَهُ إيّاهُ (٢). وكذلك القَرْءُ في كلام العَرَب يكونُ الطُّهْرَ ويكونُ الْحَيضَ (٣)، وإنما يُعْرَفُ مُرادُ اللهِ بِتَوْقيفٍ رسولُ الَلهِ ﷺ . وكذلك الحروفُ المُقَطَّعَةُ قد اخْتُلِفَ في تَفْسيرِها، وهي أوْلى الكتابِ بالإِشْكالِ والتشابُه، ولم نَرَهُمْ أمْسَكُوا عن التأويلِ لها، ولا ابنَ عبّاسٍ القارِيءَ بذلك الوَجْهِ إن كان صحيحًا. وقال في تفسير الرحمن: الرحمن (٤) ... أخَذَهُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ. ولكُلِّ فيما فَسَّرَ مَذْهَبٌ تَحْتَمِلُهُ الحُروفُ، ولم يَخْرُجِ الحَقُّ منها إن شاءَ اللهُ.

стр. 215

٧٣ - مسألة أخرى: وذكرتَ شيئًا من نَحْوٍ تَذْكُرُ فيه عامةَ من يَنْظُرُ في النَّحْوِ وهو قَوْلك (١): ولو أن قارِئًا قَرَأ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٢) وتَرَكَ طريقَ الابتداءِ بإنّا وأعْمَلَ القولَ فيها بالنصب على مذهب من يَنْصِبُ أنّ بَعْدَ القولِ كما يَنْصِبُها بالظنِّ لَقَلَبَ المعنى وأزاله عن طريقتِه، وجعل النَّبِيَّ ﷺ محزونًا لقولِهِمْ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كفرٌ ممن تَعَمَّدَهُ، وَضَرْبٌ من اللَّحْنِ لا تجوز الصلاةُ به، ولا يجوزُ للمأمومينَ فيه. قلتَ: ورَأيتُهُمْ لا يَعْرِفونَ هذا المَذْهَبَ، وزعموا أنّ ما جاء بعدَ القولِ فهو على الحكايَةِ؟ . • الجواب: وأحسب هؤلاءِ الناظرينَ في النَّحْوِ قبلَكَ ذهبَ عليهم هذا البابُ من كُتُبِ النَّحْو، وهو مذكور في كُتُب القُرَّاءِ (٣) وكتاب سيبويهِ (٤). وسأبين طرفًا مما قالوه فيه لِتَفْهَمَهُ، وتُلْقِيَهُ إليهم.

стр. 216

قالوا: العربُ تجعلُ ما بعدَ القولِ مرفوعًا على الحكايَةِ فتقولُ: قُلْتُ: عبدُ اللهِ ذاهبٌ، وقلت: إنك قائمٌ. هذا في جميع القولِ إلا في "أتقولُ" وحدَها مع حرف الاستفهام، فإنهم يُنْزِلونَها منزلةَ "أَتظُنُّ" فيقولونَ: أتقول أنك خارج؟ ومتى تقولُ أن عبدَ الله منطلقٌ؟ (١) وأنشد: أمّا الرحيلُ فدونَ بعدِ غدٍ ... فمتى تقولُ الدارَ تجمعنا (٢) بنصبِ الدارِ كأنّهُ قالَ: فمتى تظن الدارَ تجمعنا. وهذا مذهبُ أكثرِ العربِ فيما جاءَ بعدَ القولِ. قالوا: ومن العربِ قَوْمٌ ينصبونَ ما جاءَ بعدَ القولِ على أيِّ وَجْهٍ كان فيقولون: قلت: إِنّك ذاهبٌ، وقلت: عبد اللهِ منطلقًا (٣)، وهم بنو سُلَيمٍ (٤)، فإذا قرأ قارِيءٌ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٥) بنصب أنّا على مذهب هؤلاء في نصب ما جاءَ بعدَ القَوْلِ بإيقاعِ القولِ عليهِ كما تُوْقِعُ الظَّنَّ جعلَ النَّبِيَّ محزونًا لقَولهِمْ: أنّ الله يَعْلَمُ السِّرَّ، والعَلانِيَةَ، ما يُسِرُّون، وما يُعْلِنُونَ، ومن حُزْنِهِ قولُ القائلِ: أن الله يَعْلَمُ السِّرَّ، والعلانيةَ، فهو كمن حَزِنَهُ قَوْلُ آخَرَ أن الله واحِدٌ، وأنّ اللهَ لا شريكَ له، ولا نِدَّ، فكيف يجوز أن يقولَ اللهُ

стр. 217

لرسولهِ: لا يَحْزُنْكَ قولُهُمْ أنا نعلمُ ما يُسرون وما يعلنون؟ بإيقاعِ القولِ على أنّا، وهل يجوزُ أن يكونَ مثلُ هذا من صفات الله، وإجلالِه، وتعظيمِهِ بِحُزْنِ رسولِ اللهِ؟ والقراءةُ "ولا يحزنك قولُهُمْ" ويكونُ الكلامُ تامًا، ثم تبتدئُ فتقولُ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من قولهم: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وكذلك لو قَرَأ قارِيءٌ: ولا يحزنك قولهم: "إنا نعلم ما يسرون"، بالكسر، ونيّته أن يَجْعَلَ ما بعدَ قولهِمْ مُحْكَمًا كان بمنزلة أنَّا منصوبةً، وإنّما تَجوزُ القراءةُ بأن يكونَ تمامُ الكلام عندَ قولهِ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ثم تبتدئ ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ (١).

