Полный текст (367 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تجمعك بهما صداقة، غير أن أحدهما أقدم صحبة من الآخر فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "جدير بالوفاء" تريد أقدمهما صحبة، ولكنك تترك ذكره حينئذ، اختباراً لمقدار تنبه السامع، أيتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية - وهي أن ذا الوفاء هو: ذو الصداقة القديمة، دون حادثها، أم أنه لا يتنبه؟
٥ - الحذر من فوات فرصة سانحة ، وذلك كأن تقول لصائد متحفز: "غزال" وكأن تقول لواقف في طريق قطار مسرع - وهو غافل: "أقبل" تريد: القطار أقبل، فتحذف المسند إليه مخافة أن تفوت فرصة الإفلات من الخطر، فيدهمه القطار.
٦ - إيهام صون المسند إليه عن لسانك تعظيماً لشأنه ، أو صون لسانك عن ذكره احتقاراً لشأنه، فالأول: نحو قولك: (ارفع راسة التوحيد، مقوض دعائم الشرك) وتقصد: النبي ﷺ فتترك ذكره صوتاً له عن لسانك تعظيماً له، والثاني: نحو قولك: (مخذول مدحور) وتقصد: إبليس اللعين، فتحذفه صوناً للسانك عن ذكره، احتقاراً له.
٧ - تأتي الإنكار عند الحاجة إليه ، ومثال ذلك: أن يحضر إليك جماعة من بينهم خصم لك، فتقول لآخر: (فاجر، فاسق) وأنت تقصد هذا الخصم ولكنك تترك ذكر اسمه، حتى يتسنى لك أن تنكر عند لومه لك على سبه.
٨ - قصد تعين المسند إليه: إما لأن المسند لا يصح إلا للمسند إليه ، ومثاله قولك: (عالم الغيب والشهادة)، تريد الله فتحذفه لتعينه، إذ إن علم الغيب والشهادة خاص به تعالى.
وإما لأن المسند قد بلغ في المسند إليه مرتبة الكمال، ومثله قولك: (عادل في حكومته) وتريد: عمر بن الخطاب ﵁، فتحذفه؛ لأن صفة العدالة بلغت فيه حد الكمال، وقولك: أمير الشعراء: وتقصد: (شوقي)، لأن إمارة الشعر قد لزمت له بإجماع شعراء عصره لبلوغها فيه حد الكمال، وإما لأن المسند إليه معهود بين المتكلم والمخاطب، كقولك: (حضر) تريد شخصاً معهوداً بينك وبين المخاطب.
стр. 107
٩ - ادعاء تعين المسند إليه ، وذلك كقولهم: (هازم الجيوش) يريدون: "خالد بن الوليد".
١٠ - قصد المحافظة علة الوزن، أو السجع، أو القافية:
فمثال الأول قول الشاعر:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا علي ولا ليا
أي: لا علي شيء، ولا لي شيء، فحذف المسند إليه، وهو لفظ (شيء) محافظة على وزن البيت.
ومثال الثاني: قولهم: (من كرم أصله وصله حبله)؛ والتقدير: وصل الناس حبله ولكنهم حذفوا المسند إليه الأصلي؛ وهو الفاعل: محافظة على السجع.
ومثال الثالث قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع
يقصد أن يرد الناس الودائع فحذف المسند إليه محافظة منه على القافية؛ ولولا ذلك لصارت منصوبة - والقافية في القصيدة كلها- مضمومة لا مفتوحة.
١١ - اتباع الاستعمال الوارد - على حذف المسند إليه - وذلك كما في الأمثال الواردة من مثل قولهم: (رمية من غير رام) يقصدون: هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، فإذا ما قلنا هذا القول في إنسان قد وفق في عمله عفو الخاطر، ولكنه ليس أهلاً لمثل هذا التوفيق، كان هذا القول مطابقاً لمقتضى حاله، ومثله قولهم: (شنشنة أعرفها من أخزم)، أي: هي شنشنة.
ذكر المسند إليه
من الأغراض التي ذكرها البلاغيون لذكر المسند إليه
١ - أن يكون ذكر المسند إليه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، فإذا كنت مع صديق لك تنتظر قدوم محمد - مثلاً - ثم رأيته، فقلت: (قدم محمد) كنت بذلك قد ذكرت المسند إليه، وهو: (محمد) مع قيام قرينة الحال عليه، ولو قلت: (قدم) وحذفت المسند إليه لكان ذلك جائزاً أيضاً.
стр. 108
٢ - ضعف التعويل على القرينة لأنها غير واضحة أو للأشتباه فيها
فالأول: وهو أن تكون القرينة غير واضحة ، مثاله: أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانياً، لاحتمال غفلة السامع لطول العهد به.
والثاني: وهو أن يشتبه في أمر القرينة ، مثاله: أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث إلى غيره، فيذكر المسند إليه ثانياً، لئلا يلتبس الأمر على السامع، فلا يعلم المحدث عنه على وجه اليقين، وذلك كأن يكون الحديث عن شوقي، ثم يجري الحديث عن شاعر غيره؛ فإذا ما رأيت مدح شوقي حينئذ، قلت: شوقي نعم الشاعر.
٣ - التنبيه إلى أن السامع غبي لا يفهم المحذوف مع وجود قرائنه؛ فيذكر المسند إليه إشارة إلى هذا الغرض ، وذلك كما تقول لمن يسمع القرآن الكريم ولكنه لا يحفل به: (القرآن شفاء للقلوب).
٤ - إظهار تعظيم المسند إليه وتفخيمه؛ لأن اللفظ مما يدل على التعظيم، أو إظهار تحقيره والتهوين من شأنه، لأن اللفظ مما يدل على التحقير .
فمثال الأول؛ قولك: (قائد الجيش قادم) ومثالي الثاني: (اللئيم قادم).
٥ - إرادة التبرك بذكره، أو التلذذ بسماعه:
فمثال ذكر المسند إليه للتبرك قولك: (هل قال رسول الله كذلك؟ ) فتذكر المسند إليه وهو: (رسول الله) تيمناً بذكر اسمه، وتبركاً به.
ومقال ذكر المسند إليه للتلذذ به، قولك: (ليلى أقبلت) و (بثينة سلمت).
٦ - القصد إلى بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء السامع مطلوباً للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه، ولهذا يحسن إطالة الكلام مع الأحبة ، وذلك كما في قوله تعالى - حكاية لقول موسى- ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] جواباً عن سؤاله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧]، وقد كان يكفي في الجواب أن يقول "عصا" لأن "ما" للسؤال عن الجنس، ولكنه ذكر المسند إليه وهو الضمير "هي"
стр. 109
حباً في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، ولهذا لم يكتف سيدنا موسى ﵇، بذكر المسند إليه ولكنه أردف ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، ولم يذكر هذه المآرب طمعاً في أن يسأل عنها فيجيب فيتلذذ بالسؤال والجواب معاً.
٧ - إظهار التعجب منه، لأن الحكم غريب يندر وقوعه ، وذلك كقولك - عن إنسان سبق الحديث عنه: فلان يصارع الأسود، أو فلان عبر المحيط! !
٨ - قصد التسجيل على السامع بن يدي القاضي حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار ، وذلك كأن يقول القاضي لمن شاهد واقعة: هل أقر هذا بأن عليه لفلان كذا من المال؟ فيجيب الشاهد: نعم أقر فلان أمامي بكذا، فيذكر اسمه لئلا يجد المشهود عليه سبيلاً إلى الإنكار إذا لم يذكر اسمه.
٩ - حرص المتكلم أن يضيف الخير إلى المسند إليه في صورة واضحة ومؤكدة ، ومن ذلك قول عبد الله بن الدمينة معاتباً صاحبته أمامه:
وأنتِ التي قطعت قلبي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم
وأنتِ التي كلفتني دلج السري ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
وأنتِ التي أحفظتِ قومي فكلهم ... بعيد الرضا، داني الصدور كظوم
فأجابته أمامه - على وزنها، ورويها-:
وأنتَ الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضاً أرمى وأنت سليم
فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
فالشاعر هنا يلوم صاحبته بأنها قطعت قلبه وجداً، ونكأت جرح قلبه، وكلفته الإدلاج السري، أغضبت قومه عليه، وأمامه تجيبه معاتبة هي الأخرى بأنه أخلف وعده لها، وأشمت بها من كان يلومها فيه، وكشف أمرها للناس، ثم تركها غرضاً لسهام قالتهم.
стр. 110
وقد ذكر الشاعر ضمير صاحبته - وهو المسند إليه- في كل بيت لكي يسند إليه هذه الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي: تقطيع قلبه، وتكليفه الإدلاج بالسري، وإحفاظ قومه عليه.
