٨٦ - سألتَ عن حديثِ النَّبيِّ ﷺ : "لا تَجْعلوني كقَدَحِ الراكبِ" (١)؟ .
• والذي أرادَ لا تؤَخِّروني في الذِّكْرِ ولا تجعلوني فضلًا كقَدَحِ الراكبِ يُعَلِّقُ قَدَحَهُ في آخِرِهِ وَيحْمِلُهُ عندَ فراغِهِ (٢).
قال حسّانُ (٣) - فيما أحْسِبُ -:
وأنت مَنُوطٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ ... كما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٤)
стр. 247
ومثال هذا أن يكونَ الرجلُ يُصَلِّي على من تَقَدَّمَ من الأنبياءِ والملائِكَة، وَيدْعُو لأبَوَيهِ ونفسِهِ وللمؤمنينَ والمؤمنات، فإذا فَرَغَ من جميع دُعائِهِ وحَوائِجِهِ إلى اللهِ صَلَّى على النَّبيِّ، فجعلَهُ آخِرًا وجعل ذِكْرَهُ فَضْلًا كما يُعَلِّقُ الراكبُ قَدَحَهُ في حقيبَتِهِ بعدَ فراغِهِ من جميعِ ما تحملُهُ ناقَتُهُ.
стр. 248
٨٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١). وقلتَ: كيفَ يَحِلُّ للكفارِ بالقرآن، وهُمْ لا يُؤْمنونَ بِه، وإنْ جازَ أنْ يَحِلُّ لَهُمْ جازَ أن يُحَرمَ عَلَيهِمْ؟ .
• والذي عندي أن القَصْدَ بالتحليلِ لنا، وإنْ كانَ القولُ لَهُمْ، كأنّهُ قال: وأُحِلَّ لكم طعامُ أهلِ الكتابِ أنْ تأكُلوهُ؛ وأُحِلَّ لكمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ طعامَكُمْ، ولو لم يقل: وطعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ لم نَعْلَمْ نحن أَنَّهُ يجوزُ لنا أن نطْعِمَ الكافرينَ طعامَنا، فأَعلَمَنَا أَنَّهُ قد أُحِلَّ لنا أن نَأكُلَ طعامَهُمْ، وأُحِلَّ لنا أن نُطْعِمَهُمْ طعامَنا (٢) فالاستعباد بذلك وقعَ لنا في الأمْرَينِ جميعًا لَهُمْ، وشَبيهٌ بذلكَ قولُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣). يُريدُ من صارَ إليكم من المشركاتِ اللواتي لهنَّ أزواجٌ بِمَكَّةَ فادفعوا إلى أزواجهنَّ مهورَهُنَّ، ولْيَدْفَعوا إليكم مهورَ من صار إليهم من أزواجكم، ولم يَأمُر المشركينَ بالدَّفعِ وإِنْ كانَ ظاهرُ الكلامِ قد وَقَعَ بذلك، وإِنّما أراد اجعلوا هذا حُكْمًا بينَكُمْ، وقد أطْلَقْتُهُ لكُمْ وهو أن تدفعوا إليهم مهورَ نسائِهِمْ اللواتي أَتَينَكم راغباتٍ في
стр. 249
الإِسلام، ويدفعوا إليكم مهورَ نسائِكُمْ اللواتي أتينَهُمْ مُرْتَدَّاتٍ عن الإِسلامِ بَعْدُ، وإنْ فاتكم شَيءٌ من أزواجِكُمْ إلى الكفَّار، يُريدُ إنْ ذَهَبَتِ امرأةٌ من نسائِكُمْ إلى المشركينَ بمكَّةَ، فعاقبتم أي أصبتم عُقْبى من الحال التي أنتم عليها بغَنيمةٍ من غَزْوٍ، أو غيرِ ذلك فأَعْطُوا المسلمينَ الذين ذهبتْ أزواجُهُمْ إلى مكةَ مثلَ ما أنفقوا يعني المَهْرَ من تلك الغنيمةِ قبلَ الخُمُس، وكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ في أَخْذِ مهورِ نسائِهِمْ من المشركينَ في حالِ الضيقة (١) والإِعواز، فإذا صاروا إلى حال الغنى والمَيْسَرَةِ لم يأخذوا منهم شَيئًا، ولم يَدْفَعُوا إِليهِمْ شَيئًا (٢).
стр. 250
٨٨ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (١). وقلتَ: كيف تكونُ العُيونُ في غِطاءٍ عن الذِّكْر، وإنَّما تكونُ الأَسْماعُ في غِطاءٍ عن الذّكْرِ؟ .
• والذي عندي في ذلك أنه أراد عيونَ القلوبِ بذلك يَدُلُّكَ على ذلك قولُ النّاسِ: عَمِيَ قَلْبُ فلانٍ، وفُلانٌ أَعْمى القلبِ إذا كان لا يفهمُ، والله جلَّ وعزَّ يقولُ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢).
يُريدُ أَنَّ عَمَى العُيونِ لا يَضُرُّ في الدين، فلما لم يكنْ ضارًا في الدِّين، ولا مانعًا من الاهتداء لم يكن أَعْمَى. ولمّا كان عَمَى القلب ضارًا في الدِّينِ مانعًا من الاهتداء كان أعمى، ولمّا جازَ أن يُقالَ: عمي قلبُهُ جاز أَن يُجعَلَ للقلب عَينٌ إذْ كانَ العَمَى في العينِ. ومثلُ هذا قولُهُ ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٣) والأَكِنَّةُ الأَغْطِيَةُ (٤).
стр. 251
٨٩ - سألتَ عن قَوْلِ اللهِ جلَّ وعزَّ في القُرْآنِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (١) وقلتَ: قد جعله قولًا للنبيّ ﷺ . وهذا يَدُلُّ على أَنَّ القرآنَ كَلامُ اللهِ ﵎، وكلامُ اللهِ غَيرُ مَخْلوقٍ (٢) , وقَوْلُ النبيِّ مَخْلوقٌ؟ .