стр. 218

٧٤ - سألتَ هل يجوز أن تَسْتَثْنِيَ أكثرَ الشَّيءِ منهُ؟ فتقول: بِعْت الدارَ إلا ثلاثةَ أرباعِها، وبِعْت الثمرةَ إلا تَسْعَةَ أعشارِها، وصُمْت الشَّهْرَ إلا تسعةً وعشرينَ يومًا؟ . • والذي عندي أنّ هذا لا يجوزُ في اللغةِ؛ لأنّ تأسيسَ الاستثناءِ على تدارُكِ قليلٍ من كثيرٍ كأنّك أغْفَلْتَهُ وأنْسِيتَهُ لِقِلَّتِه، ثم تَدارَكْتَهُ بالاستثناءِ؛ لأن الشَّيءَ قد ينقصُ نقْصانًا يسيرًا، فلا يزولُ عنه اسمُ الشَّيءِ بنقصانِ القليل، فإذا نقصَ عنه أكْثَرُهُ زالَ عنه اسمُ الشَّيءِ ألا ترى أنّك لو حذفتَ من دِرْهَمٍ دانقًا، أو دانقينِ جاز أن تقولَ معي دِرْهَمٌ، ومعي دِرْهَمٌ ناقِصٌ، فَتُسَمِّيهِ مع النقصانِ دِرْهَمًا، ولو حذفتَ منة ثُلُثَيه، أو ثلاثةَ أرباعِهِ لم تقلُ معي دِرْهَمٍ، ولا معي دِرْهَمٍ ناقِصٌ. وإِنّما يجوز أن تَقولَ: معي كَسْرٌ (١) من دِرْهَمٍ، ومعي قِطْعَة مِنْ دِرْهَمٍ. فإذا قال القائل: أعْطَيتُ فلانًا دِرْهمًا إلا أربعةَ دوانيقَ (٢) أحالَ لأنَّ الذي أعطاه دانقان، ولا يجوزُ أن يُسَمِّيَ ذلك دِرْهمًا. وكذلك القائلُ صمتُ الشهرَ إلا تسعًا وعشرين يومًا أحالَ لأنّهُ صام يومًا، واليومُ لا يُسَمَّى شَهْرًا. ومما يزيدُ في وضوحِ هذا أنّهُ لا يَجوزُ لك أن تَقولَ: صُمْتُ الشهرَ كُلَّهُ إلا يومًا واحدًا، فَتُؤكِّدُ

стр. 219

الشَّهْرَ، وتستقصي عددَهُ بكُلِّ. ولا يجوزُ أنْ تقولَ: صمتُ الشهرَ كُلَّهُ إلا تسعةً وعشرين يومًا. وتقول: لقيت القومَ جميعًا إلا واحدًا أوْ اثنين، ولا يجوزُ أن تقولَ لقيت القومَ جميعًا إلا أكْثَرَهُمْ. والقليلُ الذي يجوزُ أن يُسْتَثْنَى من الشَّيْءِ الثُلُثُ وما دونَهُ (١) وإلى هذا يذهب مالِكٌ (٢) في الثُّنْيَا (٣) والجَوائِحِ (٤) قال الشاعرُ (٥): عَدَاني أن أزورَكَ أنَّ بَهْمي ... عَجايَا كلُّها إلا قليلًا (٦)

стр. 220

٧٥ - سألتَ عن قولِ اللهِ جل وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) وقلت ليس في هذا الكلام فائدةٌ وإنَّما هو بمنزلةِ قولِكَ في الكلام: يا فلانُ كُلْ هذا الطعامَ وإنْ لم تفعلْ فما أكلْتَهُ؟ . • والذي عندي في هذا أن فيه مُضْمَرًا يبينه ما بعده، وهو أن رسولَ الله كان يَتَوَقَّى بعضَ التَّوَقِّي، ويَسْتَخْفي ببعضِ ما يُؤْمَرُ به على نحوِ ما كان عليه قبلَ الهجرة، فلمّا فَتَحَ الله عليه مَكَّةَ، وأفْشَى الإسلامُ أَمرَهُ أن يُبَلَّغَ ما أُرْسِلَ به مُجاهرًا بِهِ غيرَ مُتَوَقٍ ولا هائبٍ ولا مُتَألِّفٍ. وقيل له: إِنْ أنتَ لم تفعَلْ ذلك على هذا الوَجْهِ لم تكنْ مُبَلِّغًا لرَسالاتِ ربِّكَ. ويَشْهَدُ لِهذا قولُهُ بَعْدُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) أي يَمْنَعُكَ منهُمْ. ومثلُ هذه الآيةِ قَوْلُهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).

стр. 221

٧٦ - سألتَ عن قول اللهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ (١) مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢)؟ . • المعنى واللهُ أعْلَمُ: وإذ (٣) أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيينَ، فقالَ لهم: وأضْمَرَ القولَ. والقولُ يُضْمَرُ كثيرًا كقولِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ (٤) أي فيُقالُ لهم: أكفرتم. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (٥) أي ويَقولانِ رَبَّنا. ثم قال: ﴿لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (٦) وما في معنى الذي، يقول ذلك لكل نَبيّ وأمته ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب والحكمة، يعني فحَمَّدًا. لتؤمن به ولتنصرنه يريد بقايا كلّ أمة وأعقابها كأنه قيل لموسى ومَنْ معَهُ من بني إسرائيل في التوراة سَيَجِيئُكُمْ رَسُوْلٌ مُصَدِّقٌ لما مَعَكُمْ من الكتاب، فآمِنُوا بِهِ وانْصُروهُ.