كما أن صاحبته هي الأخرى قد ذكرت ضميره في أول الأبيات، لكي تسند إليه تلك الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي: أنه أخلف ما وعدها به، وأنه أشمت به اللوام، وأنه كشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لألسنتهم.
****
стр. 111
تمرينات
على ذكر المسند إليه وحذفه
(١)
بين الأغراض التي دعت إلى حذف المسند إليه أو التي دعت إلى ذكره فيما يأتي:
أ- قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١].
ب- قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].
جـ- الرئيس يكلمك.
د- وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
هـ- وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن تردد الودائع
و- سألوني في سقامي ... كيف حالي؟ قلت: نضو
ي- قول النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب".
(٢)
٢ - لماذا ذكر المسند إليه في كل مما يأتي؟
أ- وائل يصارع الأسود.
ب- قال الله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٧، ١٨].
جـ- فعباس يصد الخطب عنا ... وعباس يجبر من استجار
د- بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلي من البشر؟
(٣)
لماذا حذف المسند إليه في كل مما يأتي:
стр. 112
أ- خليلي إما أن تعينا وتسعدا ... وإما كفافا؛ لا علي ولا ليا
ب- "مرعى ولا كالسعدان".
جـ- من ساء طبعه هجر ربعه.
د- سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى سريع
حريص على الدنيا مضيع دينه ... وليس لما في بينه بمضيع
****
стр. 113
تعريف المسند إليه
وإنما قدموا تعريف المسند إليه على تنكيره، لأن التعريف هو الأصل والتنكير هو الفرع، والأصل مقدم على الفرع.
وإنما كان التعريف - في المسند إليه- هو الأصل، لأنه - كما قالوا- محكوم عليه، والحكم على المجهول ليس مفيداً.
تعريف المسند إليه بإيراده اسماً موصولاً .
وأما تعريفه بإيراده اسماً موصولاً، فإنه يكون لأغراض منها:
١ - ألا يكون المخاطب عنده علم بالأحوال المختصة به سوى الصلة ، وذلك كقولك: الذي كان معنا أمس رجل عالم، وذلك إذا لم يكن لمخاطبك عهد به قبل لقائه.
٢ - استهجان التصريح باسم المسند إليه ، وذلك كقول الفقهاء: (الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء).
٣ - تقرير الغرض المسوق له الكلام ، وذلك كما تقول لصديق لك: (خانك الذي ائتمنه على أسرارك).
وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو بيان مدى خيانة هذا الإنسان، فإذا كان قد اؤتمن على الأسرار ووضعت فيه الثقة في عدم إذاعتها ثم أفضى بها كان بذلك قد وصل إلى منتهى الخيانة.
ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو: تقرير نزاهة يوسف ﵇، والتعبير بالموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته امرأة العزيز أو زليخا، لأنه كان في بيتها وقد اتته فرصة التمكين من نيل ما طلبت منه، ولكنه - مع ذلك- عف وامتنع، فكان ذلك غاية في نزاهته ﵇.
стр. 114
ومما نلحظه من نكتة التعبير بالموصول هنا أنه لو قال: وراودته امرأة العزيز، لما كان هذا نصاً في المرأة التي راودته، لجواز أن يكون للعزيز نساء أخريات، ولو قال: وراودته زليخا، لاحتمل الكلام مسمى آخر بهذا الاسم؛ غير امرأة العزيز.
٤ - وقد يكون تعريف المسند إليه بالموصول سبيلاً إلى ذكر معان ذات أهمية في سياق الكلام ، وذلك كما في قول كعب بن زهير لما جاء عائذاً برسول الله ﷺ :
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والوعد عند رسول الله مأمول
فقد أتيت رسول الله معتذراً ... والعذر عند رسول الله مقبول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل
والشاهد في قوله: (هداك الذي أعطاك) فلم يقل: هداك ربك، أو: هداك الله؛ بل يكون في الصلة ما يناسب حاله، وقد عبر بالصلة عن عطاء الله لنبيه محمد ﷺ وفي هذا تنويه بمكانته عند الله، واعتراف صريح بنبوته، وإشارة إلى ما في القرآن الكريم من مواعظ تدعو إلى العفو والصفح وقبول الإسلام ممن جاء عائذاً.
٥ - تفخيم المسند إليه وتهويل أمره ؛ وذلك ما تراه في قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] أي: أنهم قد غمرهم ماء غزير لا يحيط به وصف ولا يدركه وهم.
ومنه قول الشاعر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
يصف الشاعر الخمر فيقول: لقد ذهب بسبب شربها قدر عظيم من عقل شاربها، ولم يبق في الكأس إلا ثمالة تطلب البقية الباقية من عقله.
والشاهد هنا قوله (مضى بها ما مضى) حيث أتى بالمسند إليه اسماً موصولاً لقصد تفخيم ما ذهب عن عقل شارب الخمر وأنه أكبر من أن يوصف.
стр. 115
٦ - وقد يكون في مدلول الصلة ما يشير إلى خطأ وقع من المخاطب أو غيره، فيؤتي بالموصول تنبيهاً له إلى هذا الخطأ ، وذلك مثل قول عبدة بن الطبيب يعظ بنيه لما أسن ورابه بصره:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... شفي غليل صدورهم أن تصرعوا
فقد عبر الشاعر عن المسند إليه بالموصول لتنبيه المخاطبين إلى خطئهم، ولو قال: إن قوم فلان يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا، لما كان فيه تنبيهاً إلى خطأ.
ومما فيه تنبيه المخاطب إلى خطأ غير المخاطب قول عروة بن أدينة متغزلاً:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فقد عبر عن المسند إليه بالموصول تنبيهاً إلى خطأ صاحبته في زعمها أن قلبه قد زهد فيها وتحول عنها إلى غيرها.
٧ - وقد يكون في مدلول الصلة ما يومئ إلى نوع الخبر، فيؤتى بالمسند إليه موصولاً، للإيماء إلى هذا الخبر .
وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف: ١٠٧] فمدلول الصلة وهو (الإيمان والعمل الصالح) يشير إلى أن الخبر من نوع الإثابة وحسن الجزاء.
وكما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فمدلول الصلة وهو (الاستكبار) يشير إلى أن الخبر من نوع العذاب وسوء الجزاء.
أ- وقد يكون الإيماء إلى نوع الخبر وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن الخبر، أو التعريض بتحقيره: فمثال ما فيه تعريض بتعظيم شأن الخبر، قول الفرزدق يفاخر جريراً، ويعرض بتعظيم شأن بيته:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
فقد عبر عن المسند إليه بالموصول؛ لأن فيه قصداً إلى أن الخبر المرتب عليه من نوع البناء الرفيع، ولكن ذلك ليس هو غرض الشاعر، وإنما غرضه أن يتوسل
стр. 116
بهذا الإيماء إلى التعريض بتعظيم شأن بيته وتفخيمه، لأنه من صنع من رفع السماء.
ومما فيه تعريض بالتهوين من شأن الخبر قولك: إن الذي لا يعرف الفقه قد صنف فيه، وإن الذي لا يحسن فرض الشعر قد أنشأ قصيدة:
ب- وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تعظيم غير الخبر ، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] فالصلة وهي تكذيبهم شعيباً قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنه لم يقصد إلى هذا، وإنما قصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شأن شعيب ﵇.
وقد يجعل ذريعة إلى تحقيره، كما في قولك: (إن الذي يتبع الشيطان خاسر) فالصلة - وهي اتباع الشيطان- قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنك لم تقصد إلى هذا، وإنما قصدت تحقير الشيطان نفسه.
جـ- وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تحقيقه ، كما في قول عبدة بن الطبيب - وقد يئس من صاحبته خولة بعد مهاجرتها، وحلولها بالكوفة مجاورة أهل المدائن-:
إن التي ضربت بيتاً مهاجرةً ... بكوفة الجند غالت ودها غول
والشاهد في قوله: "إن التي ضربت بيتاً مهاجرة" ففي هذه الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع زوال المحبة وانقطاع حبل المودة، ولأنها لو كانت باقية على حبه لما هاجرت عنه، ولما بنت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة.
تعريف المسند إليه باسم الإشارة
ذكر البلاغيون لتعريف المسند إليه باسم الإشارة الأغراض التالية:
١ - تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة إليه حساً .
