← Баляга

Баляга · id 151012

البلاغة الصافية في المعاني والبيان والبديع

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (367 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولا ريب أن التركيب الذي اشتمل على إسنادين أقوى وأكد مما اشتمل على إسناد واحد. ثانياً: التفصيل بعد الإجمال، وذلك لأنه لما قال: (لبيك يزيد) فأسند الفعل إلى نائب الفاعل، وقد أبهم الفاعل، ولكنه لما قال: (ضارع) وكان التقدير: (يبكيه ضارع) قد نص على ذلك الفاعل، ولهذا يكون الشاعر قد أجمل ذكر الفاعل أولاً، ثم فصله ثانياً. ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام، أو التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس، لما هو مركوز في الطباع، من أن إبهام الشيء أو إجماله مما يشوق إلى إيضاحه وتفصيله. ثالثاً: أن نائب الفاعل هنا - وهو: (يزيد) هو المقصود من المرئية، لأنها إنما قيلت من أجله لتعداد مناقبه وبيان مآثره، فناسب أن يطوي ذكر الباكي ويذكر المبكي عليه وهو: (يزيد) ويصير عمدة في الكلام، ولو لم يسلك به الشاعر هذا الصنيع لصار (يزيد) فضلة لا عمدة في الكلام، ولأصبح الاهتمام موجهاً إلى الباكي لا إلى المبكي عليه، وذلك مما لا يناسب مقام الرثاء، ولا يتفق وغرض الشاعر. رابعاً: أن الشاعر لما قال: ليبك يزيد، فأسند الفعل إلى نائب الفاعل كان الكلام بذلك قد تم وليس محتاجاً إلى فاعل ليتم به، ولكنه لما ذكر الفاعل بعد ذلك فقال: (ضارع) كان مجيئه كالغنيمة غير المتوقعة، وذلك أشهى عند النفس، وأحلى عندها موقعاً. ولكنه لو بنى الفعل للفاعل، فقال: (ليبك يزيد) بنصب "يزيد" لأصبح الفاعل مترقباً ذكره، لأنه لابد للفعل من فاعل، فلا يكون موقعه في النفس - عند مجيئه- ذلك الموقع الذي أسلفنا. ٢ - ذكر المسند: ذكر البلاغيون أن المسند يذكر لنفس الأغراض التي اقتضت ذكر المسند إليه ومنها:

стр. 142

١ - كونه هو الأصل ، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، كقولك ابتداء: أكثم بن صيفي خطيب العرب في الجاهلية. ٢ - الاحتياط لضعف التعويل على القرينة . كقولك - في جواب من قال: من أكرم العرب في الجاهلية وأشجعهم؟ -: عنترة أشجعهم، وحاتم أجودهم، لأنك لو قلت: عنترة وحاتم، وحذفت المسند إلى كل منهما لاحتمل أن تكون قد أردت: عنترة أكرمهم، وحاتم أشجعهم، فذكرت المسند إلى كل منهما حتى يتعين للمخاطب. ٣ - التعريض بغباوة السامع: كقولك: (محمد نبينا) في جواب من سأل: من نبيكم؟ تعريضاً بغباوة من سأل هذا السؤال، وأنه لو كان له تمييز لم يسأل عن نبي هو أظهر من أن يتوهم خفاؤه، فيجاب بذكر أجزاء الجملة إعلاماً بأن مثل هذا لا يكفي معه إلا التنصيص لعدم فهمه بالقرائن الواضحة. ٤ - زيادة تقرير المسند في نفس السامع وتثبيته في ذهنه ، لأنه مما يتعلق به الغرض، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، فلو حذف المسند لدل السؤال عليه، ولكنه ذكر المسند وهو: (خلق) لزيادة تقرير خلق السماوات والأرض. ٥ - تعيين أنه فعل فيفيد التجدد والحدوث، أو أنه اسم فاعل فيفيد الثبوت والدوام فمثال الأول قولك: محمد يبيع، فتجعل المسند فعلاً ليفيد تجدد البيع وحدوثه لمحمد. ومثال الثاني أن تقول: محمد بائع، فتجعل المسند اسماً ليفيد ثبوت البيع له ودوامه أي أن البيع صفة ثابتة ولازمة له. ٣ - تعريف المسند: والأصل في تعريف المسند هو: إفادة السامع حكماً على أمر معلوم له بإحدى طرق التعريف بأمر معلوم له كذلك، فإذا كان المخاطب يعرف عليا - مثلاً - ويعرف أن بالقرية شاعراً معروفاً، ولكن لا يدري أن علياً هو ذلك الشاعر فتقول له: على الشاعر، أي: على الشاعر المعروف.

стр. 143

إذا كان المخاطب يعرف أن هناك شاعراً معروفاً، ثم عرف شخصاً معيناً يسمى علياً، ولكن لا يدري أن ذلك الشاعر هذا الشخص، فتقول له حينئذ: الشاعر عليّ، أي الشاعر المعروف هو عليّ. وعن هذا الأصل فرع البلاغيون لتعريف المسند الأغراض التالية: أ- قصر المسند على المسند إليه حقيقة أو ادعاء: فمثال قصر المسند على المسند إليه حقيقة قولك: على الشاعر، إذا لم يكن ثمة شاعر سواه. ومثال قصر المسند على المسند إليه ادعاء لقصد المبالغة قولك: زيد الكريم، وعمرو العالم، فتفيد قصر جنس الكرم زيد، وقصر جنس العلم على عمرو، وأنت لا تقصد القصر الحقيقي، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالكرم ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين على زيد بالكرم ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين على زيد وعمرو قصداً للمبالغة وأنك لم تعتد بهاتين الصفتين في غيرهما. ومنه قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة الحمداني: وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مشمراً ... وغنى به من لا يغني مغردا أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى! والشاهد في الأبيات قوله: (أنا الصائح المحكي) حيث قصر المسند المعروف "بأل" على المسند إليه، لقصد المبالغة. ب- تقرير المسند للمسند إليه، وأن ثبوته له أمر ظاهر ومعروف لا يشك فيه أحد ، وذلك كما في قول الخنساء ترثى أخاها صخراً" إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا فالخنساء لم ترد أن تقصر صفة الحسن على بكاء أخيها، ولكنها أرادت أن تقرر للبكاء عليه جنس الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.

стр. 144

ومنه قول حسان بن ثابت ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزومٍ ووالدك العبد فقد أراد أن يقرر العبودية لوالد المهجو، وأن يبين أن ذلك الأمر ظاهر معروف لا ينكره أحد، ولو قال: ووالدك عبد، بتنكير المسند لما أفاد إلا إثبات العبودية له. جـ- الإشارة إلى بلوغ المسند إليه - في الصفة- حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن ، وذلك ما تجده في قولهم: (هو البطل الحامي) أي: هو البطل الذي بلغ في صفة البطولة حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن. ومثله قول ابن الرومي: هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد أي إذا تصورت في ذهنك رجلاً يشرك في معظم أمواله عفاته وجيرانه ومعارفه، فإنه هو ذلك الرجل. ويغلب أن يأتي هذا النوع باسم الموصول (الذي) حيث تقدر في ذهنك شيئاً، ثم تعبر عند بالذي، كما في قول الشاعر: أخوك الذب إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب فقد قدرت في ذهنك وتصورت أخاً، إن دعوته أجابك وإن غضبت واضطررت إلى حمل السيف غضب وحمل السيف من أجلك، ثم عبرت عنه بالذي. ٤ - تنكير المسند: ينكر المسند للأغراض التالية: أ- قصد الإخبار بثبوت المسند للمسند إليه من غير إرادة عهد أو تخصيص كما في قولك: علي شاعر، ومحمد خطيب. ب- تفخيم المسند وتعظيمه، وأنه قد بلغ من خطورة الشأن حداً لا يدرك كنهه أو مداه ، كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، فقد أتى بالمسند نكرة للدلالة

стр. 145

على كمال هداية الكتاب الكريم، وأناه بلغت مبلغاً لا يدرك مداه، ولهذا أكد التفخيم بأن جعل "هدى" مصدراً مخبراً به عن الكتاب، أي أن الكتاب هو الهداية نفسها. جـ- تحقير المسند ، وذلك كما في قول قيس بن جروة يخاطب عمرو بن هند، وكان قد نقض عهداً بينه وبين طيئ: غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى - حلبة من دم الفصد يقول: لقد غدرت بعهد كنت أنت الذي دعا إليه، ؟ ؟ ؟ - لعمري- شيمة الغدر بالعهد من شيمة، فقد يترفع عنها أفقر الناس، وأقلهم شأناً، فكيف يغدر بالعهد ملك عظيم كعمرو بن هند؟ ! والشاهد هنا تنكير (حلبة) التي وقعت خبراً عن (طعامه) لبيان أنه شيء تافه وحقير. هذا إلى ما تفيده صيغة (فعلة) الدالة على المرة من إفادة معنى القلة. ٥ - تقديم المسند: من أغراض تقديم المسند ما يلي: أ- قصر المسند إليه على المسند ، كقولك: (مسلم أنا) فتقديم المسند هنا قد أفاد قصر المتكلم على الإسلام، لا يتعداه إلى النصرانية، فيكون قصراً إضافياً أو لا يتعداه إلى غيره من سائر الصفات فيكون قصراً حقيقياً ادعائياً. ومنه قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، أي: أن دينكم مقصور عليكم لا يتجاوزكم إلي، وديني مقصور علي، لا يتجاوزني إليكم، فالقصر هنا إضافي في الوضعين. ومنه قول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات: لك القلم الذي بشبأته ... يصاب الأمر الكلي والمفاصل والشاهد في البيت هو أن الشاعر قدم المسند في قوله: (لك القلم) لإفادة معنى القصر، أي: إن القلم الموصوف بتلك الصفات لك لا لغيرك.

