أَمَدًا﴾ (١): أي أيقظناهم، وكذلك قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (٢): أي أحياه. ومعنى الحشر أن يُحْشَرَ النّاسُ إِلَى الموقفِ للحساب، ولذلك قيلَ للجلاء حَشْرٌ، قَالَ الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا [مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] (٣) مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٤) يريدُ اليهودَ حينَ جلّاهم رسولُ اللهِ ﷺ عن ديارِهم إِلَى الشّام، وكأنَّ النّاسَ حين يُعادُونَ خلقًا جديدًا تُعادُ عليهم الأكفانُ التي ماتوا فيها، فإذا حشروا إِلَى الله سُلبوها، ولقوه عُراةً كما بَدَأَ خلقَهم حين خرجوا من الأرْحامِ عُرَاةً، وكانوا في الأرحام مستترينَ اسْتِتارَ الموتى بالقبور، ومُغَشَّيْنَ في الأَرْحامِ بالمشائِم، كما كان أهْلُ القبورِ مُغَشَّيْنَ فيها بالأكفانِ.
стр. 317
١٢٥ - سألتَ عن حَدِيث عقبةَ بنِ عامرٍ (١) عن النبيّ ﷺ : "أسْلَمَ النّاسُ وآمَنَ عمرُو بن العاص" (٢)؟ .
• والذي عندي في هذا أنّ عمرَو بنَ العاص كان قبلَ الإِسلامِ في الباطنِ من المُخالِفِينَ، فأَسْلَمُوا أي انقادُوا وتابَعُوا خوفًا من السّيف، وهُمْ مُقِيمونَ على شِرْكِهِمْ في الباطنِ وضَلالِهِمْ، وآمَنَ عمرُو بن العاص، أي صَدَقَ وآمَنَ بلسانِهِ وقلبِه، في مثلِ هؤلاءِ من النّاسِ يقولُ اللهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٣) أي انقدْنا وتابَعْنا من خوفِ السَّيْفِ.
стр. 318
١٢٦ - سألتَ عن حديثِ يُونُسَ (١) عن الحسنِ (٢) قَالَ: "لما قَدِمَ عمرُ بنُ الخطّاب الشامَ أتاهُ راهِبٌ شَيْخٌ كبيرٌ مُتَقَهِّلٌ عليه سَوادٌ، فلَمَّا رآه عمرُ بَكَى وقالَ: طَلَبَ هذا المسكينُ أمْرًا، فلم يُصِبْهُ، ورَجَا رَجاءً، فأخْطَأَهُ" (٣)؟ .
• المُتَقَهِّل: الشَعِثُ الوَسِخُ، يقال: تَقَهَّلَ الرجلُ وأقْهَلَ.
стр. 319
١٢٧ - سألتَ عن قول علي على منبر الكوفة: "إِذَا كان يومُ الجمعةِ غدت الشياطينُ براياتِها إِلَى السُّوق، ويأتون النّاسَ بالرَّبائث، ويُذَكِّرُونَهُم الحاجاتِ" (١)؟ .
• الربائث: جمع ربيثة، يُريدُ أَنَّهم يُرَبِّثُونَهُمْ عن الصلاةِ، ويُثَبِّطُونَهُمْ.
стр. 320
١٢٨ - سألتَ عن حديثٍ قيل فيه: "من حلف بغير الله أشرك" (١) وقلتَ: فَسَّرَهُ بعضُ النَّاس، فقال: هو أن يَحْلِفَ بربٍ سوى الله، فيكونَ حينئذٍ مُشْرِكًا. وهل يَلْحَقُ هذا مَنْ قالَ: وحقِّكَ لا فَعَلْتُ، وحقِّكَ لَأفْعَلَنَّ؟ .
• والذي عندي أنهُ لم يُرِدْ بقولهِ: فقد أَشْرَكَ أي كَفَرَ، وخرجَ عن الإِسلام، وإنَّما أرادَ أنَّهُ قد أشركَ بينَه وبينَ اللهِ في القَسَمِ إِذَا حلفَ بِهِ كما حَلَفَ باللهِ.
ونَحْوُهُ الحديثُ الآخَرُ الذي سألتَ عنهُ، وهو قولُهُ (٢): "قليل الرياء شرك" (٣) أراد: الرجلُ يُرائي بعملِهِ النَّاسَ ليَحْمَدُوهُ، ويثْنُوا عليه. ألا ترى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذلك فقد جعلَ بعضَ عملِهِ للنَّاسِ كما جعل نعمتَهُ لله. وقال اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤) في عبادةِ الله، فيجعلْ بعضَها ربًا له، وبعضها للهِ. وقال في قصَّةِ آدمَ، وحواءَ:
стр. 321
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ (١) فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢) وإنّما جَعَلا له الشُّرَكاءَ بالتسمية، لا بالنِّيَّةِ والعقدِ (٣)، إذ سَمَّيَاهُ عبدَ الحارث. فأمّا مَنْ قَالَ: وحقِّكَ، وعيشِكَ، وحياتِكَ، وجَدِّكَ، فليس من هذا في شيءٍ؛ لأَنَّهُ من اللَّغْوِ الذي يَسْتَعْمِلُهُ النَّاسُ في ألفاظِهِمْ، وَلَا يَتَعَمَّدُونَهُ، وَلَا يَنْوونَ البِرَّ فيه، وإنّما الشِّرْكُ في اليمينِ أن تقصدَ الشَّيْءَ بعينِه، فَتَحْلِفَ بِهِ مُتَعَمِّدًا له، وتنوي البِرَّ في ذلك والوَفاءَ كما يفعلُ الحالِفونَ باللهِ. وإذا كان اللَّغْوُ في الحَلْفِ باللهِ غَيْرَ مُؤَاخَذٍ بِهِ كان في الحَلْفِ بغيرِهِ أحرى ألَّا يُؤَاخِذَهُ بِهِ.