والسر في أن تمييز المسند إليه أكمل تمييز لا يتم إلا باسم الإشارة هو: أنك إذا أشرت إلى شيء فكان هذا الشيء - وإن كان معنى من المعاني- موجود أمامك
стр. 117
فعلاً، ولهذا فإنك تشير إليه؛ إذ لا يشار إلا إلى موجود، وبإشارتك إليه دون غيره، تكون قد ميزته عن غيره مما لو تشير إليه مما هو موجود معه بخلاف العلم - مثلاً - فإنك إذا قلت "محمد" - مثلاً - فإن هذا الاسم - وإن كان قد وضع لذات معينة- فإن ثمة مسميات أخرى بهذا الاسم، فلا يتم تمييز المسند إليه أكمل تمييز.
وقد يقتضي المقام تمييز المسند إليه أكمل تمييز لكي تسند إليه الخبر قوياً متمكناً، وذلك لأن ظهور المسند إليه ووضوحه في ذهن السامع مما يعين على قوة إسناد الخبر إليه، كقول ابن الرومي، يمدح أبا الصقر الشيباني:
هذا أبو الصقر، فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
فقد أراد الشاعر أن يخبر الممدوح بأنه أشهر من نار على علم بتفرده في كل حسن معنوي، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي، حيث الحرية والبعد عن سلطة الحكام، فقال لتمييزه أكمل تمييز لكي يسند إليه الخبر بأنه (أبو الصقر)، أي الذي يعرفه كل الناس لتفرده في محاسنه، وأنه (من نسل شيبان) الذين يسكنون البوادي، ويعشقون الحرية، فكان من قوة الخبر ما قد رأيت.
ومنه قول بعض الشعراء يمدح حاتماً الطائي:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أو ما إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تتحرى! !
يقول الشاعر: إن حاتماً إذا رأى في ظلمات الليل ضيفاً أشار إلى الناقة العظيمة السنام قائلاً لها: هذا القادم إلينا ضيف طارق، لا كنت أن لم تكوني له طعاماً.
فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر متمكناً قوياً، وهو أنه ضيف طارق وجب قراه.
٢ - التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا من المحسوسات التي يشار إليها بالبنان، ومن ذلك قول الفرزدق يمدح علياً بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما نجهله هشام بن عبد الملك قائلاً: من هذا ؟ :
стр. 118
هذا الذي نعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك: من هذا؟ بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
فقد عرض الشاعر بغباوة هشام بن عبد الملك بتكراره المسند إليه معرفاً باسم الإشارة في الأبيات الثلاثة الأولى إذا قال: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) (هذا ابن خير عباد الله كلهم) (هذا التقي النقي الطاهر العلم) (هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله) فكأن هشاماً غبي لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان، ولكنه كرر اسم الإشارة لينبه إلى أن غباوة هشام قد زادت حتى أصبح لا يفهم المحسوسات التي يشار إليها إلا إذا تأكدت بالتكرار.
٣ - تعظيم المسند إليه أو تحقيره:
واسم الإشارة للقريب قد يكون مجالاً للتعظيم، وقد يكون مجالاً للتحقير، وكذلك اسم الإشارة للبعيد. قد يكون مجالاً للتعظيم، وقد يكون هو الآخر مجالاً للتحقير.
فقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] قد قصد فيه تعظيم المسند إليه - وهو القرآن الكريم- بالقرب، تنزيلاً لقربه من النفس منزلة قرب المسافة، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقاً لهذا الغرض.
وقول الله تعالى: حكاية عن امرأة العزيز - رداً على أولئك النسوة اللائي لمتها في يوسف ﵇: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] قد قصد فيه تعظيم يوسف ﵇، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للبعيد، فقال: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ ولم يقل: ﴿فهذا﴾ - مع أنه كان حاضراً معهن في المجلس، رفعاً لمنزلته في الحسن البالغ حد الكمال، وتمهيداً لإبداء العذر في افتتانها به.
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] قد قصد به تحقير المسند إليه - وهو الذي يدع اليتيم- بالبعد تنزيلاً لبعده عن ساحة الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة.
стр. 119
وقول الشاعر - وقدر رأته زوجته يطحن للأضياف- فضربت صدرها وقالت: أهذا زوجي؟ فبلغه ذاك فقال:
تقول - وصكت نحرها بيمينها- ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ !
والشاهد في البيت قوله: أبعلي هذا؟ ! فإن صاحبته قد عبرت عنه باسم الإشارة القريب، إشارة منها إلى دنو منزلته، والتصاقه بالتراب متقاعساً يطحن بالرحى شأن الخدم والعبيد.
٤ - وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف، جدير - من أجل تلك الأوصاف - بما ذكر بعد اسم الإشارة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٢ - ٥]، فالمشار إليه في الآية هم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وبما أنزل على الرسل من قبله، وبالإيقان بالآخرة.
وقد عبر عنهم باسم الإشارة (أولئك) - وإن كان التعبير عنهم بالضمير ممكناً- للتنبيه على أنهم - من أجل تلك الوصاف- جديرون بالهداية في الدنيا، وبالفلاح في الآخرة.
ومن هذا القبيل قول عروة بن الورد:
والله صعلوك صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميداً وإن يستغن يوماً فاحذر
فقد وصف عروة هذا الصعلوك بصفات هي: أنه مشرق الوجه بأعماله المجيدة، وأنه لا يزال يطل على أعدائه ويشرف عليهم، فيظفر منهم بكل ما يريد
стр. 120
على الرغم من صياحهم به وزجرهم له، وأن أعداءه لا يأمنون غزوه مهما بعدوا عنه، بل إنهم لينتظرونه انتظار أهل الغائب له، مع أنه لا محالة راجع إليهم ومصيب أموالهم، ثم أشار بقوله: (فذلك) إلى أنه - من أجل ما ذكره من تلك الأوصاف - جدير- إذا مات - بأن تظل ذكراه خالدة لمحامده ومناقبه، وأن يبقى - إذا عاش- غنياً كريماً، موفور الكرامة، لشجاعته وبسالته.
****
стр. 121
تمرينات
على تعريف المسند إليه بالموصول واسم الإشارة
(١)
١ - يأتي المسند إليه معرفاً باسم الإشارة، لأغراض يقصدها البليغ، اذكر ثلاثة من تلك الأغراض ممثلاً لكل منها.
٢ - ما وجه دلالة اسم الإشارة للبعيد على تعظيم المسند إليه تارة، وعلى تحقيره تارة أخرى؟ مثل لما تقول.
٣ - يأتي المسند إليه معرفاً بإيراده اسماً موصولاً لأغراض بلاغية، اذكر خمسة من هذه الأغراض، ممثلاً لكل منها بما قرأت من مأثور الكلام.
٤ - قد يجعل الإيماء بالموصول إلى نوع الخبر وسيلة إلى أغراض أخرى يقصدها البليغ، وضح غرضين من تلك الأغراض، ممثلاً لها بمثالين مختلفين.
٥ - قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، لماذا أتى باسم الإشارة للبعيد ولم يأت به للقريب؟
٦ - لماذا أوثر اسم الموصول على غيره من المعارف في قول الشاعر:
أعياد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا؟ !
٧ - مثل لما تفتضيه الأغراض التالية:
أ- التعريض بغباوة السامع.
ب- إفادة التفخيم في المسند إليه.
جـ- تحقير المسند إليه بإشارة البعيد تارة، والقريب تارة أخرى.
د- استهجان التصريح بالمسند إليه.
٨ - بين الأغراض التي دعت إلى تعريف المسند إليه فيما يأتي:
стр. 122
أ- هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقى النقي الطاهر العلم
ب- لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
جـ- إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتا دعائمه أعزو أطول
د- إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
هـ- مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
و- إن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول!
****
стр. 123
تقديم المسند إليه
من الأغراض التي ذكرها البلاغيون لتقديم المسند إليه، ما يلي:
١ - أن التقديم هو الأصل ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل ، كقولنا: (محمد خاتم النبيين)، فقد قدم المسند إليه، لأن الأصل فيه هو التقديم؛ لأن هو المحكوم عليه بأنه خاتم النبيين، فينبغي أن يذكر مقدماً.
٢ - أن يكون المقصود هو تمكن الخبر في ذهن السامع ، لأن في المبتدأ تشويقاً إليه، كقول أبي العلاء المعرى:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
أي: إن الذي حير الخلائق هو ذلك الحيوان الآدمي الناشئ من جماد، أي من طين، والشاهد فيه قوله: (والذي حارت البرية فيه)؛ حيث قدم المسند إليه؛ لأن فيه تشويقاً إلى الخبر، بقوله: (حارت البرية فيه) ومثل ذلك الأمر الذي يحير البرية مما يجعل النفس تتشوق إلى معرفته فإذا ما جاء الخبر وهو قوله: (حيوان مستحدث من جماد) عرفته النفس وتمكن منها أفضل تمكن، ومثل هذا قولهم: (الذي يقاوم الأسد في عرينه فلان) وهكذا.