• والذي عندي أَنّهُ كلامٌ محذوفٌ مِنْهُ، كأنَّهُ أرادَ: إنه لقول رسول كريم عن اللهِ. أي بَلَّغَهُ عَنْهُ، والمحذوفُ في كلامِ العربِ كَثيرٌ. من ذلك قولُ اللهِ : ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (٣) [أي عاصف] (٤) الريح فَحَذَفَ الرّيحَ لمّا كانَ في تَقَدُّمِ ذِكْرِ الريحِ دليلٌ على ذلك.
وقَوْلُهُ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ (٥) أراد تقيكم الحَرَّ والبَرْدَ، فَحَذَفَ البَرْدَ لأَنَّ ما (٦) ... وفي الحَرّ، وفي البَرْدِ. وكذلك قولُهُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ لمّا كان في رسولٍ دَليلٌ على مُرْسَلٍ جازَ أن يُضْمِرَهُ، ولو كان الاسمُ العلمُ لم يَجُزْ مَعَهُ الإِضمارُ. لو قال قائل: هذا كتابُ زيدٍ لم يجز أن يكونَ أرادَ (هذا كتابُ زيدٍ عن فلانٍ) لأَنَّهُ ليس في ظاهرِ الكلام دَليلٌ على المحذوف، فإنْ قال: هذا كتابُ وكيلٍ جازَ أنْ يُضْمِرَ عن فلانٍ لأَنَّ في وكيلٍ دليلًا على مُوْكِلٍ، كما أن في رسولٍ دليلًا على مُرْسِلٍ (٧).
стр. 252
٩٠ - سألتَ عن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقلت: ما في هذا من الفائدة، وقد يُحْمَدُ غيرُ اللهِ على أفعالِهِ وخلائِقِه، وإذا جاز ذلك فقد صار الحمدُ أيضًا لغيرِهِ جلّ وعزّ؟ .
• ونحن نقولُ: إنّهُ أُريد بهذا مَعْنَى كمالِ الحمدِ وتمامِه، فإنّه لا يُحْمَدُ أَحَدٌ على كُلِّ حالٍ غَيرُهُ، ألا ترى أنّ الرجلَ قد يُحْمَدُ في حال، ويُذَمُّ في حالٍ، والله ﵎ محمودٌ على كُلِّ حالٍ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، وفي الشِّدَّةِ والرَّخاء، فصار الحمدُ لله خالصًا، ولم يكن لغيرِهِ خالصًا، وجاز أن يُقالَ: الحمدُ لله، ولم يَجُزْ أَنْ يُقالَ: الحمدُ لفلانٍ، إِنما يُقالُ: أنا أَحْمَدُ فلانًا، وأَشْكُرُ لَهُ. هذا وما أشبَهَهُ، لأنَّهُ قد يكونُ مَذْمومًا لم يجز أن يُقالَ: الحمدُ للهِ إذا كان لم يُخْلَصَ له في كلِّ الأوقات، وكلِّ الأحوالِ (٢).
стр. 253
٩١ - سألتَ عن قَوْلِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (١) فقلتَ: الاستثناء بإنْ يَدُلُّ على الشَّكِّ، واللهُ لا يَشُكُّ، ولتَدْخُلُنَّ تحقيقٌ، فكيفَ يدخلُ شَكٌّ بَعْدَ تحقيقٍ؟ .
• والذي عندي في ذلك أنّ "إنْ" تُقامُ في كثيرٍ من المواضِعِ مُقامَ "إذْ" كقولهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وكقولهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). يريد إذْ كنتم مؤمنينَ فكأنَّهُ قال جلَّ وعزّ: لتدخلنّ المسجد الحرام إذا شاءَ الله دُخُولَكُمْ إياه آمنين (٤). ومِثْلُهُ قَوْلُ رسولِ اللهِ في أهلِ القُبورِ: "إنّا إنْ شاءَ الله بكمْ لاحقونَ" (٥) لا يجوز أن يكونَ قَدْ شَكَّ في لُحوقِهِ بِهِمْ، وإِنّما أرادَ نحن إذْ شاءَ الله بكمْ لاحقونَ (٦).
стр. 254
٩٢ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). وقلتَ: كيف يأمر الذين آمنوا بأن يؤمنوا، وقد آمنوا؟ وهل يَجوزُ أَنْ يُقالَ للرجلِ قد فعلَ فعلًا: افْعَلْهُ؟ .
• والذي عندي أن في هذا قَوْلَينِ: أَحَدُهُما أنَّ الناسَ كانوا في عصرِ رسولِ اللهِ ﷺ أصنامًا، فمنهم مُؤْمِنٌ مُخْلِصٌ، ومنهم مُنافِقٌ آمَنَ بلسانِهِ, وكَفَرَ بقلبِه، ومنهم شاكٌّ في أمرِه، لا يُقْضى عليه بصحةِ إيمانٍ، ولا بطلانٍ, ومنهم رقيقُ الإِيمانِ فخاطبَ الله جميعَ هؤلاءِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنهم جميعًا قد آمنوا وإن اختلفت أحوالُهُمْ في إيمانِهِمْ، ثم قال: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) , ولا تفرقوا بين رُسُلِه، فتؤمنوا ببعضٍ، وتكفروا. وقد قالَ اللهُ جلّ وعزّ في مَوْضعٍ آخَرَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) أرادَ أنّ المنافقينَ الذين آمنوا بألسِنَتِهِمْ واليهودَ والنصارَى والصابئينَ ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ ولا يجوزُ أن يُريدَ المؤمنينَ المُخْلِصينَ لأَنّهُ جَمَعَهُمْ واليهودَ والنصارَى لأنَّهُ قالَ: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ وهم مؤمنون بذلك.