وقد رُوِيَ في بعضِ الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ للهجنّع (٤): "وأبيكَ إنَّ هذا هو الجُوع" على ما يَسْتَعْمِلُ النَّاسُ بغيرِ قَصْدٍ إِلَى القَسَمِ كما كان يُقالُ له بأبي أنت، وأمي يُرادُ "أفديك بأبي وأمي" والقائلُ يَعْلَمُ أنَّ هذا لا يكونُ، وكذلك السَّامِعُ.
стр. 322
١٢٩ - سألتَ عن حديثِ خالدِ بنِ سنانٍ المَخْزُوميِّ (١) وقولِهِ للنَّارِ: "بدًّا بدًّا كُلُّ شَيْءٍ مُؤَدّىً" (٢) زَعَمَ ابنُ راعيةِ المِعْزَى أنّي لا أخْرُجُ منها وثِيابي تُبْدي سُبْحانَ ربيَ الأعْلى؟ .
• قولُهُ: بَدًّا بَدًّا: هو مأخوذ من التَّبْديد، وهو التَّفْريقُ، كأنَّهُ يُقالُ: بَدَدْتُ بَدًّا، وبَدَدْتُ تَبْديدًا كما يقال: مَدَدْتُ مَدًّا، ومَدَّدْتُ تَمْديدًا، ومن الدليل على هذا التأويلِ أَنَّهُ قيل في هذا الحديثِ: إنه انتهى إِلَى النار، وعليه مِدْرَعَةُ صُوْفٍ، فجعل يُفَرِّقُها بِعَصاهُ، ويقولُ: بَدًّا بَدًّا، أي تَبَدَّدي (٣).
стр. 323
وقولُهُ: "كلُّ شَيْءٍ مُؤَدّىً" أي كُلُّ امرئٍ مؤدّىً أي مسلوبٌ يُقالُ: أدّى فلانٌ بَزَّ فُلانٍ إِذَا سلَبَهُ سِلاحَهُ (١).
стр. 324
١٣٠ - سألتَ عن قولِ ابنِ عُمَرَ "ما بين المشرقِ والمغربِ قِبْلَةٌ" (١)؟ .
• والذي عندي أنَّهُ أراد ما بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةُ المسافِر، ومن الْتَبَسَتْ عليهِ القِبْلةُ، فلم يَدْرِ كيف يُصَلِّي لأَنّهُ إِذَا فعل ذلك مُولِّيًا وجهَهُ شَطْرَها أي نَحْوَها، وإن لم يكنْ حِذاءَهَا. فأَمَّا الحاضرُ المقيمُ، ومن اطْمَأَنَّتْ بِهِ الدارُ فعليه أن يَتَوَخَّى الكَعْبَةَ بعينِها، وَيجْعَلَها تُجاهَ وَجْهِه، وكأن ابنَ عُمَرَ قَالَ هذا لأهل المَشْرِق، وأهْلِ العِراق، وأهل الحِجاز، وكُلِّ مَنْ كانَ على هذا السَّمْت، ومَنْ كان وراءَ الكَعْبَة، فأَمَّا من كان يمينًا عنها نَحْوَ اليَمَن، أو شمالًا نَحْوَ الشَّام وسافَرَ إليها فإنَّهُ لا يجوزُ له أن يَجْعَلَ ما بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ له قِبْلةً، لأنَّهُ حينئذٍ يَجْعَلُ القِبْلةَ عن يمينِه، أو على شمالِهِ (٢).
стр. 325
١٣١ - سألتَ عن حديثِ عبد اللهِ بنِ الأَجْلَح (١) عن هشامِ بنِ عُرْوَةَ (٢) عن أبِيهِ أن عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ (٣) خَطَبَ في اليوم الذي قُتِلَ فيه، فَحَمَدَ اللهَ، وأثْنَى عليه، ثم قالَ: "يا أيُّها النّاسُ، إنّ الموتَ قد تَغَشَّاكم سحابُهُ، وأحْدَقَ بِكُمْ رَبابُهُ (٤)، واخلولقَ بعدَ تَفرُّقٍ (٥)،
стр. 326
وارْجَحَنَّ (١) بَعْدَ تَبَسُّقٍ (٢)، وهو منضاخٌ (٣) عليكمْ بوابلِ البَلايا تَتْبَعُها المنايا، فاجعلوا السيوفَ للمنايا فُرَضًا (٤)، ورَهِيْشَ الثَّرَى لها غَرَضًا (٥)، فاستعينوا على ذلك بالصَّبْر فإنَّهُ لن تُدْرَكَ مَكْرُمَةٌ مُوْنِقَةٌ (٦) وَلَا فَضِيْلَةٌ سابِقَةٌ إلَّا بالصَّبْرِ" (٧)؟ .