٣ - تعجيل المرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير، لكونه صالحاً للتفاؤل، أو المساءة ، كقولك: (سعد في دارك) و (السفاح في دار صديقك)، فقد قدم المسند إليه في المثالين للمبادرة إلى إدخال السرور على قلب السامع، فيتفاءل بحصول الخبر في المثال الأول، وللمبادرة إلى إدخال الغم على قلبه، فيتطير من الخبر في المثال الثاني.
٤ - إيهام السامع أن المسند إليه لا يغيب عن خاطره لشدة حاجته إليه، أو أنه يستلذه لقربه من قلبه، أو أنه يتبرك به لسمو مقامه .
فالأول مثل قول الغفير: (الدرهم مطلوب) والثاني مثل قولك: (ليلى حضرت) وقول جميل بثينة:
стр. 124
بثينة ما فيها إذا ما تبصرت ... معاب وما فيها إذا نسبت أشب
والثالث مثل قولك: (الله ربنا) و (محمد نبينا).
٥ - إظهار تعظيمه أو تحقيره: وذلك إذا كان اللفظ مشعراً بالتعظيم أو التحقير، إما بنفسه كقولك: (أبو الفضل عندنا) و (أبو الجهل رحل عنا) أو بإضافة كقولك: (ابن الأمير قادم) و (ابن الخادم راحل) أو بوصف كقولك: (رجل فاضل عندنا) وقولك: (رجل جاهل مر بنا).
٦ - إفادة تخصيص المسند إليه بالمسند، أو إفادة تقوى الحكم، وذلك إذا كان المسند فعلاً رافعاً لضمير المسند إليه ، وقد وقع المسند إليه بعد أداة النفي، مثال ذلك أن تقول: (ما محمد قال هذا الشعر) و (ما أنا رأيت هذا الرجل) و (ما طالب أحضر هذا الكتاب) فتقديم المسند إليه في تلك الأمثلة مفيد لتخصيص المسند إليه بالمسند سواء أكان المسند إليه اسماً ظاهراً معرفة، أو ضميراً أو نكرة، لأنه قد وقع بعد أداة نفي.
فقد نفيت قول الشعر عن محمد خاصة وأثبته لغيره، ونفيت عنك خاصة رؤية هذا الرجل وأثبتها لغيرك، ونفيت إحضار هذا الكتاب عن جنس الطلاب وأثبته لغيره.
وقد رأيت من الأمثلة السابقة أن هذا الأسلوب قد أفاد أمرين:
أولهما: انتفاء الحكم عن المسند إليه، والآخر: ثبوت هذا الحكم لغيره، غير أن انتفاء الحكم قد دل عليه منطوق العبارة، أما ثبوتها لغير المسند إليه فقد دل عليه مفهومها.
فهذا الأسلوب لا يكون إلا في شيء ثبت حصوله فعلاً، ويراد نفي حصوله عن المسند إليه خاصة.
ولهذا لا يصح أن يقال: ما أنا رأيت هذا الرجل ولا غيري، لأن منطوق (لا غيري) يتنافى مع مفهوم العبارة، لأن مفهوم (ما أنا رأيت هذا الرجل) ثبوت هذه الرؤية للغير، ومعنى (لا غيري) نفيها عنه وهما متناقضان.
فإذا لم يقع المسند إليه بعد أداة نفي بأن لم يكن في الكلام نفي أصلاً كما في قولك: (محمد سعى في حاجتك) و (أنا كتبت في شأنك) أو كان في الكلام نفى، ولكنه تأخر عن المسند إليه كما في قولك: (محمد ما سعى في حاجتك) و (وأنا ما
стр. 125
كتبت في شأنك) فإن كان المسند إليه معرفة، اسماً ظاهراً أو ضميراً - كما مثلنا- جار أن يراد من التركيب التخصيص، وأن يراد منه تقوى الحكم حسبما يتطلبه المقام، فإن كان المتكلم في مقام الرد على منازع في الحكم، كان الكلام مفيداً للتخصيص، وإن كان القصد إلى مجرد الحكم على المسند إليه دون نظر إلى التعرض للرد على منازع، كان الكلام مفيداً لتقوى الحكم في ذهن السامع.
وإن كان المسند إليه نكرة - كما إذا قلت: (رجل أعد هذه المائدة) أفاد التركيب تخصيص الجنس أو الوحدة، ويكون المعنى: رجل لا امرأة، أو: رجل لا رجلان.
وهذا هو رأى الإمام عبد القاهر الجرجاني، وهو المعول عليه عند البلاغيين، ويتلخص هذا الرأي فيما يلي:
إن كانت أداة النفي سابقة على المسند إليه - سواء أكان معرفة أو نكرة- أفاد الكلام التخصيص قطعاً، وإن لم تسبقه أداة نفي، بأن لم توجد في الكلام أصلاً، أو كانت متأخرة عنه، وكان المسند إليه معرفة "ظاهراً أو ضميراً"، احتمل الكلام التخصيص والتقوى حسبما يقتضيه المقام، وإن كان نكرة أفاد التخصيص قطعاً وسواء وقعت بعد نفي أو لا.
والسر في إفادة التقرير تقوى الحكم في مثل قولك: (محمد يعطى الجزيل) هو: تكرر الإسناد، وذلك لأن المبتدأ - كما هو معلوم- يطلب الخبر، فإذا جاء الفعل بعد صرفه إلى نفسه، ثبت له، فإذا كان الفعل متضمناً لضميره صرفه ذلك الضمير إليه، فثبت له مرة أخرى؛ وبذلك يتكرر الإسناد، فيكتسي الحكم قوة.
فقولك: (محمد يعطى الجزيل) قد أفاد تقوى الحكم، لأن الفعل فيه وهو: (يعطى) قد أسند مرتين: مرة إلى (محمد) ومرة إلى ضميره المستتر في الفعل فهو بمثابة قولك: (يعطى محمد الجزيل، يعطى محمد الجزيل) ويتكرر الإسناد بتقوى الحكم فيثبت في ذهن السامع.
ومثل هذا التقوى يجري في حالة النفي - أيضاً - فقولك: (محمد لا يعطي الجزيل) قد أفاد قوة الحكم وهو نفي إعطاء الجزيل، لتكرر الإسناد، فقولك: (أنت لا تكذب) أقوى في نفي الكذب من قولك: (لا تكذب أنت) لتكرر الإسناد.
стр. 126
٧ - إفادة عموم السلب، وذلك إذا كان المسند إليه من أدوات العموم مثل: "كل، وجميع، ولم تقع في حيز النفي، كأن تتقدم على النفي لفظاً ورتبة، كقولك: كل بائع لم يغش" فقد تقدمت (كل) على أداة النفي لفظاً ورتبة، أما في اللفظ فواضح، وأما في الرتبة، فلأنها مبتدأ، ورتبة المبدأ التقدم على الخبر، فقد أفاد هذا التركيب عموم السلب؛ فالغش في المثال منفي عن جميع البائعين بلا استثناء.
والسر في إفادة مثل هذا التركيب عموم السلب: أنك إذا بدأت بأداة العموم كنت قد بنيت النفي عليها، وسلطت الكلية عليه وأعملتها فيه، وذلك يقتضي شمول النفي.
أما إذا وقعت أداة العموم في حيز النفي، بأن وقعت بعده لفظاً ورتبة، أو رتبة فقط، لم يكن النفي عاماً، بل أفاد الكلام ثبوت الحكم لبعض الأفراد دون بعض.
أما وقوع أداة العموم في حيز النفي لفظاً ورتبة، فمثاله قول أبي العتاهية:
ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد ... إذا بدا لك رأي مشكل فقف
وقولك: ما حضر الطلاب كلهم، وما حضر كل الطلاب، ولم أكتب البيانات كلها، ولم أكتب كل البيانات، فقد وقعت أداة العموم بعد النفي لفظاً ورتبة في كل تلك الأمثلة. وأما وقوع أداة العموم في حيز النفي في الرتبة فقط، فمثاله قولك: كل البيانات لم أكتب، والبيانات كلها لم أكتب بنصب (كل) فيهما.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فإفادة الآيتين لعموم السلب ونفى الحكم من كل فرد إنما جاء من قرينة خارجية، هي تحريم الاختيال والكفر، وإلا فإن التركيب في أصل وضعه لا يفيد العموم.
٨ - ("مثل" و"غير") إذا استعلمنا على طريق الكناية في نحو قولهم: (مثلك يرعى الود) و (غيرك لا يفي)؛ على معنى: أنت ترعى الود، وأنت تفي، من غير أن يقصدوا إلى التعريض بأحد، أي لا يريدون "بمثل" أو "غير" غير ما أضيفتا إليه، لأنهم يقصدون إثبات رعاية الود للمخاطب في الأول، وإثبات الوفاء له في الثاني من طريق الكناية، لأنه أبلغ.