стр. 146

ب- التنبيه - من أول الأمر- على أن المسند خبر لا نعت، وذلك كما في قول حسان بن ثابت ﵁ في مدح رسول الله ﷺ : له همم لا منتهى لبكارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر فإنه لو قال: همم له، لتوهم السامع أن (له) نعت لهمم، لأن النكرة تحتاج إلى الصفة أكثر من احتياجها إلى الخبر - وهذا التوهم- وإن كان يزول بمجرد النطق ببقية البيت إلا أن الإسراع بإيقاع المعنى في النفوس لأول وهلة أنسب بمقام المدح. جـ- التشويق إلى ذكر المسند إليه ، كالذي رووه من قول محمد بن وهيب في مدح المعتصم بالله العباسي: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر يحكى أفاعيله في كل نائلة الغيث، والليث، والصمصامة الذكر وذلك لأنه لما قال: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، اشتاقت النفوس إلى معرفتهم لأن في المسند ما يشعر بأنهم ذوو خطر، لأن الدنيا تشرق ببهجتهم، فلما أتى بالمسند إليه وقع في النفس موقعاً كريماً. د- التفاؤل . كقولك: سعد بلقائك صديقك، وناجح أخوك. ****

стр. 147

تمرينات على حذف المسند وذكره ١ - بين الغرض الداعي إلى حذف المسند في كل مما يأتي: أ- قال الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال ب- قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]. جـ- قال الشاعر: والطير أقعدها الكرى ... والناس نامت والوجود د- وقال آخر: والناس: هذا حظه مال وذا ... علم وذاك مكارم الأخلاق ٢ - بين الغرض الداعي إلى ذكر المسند في كل مما يأتي: هـ- تقول العرب: (أحشفا وسوء كيلة؟ ! ). أ- قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣]. ب- "يعرض البائع السلعة في الأسواق". ٣ - لماذا حذف المسند في الشطر الأول، وأعيد ذكر المسند في الشطر الثاني من هذا البيت؟ لولا التقى لجعلت قبرك كعبتي ... وجعلت قولك سنتي وكتابي على تعريف المسند وتنكيره ١ - بين الأغراض الداعية إلى تعريف المسند فيما يأتي: أ- قال الشاعر:

стр. 148

وإن سنام المجد مم آل هاشم ... بنو أم مخزوم ووالد العبد ب- وقال آخر: كلثم أنت الهم يا كلثم ... وأنت دائي الذي أكتم جـ- قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. د- وقال الأعشى: هو الواهب المائة المصطفاة ... إما مخاضا، وإما عشارا ٢ - بين الأغراض الداعية إلى تنكير المسند فيما يأتي: أ- قال الشاعر: آراؤه وعطاياه ونعمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم ب- وقال الشاعر: خير الصنائع في الوجود صنيعة ... تنبو بحاملها عن الإذلال جـ- وقال آخر: وكنت فتى من جند إبليس فارتمى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي! ! ****

стр. 149

أحوال متعلقات الفعل ١ - حذف المفعول . ٢ - تقديمه على الفعل. ٣ - تقديم بعض المعمولات على بعض. الفعل المتعدي إذا أسند إلى الفاعل، ولم يذكر له مفعول كان الغرض من ذلك أمرين: أولهما: أن يكون الغرض هو مجرد إسناد الفعل إلى الفاعل، دون النظر إلى المفعول ، وحينئذ يكون الفعل المتعدي بمنزلة اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يفهم السامع أن الغرض هو الإخبار بوقوع الفعل باعتبار تعلقه بالمفعول، لا مجرد نسبته إل الفاعل الذي هو المقصود، وهذا الفعل المنزل منزلة اللازم ضربان: أحدهما: أن يذكر الفعل ولا ينوي له في النفس مفعول أصلاً ، لأن الغرض هو إثبات الفعل في نفسه أو نفيه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! ؟ [الزمر: ٩] فالفعل متعد قطعاً إلى مفعول، لأن الأصل: هل يستوي الذين يعلمون الدين، والذين لا يعلمونه؟ فحذف المفعول المذكور ونزل الفعل منزلة اللازم، وصار المراد من الفعل حقيقته، والمعنى: هل يستوي الذين وجدت فيهم حقيقة العلم، والذين لم توجد عندهم حقيقته؟ ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] وقولهم: (فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهي) وقولهم: (فلان يضر وينفع ويعطي ويمنع) ففي كل تلك الأمثلة لا تعرض لحديث المفعول، لأن الغرض هو إثبات الفعل في حد ذاته. والآخر: أن يذكر الفعل وينوي له في النفس مفعول خاص قد علم موضعه من سبق ذكر أو قرينة حال ، ولكنك تنسيه نفسك، وتخيل أنك لم تقصد إلا إلى ذات الفعل قاصداً بذلك المبالغة فيه، وذلك كما في قول البحتري يمدح المعتز بالله الخليفة العباسي، ويعرض بأخيه المستعين بالله وكان ينازعه الخلافة:

стр. 150

شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع أي: ليس في الوجود ما يرى ويسمع إلا آثاره المحمودة، فإذا أبصر مبصر، لا يرى إلا محاسنه، وإذا سمع سامع لا يسمع إلا مآثره، فيغيظ عداء أن يقع إبصار أو سمع؛ لأنه لا يقع إلا على محاسنه ومآثره. فالفعلان (يرى) و (يسمع) من الأفعال المتعدية، فالمعنى - لا محالة-: أن يرى مبصر آثاره، ويسمع واع أخباره، ولكنهما هنا نزلا منزلة الفعل اللازم؛ لأن المقصود هو: مجرد إثبات الرؤية والسماع للفاعل، دون النظر إلى تعلقهما بمفعول خاص، وذلك ليتسنى له أن يشعر الناس بأن محاسن الممدوح وفضائله قد بلغت من الوضوح والشهرة حداً لا تخفي عنده على ذي بصر أو سمع بحيث يكفي في إدراكها مجرد أن يكون ذا بصر وذا سمع، فيعلم الرائي والسامع أنه لا يليق لمقام الخلافة سواه؛ فلا يجد أعداؤه وحساده إلى منازعته سبيلاً، فحساده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا ذو بصر وسمع ليخفي استحقاقه للإمامة فيجدوا بذلك سبيلاً إلى منازعته. ولا يخفي عليك أن هذا الغلو في المدح يفقد عند ذكر المفعول أو تقديره. ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: ظللت كأني للرياح دريئة ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت والشاهد في البيت الثاني، ومعناه: لو أن قومي أبلوا في الحرب بلاء حسناً لمدحتهم وذكرت بلاءهم، ولكنهم قصروا، فأجروا لساني - أي منعوه من النطق- فما أنطق بمدحهم. فقوله: (أجرت) فعل متعد، والمعنى: أجرتني، ولكنه نزل منزلة اللازم قصداً إلى إثبات الفعل للفاعل، أي: إثبات الإجرار للرماح، دون نظر إلى تعلقه بمفعول لأنه يريد أن يقول: إنه كان منها ما من شأنه أن يجر كل لسان ويخرسه عن النطق بمدحهم والإشادة بهم.

стр. 151

والثاني: أن يقصد تعلق الفعل بمفعول، وأن يراعى في الكلام ويلتفت إليه ، وحينئذ يجب تقدير هذا المفعول بحسب القرينة الدالة، إن عاماً فعام، وإن خاصاً فخاص، يعني إذا كان المدلول عليه بالقرينة عاماً فاللفظ المقدر عام، وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] فالدعوة إلى الجنة عامة، ولهذا كان اللفظ المقدر عاماً، أي: كل أحد. وإذا كان اللفظ المدلول عليه بالقرينة خاصاً، فاللفظ المقدر خاص كذلك، وذلك نحو قول عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني" تقصد: العورة. فإذا ما وجب تقدير المفعول تعين أنه مقصود، وأنه إنما حذف لغرض بلاغي ومن هنا تعلم أن حذف المفعول مشروط بشرطين: أولهما: وجود القرينة الدالة. والآخر: وجود الغرض الموجب للحذف. ومن الأغراض الموجبة لحذف المفعول: أ- البيان بعد الإبهام وذلك في فعل المشيئة إذا وقع شرطاً ولم يكن تعلقه بالمفعول المحذوف غريباً، وكفعل المشيئة كل ما في معناه كالإرادة والمحبة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] فمفعول فعل المشيئة محذوف تقديره ولو شاء هدايتكم لهداكم. ونكتة الحذف هنا: هي البيان بعد الإبهام، لأنه لما قيل: ولو شاء، علم أن هنا شيئاً تعلقت به المشيئة، لكنه مبهم، فلما جيء بجواب الشرط وضح ذلك الشرط، وعلم أنه الهداية. فكل من الشرط والجواب قد دل على المفعول، غير أن الشرط دل عليه إجمالاً، والجواب دل عليه تفصيلاً، ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام أوقع في النفس، لأن السامع حين يسمع قوله: "ولو شاء" - في شوق" إلى ما تعلقت به المشيئة، فإذا ما جاء بعد ذلك جاء والنفس في ولع ولهف ترقب قدومه فلا يلبث أن يقع منها موقع الماء القراح من ذي الغلة الصادي.