• قولُهُ: أحْدَقَ ربابُهُ يقول: أحاط بكم. والرَّبَابُ شَيْء من السَّحابِ يَتَدَلَّى وَيَقْرُبُ من الأَرْضِ قَالَ الشاعِرُ (٨):
كأنَّ الرَّبابَ دُوَيْنَ السَّحابِ ... نَعَامٌ تَعَلَّقَ بالأرجُلِ (٩)
стр. 327
وبِهِ سُمِّيَت المَرْأَةُ الرَّبابَ (١).
• وقولُه: اخلولق بعد تفرُّق يريد اجتمعَ وتَهَيَّأَ للمطرِ (٢)، يقال: رأيت خلاقةَ المطرِ في السَّحابِ إِذَا رأيتَ علامَتَهُ.
• وقولُهُ: ارْجَحَنَّ أي ثَقُلَ حَتَّى مال (٣). وإنّما يَثْقُلُ، ويبْطِيءُ في مسيرِهِ إِذَا كَثُرَ ماؤُهُ. والوابل أشَدُ المطرِ (٤) الذي يكونُ منه السَّيْلُ، وهو فَوْقَ الجود، ضَرَبَ هذا مثلًا فَشَبَّهَ المَنِيَّةَ بالمطَر، وأَسْبابَ المطرِ بأَسْبابِ المَنِيَّةِ.
• وقولُهُ: هو مُنْضاخٌ عليكم: أي مُنْصَبٌّ عليكمْ، يُقالُ: انضاخَ الماءُ وانْضَخَّ إِذَا انْصَبَّ (٥)، ومنه قيل للزَّرَّاقَةِ مِضَخَّةٌ (٦). ومنه في التَّقْديرِ: انْقَضَّ الحائِطُ وانْقاضَّ إِذَا سقَطَ. وقالَ الشاعرُ:
كأنها هَدَمٌ في الجَفْرِ مُنْقاضُ (٧)
وقال جلَّ وعزَّ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٨).
• وقولُهُ: اجعلوا السيوفَ للمنايا فُرَضًا: يريد اجعلوا السيوف طريقًا إِلَى المَنايا. وأصْلُ الفُرَضِ المَشارِعُ إِلَى الماء، واحِدَتُها فُرْضَةٌ (٩).
стр. 328
• وقولُهُ: ورهيش الثرى غَرَضًا، والغَرَضُ الغايةُ. تقول في الكلام كان غَرَضي في القولِ والفعلِ كذا، أي غايتي.
والرهيش من الثرى هو المنثالُ الخفيفُ، كأنَّهُ يُريدُ القبورَ، لأنَّ القبرَ يُحفر ثم يُرَدُّ ترابُهُ عليهِ، فلا يكونُ لترابِهِ تَلَدُّدٌ، وَلَا صلابَةٌ، فهو رهيشٌ، يُريد اجعلوا غَرَضَكُمْ المَوْتَ (١) اصبروا.
والمُوْنِقَةُ المُعْجِبَةُ تقول: آنَقَني الشَّيْءُ، أي أعْجَبني (٢) ..
стр. 329
١٣٢ - سألتَ عن حديثِ النَّبِيّ ﷺ : "الإِيمانُ نَيِّفٌ وسَبعونَ بابًا؛ أفْضَلُها لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذَى عن الطريقِ" (١) وقلتَ: أتقولُ لمن لم يُمِطِ الأذَى عن الطريقِ ناقصَ الإِيمانِ؟ .
• أما وَجْهُ هذا الحديثِ فالإِيمانُ صِنْفانِ أصْلٌ وفَرْعٌ. فالأصْلُ الشهادتانِ والتَّصْديقُ بالبعثِ والجَنَّةِ والنَّارِ والملائكةِ وبكُلِّ ما أخْبَرَ اللهُ بِهِ في كتابِهِ وأشباهِ هذا مِمَّا خَبَّرَ به رسولُهُ عَنْهُ، وهذا هو الأَمْرُ الذي مَنْ كَفَرَ بشَيْءٍ منهُ فقد خَرَجَ من الإِيمان، وَلَا يُقالُ (٢) له: مُؤْمِنٌ، وَلَا ناقصُ الإِيمانِ.