стр. 127
وتوضيح ذلك فيما يلي:
أ- إذا قلت: (مثلك يرعى الود) كنت قد أثبت رعاية الود لكل من هو مثل المخاطب في صفاته والمخاطب متصف بها، فهو فرد من هذا العام، فلزم ثبوت رعاية الود له؛ لأن الحكم على العام ينسحب على كل فرد من أفراده، فقد أطلق الملزوم - وهو إثبات رعاية الود للمماثل-، وأريد اللازم وهو إثباتها للمخاطب.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي يعزي عضد الدولة:
مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع من غربه
أي: إنه قدير على دفع الحزن، ورد الدمع إلى مجراه.
ب- وإذا قلت: (غيرك لا يفي) كنت قد نفيت الوفاء عن كل من عدا المخاطب، فلزم قيامها بالمخاطب ضرورة وجودها إما في المخاطب وإما في غيره، فإذا انتفت عن غيره فقد ثبتت له، فقد أطلق الملزوم وهو نفي الوفاء عن كل من عدا المخاطب وأريد اللازم - وهو إثباته للمخاطب.
ومثله قول أبي تمام:
وغيري يأكل المعروف سحتاً ... وتشجب عنده بيض الأيادي
أي: إنه لا يجحد الصنيعة، ولا ينكر المعروف.
والسر في أن الأسلوب الكنائي أبلغ هو الكناية كدعوى الشيء ببينة، فقولك: (مثلك يرعى الود) معناه: أنت ترعى الود، لأن من كان على صفاتك يرعاه. وقولك: (غيرك لا يفي) معناه: أنت تفي؛ لأن غيرك لا يفي، والدعوى إذا جاءت مشفوعة بالبينة كانت أكد وأقوى من دعوى لا تؤيدها بينة.
ولما كان استعمال (مثل) و (غير) كنايتين مفيداً لإثبات الحكم من طريق أبلغ، وكان تقديمهما مما يعين على هذا الغرض -إذا فيهما تقديم للمسند إليه على الخبر الفعلي- لم يردا في استعمالات العرب إلا مقدمين.
****
стр. 128
تمرينات
على تقديم المسند إليه
١ - اذكر بإيجاز مذهب الإمام عبد القاهر في إفادة تقديم المسند إليه التخصيص، مع التمثيل.
٢ - بين معنى التخصيص في قولك: (ما أنا كتبت هذا المقال) ثم فرق بينه وبين قولك: (أنا ما كتبت هذا المقال).
٣ - بم تعلل فساد قولهم: (ما أنا قلت هذا ولا غيري)؟
٤ - بين السر في أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوى الحكم، وأي القولين أنفى للكذب: قولك: (لا تكذب أنت، أم قولك: أنت لا تكذب) ولماذا؟
٥ - ما السر في أبلغية قولهم: (مثلك لا يبخل) و (غيرك لا يجود)؟
٦ - مثل للأغراض التالية من أغراض تقديم المسند إليه.
أ- تمكن الخبر في ذهن السامع، لأن في المبتدأ تشويقاً إليه.
ب- تعجيل المسرة للتفاؤل، والمساءة للتطير.
جـ- إيهام السامع أن المسند إليه لا يغيب عن خاطره لشدة حاجته إليه.
د- إظهار تعظيم المسند إليه، أو تحقيره.
هـ- إفادة تخصيص المسند إليه بالمسند.
و- إفادة تقوى الحكم.
٧ - ما الفرق بين قولك: (أنت لا تكذب) وقولك: (لا تكذب أنت)؟
٨ - ما المراد بقولهم: (سلب العموم) وقولهم (عموم السلب)؟
ومن أيهما قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]؟ ولماذا؟
٩ - لماذا قدم المسند إليه في كل مما يأتي:
أ- أنا لا أختار تقبيل يدٍ ... ... قطعها أجمل من تلك القبل
ب- أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
стр. 129
خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
في المسند إليه
قد يأتي المسند إليه مخالفاً لمقتضى الظاهر، لنكتة بلاغية يقصدها البليغ، ويتمثل ذلك في موضعين:
الموضع الأول: وضع المضمر موضع المظهر ، وله صورتان:
الصورة الأولى: "نعم" و"بئس " وذلك مثل قولك: "نعم رجلاً خالد"، "بئس صاحباً الكسل" فالمسند إليه ضمير مستتر في (نعم) و (بئس) مع أن شرط الإضمار هو: أن يتقدم للضمير مرجع، ولا مرجع هنا، فظاهر الحال - هنا- يقتضي أن يؤتي بالمسند اسماً ظاهراً، لفقدان شرط الإضمار؛ فيقال: نعم الرجل خالد، وبئس الصاحب الكسل، فالرجل فاعل نعم، والصاحب فاعل بئس، وكلاهما اسم ظاهر، ولكن خولف فيهما مقتضى الظاهر، موضع المظهر، لنكتة بلاغية هي الإيضاح بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال، وهو الأنسب بمقام المدح والذم.
والصورة الأخرى: هي صورة ضمير الشأن ، وذلك في قول الشاعر:
هي الحياة كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
فالمسند إليه ضمير الغائبة، والشرط في الإضمار، أن يتقدم المرجع ولا مرجع هنا، فكان مقتضى الظاهر أن يؤتي بالمسند إليه اسماً ظاهراً، لفقدان شرط الإضمار. فيقال: الشأن، أو القصة .. الخ، ولكن خولف مقتضى الظاهر، فوضع المضمر موضع المظهر للنكتة البلاغية التي عرفتها، وهي: الإيضاح بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال.
والموضع الثاني: هو وضع المظهر موضع المضمر:
وهذا المظهر الذي يوضع موضع المضمر: إما أن يكون اسم إشارة، وإما أن يكون غيره كأن يكون علماً، أو معرفاً بأل، أو بالإضافة، أو نحو ذلك.
стр. 130
فإن كان هذا المظهر اسم إشارة، فلأغراض بلاغية، أهمها:
١ - كمال العناية بتمييز المسند إليه، ليبدو في معرض المحسوس المشار إليه لاختصاصه بأمر عجيب ، ومن ذلك قول ابن الراوندي:
كم عاقل أعبت مذاهبه ... وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرةً ... وصير العالم التحرير زنديقا!
والشاهد في البيتين قوله: (هذا الذي) فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة، وكان ظاهر الحال يقتضي أن يعبر عنه بالضمير، فيقال: هما، وذلك لتقدم مرجعه، وهو ما أفاده البيت الأول من حرمان العاقل، وإعطاء الجاهل، ولكنه عدل عن الضمير إلى اسم الإشارة - كما رأيت- لكمال العناية بتمييزه، لاختصاصه بحكم بديع، وذلك لأن هذا الأمر لما كان قد خرج عن المألوف المتعارف اختص بحكم بديع، وهو ترك العقول حائر وجعل العالم الذكي مزعزع الإيمان ملحداً، ولهذا كان جديراً بأن يميز أكمل تمييز ليشار إليه ويسند إليه هذا الحكم.
٢ - التهكم بالسامع، وذلك كأن يسأل بصيراً عن شيء، فيجيبه آخر مشيراً إلى غير شيء تهكماً به .
٣ - التنبيه على كمال بلادة السامع؛ وأنه لا يدرك غير المحس بحاسة البصر، أو على كمال فطانته؛ وأن غير المحس عنده بمثابة المحس .
فمثال الأول قولك لمن يسألك عما بيدك - وبيدك مصحف-: هذا مصحف شريف، وكان الظاهر أن تقول: هو مصحف؛ ولكنك قلت: هذا مصحف لتنبيه على كمال بلادته.
ومثال الثاني: قول الأستاذ لطلابه بعد أن يشرح مسألة: هذه مسألة واضحة. وكان مقتضى الظاهر أن يقول: هي مسألة، ولكنه عبر باسم الإشارة تنبيهاً على كمال فطنة الطلاب وأن المعقول عندهم كالمحس بحاسة البصر.
стр. 131
٤ - ادعاء كمال ظهور المسند إليه حتى كأن المعقول - في رأي المتكلم- مما يحس بحاسة البصر كأن تحاور إنساناً في مسألة ينكرها: هذه مسألة ظاهرة، وكان مقتضى الظاهر أن تقول: وهي مسألة ظاهرة، لكنك عبرت باسم الإشارة ادعاءً لكمال ظهور المسند إليه عندك حتى كأنه مما يحس بحاسة البصر.