стр. 255
والقولُ الآخَرُ أنّهُ أَرادَ: يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله واليومِ الآخِر، أي دُومُوا على الإِيمانِ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ والملائكَةِ والكتبِ والرُّسُلِ أو ازْدادُوا إيمانًا. وقد تقول مثل ذلك في الفِعْلِ المُسْتَمِرِّ الذي يَتَّصِلُ بَعْضُهُ ببعضٍ، ويَحْدُثُ مِنْهُ شَيءٌ بَعْدَ شَيءٍ كقولِك لرجلٍ رأيتَهُ يَأْكُلُ: كُلْ: أي ازددْ، ولرجلٍ يبكي: ابكِ: أي ازدد، ولا يجوز أن يُقالَ ذلك في فعلٍ قد تناهى، وكَمُلَ لا تقولُ لرجلٍ رأيتَهُ قائمًا, قُمْ، ولا لرجلٍ رأيتَهُ جالسًا: اجلِسْ، لأنّ ذلك قد تناهى، فلا مُسْتَزادَ مِنْهُ. والإِيمانُ يجوزُ فيه الاستزادَة لأنّهُ يَصِحُّ في العَقْلِ واللّسانِ والعَمَل، كما أنّ اليقينَ تصديقٌ وتحقيقٌ، وهو أعلى من الإِيمانِ درجةً، وقد تَقَدَّمَ ذكرُ هذا بقولِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. أي تصديقًا (١).
стр. 256
٩٣ - سألتَ عنْ قولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ثم قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (٢).
قلتَ: واللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيءٍ فأيُّ فائدةٍ في هذا القول، ثم قال: ﴿لِكَيلَا يَكُونَ عَلَيكَ حَرَجٌ﴾ (٣) وكيف يجوزُ أنْ يَقولَ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ .. ﴾ لكيلا يكون على النَّبيِّ حَرَجٌ فيكون سَبَبُ علمِهِ بما فَرَضَ عليهِمْ أَلّا يكونَ على اللهِ حَرَجٌ؟ .
• والذي عندي أنّك غَلِطْتَ في التأويلِ غَلَطًا فاحشًا، وذهَبْتَ مَذْهَبًا بَعيدًا، والمعنى أنّا أَحْلَلْنا لك أزواجَكَ اللاتي آتَيتَ أجورَهُنّ أي مهورَهُنَّ، وأحللنا لك ما ملكتْ يمينُكَ من السَّبايا أَنْ تَطَأَهُنَّ، وأنْ تَزَّوَجَهُنَّ بَعْدَ العِتْقِ إن آثَرْتَ ذلك، وأَحْلَلْنا لكَ بناتِ عَمِّكَ، وبناتِ عماتِكَ مِنْ وَلَدِ عبد المُطَّلِب، وأحللنا لكَ بناتِ
стр. 257
خالِكَ وبناتِ خالاتِكَ من آلِ زُهْرَةَ، فعدّد كلَّ امرأةٍ من قرابَتِهِ يجوزُ نكاحُها له، ثم قالَ: وأحللنا لك امرأةً مؤمنةً تَهَبُ نَفْسَها لك، فتَنْكِحُها بغَيرِ مَهْرٍ، ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُريدُ فعلنا بك خاصةً دونَ المسلمينَ، لأنّه ليس لأحدٍ منهم أن ينكِحَ امرأةً بغيرِ مَهْرٍ، وإنْ وَهَبَتْ نَفْسَها له، وإنّما جاز أنْ يذكر في صدرِ الآيةِ أزواجُهُ اللاتي أعطاهُنّ المهورَ من أَجْلِ أَنّهُ أَحَلَّ له غَيرَهُنَّ بلا مَهْرٍ، فَعَدَّدَ نعمَهُ عليه، وتوسِعَتَهُ كأَنَّهُ قال: أَحْلَلْنا لك أزواجَك اللاتي آتَيتَ مُهورَهُنَّ، وأحْلَلْنَا لك أزواجًا لم تؤْتِ (١) مُهورَهُنَّ، فكان حُكْمُكَ في ذلك خلافَ حُكْمِ أُمَّتِكَ.
ثم قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ لِكَيلَا يَكُونَ عَلَيكَ حَرَجٌ﴾ (٢) وفي هذا الكلامِ تَقْديمٌ، وتَأْخيرٌ كأنّه قال: أَحْلَلْنا لك هؤلاءِ النِّسَاءَ بمَهْرٍ، وغيرِ مَهْرٍ لئلا يكونَ عليك حَرَجٌ: أي ضِيقٌ. والحَرَجُ: أصلُهُ الضِّيقُ ومن هذا قولُهُ (٣): ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) أي ضِيقٍ، وَ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٥) ومنه قيل للشَّجَرِ المُلْتَفِّ حَرَجَةٌ (٦)، ثم قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ ... وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٧). يريد عَلِمْنا ما فَرَضْناهُ عليكَ، وعلى المؤمنينَ في الحرائِر، والمماليكِ من الصَّلاحِ لكم أي لِعِلْمِنا الصلاحَ لكمْ في ذلك فَعَلْناهُ،
стр. 258
فأَضْمَرَ في الكلامِ الصَّلاحَ، أو ما كان في مَعْناهُ. ومِثْلُهُ في الكلامِ: قد علمتُ ما لَكَ في هذا، وأنت تُريدُ من الصَّلاح، وقد علمتُ ما عليكَ في هذا، وأنت تريد من المَكْروهِ، وقد علمتُ ما صنعتُ بك، وأنتَ تُريدُ من الخير، ثم قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (١) أي تُؤَخِّر من تشاءُ ﴿وَتُؤْوِي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) أي تَضُمُّه إلَيكَ ليلًا. والإِيواءُ يكون بالمَبِيت، وهذا في قِسْمَةِ الأَيَّامِ بينَهُنَّ، وكان يقسم لَهُنَّ، فرخَّص اللهُ لَهُ أنْ يَضُمَّ من يَشاءُ، ويؤَخِّرُ مَنْ يشاءُ، ثم قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ (٣) أن تَضُمَّهُ إليكَ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (٤) يقول: إذا آويتَهُنَّ بَعْدَ العَزْل، وقَسَمْتَ لَهنّ كنّ جميعًا على رجاءٍ لرُجوعِكَ إلى مَنْ عَزَلْتَ منهنّ، فلم يحزنَّ، ورَضِينَ (٥).