ومن الأُصولِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ وحِجُّ البَيْتِ لمن استطاعَ إليه سبيلًا، وهذا هو الأمرُ الذي مَنْ آمَنَ بأَنَّهُ مفروضٌ عليه، ثم قَصَّرَ في بعضِهِ بتوانٍ أو اشتغالٍ فهو ناقصُ الإِيمانِ حَتَّى يتوبَ ويُراجِعَ. وكذلك الكبائِرُ إنْ لابَسَها غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لها فهو ناقصُ الإِيمانِ حَتَّى يَنْزِعَ عنها. وأمَّا الفروعُ فإِماطَةُ الأذَى من الإِيمان، وإفشاءُ السلامِ من الإِيمان، وأشباهُ هذا. وَلَا يُقالُ لِمَنْ فَعَل من هذا شَيْئًا
стр. 330
وتركَ شَيْئًا ناقصُ الإِيمان، لأنَّهُ فَرْعٌ من فُروعِهِ. والأَصْلُ الذي يكونُ به النقصانُ أو التَّمامُ سالِمٌ، ولأنَّ هذه الخلالَ متفرقةٌ في النّاس، ففي الواحدِ منهم عَشْرُ خلالٍ منها، وفي الآخَرِ خَمْسٌ، وفي آخَرَ عِشْرونَ، وكُلُّهُمْ، إِذَا كان مُؤْمِنًا بالأصولِ مجتنبًا للكبائرِ مواظبًا على الفُروض، تامُّ الإِيمانِ. ومَثَلُ هذا مَثَلُ شجرتينِ في إحداهُما ثَلاثونَ فَرْعًا من الغُصون، وفي الأخرى عِشرون فرعًا من الغُصونِ، وهما جميعًا تامَّتانِ، وَلَا يقالُ هذه شَجَرَةٌ تامةٌ أو ناقِصَةٌ.
стр. 331
١٣٣ - سألتَ عن حديثِ الأحْوَصِ بنِ حَكيمٍ (١) عن أَبِي عَوْنٍ (٢) عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ (٣) عن النبيّ ﵇: "قِلَّةُ الحَياءِ كُفْرٌ"؟ .
• والذي عندي في ذلك أنّ الحياءَ رُبَّما قَطَعَ عن المعاصي كما يَقْطَعُ الإِيمانُ فصارَ شُعْبَةً منه ولذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ في حديثٍ لأَنَسٍ (٤): "الحياءُ شعبةٌ من الإِيمانِ" (٥) وإذا كان الحياءُ من الإِيمانِ كانَ قِلَّةُ الحياءِ من الكُفْرِ هذا على
стр. 332
التَّضادِّ لازِمٌ، لأَنَّهُ إِذَا كان قليلَ الحياءِ ركب كُلَّ مَعْصِيَةٍ، وجاهَرَ بِكُلِّ فاحِشَةٍ، فكأنَّهُ شُعْبَةٌ من الكُفْرِ: وقد ذكرتُ هذا وما أشْبَهَهُ في كتابِ مُخْتَلِفِ الحديثِ (١) وكتاب غريبِ الحديثِ (٢).
стр. 333
١٣٤ - سألتَ عن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ (١) عن النَّبيِّ ﵇: "إن من أشراطِ الساعةِ أن يُرْفَعَ الأشْرارُ ويُوْضَعَ الأخْيارُ وتُقْرَأ المُثَنَّاةُ على رؤوسِ النّاسِ ليس لها مُغَيِّرٌ. قيل: يا رسولَ اللهِ وما المُثَنَّاةُ؟ قَالَ: كلّ كتابٍ ليس من كتابِ الله" (٢)؟ .
• ومُتَأوِّلُ هذا بَعيدٌ من الصَّواب، ولولا هذه الأحاديثُ المنقولةُ إلينا لم نَعْرِفْ بالكتابِ أكثرَ دِيْنِنَا لأنَّهُ يأتي مُجْمَلٌ يُفَصِّلُهُ (٣) الحديثُ، ومُشْكِلٌ يُبَيِّنُ
стр. 334
مُرادَ اللهِ فيه الرسولُ، وهذا بَيِّنٌ كَثيرٌ لا يَحْتاجُ إِلَى الإِطالةِ. وإنَّما المُثَنَّاةُ هاهنا شَيْءٌ وَلَّدَهُ أهْلُ الكتاب، ونَسَبوهُ إِلَى اللهِ جَلَّ وعَزَّ، يقولُ اللهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١). وإنّما سُمِّيَ مُثَنَّاةً لأنَّهم ذَكَروا أنّ اللهَ أنْزَلَهُ بعدَ الكتابِ الذي كانَ في أيدي النَّاس، كأنّه ثُنِّيَ بِه، ونَسخَ بِهِ أشياءَ، وأحَلَّ به أشْياءَ كان حَرَّمَها.
стр. 335
١٣٥ - سألتَ عن حديثِ عبد اللهِ بنِ مَسْعودٍ (١): "أنْذَرْتُكُمْ صِعابَ المَنْطِقِ وبحسبِ المَرْءِ من العِلْمِ أن يَخْشَى اللهَ" (٢)؟ .