стр. 152

ومن هذا القبيل قول البحتري: لو شئت عدت بلاد مجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده العقيق والزرود بفتح الزاي: موضعان ببلاد نجد. أي: لو شئت عيادة بلاد نجد عدتها. ومنه قول البحتري - أيضاً: يا يوسف بن أبي سعيد والغني ... للمغمد العزمات غير مساعد لو شئت لم تفسد سماحة حاتمٍ ... كرماً ولم تهدم مآثر خالد أي: لو شئت عدم إفساد سماحة حاتم لم تفسدها، لكنه حذف مفعول المشيئة، فتحركت النفس لتعرف حقيقة مشيئة هذا الرجل ذي العزمات، فأدركها الشاعر ببيان هذه المشيئة، فارتاحت النفس لوقوعها منها هذا الموقع الحميد. فإن كان في تعلق فعل المشيئة بالمفعول غرابة لم يستحسن حذف المفعول، لأن الجواب لا يدل عليه، لغرابة موضعه، وينبغي ذكره ليتقرر في ذهن السامع ويأنس به، وذلك نحو قول أبي الهندام الخزاعي، يرثى ابنه الهندام: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع والشاهد فيه قوله: (ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته) حيث صرح بمفعول المشيئة وهو: (أن أبكي دماً) لأنه من الغرابة بمكان أن يريد الإنسان بكاء الدم، ولهذا صرح به - وإن كان الجواب دالاً عليه- ليتقرر في ذهن السامع فتأنس النفس إليه. ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]، لأنه من الغرابة بمكان أن يتخذ رب العالمين ولداً. وقد يذكر الشاعر مفعول المشيئة - وهو غير مستغرب- وذلك لأن الواقع بعده لا يدل عليه، لأنه ليس من نوعه. ومما جاء على هذه الطريقة قول أبي الحسن علي بن أحمد الجوهري، أحد شعراء الصاحب بن عباد:

стр. 153

فلم يبق مني الشوق غير تفكر ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا الشاعر يريد أن يبالغ في فنائه ونحوله، حتى إنه لم تبق فيه مادة سوى التفكير، فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه هو بكاء الدمع، وأراد بالبكاء الثاني: بكاء التفكير، ولهذا فإنه لا يصلح البكاء الثاني بياناً للبكاء الأول لمباينته له. فذكر مفعول المشيئة في البيت إنما هو لعدم قيام الدليل عليه، وذلك لأنه لو حذف فقيل: (لو شئت بكيت تفكرا) لم يوجد ما يدل عليه، وأوهم أن المراد بكاء التفكر، مع أن المراد هو: بكاء الدمع. ب- دفع توهم السامع - في أول الأمر- إرادة غير المراد - كما في قول البحتري يمدح أبا الصقر الشيباني: وكم ذرت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم فالشاعر يذكر فضل أبي الصقر عليه، ومن دفعه عنه عاديات الزمن وحادثات الأيام فيقول: (حززن إلى العظم) كناية عن بلوغها الغاية في الشدة، فحذف المفعول - كما ترى- ولو ذكره فقال: (حززن اللحم) لجاز أن يدور بخلد السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم يصل إلى العظم، ودفعاً لهذا التوهم حذف المفعول، ليدل الكلام على المقصود من أول الأمر. جـ- إرادة ذكره ثانياً، بحيث يعمل الفعل في صريح لفظه لا في ضميره العائد عليه إظهاراً لكمال العناية بوقوع الفعل عليه ، كالذي تراه من قول أبي عبادة البحتري في مدح المعتز بالله: قد طلبنا فلك نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا لم يزل حقك المقدم يمحو ... باطل المستعار حتى اضمحلال أي: إننا أعياناً البحث عن مثيل لك دون أن نعثر على هذا المثيل، فلا نظير لك، لأن شمس حقك أزاحت باطل غيرك. والشاهد هنا قوله: (قد طلبنا) حيث حذف المفعول، لأن الأصل قد طلبنا لك مثلاً، ولكنه حذف لإيقاع الفعل المنفي على صريح لفظه - كما جاء عليه البيت-

стр. 154

ولو أنه ذكر المفعول، فقال: قد طلبنا لك مثلاً، لناسب أن يقول بعد ذلك: فلم نجده، لأن المقام - حينئذ- يكون للضمير لتقدم مرجعه، فيفوت المقصود وهو إيقاع الفعل المنفي على صريح لفظ المفعول الدال صراحة على عدم وجود المثل وذلك أنسب بمقام المدح. ويمكن أن يكون الغرض من حذف المفعول في البيت المذكور هو: التحرج من مواجهة الممدوح بطلب مثل له، مبالغة في التأدب معه تعظيماً له. ويمكن - أيضاً - أن يكون الغرض هو البيان بعد الإبهام، لأن المطلوب أبهم أولاً، ثم بين أنه المثل، ولهذا أثر حميد في النفس. د- قصد التعميم في المفعول مع الاختصار ، وذلك كقولك: قد كان منك ما يؤلم: أي: كل أحد، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، أي جميع المكلفين. هـ- استهجان التصريح بالمفعول ، كما في قول عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني" تريد العورة. و- رعاية الفاصلة في النثر أو مراعاة الوزن في النظم: أما الأول فكقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣] أي: ما قلاك، فحذف المفعول محافظة على الروى حتى يتوافق مع ما قبله وما بعده. وأما الثاني فكما في قوله الشاعر: بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم يقصد: فأعلاها، ولكنه حذف المفعول محافظة على وزن البيت. ز- قصد الاختصار المجرد عن أي اعتبار ، وذلك كما في قولهم: أصغيت إليه، أي أذني، وأغضيت عنه، أي: بصري، فحذف المفعول - في المثالين- لمجرد الاختصار. ومنه قوله الله تعالى - على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: ذاتك.

стр. 155

وثمة أغراض أخرى تقتضي حذف المفعول، كإخفائه عن السامعين خوفاً عليه، أو التمكن من إنكاره إن مت الحاجة إلى ذلك، أو إبهام صوته عن اللسان أو صون اللسان عنه، وهكذا. تقديم المفعول على الفعل الأصل في الفعل أن يتقدم على معمولة - سواء كان هذا المعمول مفعولاً، أو جاراً ومجروراً، أو ظرفاً، أو حالاً، وهكذا - وقد يقدم معمول الفعل عليه لأغراض يقصدها البليغ، ومن هذه الأغراض: ١ - إفادة التخصيص: ومعنى التخصيص هنا: هو قصر الفعل على معمولة، بحيث لا يتعداه إلى غيره. كما في قوله الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك. وكما تقول: (علياً أكرمت) لإفادة الإكرام على "علي". وكما تقول: (في المسجد صليت) و (تحت الشجرة جلست) و (مبحراً حججت) وهكذا. أي أنك صليت في المسجد لا في غيره، وجلست تحت الشجرة لا تحت غيرها، وحججت متخذاً طريق البحر، لا طريق الجو أو طريق البر. ب- الاهتمام بأمر المقدم ، كما تقول: (الحق عرفت) و (العلم لزمت) (والحياة سئمت). جـ- التعجيل بذكر ما يتبرك به أو يتلذذ، أو بذكر ما يسر به أو يساء . فمثال الأول: قولك: (محمداً ﷺ زرت). ومثال الثاني: قولك: (ليلى رأيت) و (هندا قابلت). ومثال الثالث: قولك: (نجاحاً لقيت). ومثال الرابع: (بشر منيت). وإنما عبروا بالتعجيل - في إفادة هذه المعاني- لأنها تأتي مع التأخير - أيضاً -.

стр. 156

د- كون المعمول محط الإنكار ، كقولك: (أفي الشر تسعى وقد جريت عواقبه؟ ! ) فأنت لا تنكر عليه (سعيه) وإنما تنكر عليه أن يكون السعي منه في الشر، وقد عرف سوء عاقبته. ومثال ذلك قول الشاعر: أحين عسا غصني طرحت حبائلي ... إلى فهلا ذاك وهو رطيب! ؟ فهو ينكر عليها أنها حولت قلبها عنه، وتسلت عنه بغيره، حينما ولت نضارته، وذبلت زهرة شبابه، ويعيب عليها عدم الوفاء له، فهو لا ينكر عليها طرح حبائله مطلقاً، وإنما محط إنكاره أن يكون ذلك منها في وقت ذبل فيه غصنه وذهبت نضارته. وكقول الشاعر: أكل امرئ تحسبين أمراً ... ونار توقد بالليل ناراً؟ ! قدم المفعول ليفيد أن الإنكار مسلط عليه، إذ هو ينكر عليها: أن الناس في حسبانها متساوون، لا فرق بين كامل وناقص، كما أنه ينكر عليها: أن كل نار - في زعمها- نار كرم وسماحة. هـ- موافقة كلام السامع كما تقول "الله دعوت" و"بالنبي توسلت" في جواب: "من دعوت؟ " و"بمن توسلت؟ " فتقدم المعمول ليكون مرافقاً مقابله في كلام السائل. و- المحافظة على الوزن، أو رعاية الفاصلة . فمثال الأول قول الشاعر: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع أي: إن نزعة الشر فيه غالبة، فهو إلى الضر والأذى أسرع منه إلى الإحسان والخير. ومثال الثاني: قول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢].