стр. 259
٩٤ - سألتَ عن قولِ اللهِ : ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١)، وقَوْلِهِ في الجنَّةِ: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ (٢)، وقولِهِ بعدَ ذكرِ جهنمَ: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣)، وقلتَ: كيف يَجْمَعُ بَينَ شيئينِ مُتَضادَّينِ أَحَدُهُما خَيرٌ، والآخَرُ لا خيرَ فيه، فيُقالُ: أهذا خيرٌ أم هذا؟ وهل يجوز أن يقال: هذا الثَّلْجُ أَبْرَدُ من النَّار، وهذا المِدَادُ أَسْوَدُ من الجِصِّ؟ .
• وهذا الذي مَثَّلْتَ به لا يُشْبِهُ ذاكَ لأَنَّ مَخْرَجَ قولِكَ مَخْرَجُ الخَبَر، فيستحيلُ الكلامُ لا تكونُ فيه فائدةٌ لأنَّ النّاسَ جميعًا يعلمونَ أنّ الثَّلْجَ لا حرَّ فيه، وأنّ النّارَ لا بَرْدَ فيها، وإنما يجوز في الخَبَر أن يَجْمَعَ بينَ شَيئَينِ متقاربين، أو شَيئَينِ متجانسين، فتقولُ: هذا الرُّمانُ أشَدُّ حُمْرَةً من (٤) ... ، وهذا الشرابُ أشدُّ حُمْرَةً من النَّار، وهذا الثوبُ أَشَدُّ بياضًا من الثَّلْج.
وقد يأتي من هذا شَيءٌ يُرادُ بِهِ بُلوغُ الغايَة، فيُقالُ: أبعدُ من النَّجْمِ (٥)،
стр. 260
وأَسْرَعُ من الرِّيحِ (١) أي قد بَلَغَ في البُعْد، والسُّرْعَةِ الغايَةَ، وليس ذلك كَذِبًا لأَنَّ السامعَ يَعْرِفُ مَذْهَبَ القائل فيه، ولأنّ العربَ جميعًا متواطِئُون على ذلك. وإذا كان الكلامُ استفهامًا فيه تَقْريرٌ جاز، فيقالُ: العافيةُ خيرٌ أم السُّقْمُ؟ الإِطلاق خَيرُ أم الحَبْسُ؟ تُريدُ أَنْ تَرْدَعَ المخاطَبَ عما يُعْقِبُهُ السُّقْمُ، وعما يُؤَدِّيهِ إلى الحَبْسِ.
وكذلك قولُ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٢)؟ أراد أن يقررهم بخلقِهِ لهم، ويُفْهِمَهُمْ أنَّ مَنْ خَلَقَ السماءَ على عِظَمِها قادِرٌ على أن يَخْلُقَ ما دونَها، وقد يجوزُ للرجلِ إذا كان منتقلًا من (٣) حالِ شِدَّةٍ إلى حالِ رَخاءٍ، ومن (٤) حالِ مَسْكَنَةٍ إلى حالِ سَعَةٍ أنْ يقولَ: هذا الذي نحنُ فيه خَيرٌ مما كُنّا عليه، ولا خَيرَ في الأمرِ الأَوَّلِ يُريدُ بذلك أن يُحَدِّثِ بنعمةِ اللهِ عليه، ومن هذا قولُ عَدِيِّ بنِ زَيدٍ (٥)، وَذَكَر الخمرَ، والشفاهَ:
والمشرف الهنديّ نُسْقَى به ... أَخْضَرَ مَطْموثًا بماءِ الخَريصْ
والربربُ المكفوف أردانُهُ ... يمشي رُويدًا كَتَوَحِّي الرّهيصْ
ذلِكَ خَيرٌ من فُيُوجٍ على الـ ... بابِ وقَيدَينِ وغلٍّ قَرُوصْ (٦)
стр. 261
أَعْلَمَكَ أنّهُ صار إلى حالِ الأَمْن، والسَّعَة، والسُّرورِ بَعْدَ الحالِ الأُولى التي لا خَيرَ فيها، وكأنّ رجلًا أساءَ إليهِ أولًا، فانتقلَ عنه إلى آخَرَ أحسنَ إليه، ونحوُ ذلك قولُ أبي قَيسِ بنِ الأَسْلَتِ (١):
الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيرٌ من الـ ... إشفاقِ والفَهَّةِ والهاعِ (٢)
• وأما قولُهُ: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) فإنّ المُشْركِينَ سَمَّوا ما أَشْرَكُوا آلهةً، فاتَّفَقَتِ الأَسْماءُ, فقالَ: آللهُ خيرٌ أم هذه التي تَدْعونَها آلهةً؟ وجاز لك لاتفاقِ الأسماء، ولو لم يُسَمُّوها آلهةً لم يَجُزْ أنْ يُقالَ: آللهُ خَيرٌ أم كذا؟ جلّ اللهُ وعزَّ.
стр. 262
٩٥ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١) وقلتَ: ما مقام الله؟ .
• والمقام هاهنا ليس لله ﵎ وإنّما هو مَقامُ العبيدِ للحسابِ بينَ يَدَيْهِ وكذلك قولُهُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٢) فأضاف مقامَ العبيد إليه إذ كان بينَ يَدَيهِ ومثلُهُ أو نَحْوُهُ قولُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ (٣). يُريدُ لا عِوَجَ لَهُمْ عَنْهُ، فجعلَ العِوَجَ لَهُ إذْ كانَ العِوَجُ لَهُمْ عنهُ. ونحوُهُ قولُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (٤). يُريدُ الآلهةَ التي جعلتموها لي شركاءَ فَنَسَبَها إِليهِمْ لِمَا ادَّعَوْهُ لها من شِرْكَتِه، ومما يَزيدُ في وُضوحِ هذا قولُهُ: ﴿أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٥).