• أنذرتكم صعاب المنطق: يريد المسائلَ الدقاقَ الغوامضَ. وهذا مِثْلُ الحديثِ الذي يَرْوِيهِ معاويةُ بن أَبِي سفيانَ (٣) "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الأُغْلوطاتِ" (٤) وإنَّما نَهَى عنها لأَنَّها غيرُ نافِعَةٍ في الدِّين، وَلَا تكونُ إلَّا فيما يَقَعُ أبدًا كمُدَبِّرٍ جَنَى على مُكاتِبٍ، وخَرْساءَ لاعَنَهَا صَحِيْحٌ، وأَعْمَى قُذِفَ بِزِنًا، وأشباهِ ذلك، ثم قالَ: وبِحَسْبِ المَرْءِ من العِلْمِ أن يَخْشَى اللهَ؛ لأَنَّهُ إِذَا خشي اللهَ طَلَبَ من العِلْمِ ما يَنْفَعُهُ، وما يَحْتاجُ إليهِ مثلِ عِلْمِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّيامِ والْحَجِّ
стр. 336
وأشْباهِ ذلك، ولم يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِتَعَلُّمِ ما يَدِقُّ وَيخْفَى مِمَّا لا يكادُ يَقَعُ. ولمثلِ هذا قالَ عُمَرُ ﵀: "لا تنازعوا فيما لم يَكُنْ فَتَخْتَلِفُوا. فإنَّ الشَّيْءَ إِذَا كانَ أعانَ اللهُ عَلَيْهِ" وقد روى تَميمٌ الداريُّ (١) عن النَّبِيّ ﷺ : "ليس في الدِّينِ إِشْكالٌ" (٢) يُريدُ أنَّ الذي يَنُوبُ النَّاسُ منه، وَيَحْتاجونَ إليه في أنْفُسِهِمْ لَيْسَ فيْهِ غُموضٌ.
стр. 337
١٣٦ - سألتَ عن [قولِ] (١) النَّبيّ ﷺ لرجل أتاه يَسْألُهُ عن أفضلِ العَمَلِ فقال له: "إيمانٌ باللهِ وجهادٌ في سبيلِهِ. قَالَ: أُريدُ أهْوَنَ من ذلك. قَالَ: السَّماحَةُ والصَّبْرُ، قَالَ: أُريدُ أهْوَنَ من ذلك، قَالَ: لا تَتَّهِمِ اللهَ في شَيْءٍ قَضَى لَكَ بِهِ" (٢)؟ .
• يُريدُ سَلِّمْ لِقَضائِهِ وارضَ بِه، وَلَا تَتَوَهَّمْ أَنَّهُ قضى لك إلَّا بما هو خَيْرٌ لك، إمّا في دينِكَ أو دُنْياكَ أو فيهِما جَميعًا، وهذه دَرَجةٌ قَلَّ من يَبْلُغُها مِنَ النَّاسِ. قَالَ أَبُو سليمانَ الدَّارانيُّ (٣): "الرِّضَا عن اللهِ ورَحْمَةُ الخَلْقِ دَرَجَةُ المُرْسَلِينَ" (٤) وإِنَّما جَعَلَها أَهْوَنَ الأَمورِ المُتَقَدِّمَةِ وهي أَقَلُّ في النَّاسِ؛ لأَنَّ الأُمورَ المُتَقَدِّمَةَ فيها تَجَشُّمٌ وإِتْلافٌ للمالِ بالجهادِ والسَّماحَةِ ومَحْمَلُ النَفْسِ على الصَّبْر، والأَمْرُ الآخَرُ إنَّما هو تَسْليمٌ ورِضًا، فهو من هذا الوَجْهِ أهْوَنُ.
стр. 338
١٣٧ - سألتَ عن حديثِ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عبد الرحمنِ (١) عن عبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ (٢) عن النَّبيّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الرَّاشي والمُرْتَشي" (٣) وعن حديثِ ابنِ مَسْعودٍ: "أَنَّهُ أُخِذَ بأرضِ الحَبَشَةِ في شَيْءٍ فَرَشَاْ دِينارَيْنِ" (٤)؟ .
• والذي عندي أَنَّهُ لَعَنَ الراشي للسُّلْطانِ على أنَّ يُعْطِيَهُ على باطِلٍ،
стр. 339
ويُزيلَ حَقًّا عليه ليَذْهَبَ بِه، أو يَأْخُذَ له بما لا يَلْزَمُهُ، فهذا الراشي والمُرْتَشي اللذانِ لعنهما رسولُ اللهِ.
فأَمّا مَنْ وَقَعَ في أَمْرٍ اتُّهِمَ به، أو قُرِفَ بشَيْءٍ، ولم يكنْ مِنْهُ، فأَعْنَتَهُ السُّلْطانُ، فَفَدى نَفْسَهُ بمالِه، فلا جُناحَ عليهِ. وإنَّما الجُنَاحُ على السُّلْطانِ الذي ظَلَمَهُ.
стр. 340
١٣٨ - سألتَ عن حديثِ الأَعْمَشِ (١)، عن أَبِي سُفْيانَ (٢)، عن جابِرٍ (٣) قَالَ: سمعت النَّبِيّ ﷺ يَقولُ قبلَ موتِهِ ثلاثًا: "ألا لا يموتَنَّ أحَدٌ منكم إلَّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ" (٤)، وقلتَ: كيفَ هذا الظَّنُّ؟ .