стр. 222

وإنما يُرادُ بذلك مَنْ يَكونُ في زمانِ محمدٍ المُبْتَعَثِ فيه من اليهودِ وأهْلِ الكتاب لا يُرادُ به مَنْ كان في زمنِ موسى مِنْهُمْ ثم قالَ: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي عَهْدي يُريد بإقرارِهِمْ قَبُولَهُم التوراةَ، وفيها ذلك، وهو أخْذُ العَهْدِ عليهم ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ أي قَبِلْنا ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي اشهدوا أيُّها النَّبِيُّون على بني إسرائيلَ بأنكم قد بَلَّغْتُموهم ذلك في الكتابِ ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

стр. 223

٧٧ - مسألة: ذكرتَ أنَّكَ وَجَدْتَ في كتابي المُؤَلَّفِ في القراءاتِ (١) حِكَايةً عن حَمْزَةَ (٢) أنَّهُ قَرَأَ: "ولا يحسبنّ الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون" (٣) بالياء في يَحْسَبَنَّ، وأن ذلك لا يجوز لأِنَّهُ لا يقعُ يَحْسَبَنَّ على سبقوا، ولو أُريدَ ما ذهبَ إِليهِ كان: ولا يحسبنّ الذين كفروا أنهم سبقوا إلّا أنَّهم لا يعجزون. وكذلك التي في سورةِ النُّورِ: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ (٤) الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) كان يقرؤها بالياء في يَحْسبنّ، ولا يجوز ذلك لأنّهُ لا يقعُ يَحْسَبَن وهو للكافرينَ على معجزينَ، ولو أراد الوَجْهَ الذي ذَهَبَ إليه لكان: ولا يحسبن الذين كفروا أنهم معجزون في الأرض، فيقع يحسبن على أنّهم. قُلْتَ: وهذا على ما ذكرتَ إذا جَعَلْنا الحسبانَ للكافرينَ، ولكنّا إِنْ جَعَلْناه للنبي ﷺ جاز، كأنَّهُ قال: لا يَحْسَبَنَّ محمدٌ الذين كفروا سبقوا،

стр. 224

ولا يحسبن محمدٌ الذين كفروا معجزينَ في الأرض. ويكونُ مَعْنَى الياءِ معنى التاءِ ويكونانِ للنبي ﷺ إِلاّ أَنَّ التاءَ مخاطَبَةُ الشاهدِ واليَاءَ مخاطَبَةُ الغائبِ. والعَرَبُ قد تُعْرِضُ فتُخاطِبُ الشاهدَ خِطابَ الغائبِ (١) وتُخاطبُ الرَّجُل بالشَّيءِ وهي تُريدُ غَيرَهُ؟ . • وقد تَدَّبرْتُ ما ذَهَبْتَ إليهِ فلمْ أرَهُ يَجوزُ، لأنَّ العَرَبَ تخاطبُ شاهدًا وتُريدُ غَيرَهُ غائبًا كان أو شاهدًا، كقولِ الله لنبيِّهِ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٢) لم يُرِد النبيَّ ﵇ بذلكَ، وإنَّما أرادَ الشَّكَّاكَ فيه وفيما جاءَ بِه، ولا يجوزُ الكلامُ لغائبٍ ويُرادُ به غائبًا آخَرَ فَيَقُولُ: لا يَحْسبَنَّ محمدًا الذين كفروا وهو يريد الشكّاكَ في محمّدٍ وإنّما يكونُ للغائبِ له لا لِغائِبٍ غيرِهِ. وإذا أنتَ قَرأتَها بالياءِ: "لا يَحْسبن الذين كفروا سبقوا" وأنت تُريدُ لا يحسبنّ محمدٌ الذين كفروا سبقوا؛ كان محمدٌ هو الذي يحسبُ الكافرينَ معجزينَ لله، وهذا كُفْرٌ إذا تُعُمِّدَ هذا المعنى في القراءة، ومن تَعَمَّدَ أَن يجعلَ الحسبانَ لمحمدٍ ﵇، والمرادُ غَيرُهُ ثَقُلَ الكلامُ والنَّهْيُ عن غائبٍ وعَرَّضَ بغائبِ عن غائب، وذلك لا يجوزُ لأَنَّكَ تكني بالغائبِ عما أَردْتَ، وتُورِي فكيفَ تَكْنِي عن مَكْنِيٍّ وتحول مَكْنِيًّا إلى مَكنِيٍّ؟ وإنّما يَجوزُ أن تُحَوِّلَ الخطابَ للشاهدِ إلى الغائب، وللغائبِ إلى الشاهد، وتخاطبُ شاهدًا وأنت تُريدُ شاهدًا آخَر (٣).

стр. 225

٧٨ - سألتَ عن حديثٍ ذُكِر فيه "أنّ القاسمَ بنَ مُحَمَّدٍ (١) سُئِلَ عن العُصْرَةِ للمرأة، فقال: لا أعْلَمُهُ رُخِّصَ فيها إلا للشَّيخِ المَعقوف" (٢)؟ . • أحْسَبُ العُصْرةَ منعَ البنتِ من التَّزْويج، يُقالُ: اعتصرَ فلانٌ فلانًا إذا مَنَعَهُ من حقٍّ يَجِبُ عليه، ومن هذا عُصْرَةُ الغَريمِ (٣) ومَعْطَتُهُ (٤)، وهو أنْ يَمْنَعَهُ ما لَهُ عليهِ وَيَقولُ: صالِحْنِي على كذا أُعَجِّلْهُ لَكَ، وأرادَ القاسمُ أنَّهُ ليس لأحدٍ عَصْرُ المرأةِ إلا لشيخٍ كبيرٍ أعْقَفَ من شِدَّةِ الكِبَرِ لحاجَتِهِ إلى خِدْمَةِ البِنْت، ولا يكونُ ذلك لغيرِهِ (٥)؟ .