стр. 263
٩٦ - سألتَ عن قولِ اللهِ : ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)؟ .
• أراد ولم يصروا على الذنب، وهم يعلمون أنّهُ ذنبٌ ومَعْصِيَةٌ. فأمّا مَنْ أَصَرَّ على الذنبِ, وهو لا يَعْلَمُ أَنّهُ ذنبٌ فَحُكْمُهُ خلافُ حُكْمِ الأَوَّلِ. ومثلُ ذلك مثلُ رجلٍ يشربُ المُسْكِرَ على التأويل، وأَصَرَّ عليه، وهو لا يَعْلَمُ أنّهُ حَرامٌ، وآخَرُ تزوَّجَ المُتْعَةَ، وهو لا يَعْلَمُ أَنَّها منسوخَةٌ، ونرجو من الله لراكبِ الذنبِ, وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ ذَنْبٌ، وإِنْ كان مُصِرًّا، العَفْوَ.
стр. 264
٩٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). وقلتَ: قد نرى الرجلَ يدعو مُخْلِصًا ومُجْتَهِدًا فلا يُجابُ.
• والذي عندي أَنَّهُ لم يُرِدْ أنّي أُجيبُ دعوةَ كُلِّ داعٍ. ولو كان كُلُّ مَنْ دعا يُجابُ إِلى ما سأَلَ لم يَمُتْ أَحَدٌ, ولم يَهْرَمْ، ولم يَمْرَضْ, ولم يُصَبْ، وليس لهذا أُسِّسَتْ الدُّنْيا. وإنّما أرادَ أُجيبُ دُعاءَ من أَشاءُ ما جرى له القَضاءُ واعتبارُ ذلك قولُهُ: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٢).
والدعاءُ عندَنا على ثلاثةِ أَضْرُبٍ:
أحدُها: دعاءٌ بأمرٍ قد وقَعَ لا يَزيدُ فيه دعاؤُنا، ولا يُنْقِصُهُ كصلاتِنا على النبيين والمُرْسَلينَ والملائكةِ المُقَرَّبينَ, وقد صُلِّيَ عليهِمْ، واستغفارِنا للمؤمنينَ والمؤمنات، وقد غُفِر لَهُمْ، ولَعْنَتِنَا اليهودَ, وقد لَعَنَهُمْ، ودُعائِنا (٣) بتعذيبِ أعدائِنا، وهُوَ مُعَذِّبُهُمْ. وهذه الأشياء لا يقعُ منها شَيءٌ بدعائِنا، ولكنّا تَعَبَّدْنا بالدعاءِ بها كما تَعَبَّدْنا بالصلاةِ والصيامِ والحجّ، وأَشْباهِ ذلك.
والثاني: الدعاءُ بما يستحيلُ كدعاءِ من يدعو بألا يموتَ، وقد حَتَمَ الله
стр. 265
الموتَ على خَلْقِه، وبألا يَهْرَمَ، وقد جعلَ الله الهَرَمَ في تركيبِه، وأن تُسَيَّرَ له الجبال، وتُحَوَّلَ لَهُ الأرض ذهبًا، ويفلق له البحر، ويشَقَّ له القمر، وهذا ما لا يسوغ إلّا أن يكون شيء منه علمًا للنّبوّة.
والثالث: الدعاء بالصحة والعافية، وبالأمن والسرور، والفرج من الغمّ، وأشباه ذلك مما جعل الإِجابة إليه في تأسيس الدنيا، وحكمها، فهو يعطي من ذلك ما يشاء، ويجيب بالدعاء من يشاء، ويحرمه من يشاء لخير يريد به هو خير له مما سأل, أو لمعصية كانت منه يستحق بها الحرمان.
стр. 266
٩٨ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (١). وقلتَ: يتخذ المَعْبودونَ من دونِ اللهِ الذين عَبَدُوهم أولياء، وإنما كان الوَجْهُ أن يتخذَ العابدونَ المعبودينَ أولياءَ من دونِ اللهِ. وقلتَ: ثم قال: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وما في تمتيعهم وآباءهم من اتخاذهم إياهم أولياءَ من دونِ اللهِ وعبادتهم لهم، ثم قال: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ وما الصرف والنصر هاهنا؟ وما الظلم في قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾؟ .
• والذي عندي في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أنه يحشر الكافرين، ويحشر الملائكة الذين عبدوهم، فيقول للملائكة: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؟ فتقولُ الملائكةُ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا لك ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي نتخذ الكفرةَ
стр. 267
أولياءَ من دونِكَ، ومن اتخذ عدو رجلٍ وليًّا له فقد اتخذه وليًّا من دونه. ولا شك (١) أن لهذا المعنى قَرَأَ بعضُ القُرّاءِ المتَقَدِّمينَ "ما كان ينبغي لنا أن نُتَخَذَ من دونك من أولياء" فجعل الكافرين هم الذين اتخذوا الملائكة أولياء من دون الله (٢). وفي هذه القراءةِ ضعفٌ في اللغة، وإنْ كانت حسنةً في المعنى لدخول مِنْ، وكان الوجه أن نُتَخَذَ من دونك أولياءَ.
والقراءةُ هي الأولى، واعتبارُها قولُه في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٣) أفما ترى الملائكةَ جعلوا اللهَ ﵎ وليَّهم دونَ الكافرين، كذلك قالوا في الآيةِ الأُوْلى: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي نتخذ الكافرين أولياءَ دونَكَ. ثم قالت الملائكة: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ يريد أطلتَ لهم وأمهلتَهم، ولم تعجل عقوبتهم حتى نسوا عهدك، وما أمرتهم به في الكتب التي أنزلتها على أنبيائك، وألفوا ما مضى عليه آباؤهم من ذلك, وأنسوا به.
