Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
جـ- أ- تعريف المجاز اللغوي هو: "الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح الخطاب على وجه يصح به مع قرينة مانعة له من إرادته".
وأقسامه وأمثلتها: مفرد وهو ما سبق تعريفه، ومركب.
والمفرد أقسام: مجاز لغوي مثل لفظ "أسد" إذا استعمل في الرجل الشجاع.
٢ - مجاز شرعي: مثل لفظ "الصلاة" في مصطلح الشريعة الإسلامية.
٣ - مجاز عرفي: مقل لفظ "فعل" في مصطلح النحاة.
جـ- ب- اختر الإجابة الصحيحة:
١ - أنت نجم- تشبيه.
٢ - عمت أياديك- مجاز مرسل.
٣ - لا ينزل المجد إلا في منازلنا: كناية.
٤ - أهدنا الصراط المستقيم: استعارة.
س- ٤ - أ- بين نوع الكناية فيما يأتي:
جـ ١ - ١ - في قول الشاعر كناية عن موصوف وهو الخمر.
جـ- ٢ - المجد بين برديه: كناية عن صفة وهي العز.
والكرم مل ردائه: كناية عن صفة وهي الكرم.
جـ- ٣ - وفلان يفترش الثرى ويتوسد الجنادل: كناية عن نسبة الافتراش للثرى وتوسد الجنادل.
ب- مثل لما يأتي:
جـ ١ - الاستعارة التصريحية التبعية مثل: "إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية".
جـ ٢ - الاستعارة المكنية: وإذا المنية أنشبت أظفارها.
وبعد: "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 72
أسئلة مجاب عنها
س ١: من صاحب (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة)؟ تحدث عنه بإيجاز. وما مميزات هذين الكتابين؟
(١٢ - ٤٠)
س ٢ - قال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".
وقال الشاعر:
والنهر يشبه مبرداً ... من أجل ذا يجلو الصدى
وتقول: صديقي مشابه البحر.
ما أداة التشبيه في الأمثلة السابقة؟ وما نوعها؟ وما الذي وليها من الطرفين؟
وهل من التشبيه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؟ ولماذا؟ ... (١٢ - ٤٠)
ش ٣ - أ) اختر الإجابة الصحيحة مما بين القوسين لما تحته خط فيما يأتي:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١].
(استعارة مكنية - مجاز مرسل - كناية).
"كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور".
(مجاز مرسل - استعارة تصريحية - استعارة مكنية).
"وحملناه على ذات ألواح ودسر" (استعارة - كناية - مجاز مرسل).
ويقول الحجاج بن يوسف: "إني لأرى رءوساً قد أينعت وحان قطافها".
(كناية - استعارة تصريحية - استعارة مكنية).
ب) يقول شوقي في مدح الرسول:
لي في مديحك يا رسول عرائس ... تيمن فيك وشاقهن جلاء
стр. 73
عين الاستعارة في البيت السابق وبين نوعها باعتبار الملائم وباعتبار اللفظ المستعار.
(١٦ - ٤٠)
جـ ١ - صاحب كتابي دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة هو أبو بكر عبد القاهر الجرجاني الذي شهد علماء البلاغة بعلمه وإمامته وكانت العلماء تتجه إليه من مشارق الأرض ومغاربها ليغترفوا من علمه الغزير.
ومن مميزات هذين الكتابين المعاني والبيان وجزالة الأسلوب في إطناب ممتع ووضح العبارات في سلاسة وعرض يأخذ بالأسماع والألباب.
جـ ٢ - أداة التشبيه في حديث رسول الله ﷺ : الكاف ونوعها حرف وقد وليها المشبه به.
وفي قول الشاعر أداة التشبيه: يشبه، نوعها: اسم، وقد وليها المشبه وهو وصف الضمير العائد على صديقي.
وليس من التشبيه قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ لأن الكاف جاءت للتعليل.
جـ ٣ - أ) في قول الله تعالى: (هو أذن) مجاز مرسل.
في قول الله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة تصريحية.