• والذي أراد: لا يموتَنَّ أَحَدٌ منكم قانِطًا من رَحْمَةِ اللهِ بِسُوءِ ما يَعْرِفُ من نَفْسِه، ولْيَمُتْ راجيًا لِعَفْوِه، فإنَّ القُنوطَ من رَحْمَةِ اللهِ ذَنْبٌ عَظيمٌ. يَقولُ اللهُ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
стр. 341
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وكذلك لا ينبغي لِلْمُجاهِدِ من المسلمينَ أن يموتَ، وهو واثِقٌ بِعَمَلِهِ؛ يَحْتِمُ بأنَّهُ مُؤَدِّيْهِ إِلَى رِضَا الله، ولَكِنّ لِيَمُتْ راجِيًا خائِفًا (٢).
стр. 342
١٣٩ - سألتَ عن الحديث: "أن النَّبِيَّ ﵇ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانوا يمشونَ أمامَ الجَنازَةِ" (١) وفي حديثٍ آخَرَ: "أن الجنازَةَ متبوعَةٌ، وليست بِتابِعَةٍ" (٢)؟ .
• والذي عندي أن النَّبِيَّ ﵇ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانوا يَمْشونَ أمامَ الجنازَةِ إِذَا كان وراءَها قَوْمٌ يَتْبَعونَها، فَيَكونُ بَعْضُ المُشَيِّعِيْنَ وراءَها، ويكون بَعْضهُمْ أمامَها، ولو لم يَكُنْ وراءَها قَوْمٌ ما جاز أنْ يَتَقدَّمَها الجميعُ؛ فتكونَ وراءَهُمْ، لإِجماعِ النَّاس على "تَبِعْنا الجنازَةَ" "والجَنازَةُ مَتْبوعَةٌ". وَلَا يجوزُ أنْ يُقالَ تبعناها وهم لها مُتَقَدِّمونَ.
ويُوَضّحُ هذا حديثُ السهميِّ (٣) ..................
стр. 343
عن حُمَيْدٍ (١) قالَ: "سُئِلَ أَنَسٌ (٢) عن اتِّباعِ الجنائِزِ فقالَ: أنتم مُشَيِّعونَ فمِنْ بينِ يَدَيْها ومن خَلْفِها وعَنْ يمينِها وعن شمالِها" (٣).
فإنْ قالَ قائِلٌ: فإنّ رسولَ الله ﷺ كان يَمْشي أمامَ الجَنازَةِ فلأنَّهُ كان يمشي أمامَها ووراءَها قَوْمٌ. وكان عُمَرُ يَقْدُمُ النَّاسَ أمامَ جَنازةِ زَيْنَبَ ليَجْعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فيكونَ للجنازَةِ خَلْفٌ وسَلَفٌ (٤).
стр. 344
١٤٠ - سألتَ عن حديثِ عُمَرَ "جَدَبَ لنا رَسولُ اللهِ السَّمَرَ بَعْدَ العِشاءِ" (١)؟ .
• قُلْتُ: وجاء في حديثٍ آخَرَ "لا سَمَرَ إلَّا لمُصَلٍ أو مُسافِرٍ أو عَروسٍ" (٢).
قولُه: جَدَبَ لنا السَّمَرَ أي عابَهُ والجادِبُ: العائِبُ. والسَّمَرُ: حَديثُ اللَّيْلِ؛ لأَنَّ اللَّيْلَ جُعِلَ للرُّقودِ والسُّكونِ فيه، ثم أُرْخِصَ فيه للمُصَلِّي والمسافِرِ والعَروسِ؛ لأنَّ هؤلاءِ لا بُدَّ لهمْ من السَّهَر، وإذا سَهِرُوا جاز لَهُمُ السَّمَرُ (٣).
стр. 345
١٤١ - سألتَ عن قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فهوَ مُؤْمِنٌ" (١) وقلتَ: ما معنى هذا أن يكونَ مُؤْمِنًا في الحُكْمِ والحقيقةِ؟ .
• والذي عندي أنَّهُ أراد به "مؤمن" أي مُصَدِّقٌ، لأنَّ من اسْتَسَرَّ للحَسَنَةِ تكونُ منه فهو ..... (٢) مُصَدِّقٌ بثوابِها، ومن اعْتُصِرَ قَلْبُهُ للسَّيِّئَةِ تكونُ منه عَلِمَ بأنَّهُ راجِعٌ إِلَى الله، وأَنَّهُ مُجازىً به عليها. ولولا صِحَّةُ التَّصْديق، وزوالُ الشَّكِّ لم يُسَرَّ ولم يُسَأْ، كما أنَّ المُنافِقَ والزِّنْدِيقَ لا يُسَرُّ بالحَسَنَةِ من عَمَلِه، وَلَا يُساءُ بالقبيحِ منه؛ لأنَّهُ لا يُصَدقُ بالثوابِ والعقابِ عليهما.