ثم قال الله للكافرين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ يعني الملائكة بما تقولون، وما تدّعون، فكأنهم ادعوا أن الملائكة دعتهم إلى ذلك، أو زيّنته لهم. أما ترى أنه يقول في الآية الأخرى عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ يَعْنونَ إبليسَ وحِزْبَهُ من الشياطين، لا نَحْنُ. ثم قال الله للكافرين: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ وفي الصرف قولان: أحدُهما الحِيلَةُ من قولك: إنّ فلانًا لَيَتَصَرَّفُ كما
стр. 268
تقولُ: إنه لقُلَّبٌ حُوَّلٌ، إذا كان كثيرَ التَّقَلُّبِ والتَّصَرُّفِ جيّدَ الحِيلَةِ (١). والقولُ الآخَرُ: الدِّيَةُ (٢)، أي لا يستطيعونَ أن يَدْفَعوا عنها بِدِيَةٍ كما يُقالُ: لا يُقبلُ منها صَرْفٌ، ولا عَدْلٌ. والصَّرْفُ: الدِّيَةُ، والعَدْلُ: رجلٌ مِثْلُهُ (٣)، كأنّهُ يُرادُ لا يُقبل منه أن يُفْتَدَى برجل مثلِهِ وعَدْلِه، ولا أن يَنْصرفَ عن نفسِهِ بِدِيَةٍ.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أي يُشْرِكْ ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ والظُّلْمُ في اللغةِ وَضْعُ الشَّيْءِ في غيرِ مَوْضِعِه، ومن جعل الله شريكًا فقد وَضَعَ الرُّبُوبِيَّةَ غَيرَ موضِعِها، يقول الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤) والنَّصْرُ أن يَنْصُرَ بعضهُمْ بَعْضًا، يُريدونَ ولا يَسْتطيعونَ ذلك, ولا يَجدونَ لهم ناصرًا.
стр. 269
٩٩ - سألتَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ عُيَينَةَ (١)، عن أبي حمزةَ الثُّمالي (٢) قالَ: قال المُغَيرَةُ بن شُعْبَةَ (٣): لَلْحديثُ مِنْ فِي (٤) العاقِلِ أَشْهَى إِليَّ مِن الشَّهْدِ (٥) بماءٍ رَصَفَةٍ (٦)
تقولُ العربُ: إِنَّ الرَّثيئَةَ لممّا تَفْثَأُ الغَضَبَ أي تكسِرُهُ (١)، وكذلك قولُهُ: فُثِئَتْ بسُلالةِ ثَغَبٍ. وثَغَبٌ أي صافِي ماءِ مستنقعٍ في جبلٍ. وسُلالَةُ كُلِّ شرابٍ صافِيهِ.
والوَديقَةُ: شِدَّةُ الحَرِّ. والآجالُ: أقاطيعُ الظِّباءِ واحِدُها: إجْلٌ. وترمَضُ أي تَنْقُلُ أضلافَها في الرَّمْلِ من شِدَّةِ الحَرِّ. يُقالُ: فلان يَتَرَمَّضُ الظِّباءَ إذا تتبعَ آثارَها في الرَّمْلَ حتى تَرْمَضَ ثُمَّ أَخَذَها.
стр. 272
١٠٠ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). وقولِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَو مِثْلِهَا﴾ (٢). وقلتَ: هل في القرآن شَيءٌ أحسنُ من شَيءٍ؟ .
• والذي عندي في قولهِ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أن معناه اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم. وقد يأتي أَفْعَلُ في مَعْنى فاعِلٍ وأَشْباهِها، ولا يُرادُ بها أفعلُ من كذا، كقولِهِم: فلانٌ أَوْحَدُ، يُرادُ به واحدُ زَمانِهِ (٣)، وفلانٌ أَمْيَلُ عن الحقِّ وأَنْكَبُ: يُرادُ بهِ [مائلٌ] (٤) وناكبٌ (٥)، وفلانٌ أَوْجَلُ أي وَجِلٌ (٦)، قال الشاعر (٧):
لَعَمْرُكَ ما أدري وإني لأَوْجَلُ ... على أيِّنا تَعْدُو المنيّةُ أَوَّلُ (٨)
стр. 273
وكان أبو عبيدةَ (١) يقولُ في قولهِم: اللهُ أَكْبَرُ، أي الله الكبيرُ (٢)، وكذلك اللهُ أَجَلُّ وأعظَمُ، أي الجليلُ العظيمُ، ومثلُ هذا كثيرٌ (٣).
• وأمّا قولُهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾. فإنّهُ أرادَ نأت بخير منها لكم، أي أَسْهَلَ وأَخَفَّ عليكم، وإذا كانت أَخَفَّ علينا فهي خَيرٌ لنا (٤).
стр. 274
١٠١ - سألتَ عن قولِ النبيّ ﷺ : "المؤذنونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْناقًا يومَ القيامَةِ" (١) وقلتَ: ما في هذا من الفَضيلةِ أو المَثُوبَة، وهُو بأن يكونَ عقوبةً أشبهُ لما في ذلك من القُبْحِ والشُّهْرَةِ؟ .
• وقد ذَهَبْتَ في الغَلَطِ مذهبًا بعيدًا، وإنّما جعلَ اللهُ أعناقَهُمْ يومَ القيامةِ أطولَ من أعناقِ النّاسِ لرفعِهِمْ أصواتَهُمْ في الأَذانِ بذكرِهِ وتوحيدِه، فَرَفَعَهُمْ يومَ القيامةِ على الناسِ ليُعَرِّفَهُمْ إياهم، ويُعَرِّفَهُمْ فضلَ ما أعطاهُمْ من الكَرامة، ويَشْهَرَهُم بها.