стр. 157

وقوله - جل شأنه- ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩، ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]. تقديم بعض المعمولات على بعض يقدم بعض المعمولات على بعض، لأغراض بلاغية، من أهمها: أ- أن يكون التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل كقولك: فهم الطلاب الدرس، فقد قدم (الطلاب) لأنه فاعل، والأصل فيه أن يقدم على المفعول. وكالمفعول الأول في نحو: (أعرت محمداً كتاباً) فالأصل فيه التقديم لما فيه من معنى الفاعلية لأنه الآخذ للكتاب، فهو في قوة قولك: أخذ محمد كتاباً. ب- أن يكون ذكره أهم، والعناية به أتم، بأن يكون تعلق الفعل بذلك المقدم هو المقصود بالذات لغرض من الأغراض ، كما إذا عاش شقي في البلاد فساداً، فهاجمه شرطي وقتله "فأردت أن تخبر بذلك"، قلت: (قتل الشقي الشرطي)، إذ المقصود الأهم هو تعلق القتل بالشقي لينجو الناس من شره ويتقوا أذاه، فهم لا يعنيهم: أقلته شرطي أم غير شرطي؟ فإذا كان هناك رجل ضعيف هزيل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه فقتل رجلاً، وأردت أن تخبر عن ذلك قلت: قتل فلان رجلاً، فتقدم الفاعل حينئذ، لأن الذي يهم الناس من شأن هذا القتيل: صدوره من رجل لا يظن فيه ذلك، ولا يهمهم بعد ذلك أكان المقتول زيداً أم عمراً. ولهذا قدم الله تعالى الوعد برزق المخاطبين على الوعد برزق أولادهم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] لأن الخطاب - هنا- للفقراء، بدليل قوله: "من إملاق" أي: بسبب فقر وعور، لأن رزقهم موضع اهتمامهم ومحط آمالهم. وقد الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] لأن الخطاب هنا

стр. 158

للموسرين، بدليل قوله: "خشية إملاق" لأن الخشية إنما تكون مما لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب والمهم عندهم. جـ- أن يكون في تأخير المعمول إخلال بالمعنى المراد، بأن يكون موهماً لمعنى آخر غير مراد ، ولهذا يقدم دفعاً لهذا الإبهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]. فقد قدم هنا قوله: "من آل فرعون" على قوله: "يكتم إيمانه" لأنه لو قال: قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، لتوهم أن قوله: "من آل فرعون" من صلة "يكتم" أي: متعلق به، وفي هذا إخلال بالمعنى المقصود، إذ لا يفهم منه - حينئذ- أن ذلك الرجل كان من آل فرعون، والغرض هو: بيان أنه منهم لإفادة ذلك مزيد عناية به ورعاية له. و- أن يكون في تأخير المعمول إخلال بالتناسب، فيقدم المعمول حينئذ لرعاية الفاصلة ، كما في قول الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧] قدم الجار والمجرور، والمفعول به على الفاعل لأن في ذلك رعاية للتناسب بين الفواصل المختومة بالألف، لتكون على نسق واحد. ****

стр. 159

تمرينات على التقديم والتأخير ١ - ما الغرض الذي دعا إلى تقديم المسند في كل مما يأتي؟ : أ- قولهم: (ثلاثة يذهبن الغم والحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن). ب- قول الشاعر: ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال الشباب جـ- قول الشاعر: وليس بمغن في المودة شافع ... إذا لم يكن بين الضلوع شفيع د- قول الشاعر: إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت ٢ - ما الغرض من تقديم المفعول على الفاعل في قول الشاعر: صهوة الجو اعتلوا تحسبهم ... جمع أملاك على الخيل تسامي ٣ - لماذا قدم الظرف على الفعل في قول الشاعر: أبعد المشيب المنقضي في الذوائب تحاول وصل الغانيات الكواعب ٤ - لماذا قدم المفعول الثاني على نائب الفاعل في قول الشاعر: أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلى؟ ! ٥ - لماذا قدم المفعول على الفعل في قول الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٣، ٤]. ٦ - ما الغرض من تقديم بعض المعمولات على بعض في قول الشاعر: ألقت مقاليدها الدنيا إلى رجلٍ ... ما زال وقفاً عليه الجود والكرم

стр. 160

٧ - هل تقديم الجار والمجرور للتخصيص، أم لمجرد الاهتمام في قول الشاعر: على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن ٨ - اذكر ثلاثة أغراض من أغراض تقديم المسند مع التمثيل، ثم بين كيف كان تقديم المسند لقصد التفاؤل في قول الشاعر: سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت ببقائك الأعوام مع ما تعلمه من وجوب تقديم الفعل على الفاعل. ****

стр. 161

القصر القصر في اللغة: الحبس، قال الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] أي: محبوسات فيها لا يبرحنها، تقول: قصرت نفسي على هذا الأمر، إذا لم تطمح إلى غيره. وفي اصطلاح البلاغيين: تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص، والمراد بالشيء الأول: المقصور، وبالثاني: المقصور عليه، والطريق المخصوص هو أدوات القصر المعروفة عند البلاغيين. أغراض القصر: يؤتي بأسلوب القصر لأغراض بلاغية من أهمها: ١ - التأكيد مع الإيجاز: لما كان المراد بتخصيص الشيء بالشيء هو: إثبات أحدهما للآخر، ونفيه عن غيره كانت جملة القصر في قوة جملتين، وبهذا يكون طريقاً من طرق التأكيد في إيجاز، فإذا قلت: ما المتنبي إلا شاعر، كان قولك هذا في قوة قولك: المتنبي شاعر، المتنبي ليس كاتباً، ولما كان في القصر إثبات ونفي كان من أغراضه: أنه يقصد به تمكين الكلام وتقريره في ذهن السامع لدفع ما عنده من شك أو إنكار. ٢ - التعريض: قد يجيء القصر للتعريض ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] ففي الآية الكريمة تعريض بذم الكفار، وأنهم من فرط جهلهم وغلبة الهوى عليهم ألحقوا بالبهائم. ٣ - الفخر: وذلك كما في قول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ٤ - المدح: كما في قول عبد الله بن قيس في مصعب بن الزبير بن العوام: إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء ٥ - الاستعطاف: كما في قول أبي الطيب المتنبي:

стр. 162

إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأبناء تقسيمات القصر للقصر تقسيمات ثلاثة: ١ - تقسيم باعتبار غرض المتكلم. ٢ - تقسيم باعتبار طرفيه. ٣ - تقسيم باعتبار حال المخاطب. وإليك بيان هذه التقسيمات الثلاثة بالتفصيل. ١ - تقسيم القصر باعتبار غرض المتكلم: يتقسم القصر بهذا الاعتبار إلى: قصر حقيقي، وقصر إضافي: أ- فالقصر الحقيقي هو: أن يختص المقصور عليه في الحقيقة والواقع، فالنفي فيه موجه إلى كل ما عدا المقصور عليه، فإذا قلت: (ما خاتم الأنبياء والمرسلين إلا محمد) كنت قد خصصته ﷺ بهذه الصفة، ونفيتها عن جميع من عداه، فهي مقصورة عليه، لا تتعداه إلى غيره. وإذا قلت: (لا رازق إلا الله) كنت قد قصرت صفة الرزق على الله تعالى ونفيتها عن جميع من عداه، فهي مقصورة عليه لا تتعداه إلى غيره. وإنما سمي هذا القصر حقيقياً، لأن تخصيص الشيء بالشيء فيه بحسب الحقيقة ونفس الأمر، بحيث لا يتجاوزه إلى غيره، فالحقيقة التي يدركها العقلاء هي: أن صفة خاتم الأنبياء والرسل مقصورة على محمد ﷺ وأن صفة الرزق مقصورة على الله تعالى، وأنه لا إله إلا هو. ب- وإما القصر الإضافي ، فهو: أن يختص المقصور عليه بالإضافة إلى شيء آخر معين بحيث لا يتجاوز المقصور عليه إلى ذلك الشيء

стр. 163

المعين، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر، فإذا قلت: (ما شوقي إلا شاعر) كنت خصصت شوقياً بالشعر وقصرته عليه، بحيث لا يتجاوزه إلى شيء آخر معين كالكتابة - مثلاً -، وإن كان ذلك لا ينافي أن يتجاوز الشعر إلى صفات أخرى كالتجارة أو الصناعة أو غيرهما، فالقصر هنا إنما هو بالإضافة إلى الكتابة فحسب، ولهذا سمي قصراً إضافياً. ٢ - تقسيم القصر باعتبار طرفيه: ينقسم القصر باعتبار طرفيه (المقصور والمقصور عليه) إلى: قصر موصوف على صفة، وقصر صفة على موصوف. فأما الأول، وهو: قصر الموصوف على الصفة ، فمعناه: ألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى، أصلاً - إذا كان القصر حقيقياً- أو إلى صفة أخرى معينة إذا كان القصر إضافياً. فمثال قصر الموصوف على الصفة قصراً حقيقياً قولك: (ما شوقي إلا شاعر) وذلك إذا أردت قصر شوقي على صفة الشعر، بحيث لا يتعداها إلى غيرها من سائر الصفات، غير أن هذا النوع من القصر - وهو قصر الموصوف على الصفة قصراً حقيقياً- لا يكاد يوجد في الكلام، وذلك لأنه يتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها، ونفي ما عداه، فالإنسان لا يستطيع الإحاطة بصفات نفسه وبخاصة الباطنة منها، فكيف يستطيع الإحاطة بصفات غيره؟ فالمعول عليه في مثل هذا النوع من القصر على قصد المبالغة والادعاء في مقام المدح والفخر ونحوهما. ومنه قول الشاعر: هل الجود إلا أن تجود بأنفس ... على كل ماضي الشفرتين صقيل ومثال قصر الموصوف على الصفة قصراً إضافياً: ما ابن العميد إلا كاتب، تريد قصره على صفة الكتابة، بحيث لا يتعداها إلى شيء بعينه كالشعر - مثلاً - وإن جاز أن تكون تلك الصفة - الكتابة- لموصوف آخر. وأما الثاني وهو قصر الصفة على الموصوف ، فمعناه: ألا نتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر - إذا كان القصر حقيقياً- أو إلى موصوف آخر معين إذا كان القصر إضافياً.