في قول الله تعالى: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ كناية.
وفي قول الحجاج بن يوسف الثقفي (إني لأرى رءوساً قد أينعت) استعارة مكنية.
ب) الاستعارة في بيت شوقي (عرائس) والمقصود بها قصائده، ونوعها باعتبار الملائم ترشيحية- وباعتبار اللفظ المستعار استعارة تصريحية.
* * * *
стр. 74
أسئلة مجاب عليها
س ١ - من صاحب (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة)؟ تحدث عنه بإيجاز. وما مميزات هذين الكتابين؟
(١٢ - ٤٠)
س ٢ - أ) قال الشاعر:
كأنما الماء في صفاء ... وقد جرى ذائب اللجين
عرف لتشبيه ثم بين أركانه في ضوء البيت السابق.
ب) اختر الإجابة الصحيحة مما بين القوسين لما تحته خط فيما يأتي:
قال الله تعالى: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح﴾.
(استعارة مكنية - مجاز مرسل - استعارة تصريحية).
وقال ﷺ : "مثل المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيباً ولا تطعم إلا طيباً".
الغرض من التشبيه (بيان إمكان المشبه - بيان حال المشبه - بيان تزيين المشبه).
قال الشاعر:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان
(استعارة تصريحية - كناية - مجاز مرسل).
ويقال: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر".
المشبه: (مفرد - مركب - مفرد مقيد). ... (١٤ - ٤٠)
س ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
قال المتنبي:
ولما قلت الإبل امتطينا ... إلى ابن أبي سليمان الخطوبا
وقال شوقي:
شيعوا الشمس ومالوا بضحاها ... وانحنى الشرق عليها فبكاها
عرف الاستعارة، ثم بين نوعها باعتبار اللفظ المستعار في الأمثلة السابقة.
(١٤ - ٤٠)
стр. 75
إجابة مادة البلاغة للصف الأول الثانوي ٩٨/ ٩٩
الدور الثاني (علمي)
جـ ١ - صاحب كتابي دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة هو أبو بكر عبد القاهر الجرجاني الذي شهد علماء البلاغة بعلمه وإمامته وكانت العلماء تتجه إليه من مشارق الأرض ومغاربها ليغترفوا من علمه الغزير وثقافته العالية.
ومن مميزات هذين الكتابين المعاني والبيان وجزالة الأسلوب في إطناب ممتع ووضوح العبارات في سلاسة وعرض جيد يأخذ بالألباب والأسماع.
جـ ٢ - أ) التشبيه هو إلحاق أمر بأمر في معنى بأداة، ففي البيت المذكور يتضح أن الماء مشيه، وقد ألحق بذائب اللجين وهو المشبه به، ووجه الإلحاق (الشبه) هو الصفاء، والأداة المستعملة (كأن).
ب) (ولما سكت عن موسى الغضب) (استعارة مكنية) و"مثل المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيباً": الغرض من التشبيه بيان حال المشبه. الضارين مجامع الأضغان: (كناية).
التعليم في الصغر (المشبه مفرد مقيد).
جـ ٣ - الاستعارة: استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين ما وضع له وما استعمل فيه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى.
في البيت الأول: امتطينا الخطوبا (استعارة مكنية).
في بيت شوقي: شيعوا الشمس (استعارة تصريحيه).
وفي قول الله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (استعارة تبعية).
стр. 76
الفصاحة والبلاغة
[تعريف الفصاحة]
الفصاحة في اللغة: هي الظهور والبيان، ومنها: أفصح اللبن، إذا انجلت رغوته، وفصح فهو فصيح، قال الشاعر:
وتحت الرغوة اللبن الفصيح
ويقال: أفصح الصبح، إذا بدا ضوئه، وأفصح كل شيء إذا وضح.
والفصاحة: يوصف بها: الكلمة، والكلام، والمتكلم ، فيقال: كلمة فصيحة، وكلام فصيح، وشاعر فصيح.