وإن كان المسند إليه غير اسم الإشارة، فلأغراض بلاغية منها:
أ- أن يقصد تمكين المسند إليه في ذهن السامع ، لأن المقام يقتضي اعتناء بشأنه: ومن الاعتناء بشأنه أنه لا ينوب عنه ضمير، لأن الضمير - وإن جاز أن ينوب عنه- لا يغني غناء الاسم الظاهر، لما يتضمنه الاسم من معنى له وقع عند المتلقي أو المتذوق في رأي الشاعر أو الأديب، ففي إظهار الاسم مكان إضماره بيان لعظم أمر ما، شرفاً أو خسة، جودة أو رداءة.
والشاهد على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]؛ لم يقل: "هو الصمد" - وإن كان ظاهر الحال يقتضي الإضمار، لتقدم المرجع- ولكنه قال: "الله الصمد" فوضع المظهر موضع المضمر، لأن المقام يقتضي الاعتناء بتمكين لفظ الجلالة من النفوس، وعلى هذا الأسلوب جرئ القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، حيث تريد تربية المهابة في نفوس المؤمنين.
وأما ما جاء منه للذم فنحو قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] ولم يقل (عدو لهم).
وقد سبق ذكرهم في "من" المبهم، واسم كان المضمر فيها ذماً لهم بالكفر، تبييناً أن عدو الله وملائكته ورسله لا يكون إلا كافراً.
ومن الإظهار في مقام الإضمار قول الفندي الزماني - في حرب البسوس- وكان بنو بكر بن وائل قد يعثوا إلى بني حنيفة يستصرخونهم، فأمدوهم به وبقومه:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجعـ ... ـن قوماً كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... وأمسى وهو عريان
стр. 132
ولم يبق سوى العـ ... ـدوان دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان
والشاهد في الأبيات قوله: (والليث غضبان)، فقد أتى بالمسند إليه اسماً ظاهراً - وهو الليث- وكان ظاهر المقام يقتضي أن يأتي به ضميراً، فيقول: (وهو غضبان) لتقدم مرجع الضمير -ولكنه عدل عن الإضمار إلى الإظهار، ليتمكن الاسم في ذهن السامع لأن المقام - وهو الحرب- يقتضي الاعتناء به، لأن في لفظ المسند إليه - وهو الليث- ما يشعر بالتفخيم والتهويل.
ب- أن يقصد الاستعطاف ، كما في قول الشاعر:
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقراً بالذنوب وقد دعاكا
كان ظاهر المقام يقتضي أن يقول: (أنا العاصي) ولكنه عبر بالاسم الظاهر وهو (عبدك) قصداً إلى الاستعطاف والتذلل، لما في هذا اللفظ من معنى التذلل والاسترحام اللذين يقتضيان الشفقة والرحمة.
****
стр. 133
الالتفات
هو من أساليب العربية التي ورد بها القرآن الكريم، وكثر على ألسنة الشعراء .
وهو من قولهم: لفت وجهه عنه إذا صرفه، والتفت التفاتاً، إذا حول وجهه يميناً أو شمالاً.
وهو في اصطلاح البلاغيين: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة - التكلم، والخطاب، والغيبة- بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
الصورة الأولى: الالتفات من التكلم إلى الخطاب: وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم فقال: "ومالي لا أعبد الذي فطرني" ثم التفت فعبر عنه بطريق الخطاب، فقال: "وإليه ترجعون" وكان مقتضى الظاهر أن يقول: "وإليه أرجع" وذلك لما في الالتفات من فائدة تحذيرهم من أنهم راجعون إلى الله تعالى، فكأنه قال: كيف لا تخافون من ترجعون إليه فيحاسبكم على ما قدمتم؟
الصورة الثانية: الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم: فقال: "يا عبادي" ثم التفت فعبر عن بطريق الغيبة فقال: "من رحمة الله" لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: "من رحمتي" وذلك لما في الالتفات من فائدة اقتضاها المقام، وذلك أنه أجرى الحديث أولاً على طريق التكلم، لأن الله تعالى أراد أن يغمر عباده الذين أسرفوا على أنفسهم في العاصي ثم ندموا على ما قدمت أيديهم، بعطفه، وأن يسبل عليهم رداء الأمان فأضافهم إليه تعالى ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: "لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً" تعظيماً لاسمه سبحانه، وإشعاراً للمخاطبين بما يحمله هذا الاسم من عظمة، فيطمئنوا إلى رحمته، لأن أخص صفات الله تعالى هي الرحمة.
стр. 134
الصورة الثالثة: الالتفات من الخطاب إلى التكلم: ويمثلون لها بقول علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس:
طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلي وقد شط وليها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب
فقد التفت الشاعر من الخطاب في (طحا بك) إلى التكلم في (يكلفني).
والسر في هذا الالتفات: أن الشاعر بعد أن جرد من نفسه شخصاً يخاطبه ويحدثه عما فعل به القلب بشغفه بالحسان بعد انصرام الشباب واقتراب المشيب، أحس بما ينوه به من تكليف القلب له وصل ليلى في وقت عز فيه وصالها، وحالت نوازل الأيام دونه فالتفت إلى نفسه، فأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه فيما ينوه به.
الصورة الرابعة: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وذلك لأن المخاطبين هم الذين إذا أنجاهم الله من الغرق يبغون في الأرض بغير الحق، فناسب أن ينقل الحديث إلى الغيبة إعراضاً عنهم وتشهيراً بهم، ودعوة لغيرهم أن يأخذوا من قصتهم عظة وعبرة، لأنهم لما كانوا في الفلك، كانوا في مقام الشهور والوجود فناسب المقام خطابهم، فلما جرت بهم الريح، وذهبوا بعيداً عن مقام الخطاب ناسب حالهم طريق الغيبة.
الصورة الخامس: الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]، التفت من الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ إلى التكلم في قوله: "فسقناه" وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه، وذلك لأن سوق السحاب إلى بلد مست فيحيا، أمر لا يقدر عليه غير مقسم الأرزاق ؛ لأن ذلك نوع من قسمة الأرزاق، حيث يسوقها - سبحانه- إلى من يشاء من عباده، فناسب أن يسند السوق إلى ذاته العلية.
стр. 135
فالالتفات هنا: تنبيه إلى أن قسمة الأرزاق أمر تكفل به - سبحانه- ولم يتركه لأحد من خلقه.
الصورة السادسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب: ويمثلون لها بقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦]. فقد التفت - في الآية الكريمة- من الغيبة، في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وذلك لأنه بدأ الحديث عن الله تعالى معظماً لشأنه، معدداً لصفات عظمته التي توجب العبادة له وحده، فلما حان وقت عبادته خاطبه خطاب الحاضر الذي لا يغيب عنه طرفة عين.
وجه حسن الالتفات:
رأيت من الآيات السابقة أن مزايا الالتفات لا حصر لها، لأن لكل التفات مزية خاصة يقتضيها المقام.
وقد ذكر الإمام الزمخشري - في الكشاف- من مزايا الالتفات: أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد.
ولكن ابن الأثير لم يرتض هذا القول ورفض أن تكون مزية الالتفات قد اقتصرت على هذا المعنى، وأنه لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد ولا تضبط بضابط.
والحق أن الالتفات - وإن كانت له فوائد جليلة يقتضيها المقام- إلا أنه - أيضاً - يثير انتباه السامع ويجدد نشاطه للإصغاء إلى تلك الفوائد، فيتقبلها في شوق المنتظر ولهفة المتطلع، فتستقر في قلبه، وتتمكن منه أفضل تمكن.
****
стр. 136
تمرينات على خروج الكلام عن مقتضى الظاهر
(١)
١ - بين الغرض من خروج الكلام عن مقتضى الظاهر في كل مما يأتي:
أ- هي الآمال نبنيها قصوراً ... على عمدٍ للكلام فهل تقام؟ !
ب- قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].
جـ- قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
د- إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب
٢ - اذكر غرضين من الأغراض المقتضية للتعبير باسم الإشارة في موضع الضمير؛ مع التمثيل لكل منها؟
٣ - ما الغرض الذي يوجب الإتيان بالاسم الظاهر، في قول الأب لابنه: (والدك يدعوك للحضور)، مع أن المقام يتطلب ضمير المتكلم؟
٤ - عرف الالتفات، واذكر ثلاث صور منه، ومثل لكل منها؛ مع ذكر الغرض من الالتفات فيها.
(٢)
مثل لما يأتي:
أ- ضمير وضع موضع المظهر ليتمكن ما يعقبه في ذهن السامع.
ب- اسم إشارة وضع موضع الضمير للتهكم بالسامع.
جـ- اسم مظهر غير اسم إشارة وضع موضع الضمير قصداً إلى الاستعطاف.
د- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
هـ- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
و- الالتفات من التكلم إلى الخطاب.