стр. 164

فمثال قصر الصفة على الموصوف قصراً حقيقياً: (ما شاعر في القرية إلا علي) إذا أردت أن تقصر صفة الشعر عليه بحيث لا تتعداه أصلاً إلى غيره من أهل القرية. ومثال قصر الصفة على الموصوف قصراً إضافياً قولك: (ما كاتب إلا ابن العميد) تريد: أن صفة الكتابة مقصورة عليه لا تتعداه إلى رجل بعينه - كالمتنبي مثلاً- فالقصر في هذين المثالين من قصر الصفة وهي الشعر في المثال الأول والكتابة في المثال الثاني، على الموصوف، وهو (علي) في المثال الأول و (ابن العميد) في المثال الثاني، وهذا لا ينافي أن يكون للموصوف صفات أخرى. القصر الادعائي إذا نزل ما عدا المقصور عليه منزلة المعدوم قصداً للمبالغة والادعاء سمي القصر ادعائياً، وعلى هذا فهناك قصر حقيقي ادعائي، وقصر إضافي ادعائي . أ- فالقصر الحقيقي الادعائي: هو ما ينزل فيه ما عدا المقصور عليه منزلة المعدوم، فتقول في قصر الموصوف على الصفة قصراً حقيقياً ادعائياً: (ما طارق إلا شجاع)، إذا أردت قصر طارق على صفة الشجاعة، بحيث لا يتعداها إلى غيرها من سائر الصفات بأن يجعل ما عداها من الصفات غير معتد به، وكأنه لا صفة له غير الشجاعة لبلوغه فيها الغاية. وتقول في قصر الصفة على الموصوف قصر حقيقاً ادعائياً: (ما شاعر إلا أبو الطيب) إذا أردت قصر صفة الشعر على أبي الطيب، بحيث لا يتعداه إلى غيره من الناس، مع أن هناك شعراء غيره، ولكنهم بالقياس إليه لم يعتد بهم، فنزلوا منزلة المعدوم، ومنه قول الشاعر: لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا علي والفرق بين القصر الحقيقي حقيقة، والقصر الحقيقي ادعاء: أن ما عدا المقصور عليه في القصر الحقيقي حقيقة لا وجود له أصلاً، أما ما عدا المقصور عليه في القصر الحقيقي ادعاء فهو موجود، ولكنه منزل منزلة المعدوم.

стр. 165

ب- والقصر الإضافي الادعائي: هو ما ينزل فيه ما عدا المقصور عليه وهو ما يكون القصر بالإضافة إليه منزلة المعدوم، فتقول في قصر الموصوف على الصفة قصراً إضافياً أو ادعائياً: (ما العقاد إلا كاتب)، إذا أردت قصر العقاد على صفة الكتابة بحيث لا يتعداها إلى صفة الشاعرية على حين أنه متصف بها أيضاً، إلا أنك لم تعتد بها لتفوقه في الكتابة ونبوغه فيها. وتقول في قصر الصفة على الموصوف قصراً إضافياً ادعائياً (ما شاعر إلا شوقي)، إذا أردت قصر صفة الشعر على شوقي، بحيث لا تتعداه إلى العقاد - مثلاً - وإن كان العقاد متصفاً بها - أيضاً - إلا أنك لم تعتد بها أمام شاعرية شوقي لنبوغه وتفوقه، فتنزلها منزلة المعدوم. ٣ - تقسيم القصر باعتبار حال المخاطب: ينقسم القصر بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد، وقصر قلب، وقصر تعيين. أ- فأما قصر الإفراد: فهو تخصيص أمر بصفة دون أخرى - في قصر الموصوف على الصفة- أو تخصيص صفة بأمر دون أمر آخر - في قصر الصفة على الموصوف. والمراد بالأمر الأول: الموصوف المقصور، والمراد بالثاني: الموصوف المقصور عليه. والمخاطب بهذا القصر في الحالتين: هو من يعتقد الشركة - غالباً- وقد يخاطب به من يعتقد أن المتكلم يعتقد الشركة، وإن كان هو لا يعتقدها. تقول في قصر الموصوف على الصفة قصر إفراد: (ما عبد الله بن المقفع إلا كاتب) رداً على من اعتقد اشتراك صفتي الكتاب والشعر فيه - وهذا هو الغالب- أو رداً على من اعتقد أنك تعتقد اشتراك صفتي الكتابة والشعر في ابن المقفع - وهذا هو غير الغالب. فهو تخصيص أمر هو ابن المقفع بصفة هي: الكتابة، دون صفة أخرى هي الشاعرية.

стр. 166

وتقول في قصر الموصوف على الصفة قصر إفراد: (ما شاعر إلا أبو الطيب) رداً على من اعتقد اشتراك غيره معه في صفة الشعر، كابن العميد - مثلاً - وهذا هو الغالب، أو رداً على من اعتقد أنك تعتقد اشتراك أبي الطيب وابن العميد في صفة الشعر وهذا هو غير الغالب. فهو تخصيص صفة الشعر بأمر هو: أبو الطيب دون أمر آخر هو ابن العميد. وإنما سمي هذا القصر: قصر إفراد، لأنك قد قطعت الشركة التي اعتقدها المخاطب. ب- وأما قصر القلب: فهو تخصيص أمر بصفة مكان صفة أخرى في قصر الموصوف على الصفة أو تخصيص صفة بأمر مكان آخر في قصر الصفة على الموصوف. والمراد بالأمر الأول: الموصوف المقصور، وبالثاني: الموصوف المقصور عليه. والمخاطب بهذا القصر في الحالتين: هو من يعتقد عكس الحكم الذي أثبته المتكلم وهذا هو الغالب وقد يخاطب به من اعتقد أن المتكلم يفتقد العكس، وإن كان المخاطب لا يعتقده. تقول في قصر الموصوف على الصفة قصر قلب: (ما العقاد إلا كاتب) رداً على من اعتقد اتصاف العقاد بالشعر دون الكتابة، أو رداً على من اعتقد أنك تعتقد اتصاف العقاد بالشعر دون الكتابة، وإن كان هو نفسه لا يعتقد ذلك. فهو تخصيص أمر، وهو العقاد بصفة هي: الكتابة مكان صفة أخرى هي الشعر، وتقول في قصر الصفة على الموصوف قصر قلب: (ما شاعر إلا شوقي) رداً على من اعتقد أن الشاعر هو الرافعي لا شوقي، أو رداً على من اعتقد أنك تعتقد أن الشاعر هو الرافعي لا شوقي - وإن كان هو نفسه لا يعتقد ذلك- فهو تخصيص صفة هي: الشعر بأمر هو: شوقي مكان أمر آخر هو: الرافعي وإنما سمي هذا القصر: قصر قلب، لأنك قد قلبت الحكم على المخاطب. جـ- وأما قصر التعيين: فهو تخصيص أمر بصفة مكان صفة أخرى في قصر الموصوف على الصفة، أو تخصيص صفة بأمر مكان آخر في قصر الصفة على الموصوف، والمراد بالأمر الأول: الموصوف المقصور، وبالثاني: الموصوف المقصور عليه. ويخاطب بهذا القصر: من تردد بين الأمرين وتساويا عنده.

стр. 167

تقول في قصر الموصوف على الصفة قصر تعيين: (ما الحجاج إلا خطيب) خطاباً لمن تردد بين وصفه بالخطابة والكتابة من غير أن يعلم أحدهما على التعيين. فهو تخصيص أمر هو الحجاج بصفة هي: الخطابة مكان صفة أخرى هي: الكتابة. وتقول في قصر الصفة على الموصوف قصر تعيين: (ما شجاع إلا وائل) خطاباً لمن تردد بين شجاعته وشجاعة بكر ولا يدري أحدهما على التعيين. فهو تخصيص صفة هي: الشجاعة بأمر هو: وائل مكان أمر آخر هو: بكر. هذا وقد اتضح لك مما أسلفنا أن تقسيم القصر إلى إفراد، وقلب، وتعيين إنما هو خاص بالقصر الإضافي، ولا دخل له بالقصر الحقيقي، وذلك لأن القصر - في القصر الحقيقي- إنما هو بالنسبة إلى كل ما عدا المقصور عليه، ولا يتأتى في مصل هذا اعتقاد شركة، أو عكس تردد. شرط قصر الموصوف على الصفة إفراداً: ألا يتنافى الوصفان: لقولنا: (ما أبو الطيب إلا شاعر) ينبغي أن تكون الصفة المنفية فيه: كونه كاتباً، أو خطيباً، لا كونه مفحماً، أي: غير شاعر، إذ الإقحام ينافي الشاعرية. وإنما شرط هذا الشرط ليتأتى اعتقاد المخاطب اجتماعهما في موصوف واحد، اللهم إلا أن يكون المخاطب يعتقد ذلك جهلاً، فإنه يصح الرد عليه حينئذ بقصر الإفراد، إذ المدار فيه على اعتقاد المخاطب وإن لم يطابق اعتقاده الواقع. ويشترط في قصر الموصوف على الصفة قلباً: أن يتنافى الوصفان في الواقع، فقولنا: (ما وائل إلا كريم) ينبغي أن تكون الصفة المنفية فيه كونه بخيلاً، لا كونه شاعراً أو كاتباً، وذلك ليكون إثبات المتكلم إحدى الصفتين مشعراً بانتفاء الصفة الأخرى مع دلالة العبارة على أن المخاطب يعتقد العكس فيكون قصر قلب بيقين. أما إذا لم تكن إحدى الصفتين منافية للأخرى، كما في قولك: (ما ابن العميد إلا كاتب) أي: لا شاعر - مثلاً - فإنه وإن أشعر بانتفاء الشاعرية - مثلاً - لا يدل قطعاً على أن المخاطب يعتقد العكس بل يحتمل في حد ذاته أن يكون المخاطب معتقداً الشركة نظراً لجواز اجتماع وصفي الكتابة والشعر، فيكون قصر إفراد، مع أن الغرض هو قصر القلب.