[تعريف البلاغة]
والبلاغة في اللغة: تنبئ عن الوصول والانتهاء، ويوصف بها: الكلام، والمتكلم فقط، فيقال: كلام بليغ، ورجل بليغ، ولم يسمع: "كلمة بليغة" إلا إذا قصد بها خطبة، أو قصيدة.
فأما فصاحة الكلمة: فهي أن تكون حروفها سهلة النطق، متجاوزة تجاوزاً هادئاً تتلاقى فيه وتتجاوب أنغامها، وأن تكون مألوفة الاستعمال، قد تناولها الأدباء والشعراء في محافل الشعر والأدب، وأن تكون جارية على قوانين تصريف الكلمات.
وهذا هو المقصود بقولهم: " فصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي ".
١ - فأما التنافر: فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها، فإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيباً مخلاً بفصاحتها.
وقد قالوا: إن الثقل ينشأ إما من تباعد الحروف جداً، أو من تقاربها جداً.
كما قالوا - أيضاً -: إن الثقل إما أن يكون متناهياً؛ وإما أن يكون دون ذلك.
ومثلوا للأول بكلمة (الهعخع) من قول أعرابي ضل عن ناقته: "تركتها ترعى الهعخع".
стр. 77
ومثلوا للثاني بكلمة (مستشزرات) من قول امرئ القيس:
تصد وتبدى عن أسيل وتنقى ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته وليس بمعطل
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيت كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل
أي: إن غدائر شعرها - أي ذوائبه- مستشزرات، يعني مرتفعات، وإن أمشاط شعرها تغيب بين الشعر المفتول والشعر المسترسل.
والحق أن وصف الكلمة بالثقل ليس راجعاً إلى بعد مخارج حروفها، أو قربها، بل إن ذلك يرجع إلى الذوق السليم، لأننا نجد من القريب المخرج ما هو غير متنافر كما في (الجيش) و (الشجى) وكما في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ [يس: ٦٠]، كما أننا نجد من البعيد المخرج ما هو غير متنافر - أيضاً - كما في (بعد) وكما في (علم) و (أو) و (ألم)، فكل ذلك حسن لا تنافر فيه.
٢ - وأما الغرابة: فهي أن تكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال.
والغريب الذين ينفرون منه، ويخل بفصاحة الكلمة، ويحذرون من الوقوع فيه هو: ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة مثل كلمة: (الطرموق) بدل الطين، (والاستمصال) بدل (الإسهال) والاطرغشاش (والإبرغشاش) بدل الشفاء.
أما غريب القرآن وغريب الحديث، فقد كان دواراً عند العرب الخلص ولكن تقادم العهد به، وذلك مثل كلمة "ضيزى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢]، وكما في أحاديث النبي ﷺ التي كان يخاطب بها الأقوام البادين، لأن هذه الألفاظ لم تكن وحشية نافرة لديهم، بل كانت دوارة على ألسنتهم.
وعلى أية حال: فإنهم يحبذون من الكلمات "ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي".
стр. 78
ولهذا عدل في التنزيل إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] لسخافة لفظ "الطوب" وما رادفه.
ولاستثقال جمع الأرض لم تجمع في القرآن الكريم. وجمعت السماء، وحيث أريد جمعها قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [القصص: ٣٨].
٣ - وأما المخالفة: فهي أن تكون الكلمة جارية على خلاف القانون المستنبط من لغة العرب، كوجوب الإعلال في نحو (تام) والإدغام في نحو (مد) ومنها قول الشاعر:
الحمد لله العلى الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل
وكأن تكون الكلمة غير جارية على العرف الصحيح، بأن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له في عرف اللغة، ولم يقصد بها المجاز، كاستعمال كلمة "الأيم" بمعنى الثيب في قول البحتري:
تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم
فقد وضع الأيم في مقابلة البكر، والأيم في اللغة تطلق على المرأة التي لا زوج لها؛ بكراً كانت أو ثيباً.