• وأما قولُكَ إنَّ في طُولِ الأعناقِ قبحًا وشُهْرَةً، فإنه يَقْبُحُ من ذلك ما أَفْرَطَ، وتجاوزَ مقدارَ التركيبِ والبُنْيَة، وكذلك سائرُ الأَعْضاءِ إذا تجاوزَ بَعْضُها مِقْدارَ ما عَرَفَ الناسُ وأَلِفوا. فأَمَّا طُولُ العُنُقِ فَمُسْتَحْسَنٌ, وهو الجَيَدُ، والمَرْأَةُ جَيدَاءُ (٢)،
стр. 275
وقِصَرُها مُسْتَقْبَحٌ، وهو الوَقَصُ، والمرأةُ وَقْصاءُ (١). تصفُ الشعراءُ النساءَ إذا شَبَّبَتْ بِطُوْلِ الأعناقِ قالَ ذو الرُّمَّةِ (٢):
والقُرْط في حُرَّةِ الذِّفْرى مُعَلَّقُهُ ... تَبَاعَدَ الحبلُ منهُ فَهْوَ يَضْطَرِبُ (٣)
يريد أنَّ القرْطَ في أُذُنِ حُرَّةِ الذِّفْرى أَصْلُها تَبَاعُدُ حَبْلِ العُنُقِ مِنْهُ لِطُولِ العُنُقِ فهو يضطربُ يَعْني القُرْطَ. وقال آخَرُ (٤) وأَفْرَطَ في الوصفِ لاستحسانِهِم طولَ العُنُقِ:
إذا ارتَعَثَتْ خافَ الجبانُ رِعاثَها ... ومن يَتَعَلَّقْ حَيث عُلِّقَ يَفْرَقِ (٥)
ارتعثت من الرعاث، وهي القِرَطَةُ (٦) يَقولُ: لو جُعِلَ الجبانُ مكانَ القُرْطِ منها خافَ لطولِ عُنُقِها، وبُعْدِ ما بينَها، وبينَ عاتِقِها، ومن يتعلقْ حيثُ عُلِّقَ القُرْطُ يَفْرقُ.
стр. 276
١٠٢ - سألتَ عن قولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وقلتَ: كيف يكونُ من آياتِهِ نومُنا وابتغاؤُنا من فَضْلِهِ؟ .
• والذي عندي في هذا أَنّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّر، كأنّهُ قال: ومن آياتِهِ منامُكم وابتغاؤُكم من فضلِهِ بالليلِ والنّهار، يُريدُ أَنَّهُ جَعَلَ الليل وقتًا لمنامِنا، وجَعَلَ النَّهارَ وقتًا للتَّصَرُّف، وابتغاءِ الرزْق، فَنَبَّهَنَا على نِعْمَتِهِ عَلَينا بهذين الوَقْتَينِ اللذينِ جُعِلَ لنا فيهما النومُ والرزقُ، وبهما قَوامُ الدُّنْيا (٢).
стр. 277
١٠٣ - مسائلُ أهلِ مِصْرَ:
سألتَ عن حديثٍ رواهُ محمدُ بن شُعَيبِ بنِ شابُورٍ (١) عن عُمَرَ مولى غُفْرَةَ (٢) قال: "مَرَّ عُمَرُ بن الخطاب بعَلْقَمَةَ بنَ الفَغْواءِ (٣) يُبايعُ أعرابيًّا يُلْغِزُ له في اليمين، ويرى الأعرابيُّ أَنّهُ قَد حَلَفَ له، ويَرَى عَلْقَمَةُ أنّهُ لم يَحْلِفْ له، فقالَ له عُمَرُ: ما هذه اليمينُ اللُّغَيزَى (٤) يا بنَ الفَغْواءِ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، إنّهم الأَعْرابُ لا يُبايعونَنا حتى يَحْسبوا أنّا قد حلفنا لهم. فقالَ له عُمَرُ: إِيّاكَ وإِيّاها فإِنّها تُنْزِلُ من دِينِكَ على ما تُنْزِلُهُ من قَلْبِهِ" (٥) قلتَ:
стр. 278
وقد روي في حديثٍ آخَرَ عن عُمَرَ أنّه قال: "إن في المعارِضِ مندوحةً عن الكذبِ" (١) وقال ابنُ سيرينَ (٢): "الكلامُ أوسعُ مِنْ أنْ يَكْذِب فيه ظَرِيف" (٣). وقال آخَرُ في قولِهِ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٤) لم يَنْسَ ولكنّها من معارِضِ الكلامِ (٥)؟ .
• وتَوَهَّمْتَ أنّ هذا ناقضٌ للحديثِ الذي نَهَى فيه عُمَرُ عن اللُّغَيزَى في اليمينِ.
والذي نَهَى عنهُ عُمَرُ أن تُلْغِزَ في اليمينِ إذا بايَعْتَ لِتُدَلِّسَ، أو تُخْفِيَ عَيبًا، أو تُرَغِّبَ المُشْتَرِي في السِّلْعَة، وهُوَ زاهدٌ فيها، وإذا أنت فَعَلْتَ ذلك عَزَرْتَ وغَشَشْتَ وزيَّنت عندَهُ باليمينِ ما لَعَلّهُ لا يتزينُ عندَهُ إذا اشترى الشَّيءَ وفارقَكَ، وهذا لا يجوز ولا يَحِلُّ.
стр. 279
وأصل اللُّغَيزَى من اللُّغْز، وهو جُحْرٌ من جِحَرَةِ اليَرْبوعِ يُعْمِي بِهِ, فيَدْخُلُ فيه, ويَخْرُجُ من غيرِه، ومنه اللُّغْزُ في الشِّعْر (١).
وأما المعاريضُ في القَوْلِ فجائزٌ في القَوْلِ في غيرِ الشِّراءِ والبَيْعِ، وفيما لا يَرْجِعُ منه صاحبُكَ إلى غُبْنٍ، ولا إِتْلافِ مالٍ.
стр. 280
١٠٤ - سألتَ عن حديثٍ رواهُ الفَيْضُ بن محمدٍ (١) عن ضَوْء بنِ ضَوْء (٢) أَنَّه حدّثه عن جدِّه هُرَيم بن تليد (٣) قال: "اخْتَصَمْنا وبنو غُبَر في مَسِيلِ المَطَر، فقال ابنُ عبّاسٍ: المَطَرُ غَرْبٌ، والسَّيلُ شَرْقٌ، فَأَجْرَينا عليهم بقضاءِ ابنِ عبّاس" (٤)؟ .