стр. 168

طرق القصر للقصر طرق كثيرة يؤدي بها، وقد أصطلح البلاغيون منها على ستة هل: ١ - ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر. ٢ - تعريف ركني الإسناد. ٣ - العطف. ٤ - النفي والاستثناء. ٥ - إنما. ٦ - تقديم ما حقه التأخير. غير أن الدراسة هنا سوف تتناول أربعة منها وهي: أولاً: العطف وإنما قدمنا العطف لأنه أوضح دلالة على القصر من غيره وذلك للتصريح فيه بالمثبت والمنفي معاً. ويقصد العطف هنا: ما يكون (بلا) أو (بل) أو (لكن) ذلك لأن حكم المعطوف بها يغاير حكم المعطوف عليه إثباتاً ونفياً. والمقصور عليه في القصر (بلا) هو المقابل لما بعدها، فإذا قلت: (وائل ذكي لا غبي) كان المقصور عليه صفة الذكاء التي عطفت عليها (بلا) صفة الغباء، وإذا قلت: (طارق شجاع لا خالد) كان المقصور عليه طارق الذي عطفت عليه (بلا) خالد. تقول في قصر الموصوف على الصفة: (الحجاج خطيب لا شاعر) فإن كان الخطاب مع من اعتقده خطيباً وشاعراً كان قصر إفراد، وإن كان مع من اعتقده شاعراً لا خطيباً كان قصر قلب، وإن كان مع من تردد في وصفه بالخطابة أو الشعر كان قصر تعيين. وتقول في قصر الصفة على الموصوف: (أبو الطيب شاعر لا ابن العميد) فإن كان الخطاب مع اعتقد اشتراك ابن العميد مع أبي الطيب في صفة الشعر كان قصر إفراد وإن كان مع من اعتقد أن الشاعر هو ابن العميد لا أبو الطيب كان قصر قلب، وإن كان الخطاب مع من تردد بين أبي الطيب وابن العميد في صفة الشعر كان قصر تعيين. والمقصور عليه في (بل) و (لكن) هو ما بعدهما.

стр. 169

فإذا قلت: (ما ياسر غبياً بل ذكي) كان المقصور عليه هو: صفة الذكاء التي وقعت بعد (بل) وإذا قلت: (ما علي شجاعاً بل طارق) كان المقصور عليه هو: طارق الذي وقع بعد (بل). وكذلك إذا قلت: (ما محمد بخيلاً لكن كريم) كان المقصور عليه هو: صفة الكرم التي وقعت بعد (لكن)، وإذا قلت: (ما فؤاد ناجحاً لكن علي) كان المقصور عليه هو (علي) الذي وقع بعد (لكن). على أنه يجب أن ننبه إلى أن (بل) إنما تفيد القصر إذا كانت واقعة بعد النفي دون الإثبات، وذلك لأنها بعد النفي تفيد: إثبات الحكم للتابع، فيأتي القصر، أما إذا وقعت بعد الإثبات فإنها لا تفيد رفع الحكم عن المتبوع لكنها تجعله في حكم المسكوت عنه فلا يتأتى القصر. فمثل قولك: (ما ابن العميد شاعر بل كاتب) معناه نفي الشاعرية عن ابن العميد وإثبات الكتابة له، وهذا هو القصر، فالمقصور عليه هو ابن العميد، والمقصور هو الكتابة قصر موصوف على صفة. ولكن إذا قلت: (ابن المقفع شاعر بل كاتب) كان معناه: ثبوت الكتابة لابن المقفع مع السكوت عن نفي الشاعرية عنه أو إثباتها له، وليس هذا بقصر أما (لكن) فلا نزاع فيها، لأنها لا تقع إلا بعد النفي. وكون القصر حقيقياً أو إضافياً - إذا جاء عن طريق العطف- متوقف على المعطوف؛ فإذا كان المعطوف عاماً كان القصر حقيقياً، وإذا كان المعطوف خاصاً كان القصر إضافياً. فالقصر في قولك: (زهير شاعر لا غير زهير) في قصر الصفة على الموصوف وقولك: (ابن العميد كاتب لا غير كاتب) في قصر الموصوف على الصفة - قصر حقيقي. والقصر في قولك: (أبو الطيب شاعر لا ابن العميد) في قصر الصفة على الموصوف، وقولك: (ابن العميد ناثر لا شاعر) في قصر الموصوف على الصفة - قصر إضافي.

стр. 170

ويكون القصر الإضافي قصر إفراد، أو قلب، أو تعيين على حسب ما تقتضيه حال المخاطب، فإن كان معتقداً الشركة كان قصر إفراد، وإن كان معتقداً العكس كان قصر قلب، وإن كان متردداً بين الأمرين وتساويا عنده كان قصر تعيين. ثانياً: النفي والاستثناء: والمراد بالنفي: مطلق أداة نفي مثل: (ما وليس ولا ولم ولن) كما في المراد بالاستثناء مطلق أداة استثناء فيشمل: (إلا وغير وسوى). وإنما شرطوا أن يتقدم الاستثناء نفي، ليتأتى معنى القصر على ما ينبغي، وذلك لأن قولك: (حضر الطلاب إلا خالداً) يفيد مجرد استثناء أحد الأفراد من الحكم دون أن يكون فيه المعنى المقصور من القصر وهو: إفادة التوكيد. والمقصور عليه في النفي والاستثناء هو ما يلي أداة الاستثناء. تقول في قصر الموصوف على الصفة: (ما الحجاج إلا خطيب) فإن كان الخطاب مع من اعتقده شاعراً وخطيباً كان قصر إفراد، وإن كان مع من اعتقده شاعراً لا خطيباً كان قصر قلب، وإن كان مع من تردد بين وصفه بالخطابة والشاعرية وتساويا عنده كان قصر تعيين. أما كيف أفاد "النفي والاستثناء" القصر، فهو: أنك إذا قلت - مثلاً -: (ما طارق إلا شجاع) - في قصر الموصوف على الصفة- فإن النفي فيه يتوجه إلى صفة طارق لا إلى ذاته، لأن الذات من حيث هي يمتنع نفيها، وإنما تنفي صفاتها، ولما كان الخلاف في كونه شجاعاً أو جباناً فقد تناولها النفي، فإذا قلت: (إلا شجاع) فقد جاء القصر. وإذا قلت: (ما ذكي إلا هشام) - في قصر الصفة على الموصوف- فإن النفي يتوجه إلى الوصف - أيضاً - وإذا كان الوصف وهو الذكاء لا نزاع في ثبوته، وإنما النزاع في الموصوف به هل هو هشام أو علاء، فقد شملهما النفي باعتبار اتصافهما بالوصف المذكور، فإذا قيل: (إلا هشام)، تحقق القصر. ويمكن أن يقال: إن النفي في الكلام الناقص، أو الاستثناء المفرغ يتوجه إلى مقدر عام هو المستثنى منه المناسب للمستثنى في جنسه وصفته، فإذا أوجب من ذلك المقدر شيء "بإلا" جاء القصر ضرورة بقاء ما عداه على صفة الانتفاء.

стр. 171

أما توجه النفي إلى مقدر هو المستثنى منه، فلكون "إلا" للإخراج، واستدعاء الإخراج مخرجاً منه، وأما كون هذا المقدر عاماً، فليتناول المستثنى فيتحقق الإخراج. ولهذا كانت قراءة الحسن: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ببناء (ترى) للمفعول ورفع (مساكنهم) نائباً للفاعل، وقول ذي الرمة: طوى النحز والأجراز ما في عروضها فما بقيت إلا الضلوع الجراشع مراعى فيهما ظاهر اللفظ، مع أن الأصل فيهما هو: التذكير، لاقتصا المقام تقدير (شيء من الأشياء) فيقال في الأول: (فلا يرى شيء إلا مساكنهم) وفي الثاني: (فما بقى شيء إلا الضلوع الجراشع). ثالثاً: (إنما) وتجيء إنما في المرتبة الثالثة من مراتب أدوات القصر، لأن في تضمنها معنى القصر شيء من الحفاء، لعدم التصريح معها بالنفي الذي يتأتى به مع الإثبات القصر. على أن دلالتها على القصر بالوضع، فليست في احتياج إلى دليل على أنها تفيد القصر، ومع ذلك فقد قالوا: إنها تفيد القصر لتضمنها معنى (ما وإلا) اللتين هما أدل على إفادة معنى القص للتصريح فيهما بالنفي والاستثناء، ولما كان في تضمنها هذا المعنى شيء من الخفاء فقد استدلوا عليه بما يلي: أ- ما قاله المفسرون القدماء: وهم أئمة اللغة والبيان الموثوق بهم في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [النحل: ١١٥] على قراءة نصب الميتة وبناء حرم للفاعل، فقد قالوا: إن المعنى - على هذه القراءة-: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهذا المعنى هو الموافق - في إفادة القصر- لمعنى الآية على قراءة رفع الميتة مع بناء للفاعل، وإن اختلف طريقا القصر في القراءتين، فطريق القصر في القراءة الأولى (إنما) وطريقته في القراءة الثانية: (تعريف الطرفين). توضيح هذا القول: أم القراءة الأولى: وهي القراءة الفصيحة "حرم" مبنياً للفاعل مع نصب "الميتة" على أنه مفعول "حرم" وضمير الفعل عائد على الله تعالى و (ما) كافة (إن) عن العمل، والمعنى: ما حرم الله عليكم إلا الميتة.