وقيل: فصاحة المفرد: خلوصه مما ذكر ومن الكراهة في السمع، بأن يتبرأ السمع من سماعه كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة، لأن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس سماعه، ومنها ما تستكرهه، وذلك نحو "الجرشى" - في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة أبا الحسن-:
وما قست كل ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض بمن في حلب
ولو كنت سميتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب
أفي الرأي يسبه، أم في السخا ... ء أم في الشجاعة أم في الأدب؟ !
مبارك الاسم، أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب
стр. 79
أي: كريم النفس، وليس بشيء، لأن الكراهة في السمع لا تكون إلا من تنافر حروف الكلمة أو غرابتها. فليست شيئاً آخر غيرها، والجرشى في بيت أبي الطيب تدخل في الغرابة.
وأما فصاحة الكلام: فقد شرطوا لها أموراً ثلاثة:
أولاً: أن يكون الكلام خالياً من ضعف التأليف: ويقصدون، أن يكون تأليف الكلام جارياً على خلاف المشهور من قواعد النحو، كالإضمار قبل الذكر لفظاً ومعنى، نحو: ضرب غلامه زيداً، وإن كان ذلك مما أجازه الأخفش، وتبعه ابن جني، لشدة اقتضاء الفعل المفعول به كالفاعل واستشهد بقول النابغة الذبياني:
جزي ربه عني عدى بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وقول الشاعر:
لما عصى أصحابه مصعبا ... أدى الكيل صاعا بصاع
وأجيب عنه بأن الضمير للمصدر المدلول عليه بالفعل، أي: رب الجزاء، وأصحاب العصيان، كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي العدل، وأما ما جاء مخالفاً لهذا فشاذ لا يقاس عليه.
ثانياً: أن يكون خالياً من تنافر الكلمات ، بألا تتكرر فيه كلمات ذات جرس واحد أو متقارب، لأن تكرارها يؤدي إلى صعوبة النطق بها، وقد ضربوا مثالاً لتنافر الكلمات بقول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
ومن التكرار القبيح قول الشاعر:
وازور من كان له زائراً ... وعاف عافي العرف عرفانه
وهناك نوع من تنافر الحروف لم يبلغ هذا الحد من الثقل، وإنما هو أخف حدة من سابقه، كالذي تراه من قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي
стр. 80
فقد تكررت كلمة (أمدحه) وكلمة (لمته) مما أدى إلى الثقل الذي تراه في البيت، وليس التنافر ناشئاً من اجتماع الحاء والهاء، لأنه ثقل محتمل، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩] وإنما نشأ من اجتماع الكلمتين.
ثالثاً: أن يكون الكلام خالياً من التعقيد ، والتعقيد معناه: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد، وله سببان:
السبب الأول: (لفظي): وهو ألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني، بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، فيختل نظم الكلام ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه، كقول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
أي: ليس كمثله في الناس حي يقاربه، أي حي يشبهه في الفضائل إلا مملك أعطى الملك والمال، أبو أمه، أي أبو أم ذلك المملك أبوه، أي: أبو الممدوح والجملة صفة مملكا، أي لا يماثله أحد إلا ابن أخته الذي هو هشام، وكان حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، ولكنه فصل بين المبتدأ والخبر وهو: (أبو أمه أبوه) بالأجنبي وهو: حي وبين الصفة والموصوف وهو: (حي يقاربه) بالأجنبي الذي هو: أبوه، وقدم المستثنى، وهو: "مملكا" على المستثنى منه، وهو: "حي".
فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي: هو ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار، أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة لفظية، أو معنوية.
والسبب الثاني: (معنوي) وهو ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه بسبب الخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود، وذلك الخلل يكون بإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود، كما في قول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
стр. 81
فقد جعل سكب الدموع - وهو البكاء- كناية عما يستلزمه فراق الأحبة من الكآبة والحزن، وهذا كلام صحيح سليم، لأنه كثيراً ما تجعل الدموع دليلاً على الكآبة والحزن، يقال: أبكاني الدهر وأضحكني، أي: ساءني وسرني، ولكنه أخطأ في الكناية عما يوجبه دوام التلاقي والوصال من الفرح والسرور بجمود العين، وذلك لأن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال إرادة البكاء، وهي حالة الحزن على مفارقة الأحبة، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور الحاصل بملاقاة الأصدقاء ومواصلة الأحبة.