стр. 226

٧٩ - سألتَ عن قولِ اللهِ : ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾ (١) وقلتَ: أمَا في قولِهِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ما أغْنَى عن قولِهِ: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ لأنّ النساءَ يَدْخُلْنَ في القومِ. يُقالُ: هؤلاء قومُ فلانٍ للرجالِ والنساءِ من عَشِيرَتِهِ؟ . • والذي عندي أنَّ أصْلَ القومِ للرِّجالِ دونَ النِّساء، ثم يُخالِطُهُم النساءُ، فَيُقالُ: هؤلاءِ قومُ فلانٍ. ولا يجوزُ أن تقولَ للنساءِ ليس فيهنّ رَجُل، هؤلاءِ قومُ فلانٍ، ولكن تَقُولُ: مِنْ قومِهِ لأنَّ قومَهُ رجالٌ والنساءُ مِنْهُمْ. وَيَرَى أهلُ النظرِ أنّهُ قِيلَ للرجال، قومٌ أُريدَ به جَماعَةُ قائم (٢) كما يُقالُ: ....

стр. 227

زائرٌ وزَوْرٌ (١) وصائِمٌ وصَوْمٌ (٢) ونائِمٌ ونَوْمٌ (٣)، وسُمُّوا قَوْمًا لأنّهم يَقومونَ معه في النوائب، وعندَ الشدائد، وَينْصُرونَهُ. ومثلُ قولِهِ لقوم الرجلِ: نَفَرَةٌ (٤): جَمْعُ نافِرٍ، لأنهم يَنْفِرونَ معه إذا اسْتَنْفَرَهُمْ قال امُرؤُ القَيسِ (٥) يَصِفُ راميًا: فَهْوَ لا تَنْمي رَمِيَّتُهُ ... ما لَهُ؟ لا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ (٦)! يقول: إذا عُدَّ قومُهُ لم يُعَدَّ مَعَهُمْ، أي أماتَهُ الله قَتَلَهُ اللهُ. هذا وأشْباهُهُ مما يَخْرُجُ مَخْرَجَ الدُعاء، ولا يُرادُ بِهِ الوُقوعُ (٧). ومما يَدُلُكَ على أنَّ القومَ للرجال، قالَ زُهَيرٌ (٨):

стр. 228

وما أدْري وسوفَ إخالُ أدْري ... اقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ (١) يُريدُ أرجالٌ هم أم نساءٌ؟ .

стр. 229

٨٠ - سألتَ عن حديثٍ ذُكِرَ فيه: عن عياضِ بنِ عبد اللهِ بنِ أبي سَرْحٍ (١) أن أبا سعيدٍ الخدريَّ (٢) أخْبرَهُ أنّهُ خرج مع رسولِ اللهِ ﷺ حتى دخل المسجدَ، فصلَّى بصلاةِ رسولِ اللهِ ﵇ حتى إذا انصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ رَأى نُخَامةً (٣) في القِبْلَةِ، فقام إليها بِعُرْجونٍ (٤)، فَحَكَّها، وقال: "أمَا وَجَدَ الباصِقُ بَصْقَةً غَيرَها. إذا بَصَقَ أحدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَبْصُقْ عن يسارِه، أو تحتَ رِجْلَيه، فإنْ غَلَبَتْهُ كَدْسَةٌ (٥)، أو سَعْلَةٌ ففي ثَوْبِهِ" (٦)؟ . • الكَدْسَةُ: العَطْسَةُ. يُقالُ: كَدَس الرجلُ إذا عَطَسَ. والعاطِسُ قد يَخْرُجُ

стр. 230

من أَنْفِهِ كما يَخْرُجُ مِنْ حَلْقِ الساعِلِ بالسُّعال، فأمر المُصَلِّيَ أنْ يَتَلَقَّى ذلك بثوبِهِ. قال الشاعر (١): فَلَوْ أنَّني كُنْتُ السليمَ لَعُدْتَني .. سَريعًا ولم تَحبِسْكَ عَنِّي الكوادِسُ (٢) يُريدُ: العواطسَ. وكانت العَرَبُ تَتَطَّيُر من السُّعالِ إذا سَمِعَهُ الغادي منهم فَيَرْجِعُ، ولذلك قال امرؤُ القيسِ: وقد اغْتَدي قَبْلَ العُطاسِ بِهَيكَلٍ ... شَديدِ مشَكِّ الجَنْبِ فَعْمِ المُنَطَّقِ (٣) يقول: أَعْدو قبلَ أنْ يَسْتَيقِظَ النائمونَ، فَيَعْطُسَ منهم أَحَدٌ، فَأَحْتاجَ إلى أن أَتَطَيَّرَ من ذلك، أو أرجِعَ.

стр. 231

٨١ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ في يونس: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (١) وقَوْلِهِ في موضِعٍ آخَرَ ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (٢) وقلتَ: هذا خِلافُ الأوَّلِ؛ لأنّهُ ذَكَرَ في الكلامِ الأوَّلِ أنَّهُ نَبَذَهُ بالعَراء، وهو سَقيم، وقال في الكلام الثاني: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ وهذا يَدُلُّ على أنه لم يُنْبَذْ بالعَراءِ؟ . • وليس الأمرُ كما تَوَهَّمتَ، ولا بينَ الكلامينِ اختلاف كما ذكرتَ؛ لأنه أراد لولا أنا تبنا عليه، ورحمناه لنبذناه، حين نبذناه، بالعَراءِ مذمومًا أي على حالتِهِ الأولى لم نَتُبْ عليه. ويَدُلُّكَ على ذلك قولُهُ بعد مذموم: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي تاب عليه (٣).