стр. 172

والقراءة الثانية: (حرم) مبنياً للفاعل أيضاً مع رفع (الميتة) على أنه خبر (إن) وضمير الفعل عائد كذلك على الله تعالى، و (ما) حينئذ موصولة اسم (إن) محذوفة العائد، والتقدير: إن الذي حرمه الله عليكم الميتة وهذه القراءة - أيضاً - مفيدة للقصر، ولكن بتعريف الطرفين. فإذا ما علمنا ذلك علمنا أن معنى القراءة الأولى: (ما حرم الله عليكم إلا الميتة) مطابق لمعنى القراءة الثانية: (إن الذي حرمه الله عليكم الميتة) في إفادة القصر وإن اختلف الطريقان، فطريق الأولى: (إنما) وطريق الثانية: تعريف الطرفين، والتطابق في المعنى بين القراءات واجب، ولا يتم هذا التطابق إلا إذا كانت (إنما) متضمنة معنى (ما وإلا). ب- ما قاله النحاة الأوائل: وهم الذين شافهوا العرب من أن (إنما) لإثبات ما يذكر بعدها ونفى ما سواه، فقولك في قصر الموصوف على الصفة (إنما أبو الطيب شاعر) لإثبات شاعرية أبي الطيب ونفى ما عداها من الصفات كالكتابة والخطابة والشجاعة وغيرها، وهذا المعنى هو معنى (ما وإلا) لأن (ما) للنفي، و (إلا) للإثبات. جـ- وجوب انفصال الضمير معها مع إمكان اتصاله ، كما في قولك: (إنما يأبى الذل أنا) والقاعدة عند النحاة أن الضمير إذا أمكن وصله وجب ولا يعدل عن وصله إلى فصله إلا لموجب، كتقديمه على عامله، وكوجود فاصل من شأنه أن يفصل بين الضمير وعامله، ولا تقديم هنا، فتعين وجود الفاصل. وهذه القاعدة هي التي أشار إليها ابن مالك في ألفيته بقوله: وفي اختيار لا يجيء المنفصل ... إذا تأتي أن يجيء المتصل ولا يصلح الفصل في موضع (إنما) إلا (بما وإلا) فوجب أن يكون معنى (إنما يأبى الذي أنا): ما يأبى الذي إلا أنا، ولو قلت: إنما أبى الذل لفات هذا المعنى. وقد استشهدوا على وجوب هذا الفاصل بقول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار إنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

стр. 173

ولا ريب أن الفرزدق - وهو في مقام المفتخر المعتز بنفسه- يريد أن يخص نفسه بالدفاع عن أحساب قومه، وأن يجعل الدفاع عن أحسابهم مقصوراً عليه بحيث لا يتعداه إلى غيره قصر صفة على موصوف، مع أن هذا لا ينافي أن يدافع عن أحساب غيرهم - أيضاً - ومن قواعدهم: أن المقصور عليه في (إنما) يجب تأخيره، وعلى هذا ينبغي تأخير الضمير عن الأحساب - كما فعل الفرزدق- لأن الضمير هو المحصور فيه، ولو أخر لفظ الأحساب فقيل: وإنما أدافع عن أحسابهم لكان الأحساب محصوراً فيه، ولصار المعنى: أنه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، وهو ليس مراداً، لأنه بصدد التمدح بالبسالة والمروءة، وليس في الدفاع عن أحساب بعينها كبير مدح، فقد يتأتى ذلك ممن يكره عليه، وليس بذي مروءة ولا شهامة. رابعاً: تقديم ما حقه التأخير: والمقصور عليه فيه هو: المقدم. تقول في قصر الموصوف على الصفة: (عربي أنا) فنقصر ضمير المتكلم على وصف العروبة لا يتعداها إلى غيرها كالهندية والإنجليزية وهكذا. وتقول - في قصر الصفة على الموصوف-: (أنا ساعدتك في مهمتك) فتقصر المساعدة على ضمير المتكلم بحيث لا تتعداه إلى غيره. وأما كونه قصر إفراد، أو قلب، أو تعيين فمنوط بحال المخاطب كما عرفت وتقديم ما حقه التأخير يأتي فيها يلي: (أ) تقديم المسند إليه كما في قول أبي الطيب: وما أنا أسقمت جسمي به ... وما أنا أضرمت في القلب نارا ب- تقديم المسند: كما في قول عمرو بن كلثوم: لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا (جـ) تقديم بعض القيود ، كما في باب متعلقات الفعل- وذلك كقول الشاعر: إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب (د) تقديم بعض المعمولات على بعض ، كإفادة التخصيص في نحو: (جاء راكباً محمد).

стр. 174

(فروق في طرق القصر) علمت أن طرق القصر الأربع وهي (العطف، والنفي والاستثناء، وإنما، والتقديم) تشترك جميعها في إفادة القصر، بيد أنها تختلف من وجوه عدة، فلكل طريقة خاصية تتميز بها من بين الطرق الأخرى ولا تشترك فيها. فالطريق الأول - وهو العطف - يتميز من بين الطرق الأخرى بأن الأصل فيه هو: النص على المثبت والمنفي، أما الطرق الثلاثة الباقية فإن الأصل فيها هو النص على المثبت فقط، فإذا قلت في قصر الموصوف على الصفة-: (المتنبي شاعر لا خطيب) فقد نصصت على المثبت للمتنبي وهو (الشعر)، كما نصصت على المنفي عنه وهو (الخطابة)، وإذا قلت - في قصر الصفة على الموصوف-: (نجح فؤاد لا عماد) فقد نصصت على الذي أثبت له النجاح-، وهو (فؤاد) كما نصصت على الذي نفيت عنه النجاح وهو (عماد)، وهذا القول ينطبق على العطف "ببل" و"لكن". على أنه لا يترك النص على المثبت والمنفي إلا كراهة الإطناب لغرض ما، كضيق المقام، وذلك مثل أن تقول: هشام يعلم النحو لا غير، أي لا غير النحو، أي: لا الصرف ولا العروض - مثلاً - فيكون من قصر الموصوف على الصفة، أو لا غير هشام، أي لا فؤاد ولا عماد - مثلاً - فيكون من قصر الصفة على الموصوف. ولكنك تقول في النفي والاستثناء - في قصر الصفة على الموصوف -: "ما شجاع إلا خالد" فتنص على ما أثبت له الشجاعة - وهو خالد - ولا تنص على من نفيتها عنه، وهو: "فؤاد" - مثلاً -: كما تقول - في قصر الموصوف على الصفة - "ما خالد إلا شجاع" فتنص على الصفة المثبتة وهي "الشجاعة" دون الصفة المنفية، وهي: "الجبن". وتقول في "إنما": - في قصر الصفة على الموصوف- "إنما شاعر شوقي" كما تقول - في قصر الموصوف على الصفة-: "إنما شوقي شاعر"، فقد ذكرت في الأول من أثبت له الشاعرية وهو: "شوقي"، ولم تذكر من نفيتها عنه، وذكرت في الثاني الصفة التي أثبتها لشوقي ولم تكر الصفة التي نفيتها عنه.

стр. 175

وتقول في التقديم - في قصر الصفة على الموصوف: "إنما سعيت في حاجتك"، أي لا إبراهيم - مثلاً -، وتقول في قصر الموصوف على الصفة- "مصري قرار العبور" أي: لا سوري - مثلاً - فقد اتضح لك أن الطرق الثلاث وهي: "النفي والاستثناء" و"إنما" و"التقديم" لا ينص فيها إلا على المثبت فقط، فإذا نص على المنفي في أحدها كان ذلك خروجاً على الأصل. والطريق الثاني: وهو: "النفي والاستثناء ": الأصل فيه أن يستعمل في حكم من شأنه أن يجهله المخاطب وينكره ويحتاج فيه إلى تأكيد، أو في حكم من شأنه ألا يجهل ولا ينكر، ولكن نزل منزلة ما يجهل وينكر لنكتة. ولكن الأصل في إنما - مع أنها متضمنة معنى "ما" و"إلا" على عكس ذلك تماماً، فهي تستعمل في حكم من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره، أو في حكم من شأنه أن يجهل وينكر، ولكن نزل منزلة ما شأنه ألا يكون مجهولاً ولا منكراً لنكتة - أيضاً -، فمثال استعمال النفي والاستثناء فيما شأنه أن يجهل وينكر، قولك لصاحبك - وقد لمحتما شبحاً من بعيد: (ما القادم إلا محمد)، إذا اعتقده محموداً - مثلاً - مضراً على اعتقاده، فيكون قصر قلب، وإذا اعتقده محمداً ومحموداً كذلك فيكون قصر إفراد. ومثال ما نزل فيه الحكم المعلوم منزلة ما شأنه أن يكون مجهولاً لنكتة، قوله تعالى - في قصر الموصوف على الصفة -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي مقصور على الرسالة، لا يتعداها إلى الخلود، فالمخاطبون - وهم الصحابة رضوان الله عليهم - يعلمون يقيناً أنه ﷺ مقصور على الرسالة، وليس جامعاً للرسالة والخلود، ولكنهم لما استعظموا موته ﷺ صاروا كأنهم يثبتون له صفتين: الرسالة والخلود، لهذا قصر على الرسالة قصر إفراد، ونزل المعلوم - وهو أنه- لا محالة- ميت، منزلة ما شأنه أن يجهل وينكر، فاستعمل فيه النفي والاستثناء. والنكتة التي دعت إلى هذا التنزيل هي: استعظام الصحابة موته ﷺ والإشعار بأنهم في منتهى الحرص على حياته بينهم حتى نزلوا منزلة المنكرين لموته، فخوطبوا بما يدفع الإنكار المقدم.

стр. 176

ومثال استعمال (إنما) في ما من شأنه ألا يكون مجهولاً ولا منكراً، قولك لصاحبك وقد رأيتما شخصاً من قريب: (إنما المقبل محمد)؛ فمثل هذا الحكم من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره لقرب الشخص من مرأى العين. ومثال ما نزل فيه الحكم المجهول منزلة ما من شأنه أن يكون معلوماً قول الله تعالى - حكاية عن اليهود-: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، فقد أدى اليهود أن كونهم مصلحين أمر ظاهر من شأنه ألا يجهل ولا ينكر، ولهذا عبروا فيه "إنما" تنزيلاً للمجهول - وهو كونهم مصلحين- منزلة ما شأنه أن يكون معلوماً، لا يجهله المخاطب ولا ينكره. ونكتة هذا التنزيل: الإشعار بأن ما يدعونه من أنهم مصلحون أمر وضح جلي لا يجمل إنكاره، ولهذا جاء رد الله الله عليهم أبلغ رد، وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. فقد أكد هذا الرد بتأكيدات مختلفة وهي: ١ - إفراد الجملة الاسمية الدالة على الثبوت. ٢ - تأكيدها "بأن" المشددة. ٣ - تعريف الخبر الدال على حصر المسند إليه. ٤ - توسيط ضمير الفصل المؤكد لهذا الحصر. ٥ - تصدير القول بحرف التنبيه؛ الدال على أن مضمون الكلام مما له خطر يستوجب العناية والاهتمام. ٦ - تعقيبه بما يدل على التقريع والتوبيخ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، إذ معناه: أنهم في عداد الموتى، لا شعور لهم. والطريق الثالث: وهو: (إنما) يعقل منه حكما الإثبات والنفي دفعة واحدة ، ويفهمان نصاً دون الاعتماد على شيء آخر، فإذا قلت: (إنما طارق شجاع) فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت عنه ما عداه من الصفات في القصر الحقيقي - أو نفيت عنه صفة الجبن في القصر الإضافي، وهذان الحكمان قد فهما من العبارة السابقة دفعة واحدة ودلت عليهما نصاً دون الاعتماد على شيء آخر.