ولهذا لا يقال في الدعاء: لا زالت عينك جامدة. كما يقال: لا أبكى الله عينك، ويقال: سنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن فيها، كأنهما تبخلان بالمطر واللبن.
ومعنى بيت ابن الأحنف: إني اليوم أطيب نفساً بالبعد والفراق وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشواق وأتجرع غصصها، وأحتمل لأجلها حزناً يفيض الدموع من عيني، لا تسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة لا تزول، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومع كل عسر يسر، ولكل بداية نهاية.
وقيل: ومما يخل بفصاحة الكلام: كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، فمن كثرة التكرار قول أبي الطيب:
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخلان في كل بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرة ... سيوح لها منها عليها شواهد
فقد كرر الضمائر في قوله: (لها منها عليها).
ومن تتابع الإضافات قول ابن بابك.
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
ولكن هذا القول مردود بأن: كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، إن ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر، وإلا فلا تخل
стр. 82
بالفصاحة، وقد قال النبي ﷺ ، "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم".
والحق أن كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات لا يخل بفصاحة الكلام، لمجيئهما في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
وأما فصاحة المتكلم. فهي ملكة يستطيع بها التعبير عن مقصودة بلفظ فصيح، والملكة هي هيئة راسخة في النفس، والتعبير بها يشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة في النفس، ولهذا فإن من يعبر عن مقصودة بلفظ فصيح لا يعد فصيحاً إلا إذا كانت الصفة التي استطاع بها التعبير عن مقصودة بلفظ فصيح راسخة فيه.
بلاغة الكلام:
هي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، فإذا جاء الكلام فصيحاً ، خالياً من التنافر والغرابة ومخالفة القياس الصرفي، بريئاً من التعقيد اللفظي والمعنوي، جارياً على المشهور من آراء النحاة، وكان مناسباً للموضوع الذي يقال فيه ولا حوال السامعين، معبراً عن مشاعر قائله أصدق تعبير، فإنه يعد كلاماً بليغاً، لأن قائله يبلغ به غايته، ويصل إلى مراده من نفوس سامعيه، فيؤثر في نفوسهم، ويسيطر على مشاعرهم، ويملك به أزمة قلوبهم.
استمع إلى قول عمرو بن معد يكرب يوماً كان بين عشيرته وجارتها جرم، وبين بني الحارث بن كعب وحليفتها فهد:
ليس الجمال بمنزرٍ ... فأعلم وإن رديت برداً
أن الجمال معادن ... ومناقب أورثن حمداً
أعددت للحدثان ... سابغة وعداء علندى
نهداً وذا شطب يقـ ... ـد البيض والأبدان قدا
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعباً ونهداً
стр. 83
قوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقا وقدا
كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا
وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى
وبدت محاسنها التي ... تخفى وكان الأمر جدا
نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا
هم ينذرون دمى وأنـ ... ـذر إن لقيت بأن أشدا
كم من أخٍ لي صالحٍ ... بوأته بيدي لحدا
ما إن جزعت ولا هلعـ ... ـت ولا يرد بكاي زندا
ألبسته أثوابه ... خلقت ويوم خلقت جلدا
أغني غناء الذاهبيـ ... ـن أعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فردا
فالشاعر في مقام الفخر بانتصار قومه على قبيلتي (كعب) و (فهد) اللتين أغارتا على قومه طالبين قتله وقد خرج إليهم غير عابئ بجموعهم؛ فنازل رئيسهم وهزمهم.