стр. 232

٨٢ - سألتَ عن التَّمَنِّي (١) في قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) وقلتَ: إنَّكَ وجدتَهُ في كتابي المُؤَلَّف في غريب القرآنِ (٣)، وكتابي في غريب الحديثِ (٤) أنّ الأمنيّةَ: التلاوةَ، وأنّهُ قد أَنْكَرَ ذلك قومٌ، . وسألوني أَنْ آتيَ عليه بدليلٍ، وشاهِدٍ؟ . • فأمّا الدليلُ عليه فقولُ الله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٥) أي لا يَعْرفونَ الكتابَ إلا تلاوةً، يُريدُ لا يعملونَ به، ولا يُحرِّمونَ حَرامَهُ، ولا يَنْتَهونَ إلى أمرِه، وزاجِرِهِ (٦). والشاهدُ من الشِّعْرِ: قال الشاعرُ (٧) في عثمانَ بنِ عفّانَ:

стр. 233

تَمَنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ ... وآخِرَها لاقَى حِمامَ المَقادِرِ (١)

стр. 234

٨٣ - سألتَ عن ألفاظٍ كَثُرَتْ في كلام النّاسِ منها قَوْلُهُمْ: غلامٌ خُماسِيٌّ، ولم يقولوا: سُداسِيٌّ، ولا سباعيٌّ كمَا يُقالُ في الثياب (١). ومنها قَوْلُهُمْ: فلانٌ حَمِيُّ الأنْف، ولم يقولوا: حميُّ الأُذُن، ولا العَين، وما أشْبَهَ ذلك (٢). ومنا قَوْلُهُمْ: أعْتَقَ فلانٌ رَقَبَةً، ولم يقولوا: أعتق عُنُقًا (٣) ومنها قَوْلُهُمْ: قَوارِعُ القُرْآنِ (٤) ومنها قولُهُمْ للعالِمِ: باقِعَةٌ (٥). ومنها قولُهم:

стр. 235

دنانيرُ حُرْشٌ (١). ومنها قولُهُمْ: لا نَيَّحَ اللهُ عِظَامَهُ (٢). ومنها قولُهُمْ: قد تَحَذْلَقَ فلانٌ (٣)؟ . • أما قولُهُمْ: غلامٌ خُماسِيٌّ، ولم يقولوا: سُداسيٌّ، ولا سُباعيّ؛ فَلِأنَّ الغلامَ إذا يَفَعَ خمسةَ أشْبارٍ، وذلك ذِراعانِ ونِصْفٌ، صار رَجُلًا في سِتَّةِ أشْبارٍ، وخَرَجَ عَنْ حَدِّ الطُّفُولَة، وهذا على الأشْهَرِ والأكْثَرِ في النّاس، وقد يَشُدُّ من هذا شَيءٌ على قَدْرِ طُولِ الغُلام، وقِصَرِه، فلا يكونُ الشُّذُوذُ حُجَّةَّ على الأكْثَرِ (٤). • وأما قَوْلُهُمْ: فلانٌ حَمِيُّ الأنْفِ، واخْتِصاصهُم الأنْفَ دونَ غَيرِه، وأنَّ العرب كانت تَعُدُ مسَّ الأنْفِ ذلًّا فقيل: فلانٌ حَمِيُّ الأنْف، وحَمِيُّ المِعْطَسِ كأنَّهُ حماهُ مِنْ أنْ يُمَسَّ. • وأما قولهم: أعتق فلانٌ رَقَبَةً، ولم يقولوا: أعتقَ فلانٌ العُنُقَ، وقد يكون للرقَبَةِ وغيرِها، وهو مُقَدَّمُ الشَّيْءِ وأعلاهُ. فلو قال قائل: أعتق عُنُقًا، وعليه عُنُقٌ كما قالوا رَقَبَةً احتملَ التأويلات، وكانت الرقبةُ أوْلى؛ لِأنَّها لا تَحْتَمِلُ إلا مَعْنَىً واحِدًا (٥) تقولُ: بدا عُنُقُ الجَبَلِ (٦)، وخَرَجَ عُنُقٌ مِن النَّارِ (٧) وأتاة عُنُقٌ مِن النَّاسِ (٨) ولا يُقالُ في شَيءٍ من هذا رَقَبَةٌ.

стр. 236

• وأَمّا قولُهُمْ: قوارعُ القُرآنِ فإنّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقْرَعُ الظَّالمَ بِه، وَيَقْرَعُ العاصيَ أي يَكُفُّهُما، ويرْدَعُهُما، ويكونُ أيضًا يَقْرَعُ الشَّيطانَ، والسَّحَرَةَ أي يَمْنَعَهُمْ، وَيَكُفُّهُمْ ومِنْهُ: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (١) في كتابِ الله جَلَّ وعَزَّ، وكذلك قوارِعُ الدَّهْرِ هي المَصائِبُ التي تَقْرَعُ النَّاسَ أي تُصِيبُهُمْ (٢). • وأما قَوْلُهُمْ للعالِمِ: باقِعَةٌ فإنَّ الباقِعَةَ الدَّاهِيَة (٣) كما يُقالُ؛ فَقَرَتْهُم الفاقِرَةُ (٤). • وأما قَوْلُهُمْ: دنانيرُ حُرْشٌ، فإنّها الخُشْنُ لِجدَّتِها وكُلُّ شَيءٍ خَشْنٌ فهوَ أَحرَشُ، ومِنْهُ يُقالُ للضَّبِّ: أحْرَشُ لخُشونَةِ جِلْدِهِ (٥)، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: حُلَّةٌ شَوْكاءُ أي خَشْنَةُ الجِدَّةِ (٦). • وقولهم: لا نَيَّحَ اللهُ عِظامَهُ أي لا صَلَّبَها، ولا شَدَّدَ منها يُقالُ: عَظْمٌ نَيِّحٌ أي صُلْبٌ، وناحَ العَظْمُ يَنيحُ نَيحًا (٧). • وقولُهُمْ: قد تَحَذْلَقَ فلانٌ يُرادُ قد تَدَقَّقَ في الأمْرِ يُقالُ: قد حَذْلَقَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ، وَحَذْلَقَهُ أيضًا إذا قَطَعَهُ (٨)، وكذلك حَذِقَ الشَّيءَ قَطَعَهُ، ومِنْهُ قد حَذِقَ الغُلامُ إذا خَتَم القرآنَ في التَّعَلُّمِ كأنَّهُ قَطَعَ القُرْآنَ، أو قَطَعَ التَّعَلُّمَ له (٩).