ي- الالتفات من التكلم إلى الغيبة.
стр. 137
أحوال المسند
هي الأمور التي تعرض له من الحذف والذكر، والتعريف والتنكير، والتقديم والتأخير؛ لأغراض بلاغية بها يكون مطابقاً لمقتضى الحال.
١ - ترك المسند:
عبر البلاغيون عن حذف المسند إليه (بالحذف) وعن حذف المسند (بالترك) لنكتة لطيفة؛ وهي: أن المسند إليه أقوم ركن في الكلام وأعظمه، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسند، فحيث لم يذكر لفظاً، فكأنه أتى به - لفرط الاحتياج إليه- ثم سقط لغرض بلاغي؛ بخلاف المسند؛ فإنه ليس بهذه في الاحتياج، فيجوز أن يترك ولا يؤتى به لغرض.
ومن الأغراض البلاغية التي توجب حذف المسند ما يلي:
أ- ضيق المقام بسبب حزن أو ضجر:
ومن ذلك قول ضابئ بن الحارث البرجمي وهو في سجن عثمان ﵁:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
فلا تجز عن قيار من حبس ليلة ... قضية ما يقضي لنا فنئوب
وما عاجلات الطير تدنى من الفتى ... رشاداً ولا عن ريثهن يخيب
ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
فلا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقاً ولا أخّاً ... إذا لم تعد الشيء وهو يريب
فالشاعر يشكو ما يعانيه هو وجمله (قيار) من ألم الغربة بالمدينة، فقد حز في نفسه وآلمه أن يرى نفسه غريب الدار، بعيد المزار، نائياً عن الأهل والوطن في
стр. 138
الوقت الذي يرى فيه غيره - من أهل المدينة- ينعم باجتماع شمله بأهله ووطنه، ولهذا فإنه يستشعر الصبر ويأخذ قياراً به - أيضاً -، لأن ما يلقاه الأحياء إنما هو قضاء الله وقدره، والناس يفزعون من النوائب قبل حلولها، وإذا وطنوا أنفسهم عليها لم يجدوا لها ذلك الخوف والفزع، ولا خير في الظن وإنما هو اليقين والجزم وغفران زلة الصديق مما يستبقه ويحفظه.
والشاهد في الأبيات قوله: (فإني وقيار بها لغريب) فلفظ البيت خير ولكن معناه التحسر على الغربة والتوجع من الكربة، وقد حذف فيه المسند إلى (قيار) وكان أصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف في الجملة الثانية، لأن ذكره في العبارة - بعد دلالة القرينة عليه- عبث واضح، ولأن نفسه تؤثر الإيجاز، لما هي فيه من ضيق وحزن وضجر.
ب- إتباع الاستعمال الوارد: ومنه قول الأعشى:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
أي: إنا لنا في الدنيا حلولاً، وإن لنا عنها إلى الآخرة راتحالا (والسفر: الرفاق) قد توغلوا في المضي لا رجوع لهم، ونحن على إثرهم عن قريب.
والشاهد في البيت الأول هو: حذف المسند الذي هو خبر (إن) إتباعاً للاستعمال الوارد وهو: حذف الخبر عند تكرار (إن) وتعدد اسمها.
ومن حذف المسند لإتباع الاستعمال الوارد قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] فقد حذف هنا المسند إلى ضمير المخاطبين، وذلك لأن (أنتم) فاعل لفعل محذوف دل عليه المذكور، لأن (لو) لا تدخل على الأفعال، وتقديره: (لو تملكون تملكون) مكرراً للتأكيد ولكن حذف الفعل الأول المسند إلى ضمير المخاطبين، لدلالة الفعل الثاني عليه فانفصل الضمير.
ومنه قول حاتم الطائي: (لو ذات سوار لطمتني) فقد روى الأصمعي أن حاتماً مر ببلاد عنزة فناداه أسير لهم أن يطلقه، ولم يكن مع حاتم شيء يساومهم به، فقال: أطلقوه واجعلوا يدي في القيد مكانه، ففعلوا، ثم جاءته امرأته أمة ببعير ليقصده: فقام فنحره، فلطمته، فقال لها ذلك.
стр. 139
والمعنى: لو أن التي لطمتني إحدى الحرائر لآخذتها، والأصل: لو لطمتني ذات سواء لطمتني، فحذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه إتباعاً للاستعمال الوارد.
جـ- تكثير الفائدة ، وذلك فيما يحتمل فيه حذف المسند أو المسند إليه، بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين.
ومما هو محتمل لحذف المسند أو المسند إليه قول الله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: ١٨] وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣].
فالآية الأولى: يمكن أن تكون من حذف المسند، فيكون التقدير: فصبر جميل أجمل، وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير، فأمري صبر جميل.
والآية الثانية: يمكن أن تكون من حذف المسند، فيكون التقدير: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير: هذه سورة أنزلناها.
والآية الثالثة: يمكن أن تكون من حذف المسند، فيكون التقدير: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الإيمان الكاذبة، وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير: الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة، لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو: طاعة معروفة بأنها بالقول دون العمل.
د- وقوع المسند في جواب سؤال محقق، أو مقد ر:
فمن الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] فقوله: (الله) جواب سؤال محقق - أي مذكور- في الكلام هو قوله "من خلق السماوات والأرض؟ ". وقد حذف المسند في الجواب، والأصل: خلقهن الله.
ومن الثاني: قوله تعالى في قراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] ببناء (يسبح) للمجهول، فكأنه بعد أن قال: يسبح له فيها بالغدو والآصال، قيل: من يسبحه؟ فقال: رجال.
стр. 140
ومنه قول الحارث بن ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد:
لبيك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
والمختبط: من جاء يطلب المعروف من غير آصرة، والطوائح: الشدائد.
يقول: إن أخاه كان عوناً للضعفاء والمظلومين، ومقصداً لآمال المحتاجين والمكروبين، فليبكه هؤلاء جميعاً، وحق لهم أن يبكوا، فقد ذهب بذهابه صفات الكرم، ومات بموته محامد الشيم.
والشاهد هنا: (ضارع لخصومة) حيث حذف المسند إلى (ضارع) والتقدير: يبكيه ضارع، لأنه واقع في جواب سؤال مقدر، تقديره: "من يبكيه؟ ".
وذلك لأنه لما قال: (لبيك يزيد) ببناء الفعل للمجهول وقع فيه إبهام، فكان سائلاً سأل: من يبكيه؟ فقال: صارع لخصومة، أي: يبكيه ضارع لخصومة، ومختبط مما تطيح الطوائح.
وهذا البيت - وإن كان قريب المعنى من قول لبيد في رثاء النعمان ابن المنذر:
ليبك على النعمان شرب وقينة ... ومختبطات كالسعالى أرامل
إلا أن بيت الحارث بن ضرار بن نهشل قد بنى فيه (ليبك) للمجهول، فأسند الفعل إلى نائب الفاعل وهو: (يزيد) بينما بيت لبيد قد بنى فيه (ليبك) للمعلوم وأسند الفعل إلى فاعله، ولهذا فإن بيت الحارث فيه حذف للمسند، بينما بيت لبيد ليس فيه حذف للمسند.
وكان لصنيع الحارث بن ضرار من مزايا النظم البلاغي ما رآه البلاغيون مجملاً فيما يلي:
أولاً: تكرار الإسناد، وذلك لأن إسناد الفعل المبني للمجهول إلى نائب الفاعل يوحى بأنه له فاعلاً ينبغي أن يسند إليه، وهذا هو الإسناد الأول.
ولما كان ضارع فاعلاً لفعل مقدر تقديره: "بيكيه ضارع" فقد جاء الإسناد الثاني.
стр. 141
ولا ريب أن التركيب الذي اشتمل على إسنادين أقوى وأكد مما اشتمل على إسناد واحد.
ثانياً: التفصيل بعد الإجمال، وذلك لأنه لما قال: (لبيك يزيد) فأسند الفعل إلى نائب الفاعل، وقد أبهم الفاعل، ولكنه لما قال: (ضارع) وكان التقدير: (يبكيه ضارع) قد نص على ذلك الفاعل، ولهذا يكون الشاعر قد أجمل ذكر الفاعل أولاً، ثم فصله ثانياً.
ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس، لما هو مركوز في الطباع، من أن إبهام الشيء أو إجماله مما يشوق إلى إيضاحه وتفصيله.
ثالثاً: أن نائب الفاعل هنا - وهو: (يزيد) هو المقصود من المرئية، لأنها إنما قيلت من أجله لتعداد مناقبه وبيان مآثره، فناسب أن يطوي ذكر الباكي ويذكر المبكي عليه وهو: (يزيد) ويصير عمدة في الكلام، ولو لم يسلك به الشاعر هذا الصنيع لصار (يزيد) فضلة لا عمدة في الكلام، ولأصبح الاهتمام موجهاً إلى الباكي لا إلى المبكي عليه، وذلك مما لا يناسب مقام الرثاء، ولا يتفق وغرض الشاعر.