واقرأ هذه القصيدة وتفقد كلماتها؛ فإنك ستجدها سهلة الألفاظ، سلسة الأسلوب، جميلة المعاني، تعانقت كلماتها تعانقا لطيفاً آخذاً بعضها بحجز بعض حتى إنك لا تمل من قراءها لسهولتها وسلاسة أسلوبها، وجمال نظمها؛ فقد جاءت كلماتها فصيحة، متماسكة، قوية، معبرة أصدق تعبير عن مشاعر هذا الفارس، مصورة لتجربته في اللقاء والنزال، موحية بما يكنه لقومه من حب وإيثار، وبما يتمتع به من قوة الجلد والصبر في ميادين الشرف والبطولة.
وقد ضمنها خصائص بلاغية قيمة، فعرف حيث يقتضي المقام التعريف، ونكر حيث يقتضي المقام التنكير وأكد حيث يقتضي المقام التأكيد، وتجنب التأكيد حيث لا يقتضي المقام التأكيد، وهذا هو المقصود بقولهم: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
стр. 84
فالحال: هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، ومطابقة الكلام له بمعنى: اشتماله عليه، فإذا كان المخاطب ينكر قيام (زيد) - مثلاً - فإنكاره حال يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكداً، فيقول: (إن زيداً قائم) وتأكيد الخبر هو: مقتضى الحال. ومقتضى الحال مختلف؛ لأن مقامات الكلام متفاوتة؛ فمقام التنكير يغاير مقام التعريف، ومقام الإطلاق يغاير مقام التقييد، ومقام التقديم يغاير مقام التأخير، ومقام الذكر يغاير مقام الحذف، ومقام القصر يغاير مقام خلاف، ومقام الفصل يغاير مقام الوصل، ومقام الإيجاز يغاير مقام الإطناب والمساواة؛ وكذلك خطاب الذكي يغاير خطاب الغبي، وكذلك لكل كلمة مع صاحبتها مقام.
الفرق بين الحال والمقام:
الحال والمقام متقارباً المفهوم، والتغاير بينهما أمر اعتباري، وذلك لأن الأمر الداعي "مقام" باعتبار توهم كونه محلاً لورود الكلام فيه على خصوصية ما، و"حال"، وباعتبار كونه زماناً له.
وهناك فرق آخر: وهو: أن المقام تعتبر إضافته للمقتضى - بالفتح-، فيقال: مقام التأكيد والإطلاق، والحذف، والإثبات، كما تعتبر إضافة الحال للمقتضى - بالكسر، فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن، وغير ذلك.
وعلى هذا: فإذا تفاوتت المقامات اختلفت مقتضيات الأحوال، لأن الاعتبار اللائق بهذا المقام غير الاعتبار اللائق بذلك، واختلافها هو عين اختلاف مقتضيات الأحوال.
وارتفاع شأن الكلام - في الحسن والقبول- يكون بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاطه يكون لعدم مطابقته لهذا الاعتبار.
والمراد بالاعتبار المناسب: الأمر الذي اعتبره المتكلم مناسباً بحسب السليقة، أو بحسب تتبع تراكيب البلغاء، فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام؛ كالتأكيد، والإطلاق وغيرهما.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو الذي يسميه عبد القاهر الجرجاني: (النظم) وهي: تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
стр. 85
وللبلاغة في الكلام طرفا ن: أعلى وإليه تنتهي البلاغة، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، وهو: أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته، وأسفل، وهو: ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب؛ حيث تصدر عن محالها حسبما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد.
وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات والبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة.
وتتبع بلاغة الكلام وجوه أخرى سوى المطابقة والفصاحة تورث الكلام حسناً، وتكسبه رونقاً وجمالاً، وهذه الوجوه هي التي تضمنها علم البديع من محسنات لفظية ومعنوية.
و أما بلاغة المتكلم: فهي الموهبة أو الملكة التي يستطيع بها أن يؤلف كلاماً بليغاً .
ولعلك قد فهمت مما تقدم: أن كل بليغ - كلاماً كان أو متكلماً- فصيح، وليس كل فصيح بليغاً.
كما أنك قد فهمت مما أسلفنا لك: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره.