стр. 237

٨٤ - سألتَ عن حروفٍ في الحديثِ لم تجدْ لها في كتابي ذِكْرًا؟ . • منها حَديثٌ ذُكِرَ فيه أنه "نهى عن الصلاة خَلْفَ الشَّجَرَةِ المُقَزَّحَةِ" (١). والشَّجَرَةُ المُقَزَّحَةُ التي يَتَشَعَّبُ منها شُعَبٌ وأغصانٌ في أسْفَلِها. وأصْلُهُ من القُزَحِ، وهي الطرائقُ واحدُها قُزْحَةٌ (٢)، ومنه قيل: قوسُ قُزَحٍ (٣) يُرادُ به الطرائقُ فيها من الحُمْرَةِ والخُضْرَةِ. • ومنها حَدِيثٌ ذُكِرَ فيه "أَنَّ إبليسَ لَيَقُزُّ القَزَّةَ من المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ" (٤). والقَزَّةُ هاهنا أنْ يَجْمَعَ الإنسانُ جَرامِيزَهُ ويَتَقَبَّضَ ثم يَثِبَ. يقال: قَزَّ الرجلُ يَقُزُّ قَزًّا (٥).

стр. 238

• ومنها حديث ذُكِرَ فيه أنَّ عالِمًا من عُلَماءِ بني إِسرائيلَ وَضَعَ للنّاسِ سبعينَ كتابًا في الأحكام، فأوْحَى اللهُ إلى نبيٍّ من أنبيائهم: قُلْ لفلانٍ إِنّك مَلأتَ الأرْضَ بَقاقًا، وإنّ اللهَ لم يقبل من بَقاقِكَ شَيئًا (١). البَقاقُ: كَثْرَةُ الكلامِ ويُقالُ لِسَّقَطِ مَتاعِ البيت بَقاقٌ (٢) قالَ الشاعرُ (٣) في كَثْرَةِ الكلامِ: وقَدْ أقودُ بالدَّوَى المُزَمِّلِ (٤) أخرسَ في السَّفْرِ بَقَاقَ المنزلِ والدَّوَى: الأحمقُ. المُزَمِّلُ: المُلْتَفُّ بثيابِهِ. يقولُ هو في السَّفرِ أخْرَسُ لا يتكلّمُ، ولا يُحادِثُ الركْبَ، وهو في منزلِهِ كَثيرُ اللَّغَطِ والكلام، وأحسَبُ قولَهم: رَجُل بَقْباقٌ (٥) من هذا كأنه بَقَاقٌ، ثم أبْدَلُوا من إحدى القافين باءً. • ومنها حديثٌ "ذُكِر في السيرةِ في مناجاةِ أيُّوبَ ﷺ أنَّهُ قيل له: لا يَنْبَغي أن

стр. 239

يُخاصِمَني من جَعَل الزَّيَارَ (١) في فمِ الأسَدِ والسِّحال (٢) في فمِ العَنْقاء" (٣). هكذا ذكرتَ: وقد يُقالُ: السِّحالُ بالسين والحاء، فإن كانت الرواية السِّحال فهو حديدةُ اللجام، يُقالُ له: مِسحلٌ وسِحالُ، كما يُقالُ مِنَطَقُ ونِطاق (٤)، وإنْ كانت الشَّحاك فهو عودٌ يُعَرَّضُ في فمِ الجَدْيِ يَمْنَعُهُ من الرَّضاعِ (٥). • ومنها حديثٌ قيل فيه: "لا يَتَمرْأى (٦) أحدُكُمْ بالماءِ" (٧) إذ لا يَنْظُر فيه، وَيَجْعَلُهُ كالمرآةِ، وأدخلَ الميمَ في حروفِ الفِعْلِ كما قيلَ: يَتَمَسْكَنُ من السكونِ وَيتَمَدْرَعُ مِن المَدْرَعَةِ (٨).

стр. 240

• ومنها حديثٌ "ذكر فيه أن رجلًا سأل رجلًا عن منزلِه، فأخْبَرَهُ أنَّهُ نَزَلَ بينَ حَيَّينِ من العرب، فقال: نَزَلْتَ بينَ المَجَرَّةِ والمَعَرَّةِ" (١). والمَجَرَّةُ مَجَرَّةُ السَّماء، والمَعَرَّةُ ما وراءَها من ناحيةِ القُطْبِ الشِّمالي سُمِّيَ مَعَرَّةً لِكَثْرةِ النّجومِ فيهِ. وأصْلُ المَعَرَّةِ مَوْضِعُ العَرّ، وهو الجَرَبُ. والعَرَبُ تُسَمِّي السماءَ الجَرْبَاءَ لِكَثْرَةِ نُجومِها (٢) قالَ الهُذَليُّ (٣) ووصفَ أُتُنًا وحِمارًا: أرَتْهُ من الجَرْبِاءِ في كل مَنْظَرٍ ... طِبابًا فَمَثْواهُ النهارَ المراكدُ (٤) يُريدُ أنّها أَدْخَلت الحمارَ في مَضايِقَ، فليس يَرَى من السَّماءِ إلا قِطَعًا كأَنَّها طِباب. الطِّبَابَةُ: رُقْعَةٌ تكونُ في المَزادَةِ (٥).