стр. 346
١٤٢ - سألتَ عن حديثِ أَبِي نُعَيْمٍ (١)، عن عُقْبَةَ بنِ وَهْبٍ العامريِّ (٢)، عن أبِيه، عن الهُجَنَّع العامريِّ (٣) قلتُ للنبي ﷺ : "ما يَحِلُّ لنَا من المَيتِّةِ ونحنُ نَصْطَبِحُ ونَغْتَبِقُ"؟ (٤) فَسَّرَهُ عُقْبَةُ قَدَحًا غُدْوَةً، وقَدَحًا عَشِيَّةً فقال: وأبيك إن هذا هو الجُوعُ. فأَحَلَّ لَهُم المَيِّتَةَ على هذه الحالِ.
قلتَ: وفي حديثٍ آخَرَ قيل "يا رسولَ اللهِ متى تَحلّ لنا المَيِّتَةُ"؟ فقال: "ما لم تَصْطَبِحوا أو تَغْتَبِقوا أو تَحْتَفئُوا بَقْلًا فَشَأنُكُم لها" (٥)؟ .
• والذي عندي في الصَّبوحِ والغَبوقِ أنهما مُخْتَلِفانِ في الحَديثَيْنِ؛ فهما
стр. 347
في حَدِيث الهُجَنّعِ شَرْبَةُ لَبَنٍ بالغَداةِ، وشَرْبَةٌ من لَبَنٍ بالعَشِيِّ، وَيدُلُّ على ذلك قولُ عُقْبَةَ: يَعْنِي قَدَحًا غُدْوَةً، وقَدَحًا عَشِيَّةً، وهذا لا يَعْصِمُ من الجوعِ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "وأبيك إن هذا هو الجُوعُ" فأحَلَّ لَهُمُ المَيِّتَةَ على هذه الحالِ. وهما في الحديث الآخَرِ للغَداء والعَشاء، ولم يُرِد اللبَنَ خاصةً. والصَّبُوحُ والغَبُوقُ إِذَا كان بَقْلًا عُصِمَ، وقدْ تَقَدَّمَ تَفْسيرُ ذلك فيما تَقَدَّمَ من هذا الكتابِ (١).
стр. 348
مسائل أَبِي كبير (١)
١٤٣ - سألتَ عن حديثٍ ذُكِرَ فيه "أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ مَرَّ على رجلٍ يقطعُ سَمُرًا بالبادِيَةِ فقالَ: رَعَيْتَ مَعْوَتَها وبَرْمَتَها وحَبْلَتَها وبَلَّتَها وفتْلَتَها ثم تَقْطَعُها؟ ! . أما عَلِمْتَ أنَّ هذا الشَّجَرَ عِصْمَةٌ لأَهْلِ الحَرَمِ" (٢)؟ .
• السَّمُرُ: شَجَرٌ من العَضاهِ. والعَضَاهُ كُلُّ شَجَرٍ ذي شَوْكٍ واحِدَتُهُ سَمُرَةٌ، وبها سُمِّيَ الرَّجُلُ، وهي تَنْبُتُ بنَجْدٍ وبالحجازِ وبكُلِّ مكانٍ خلا حُرَّ الرَّمْلِ. ويُقالُ: إنَّهُ شَجَرُ أُمِّ غَيْلانَ (٣).
وقُلْتَ: مَعْوَتَها، وذلك غَلَطٌ؛ لأنَّ المَعْوَةَ البُسْرَةُ التي جرى الإِرطابُ فيها، والصوابُ: رَعَيْتَ بَغْوَتَها (٤)، والبَغْوَةُ هي ثَمَرَةُ السَّمُر أوَّلَ ما يَخْرُجُ. ثم يَصيرُ بعدَ
стр. 349
ذلك بَرَمَةً، والجمع بَرَمٌ، يقال: قد أَبْرَمَت السَّمُرَةُ إذا خرجَ نَوَارُها (١) ثم تُسَمَّى بعدَ ذلك البَلَّةُ [ثم] (٢) الفَتْلَةَ (٣)، وقد يكونُ البَرَمُ ثَمَرَ السَّلَمِ أيضًا، وهو شَجَرٌ من العضاه، والسَّلَمُ يُدْبَغ بِهِ يُقالُ: أَدِيمٌ مَسْلومٌ إذا دُبِغَ بالسَّلَمِ (٤).
° وفي بَعْضِ الحديثِ "أن قادِمًا قَدِمَ على رسولِ اللهِ من مكةَ فقالَ له: كيف تَرَكْتَ الحَزْوَرَةَ (٥)؟ فقال: جادَها المطرُ، فأَغْفَرَتْ (٦) بَطْحاؤُها،
стр. 350
وارْقاطَّ (١) عَوْسَجُها (٢)، وأَبْرَمَ سَلَمُها (٣)، وأَعْذَقَ (٤) إذْخِرُها (٥)، فقال رسول اللهِ ﷺ : لا تشعنا (٦)، فإذا سقطت البَلَّةُ والفَتْلَةُ (٧) نَبَتَتْ فيهنَّ الحُبْلَةُ" (٨) ويكون الحُبْلَةُ للسَّلَمِ أيضًا؟ .
قال سعدُ بن أبي وَقّاصٍ (٩): "لقد رَأيْتُنا مع رسولِ اللهِ ﷺ وما لنا طَعامٌ إلا الحُبْلَةُ وَوَرَقُ السَّمُرِ" (١٠) وجَميعُها واحِدٌ؟ .