• قولُه: المَطَرُ غَرْبٌ، يريد أن السَّحاب، أو أكثره ينشأ من غَرْب القِبْلَةِ من ناحيةِ البَحْرِ حتى ينتشرَ السَّحابُ في الآفاق، ويأتيَ المَطَرُ والعينُ هناكَ، تقولُ العَرَبُ: مُطِرْنا بالعَينِ إذا كان السحابُ ناشئًا من قِبْلَةِ العِراقِ (٥)، وهناك البحرُ وراءَ البيت، ومنه قولُ النبيّ ﷺ : "إذا أنشأَت (٦) بَحْرِيَّةً ثم تَشاءَمَتْ فَتِلْكَ
стр. 281
عَيْنٌ غُدَيقَةٌ" (١) تَشاءَمَتْ: أخذت نحوَ الشّامِ (٢).
• وقوله: السّيلُ شَرْقٌ يُريد أنّهُ مُنْحَطٌّ من ناحيةِ المَشْرِقِ إلى المغْرِب، ولا يكاد يكون سيلٌ عظيمٌ يَنْحَطُّ من ناحيةِ المغربِ إلى المشرق، ولا نهرٌ إلّا أن يكونَ نهرٌ احتفره الناس، لأن ناحية المشرقِ عاليةٌ وناحيةَ المغربِ مُنْحَطَّةٌ. ونِيلُ مِصْرَ يَجْري بقدرةِ اللهِ على غيرِ ذلك.
стр. 282
١٠٥ - سألتَ عن حديثٍ ذكِرَ فيه "أنَّ أبراهيمَ بنَ أدهم (١) أتى دلّالةً بالبَصْرَةِ فقال: دُلِّيني على امرأةٍ حُلْوَةٍ من قريبٍ، فَخْمَةٍ من بَعيدٍ، بِكْرٍ كثَيِّبٍ، وثَيِّبٍ كبِكْرٍ، لم تَنْفِرْ فتحاين، ولم تنصَبْ فتماحن، جَليعٍ على زوجِها، حصانٍ من غيرِه، إِنِ اجْتَمَعْنا كنا أهلَ دُنْيا، وإِن افْترقنا كنّا أهلَ آخِرَةٍ. قالت له الدَّلَّالةُ قد قَدَرْتُ عليها. قال: وأين؟ قالت: هي في الرفيقِ الأَعْلى (٢)؟ .
• أما قولُهُ: بِكْرٍ كَثَيِّبٍ فإنّه يُريدُ أنّها بِكْرٌ، وهي كالثَّيِّبِ في انبساطِها إلى زوجِها، ومُواتاتِهِ.
стр. 283
• وقولُهُ: ثيّبٍ كبكرٍ يُريدُ أنّها في الخَفَرِ والحَياءِ كالبكرِ عندَ النّاسِ دونَ الزوج، ونحو هذا قولُ الشاعرِ (١) في صِفَةِ نِساءٍ:
يَأْنَسْنَ عندَ بُعولهِنَّ إذا خَلَوْا ... وإذا هُمُ خرجُوا فَهُنَّ خِفارُ (٢)
• وكذلك قولُهُ: جَليعٍ على زَوْجِها. والجَليعُ التي لا تَسْتُرُ نفسَها إذا خَلَتْ مع زوجِها، ومن ذلك قيلَ للرجلِ إذا لمْ تَنْضَمَّ شَفَتاهُ على أَسْنانِهِ: أَجْلَعُ (٣).
• وقولُهُ: إن اجْتَمَعْنا كُنَّا أهلَ دُنْيا، يُريدُ أنّا نَنالُ من الدنيا ما ينالُهُ أهلُ الدُّنْيا، وإن افْتَرَقْنا كُنّا أَهْلَ آخرةٍ، أي فَعَلْنا ما يفعلُهُ طَلَبَهُ الآخرةِ من العفافِ والمحافظةِ.
стр. 284
١٠٦ - سأَلْتَ عن حديثٍ رواهُ مُطَرِّفُ بن طريف (١) عن عمرِو بنِ شُرَحْبيلٍ أبي مَيسَرَةَ (٢) قال: "رَأَيتُ فيما يَرَى النائمُ كأنَّ ملكًا عَرَجَ السماءَ فقلْتُ: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا مَلَكُ المَوْتِ قلتُ: أَخْبِرْني عن أصحابِ صَفِّين (٣)، قال: فِئَتَانِ مُؤْمِنَتانِ اقتتلوا (٥). قال: قلت: فأخبرني عن أصحابِ الجملِ (٤) قال: فئتانِ مؤمنتانِ اقتتلوا (٥). قال: قلت فأخبرني عن أصحابِ
стр. 285
النَّهرِ (١) قال: أولئك الذين نَكَثُوا بَيعَتَهُمْ، وَخَلَعوا إِمامَهُمْ، فَلَقُوا أَبْيَسَ بيسٍ (٢) لَقِيَهُ قومٌ. قال: فعجبتُ من عَرَبِيَّتهِ" (٣)؟ .
• قوله: أبيس بيس يُريدُ أشدَّ الأُمورِ التي يُقالُ فيها بِئْسَ الشَّيءُ، هذا وخِلافُهُ لو قِيلَ لَقِيَ أنعمَ نعمٍ أي لَقُوا أفضلَ الأشياءِ التي يُقالُ فيها نِعْمَ الشَّيءُ. هذا والقياسُ أن يُقالَ: أبأسَ بئسٍ فأبدلَ من الهمزِ ياءَ كما يبدل من يَقولُ قَرَيتُ وأَخْطَيتُ (٤). ولعل التخفيف من بعضِ نَقَلَةِ الحديثِ.