стр. 241

وإنّما أرادَ بقولِهِ نزلتَ بينَ المَجَرَّةِ والمَعَرّةِ أَنّك نزلتَ بين حَيَّينِ عظيمينِ كثيرَيْ العدد، فَشَبَّهَهُما بالمَجَرّة والمَعَرَّة، وهو ما وراءَ المَجَرَّةِ من ناحيةِ الشام والنُّجومُ هناك تَكْثرُ وتَشْتَبِك. • ومنها حديثٌ "ذُكر فيه أنَّ المرأةَ من الحُورِ العِينِ لو أشْرَقَتْ لَفَغَمَتْ بينَ السّماءِ والأرْضِ بريحِ المِسْكِ" (١) يُريدُ لَمَلأتْ، وأصْلُهُ من الفَغْمَة، وهي شِدَّةُ رائحةِ الطِّيبِ التي تَغْلِبُ على كلِّ شَيءٍ من الروائحِ ومنه قولُ الشاعرِ (٢): فَغْمَةُ مِسْكٍ تَفْغَمُ المَزْكوما (٣) أي يَشْتَمُّها المزكومُ من شِدِّتِها وقوَّتها، وإذا وَجَدَها المزكومُ فَغَيرُهُ لها أَوْجَدُ. • ومنها حديثٌ "قيل فيه: ادعُ رَبَّكَ بِأَنْأَجِ ما تَقْدَرُ عليهِ" (٤).

стр. 242

وهو قولُكَ: نَأَجَ فُلانٌ إلى اللهِ أي ضَرَعَ، وهُوَ يَنْأج إذا ضَرَعَ وأعْلَى بذلِكَ صَوْتَهُ (١). ونَحْوُهُ جَأَرَ إلى اللهِ (٢). • ومنها حديث لعمرَ بنِ الخَطّاب "ذَكَرَ فيه أنّه قال لبعضِ وَلَدِهِ: لقد قَشَبَكَ المالُ" (٣). وهذا من القَشَب، وهو السُّمُ يُريدُ أذْهَبَ عَقْلَكَ المالُ كما يُذْهِبُ السُّمُ بالعَقْلَ. • ومنها حديث في رَجُلٍ أخرج من النّار فقال: "يا ربِّ قَشَّبَني ريحُها وأحْرَقني ذَكاؤُها" (٤). كأَنَّهُ قال سَمَّني ريحُها. • ومنها حديثٌ "ذُكِرَ فيه أنّ خُلُقَ رَسولِ الله ﷺ كانَ سَجِيَّةً ولم يكنْ تَلَهْوُقًا" (٥).

стр. 243

التَّلَهْوُقُ: أن يُبْدِيَ الرجلُ للناس من البِرِّ واللُّطْفِ ما لا يَعْتَقِدُهُ يُقالُ: لَهْوَقَ الرجلُ بِلِسانِهِ.

стр. 244

٨٥ - سألتَ عن حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ : "ليس فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ" (١) وقلتَ: قد ذهبَ قومٌ إلى أن الذَّوْدَ واحدٌ، واحْتَجُّوا بقولِ الشاعرِ (٢): إن تُخْرِجوها خِماصًا من حَمائِلِكُمْ ... فإنَّ عُدَّتَها ذَوْدٌ وسَبْعونا (٣) وذهبَ آخرونَ إلى أنه جميعٌ (٤)؟ . • والذي عندي أَنَّ الذودَ من الإِبِلِ ما بين الثلاثِ إلى العشرِ (٥)، وهو أَوَّلُ أسماءِ جماعاتِ الإِبِل، ثم فوقَ ذلكَ الصرمةُ (٦)، ثم فوق الصرمةِ الهَجْمَةُ (٧)،

стр. 245

ثم فوقَ الهجمةِ هُنَيدَةُ (١). ولو كان الذودُ واحدًا من الإبِلِ ما جاز أن يُقالَ: خمسُ ذَوْدٍ، ولكان الوجهُ أَن يُقالَ: خمسُ أَذْوادٍ كما يُقالُ: خَمْسَةُ أَبوابٍ، ولا يجوزُ أن يُقالَ: خمسةُ ثوبٍ، ويَدُلُّ أَيضًا حديثُ أبي موسى (٢) في إِتْيانِهِ رسولَ الله ﷺ [بِنَهْبٍ] (٣) يَسْتَحْمِلُهُ قال: "فأُتِيَ بذودٍ غُرِّ الذُّرَى، وطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيهِ" (٤) ومما يُشْبِهُ هذا قولُهُمْ: ثلاثةُ رَهْطٍ، وخمسةُ رَهْطٍ. والرَّهْطُ في النّاسِ ما بينَ الثلاثَةِ إلى العَشَرَةِ مثلُ الذَّوْدِ في الإبِل، وهو جميعٌ لا واحدَ له من لَفْظِه، وكان الأصلُ أَن يُقالَ: خَمْسٌ من ذودٍ، وخَمْسَةٌ من رَهْطٍ فَحُذِفَتْ مِنْ، وأُضِيفَ خَمْسٌ إِلى الذود، وخمسةٌ إلى الرَّهْطِ (٥). وأمّا البيتُ الذي استشهده لِمَنْ ادَّعى أنَّ الذودَ واحدٌ فلستُ اعرِفُهُ إن كان محفوظًا مَرْوَيًا على ما ذَكَرْتُ، فقد يجوزُ أن يكونَ قولُهُ: فإنَّ عُدَّتَها ذَوْدٌ وسبعونَ؛ يَعْنِي فإن عُدَّتَها ثلاثٌ وسبعونَ، أو خمسٌ وسبعونَ؛ لأنّ الذودَ على ما أعلمتُكَ واقعٌ على الثلاث، وما فوقُ إلى العشر، وكأنّ الشاعرَ لم يَعْرِفْ مِقْدارَ زيادَتِها على السبعينَ، فقالَ: ذودٌ وسبعونَ كما يُقالُ: نيّفٌ وسبعونَ.