стр. 351
• وأمَّا قولُ القائلِ لرسولِ اللهِ في الحَزْوَرَةِ: أَغْفَرَتْ بَطْحاؤُها فإنَّهُ يُريدُ جادَها المطرُ حتى صار عليها كالغَفَرِ من النَّباتِ. والغَفَرُ الزِّئْبِرُ (١) على الثوبِ (٢).
وقولُهُ: ارْقاطَّ عَوْسَجُها (٣): وأنا أَحْسَبُهُ ارْقاطَّ عَرْفَجُها (٤). قال أبو عَمْرٍو الشَّيْبانيُّ (٥): إذا مُطِرَ العَرْفَجُ فلانَ (٦) عُودُهُ قيلَ: قد ثَقَّبَ عودُهُ فإذا اسْوَدَّ شيئًا قيلَ: قد قَمِلَ لأنَّهُ يُشْبِهُ ما يخرجُ به القَمْلُ، فإذا ازداد قليلًا قيل: قد أدبى لأنّهُ يُشَبَّهُ بالدَّبا وحينئذٍ يُؤْكَلُ (٧) إلَّا أنْ يَكونَ العَوْسَجُ أيضًا له على مِثْلِ هذه الحال،
стр. 352
فيقال: ارْقاطَّ عَوْسَجُها، وهو من الرُّقْطَةِ يُقالُ: ارْقَطَّ الشَّيْءُ وارقاطَّ كما يُقال: احْمَرَّ واحْمارَّ (١).
وقولُهُ: أَعْذَقَ إِذْخِرُها أي صارتْ له أَفْنانٌ وشُعَبٌ كالعُذوقِ (٢). وفي حديثٍ آخَرَ: "وأَسْلَبَ ثُمامُها (٣) "، والسَّلَبُ خُوصُ الثُّمامِ (٤) وفي بعضِ الحديثِ أَنَّهُ كان في جَهازِ فاطمةَ وِسادَةٌ من أَدَم حَشْوُها لِيْفٌ أو سَلَبٌ (٥).
стр. 353
١٤٤ - سألتَ عن حديثٍ ذُكِرَ فيهِ "أَنَّ رجلًا من بني عامرِ بن لُؤَيٍ يُقالُ له شَيْبَةُ بن مَالكٍ (١) قال: دُلُّوني على مُحَمَّدٍ. قال طلحةُ (٢): فأَضْرِبُ عُرْقوبَ (٣) فَرَسِهِ حتى اكْتَسَعَتْ (٤) فما بَرِحْتُ واضعًا رِجْلي على خَدِّهِ حتى أَزَرْتُهُ (٥) شَعُوبَ" (٦)؟ .
• قوله: اكْتَسَعَتْ هو من كَسْعَتُ الرجلَ إذا ضَرَبْتَ مُؤَخِّرَهُ فاكْتَسَعَ، أي سَقَطَ على قَفَاهُ، يُريدُ أَنَّهُ كَسَعَ الفَرَسَ بالسَّيْفِ على عُرْقوبِها فَسَقَطَتْ من ناحيةِ
стр. 354
مُؤَخِّرِها (١). ويجوز أن يكونَ اكْتَسَفَتْ يُقالُ: كَسَفْتُ عُرْقَوْبَهُ إذا ضَرَبْتَهُ فَقَطَعْتَهُ فاكْتَسَفَ أي انْقَطَعَ (٢).
وقَوْلُهُ: حتى أَزَرْتُهُ شَعوبَ أي أَزَرْتُهُ المَنِيَّةَ، ويقالُ لها شَعوبُ لأنّها تَشْعَبُ أي تُفَرِّقُ، يُقالُ شَعَبْتُ الشَّيْءَ إذا فَرَّقْتَهُ وإذا جَمَعْتَهُ، وهو حَرْفٌ من الأَضْدادِ (٣). ولا تَصْرِفُ شَعوبَ لأَنَّها مُؤَنَّثَةٌ مَعْرِفَةٌ بغيرِ ألِفٍ ولامٍ (٤)، وكذلك هُنَيْدَةُ (٥) فإنه من الإِبل، وخُضَارَةُ (٦): البَحْرُ، ومَحْوَةُ (٧): الشِّمالُ، هذا كُلُّهُ لا يُصْرَفُ، ولا يَدْخُلُة أَلِفٌ ولامٌ.
стр. 355
١٤٥ - سألتَ عن حديثٍ "ذُكِرَ فيه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ [وفي يَدِهِ] (١) مِتْيَخَةٌ (٢) في طَرَفِها خُوُصٌ (٣) مُعْتَمِدًا على ثابتِ بنِ قيسٍ" (٤)؟ .
• المِتْيَخَةُ: الدِّرَّةُ وهي من "تاخَ يَتوخُ (٥) ". ومِثْلُهُ الحديثُ "أنَّهُ أتى بشارِبٍ فأَمَرَهُمْ بِجَلْدِه، فمنهم مَنْ جَلَدَهُ بالعَصَا، ومنهم من جَلَدَهُ بالمِتْيَخَةِ" (٦).