стр. 177

وهذا يخالف العطف والتقديم والنفي والاستثناء، فإذا قلت - في العطف-: (طارق شجاع لا جبان) و (ما طارق جبانا بل شجاع) أو (لكن شجاع) فإن الذي يعقل أولاً في المثال الأول ثبوت الشجاعة لطارق ثم نفى الجبن عنه، والذي يعقل في المثال الثاني أولاً: نفي الجبن عن طارق، ثم ثبوت الشجاعة له، ولا ريب أن تعقل الحكمين معاً أفضل حتى لا يذهب فيه الوهم إلى عدم القصر من أول الأمر. وإذا قلت - في التقديم-: (الحق عرفت) فإنه وإن أفادهما معاً إلا أن إفادته إياهما على سبيل الاحتمال لا القطع، إذ يحتمل أن يكون الاسم المذكور معمولاً للعامل المؤخر فيكون تقديمه مفيداً لهما معاً، ويحتمل أن يكون معمولاً لشيء آخر مقدر فلا يكون مفيداً لهما. وإذا قلت - في النفي والاستثناء -: (ما أسعدني إلا نجاحك) فإنه وإن أفادهما معاً إلا أن إفادته موقوفة على المستثنى منه، لأن الاستثناء قد وضع للإخراج، فلابد من مراعاة المخرج منه. فقد وضح من ذلك إذن أن إفادة حكمي الإثبات والنفي معاً دفعة واحدة، مزية مقصورة على (إنما). والطريق الرابع: وهو التقديم: يمتاز من بين الطرق الأخرى بأنه إنما يدل على القصر بمفهوم الكلام وفحواه، بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام المشتمل على تقديم ما حقه التأخير فهم القصر وإن لم يعرف أن التقديم في اصطلاح البلاغيين مفيد للقصر، فقولك: (مصري أنا) يفيد قصر المتكلم على وصف المصرية، لا يتعداها إلى الشامية - مثلاً -، وذلك بالنظر إلى مفهوم الكلام وفحواه. أما الطرق الثلاثة الأخرى - وهي العطف، والنفي والاستثناء، وإنما- فإن دلالتها على القصر بالوضع لا بالفحوى، أي أن الواضع وضع هذه الثلاثة لمعنى هو: إثبات المذكور ونفي ما عداه، بحيث يجزم العقل - عند ملاحظته- بالقصر، فلا العاطفة - مثلاً - موضوعة للنفي بعد الإثبات وهذا المعنى مفيد للقصر، وكذلك النفي والاستثناء، فحرف النفي موضوع للنفي وحرف الاستثناء موضوع للإخراج من حكم النفي، وهذا المعنى - أيضاً - مفيد للقصر.

стр. 178

"وإنما" مفيدة - أيضاً - للقصر، بالوضع، لأنها تتضمن معنى (ما وإلا) المفيدين للقصر. مواقع القصر: يقع القصر بين الأمور التالية: ١ - بين المبتدأ والخبر، كما في قولك: (ما شوقي إلا شاعر) - في قصر الموصوف على الصفة- وكما في قولك: (ما شاعر إلا شوقي) في قصر الصفة على الموصوف- وقد سبق أن عرفت هذا. ٢ - بين الفعل والفاعل: نحو: (ما نجح إلا عصام) - في قصر الصفة على الموصوف- وأما عكسه وهو قصر الفاعل على الفعل فإنه غير ممكن، وذلك لأن المقصور يجب تأخيره - على ما سيأتي- والفعل لا يؤخر عن الفاعل. فإن خرج عن الفاعلية رجع الأمر إلى قصر المبتدأ على الخبر. ٣ - بين الفاعل والمفعول: نحو (ما عرفت إلا عصاماً) في قصر الفاعل على المفعول، ونحو: (ما عرفني إلا عصام) - في قصر المفعول على الفاعل. ٤ - بين المفعولين: نحو: (ما لقنت العدو إلا درساً) - في قصر المفعول الأول على المفعول الثاني- ونحو: (ما لقنت درساً إلا العدو) في قصر المفعول الثاني على المفعول الأول. ٥ - بين متعلقات الفعل: فتقول - في قصر الحال على صاحبها: (ما جاء مبتسماً إلا علي)، أي ما صاحب المجيء مع الابتسام إلا علي، فيكون من قصر الصفة على الموصوف. وتقول في قصر صاحب الحال عليها: (ما علي إلا جاء مبتسماً) أو (ما جاء علي إلا مبتسماً) ومعنى المثال الأول، ما علي إلا صاحب المجيء مع الابتسام، ومعنى المثال الثاني: ما مجيء علي إلا مصحوب بالابتسام، وكلاهما من قصر الموصوف علي إلا الصفة. وتقول في قصر التمييز على مميزه: (ما طاب نفساً إلا عصام): أي: ما صاحب النفس الطيبة إلا عصام، فيكون من قصر الصفة على الموصوف، وتقول - في مصر

стр. 179

مميزه عليه- (ما طاب عصام إلا نفساً): أي ما طاب من عصام إلا نفسه، فيكون من قصر الصفة على الموصوف - أيضاً - غير أن المقصور عليه في الأول: هو المميز، والمقصور عليه في الثاني: هو التمييز. وتقول: "ما عصام إلا طابت نفسه" أي: ما عصام إلا صاحب النفس الطيبة - من قصر الموصوف على الصفة. وتقول - في المجرور-: "ما سلمت إلا على خالد" وتقول في الظرف: "ما جلست إلا عندك" وتقول في البدل: "ما ضربت فؤاداً إلا رأسه" و "ما أعجبني علاء إلا وجهه". " موقع المقصور عليه " المقصور عليه في "النفي والاستثناء" يغلب عليه أن يكون مؤخراً عن المقصور، بحيث يقع بعد أداة الاستثناء، فإذا أردت قصر الفاعل على المفعول قلت: (ما اخترق العلماء إلا الفضاء) وإذا أردت قصر المفعول على الفاعل قلت: (ما اخترق الفضاء إلا العلماء). والسبب في ذلك: أن القصر أثر ناشئ عن أداته، ويمتنع ظهور أثر الأداة قبل وجودها. ويقل تقديم المقصور عليه على المقصور في الاستثناء بشرط وقوع المقصور عليه بعد أداة الاستثناء: تقول في قصر الفاعل على المفعول: (ما اخترق إلا الفضاء العلماء) وتقول في قصر المفعول على الفاعل: (ما اخترق إلا العلماء الفضاء). أما إذا فقد الشرط المذكور - وهو وقوع المقصور عليه بعد أداة الاستثناء - فإنه يمتنع تقديم المقصور عليه. أما في (إنما): فإن المقصور عليه يؤخر عن المقصور - كما في النفي والاستثناء - إلا أنه لا يجوز تقديم المقصور عليه على المقصور أبداً. فإذا أردت قصر الفاعل على المفعول قلت: (إنما حلل العلماء تربة القمر) وإذا أردت قصر المفعول على الفاعل قلت: (إنما حلل تربة القمر العلماء) ويكون الأخير بمثابة الواقع بعد إلا في النفي والاستثناء.

стр. 180

وإنما لم يصح تقديم المقصور عليه على المقصور في (إنما)، لأن في تقديمه إلباسًا للمعنى، فكل من الفاعل والمفعول الواقعين بعد الفعل يحتمل أن يكون هو المقصور عليه دون الآخر، ولم توجد قرينة تدل على أن أحدهما هو المقصور عليه دون الثاني، ولهذا جعلوا تأخير المقصور عليه دليلاً على القصر على المؤخر منهما. فإذا قلت: (إنما حلل العلماء تربة القمر) كانت تربة القمر هي المقصور عليه، فإذا قدمتها، فقلت: (إنما حلل تربة القمر العلماء) كان العلماء هو المقصور عليه والعكس المعنى. وعلى أية حال: فإن المقصور عليه في (إنما) هو المؤخر، بخلاف النفي والاستثناء، فإن المقصور عليه فيها يجوز تقديمه على قلة، لانتفاء اللبس حينئذ فالمقصور عليه هو الواقع بعد (إلا) سواء تقدم أو تأخر. وإنما يؤخر المقصور عليه في (إنما) بشرطين: الأول: إفادة معنى القصر من (إنما) فقط. الثاني: ألا يعرض لتقديم المقصور عارض. فإذا ما استفيد معنى القصر من "إنما" ومن غيرها، وجب تقديم المقصور عليه، وذلك كما في قولك: (إنما الكريم أكرمت) ففيه تقديم المقصور عليه على المقصور، لأن القصر ليس مستفادًا من (إنما) وحدها، بل منها ومن التقديم. وإذا ما عرض لتقديم المقصور عارض، كامتناع تقديم الفاعل على الفعل، وجب تقديم المقصور عليه، كما في قولك: (إنما أعددت للأمر عدته)، وذلك لأن الفاعل -وهو تاء الفاعل- مقصور على الفعل الذي هو الإعداد، وهو يمتنع تقديمه على الفعل، لهذا وجب تقديم المقصور عليه، فإذا أردت -في هذا المثال- قصر الفعل على الفاعل، قلت: (ما أعد للأمر عدته إلا أنا). وأما في (بل) و (لكن): فإن المقصور عليه هو ما بعدهما: فإذا قلت -في قصر الموصوف على الصفة-: (ما العقاد خطيبًا بل كاتب) أو (لكن كاتب) كان المقصور عليه هو: كاتب، وإذا قلت- في قصر الصفة على
следующие страницы →