стр. 246

٨٦ - سألتَ عن حديثِ النَّبيِّ ﷺ : "لا تَجْعلوني كقَدَحِ الراكبِ" (١)؟ . • والذي أرادَ لا تؤَخِّروني في الذِّكْرِ ولا تجعلوني فضلًا كقَدَحِ الراكبِ يُعَلِّقُ قَدَحَهُ في آخِرِهِ وَيحْمِلُهُ عندَ فراغِهِ (٢). قال حسّانُ (٣) - فيما أحْسِبُ -: وأنت مَنُوطٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ ... كما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٤)

стр. 247

ومثال هذا أن يكونَ الرجلُ يُصَلِّي على من تَقَدَّمَ من الأنبياءِ والملائِكَة، وَيدْعُو لأبَوَيهِ ونفسِهِ وللمؤمنينَ والمؤمنات، فإذا فَرَغَ من جميع دُعائِهِ وحَوائِجِهِ إلى اللهِ صَلَّى على النَّبيِّ، فجعلَهُ آخِرًا وجعل ذِكْرَهُ فَضْلًا كما يُعَلِّقُ الراكبُ قَدَحَهُ في حقيبَتِهِ بعدَ فراغِهِ من جميعِ ما تحملُهُ ناقَتُهُ.

стр. 248

٨٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١). وقلتَ: كيفَ يَحِلُّ للكفارِ بالقرآن، وهُمْ لا يُؤْمنونَ بِه، وإنْ جازَ أنْ يَحِلُّ لَهُمْ جازَ أن يُحَرمَ عَلَيهِمْ؟ . • والذي عندي أن القَصْدَ بالتحليلِ لنا، وإنْ كانَ القولُ لَهُمْ، كأنّهُ قال: وأُحِلَّ لكم طعامُ أهلِ الكتابِ أنْ تأكُلوهُ؛ وأُحِلَّ لكمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ طعامَكُمْ، ولو لم يقل: وطعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ لم نَعْلَمْ نحن أَنَّهُ يجوزُ لنا أن نطْعِمَ الكافرينَ طعامَنا، فأَعلَمَنَا أَنَّهُ قد أُحِلَّ لنا أن نَأكُلَ طعامَهُمْ، وأُحِلَّ لنا أن نُطْعِمَهُمْ طعامَنا (٢) فالاستعباد بذلك وقعَ لنا في الأمْرَينِ جميعًا لَهُمْ، وشَبيهٌ بذلكَ قولُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣). يُريدُ من صارَ إليكم من المشركاتِ اللواتي لهنَّ أزواجٌ بِمَكَّةَ فادفعوا إلى أزواجهنَّ مهورَهُنَّ، ولْيَدْفَعوا إليكم مهورَ من صار إليهم من أزواجكم، ولم يَأمُر المشركينَ بالدَّفعِ وإِنْ كانَ ظاهرُ الكلامِ قد وَقَعَ بذلك، وإِنّما أراد اجعلوا هذا حُكْمًا بينَكُمْ، وقد أطْلَقْتُهُ لكُمْ وهو أن تدفعوا إليهم مهورَ نسائِهِمْ اللواتي أَتَينَكم راغباتٍ في

стр. 249

الإِسلام، ويدفعوا إليكم مهورَ نسائِكُمْ اللواتي أتينَهُمْ مُرْتَدَّاتٍ عن الإِسلامِ بَعْدُ، وإنْ فاتكم شَيءٌ من أزواجِكُمْ إلى الكفَّار، يُريدُ إنْ ذَهَبَتِ امرأةٌ من نسائِكُمْ إلى المشركينَ بمكَّةَ، فعاقبتم أي أصبتم عُقْبى من الحال التي أنتم عليها بغَنيمةٍ من غَزْوٍ، أو غيرِ ذلك فأَعْطُوا المسلمينَ الذين ذهبتْ أزواجُهُمْ إلى مكةَ مثلَ ما أنفقوا يعني المَهْرَ من تلك الغنيمةِ قبلَ الخُمُس، وكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ في أَخْذِ مهورِ نسائِهِمْ من المشركينَ في حالِ الضيقة (١) والإِعواز، فإذا صاروا إلى حال الغنى والمَيْسَرَةِ لم يأخذوا منهم شَيئًا، ولم يَدْفَعُوا إِليهِمْ شَيئًا (٢).

стр. 250

٨٨ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (١). وقلتَ: كيف تكونُ العُيونُ في غِطاءٍ عن الذِّكْر، وإنَّما تكونُ الأَسْماعُ في غِطاءٍ عن الذّكْرِ؟ . • والذي عندي في ذلك أنه أراد عيونَ القلوبِ بذلك يَدُلُّكَ على ذلك قولُ النّاسِ: عَمِيَ قَلْبُ فلانٍ، وفُلانٌ أَعْمى القلبِ إذا كان لا يفهمُ، والله جلَّ وعزَّ يقولُ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢). يُريدُ أَنَّ عَمَى العُيونِ لا يَضُرُّ في الدين، فلما لم يكنْ ضارًا في الدِّين، ولا مانعًا من الاهتداء لم يكن أَعْمَى. ولمّا كان عَمَى القلب ضارًا في الدِّينِ مانعًا من الاهتداء كان أعمى، ولمّا جازَ أن يُقالَ: عمي قلبُهُ جاز أَن يُجعَلَ للقلب عَينٌ إذْ كانَ العَمَى في العينِ. ومثلُ هذا قولُهُ ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٣) والأَكِنَّةُ الأَغْطِيَةُ (٤).
следующие страницы →