رابعاً: أن الشاعر لما قال: ليبك يزيد، فأسند الفعل إلى نائب الفاعل كان الكلام بذلك قد تم وليس محتاجاً إلى فاعل ليتم به، ولكنه لما ذكر الفاعل بعد ذلك فقال: (ضارع) كان مجيئه كالغنيمة غير المتوقعة، وذلك أشهى عند النفس، وأحلى عندها موقعاً.
ولكنه لو بنى الفعل للفاعل، فقال: (ليبك يزيد) بنصب "يزيد" لأصبح الفاعل مترقباً ذكره، لأنه لابد للفعل من فاعل، فلا يكون موقعه في النفس - عند مجيئه- ذلك الموقع الذي أسلفنا.
٢ - ذكر المسند:
ذكر البلاغيون أن المسند يذكر لنفس الأغراض التي اقتضت ذكر المسند إليه ومنها:
стр. 142
١ - كونه هو الأصل ، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، كقولك ابتداء: أكثم بن صيفي خطيب العرب في الجاهلية.
٢ - الاحتياط لضعف التعويل على القرينة . كقولك - في جواب من قال: من أكرم العرب في الجاهلية وأشجعهم؟ -: عنترة أشجعهم، وحاتم أجودهم، لأنك لو قلت: عنترة وحاتم، وحذفت المسند إلى كل منهما لاحتمل أن تكون قد أردت: عنترة أكرمهم، وحاتم أشجعهم، فذكرت المسند إلى كل منهما حتى يتعين للمخاطب.
٣ - التعريض بغباوة السامع: كقولك: (محمد نبينا) في جواب من سأل: من نبيكم؟ تعريضاً بغباوة من سأل هذا السؤال، وأنه لو كان له تمييز لم يسأل عن نبي هو أظهر من أن يتوهم خفاؤه، فيجاب بذكر أجزاء الجملة إعلاماً بأن مثل هذا لا يكفي معه إلا التنصيص لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
٤ - زيادة تقرير المسند في نفس السامع وتثبيته في ذهنه ، لأنه مما يتعلق به الغرض، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، فلو حذف المسند لدل السؤال عليه، ولكنه ذكر المسند وهو: (خلق) لزيادة تقرير خلق السماوات والأرض.
٥ - تعيين أنه فعل فيفيد التجدد والحدوث، أو أنه اسم فاعل فيفيد الثبوت والدوام فمثال الأول قولك: محمد يبيع، فتجعل المسند فعلاً ليفيد تجدد البيع وحدوثه لمحمد.
ومثال الثاني أن تقول: محمد بائع، فتجعل المسند اسماً ليفيد ثبوت البيع له ودوامه أي أن البيع صفة ثابتة ولازمة له.
٣ - تعريف المسند:
والأصل في تعريف المسند هو: إفادة السامع حكماً على أمر معلوم له بإحدى طرق التعريف بأمر معلوم له كذلك، فإذا كان المخاطب يعرف عليا - مثلاً - ويعرف أن بالقرية شاعراً معروفاً، ولكن لا يدري أن علياً هو ذلك الشاعر فتقول له: على الشاعر، أي: على الشاعر المعروف.
стр. 143
إذا كان المخاطب يعرف أن هناك شاعراً معروفاً، ثم عرف شخصاً معيناً يسمى علياً، ولكن لا يدري أن ذلك الشاعر هذا الشخص، فتقول له حينئذ: الشاعر عليّ، أي الشاعر المعروف هو عليّ.
وعن هذا الأصل فرع البلاغيون لتعريف المسند الأغراض التالية:
أ- قصر المسند على المسند إليه حقيقة أو ادعاء:
فمثال قصر المسند على المسند إليه حقيقة قولك: على الشاعر، إذا لم يكن ثمة شاعر سواه.
ومثال قصر المسند على المسند إليه ادعاء لقصد المبالغة قولك: زيد الكريم، وعمرو العالم، فتفيد قصر جنس الكرم زيد، وقصر جنس العلم على عمرو، وأنت لا تقصد القصر الحقيقي، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالكرم ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين على زيد بالكرم ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين على زيد وعمرو قصداً للمبالغة وأنك لم تعتد بهاتين الصفتين في غيرهما.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة الحمداني:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمراً ... وغنى به من لا يغني مغردا
أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى!
والشاهد في الأبيات قوله: (أنا الصائح المحكي) حيث قصر المسند المعروف "بأل" على المسند إليه، لقصد المبالغة.
ب- تقرير المسند للمسند إليه، وأن ثبوته له أمر ظاهر ومعروف لا يشك فيه أحد ، وذلك كما في قول الخنساء ترثى أخاها صخراً"
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
فالخنساء لم ترد أن تقصر صفة الحسن على بكاء أخيها، ولكنها أرادت أن تقرر للبكاء عليه جنس الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
стр. 144
ومنه قول حسان بن ثابت ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزومٍ ووالدك العبد
فقد أراد أن يقرر العبودية لوالد المهجو، وأن يبين أن ذلك الأمر ظاهر معروف لا ينكره أحد، ولو قال: ووالدك عبد، بتنكير المسند لما أفاد إلا إثبات العبودية له.
جـ- الإشارة إلى بلوغ المسند إليه - في الصفة- حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن ، وذلك ما تجده في قولهم: (هو البطل الحامي) أي: هو البطل الذي بلغ في صفة البطولة حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن.
ومثله قول ابن الرومي:
هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد
أي إذا تصورت في ذهنك رجلاً يشرك في معظم أمواله عفاته وجيرانه ومعارفه، فإنه هو ذلك الرجل.
ويغلب أن يأتي هذا النوع باسم الموصول (الذي) حيث تقدر في ذهنك شيئاً، ثم تعبر عند بالذي، كما في قول الشاعر:
أخوك الذب إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
فقد قدرت في ذهنك وتصورت أخاً، إن دعوته أجابك وإن غضبت واضطررت إلى حمل السيف غضب وحمل السيف من أجلك، ثم عبرت عنه بالذي.
٤ - تنكير المسند:
ينكر المسند للأغراض التالية:
أ- قصد الإخبار بثبوت المسند للمسند إليه من غير إرادة عهد أو تخصيص كما في قولك: علي شاعر، ومحمد خطيب.
ب- تفخيم المسند وتعظيمه، وأنه قد بلغ من خطورة الشأن حداً لا يدرك كنهه أو مداه ، كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، فقد أتى بالمسند نكرة للدلالة
стр. 145
على كمال هداية الكتاب الكريم، وأناه بلغت مبلغاً لا يدرك مداه، ولهذا أكد التفخيم بأن جعل "هدى" مصدراً مخبراً به عن الكتاب، أي أن الكتاب هو الهداية نفسها.
جـ- تحقير المسند ، وذلك كما في قول قيس بن جروة يخاطب عمرو بن هند، وكان قد نقض عهداً بينه وبين طيئ:
غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى - حلبة من دم الفصد
يقول: لقد غدرت بعهد كنت أنت الذي دعا إليه، ؟ ؟ ؟ - لعمري- شيمة الغدر بالعهد من شيمة، فقد يترفع عنها أفقر الناس، وأقلهم شأناً، فكيف يغدر بالعهد ملك عظيم كعمرو بن هند؟ !
والشاهد هنا تنكير (حلبة) التي وقعت خبراً عن (طعامه) لبيان أنه شيء تافه وحقير.
هذا إلى ما تفيده صيغة (فعلة) الدالة على المرة من إفادة معنى القلة.
٥ - تقديم المسند:
من أغراض تقديم المسند ما يلي:
أ- قصر المسند إليه على المسند ، كقولك: (مسلم أنا) فتقديم المسند هنا قد أفاد قصر المتكلم على الإسلام، لا يتعداه إلى النصرانية، فيكون قصراً إضافياً أو لا يتعداه إلى غيره من سائر الصفات فيكون قصراً حقيقياً ادعائياً.
ومنه قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، أي: أن دينكم مقصور عليكم لا يتجاوزكم إلي، وديني مقصور علي، لا يتجاوزني إليكم، فالقصر هنا إضافي في الوضعين.
ومنه قول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلم الذي بشبأته ... يصاب الأمر الكلي والمفاصل
والشاهد في البيت هو أن الشاعر قدم المسند في قوله: (لك القلم) لإفادة معنى القصر، أي: إن القلم الموصوف بتلك الصفات لك لا لغيرك.
следующие страницы →