وتمييز الكلام الفصيح من غيره منه ما يتبين في علم متن اللغة؛ كالغرابة، أي تمييز السالم من الغرابة من غيره، أو في الصرف، كمخالفة القياس، أو في علم النحو، كضعف التأليف والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق كالتنافر.
فما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني المراد هو علم المعاني، وما يحترز به عن التعقيد المعنوي هو علم البيان وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو علم البديع.
* * *
стр. 86
تمرينات (على الفصاحة والبلاغة)
(١)
١ - بين ما يخل بالفصاحة في كل مما يأتي:
(أ) فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
(ب) وشوه ترقيش المرقش رقشه ... فأشياعه يشكونه ومعاشره
(ج) ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداً ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
(د) أني يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
(هـ) فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفراً رسومها قلما
٢ - ما المقصود بكل من الفصاحة والبلاغة لغة واصطلاحاً؟ وما الفرق بينهما؟
٣ - من شروط فصاحة الكلام أن يكون خالياً من التعقيد، فما المقصود بالتعقيد؟ وما أقسامه؟ مثل لما تقول.
٤ - وضح المقصود بكل مصطلح من المصطلحات التالية:
(أ) التنافر.
(ب) الغرابة.
(ج) مخالفة القياس الصرفي.
٥ - ما المراد بكل من الحال، والمقام؟ وما الفرق بينهما؟
٦ - بين مدى صلة العلوم العربية بالبلاغة.
(أ) أذكر ثلاثة أمثلة اختلفت فيها مقتضيات الأحوال والمقامات مبيناً الحال ومقتضاه، ومطابقة الكلام له في كل واحد منها.
стр. 87
(ب) بين سر خروج الكلام عن البلاغة في كل مما يأتي:
١ - وقلقلتك بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل هم كلهن قلاقل
٢ - إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
٣ - وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار
٤ - جزى ربه عني عدى بن حاتمٍ ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
٥ - مالي فتنت بلحظك الفتاك ... وسلوت كل مليحة إلاك؟ !
* * *
стр. 88
علم المعاني
هو بعينه نظرية النظم البلاغي التي أدار عليها عبد القاهر الجرجاني كتابه (دلائل الإعجاز).
وقد أخذ المتأخرون لفظة (المعاني) من قول الإمام عبد القاهر: "النظم هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام".
وعرفوا علم المعاني: بأنه "علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال".
وأحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال هي: ما يعرض له من تقديم، وتأخير، وتعريف، وتنكير وغير ذلك.
وهنا أحوال للفظ ليست بهذا المثابة، كالإعلال، والإدغام، والرفع والنصب، وما أشبه ذلك مما لا بد منه في تأدية المعنى، ولكنها ليست مما يبحث في علم المعاني، بل إنها تبحث في علمي: النحو والصرف.
على أن علم النحو قد درس أحوال التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير وغيرها مما يدرسه علم المعاني، ولكنه قد درسها من ناحية أخرى، فقد درس جواز التقديم وامتناعه ووجوبه وجواز الحذف وامتناعه ووجوب، وأنواع التعريف وأحكام التنكير، ولكنه لم يتناولها من حيث وقوعها مطلباً بلاغياً يقتضيه المقام، وتدعو إليه الحال.
وهذا هو الفرق بين البلاغة والنحو: موضوعات البلاغة تبحث في علم النحو، ولكن النحو يبحثها من حيث الصحة وعدمها، والبلاغي يبحثها من حيث مطابقتها لأحوال السامعين.
وقد حصر البلاغيون علم المعاني في ثمانية الأبواب التالية:
١ - أحوال الإسناد الخبري.
٢ - أحوال المسند إليه.
стр. 89
٣ - أحوال المسند.
٤ - أحوال متعلقات الفعل.
٥ - القصر.
٦ - الإنشاء.
٧ - الفصل والوصل.
٨ - الإيجاز والإطناب والمساواة.
والسر في انحصار علم المعاني في هذه الأبواب: أنهم تتبعوا العبارة من جميع جوانبها، وكل أحوالها، فوجدوا أن الكلام: إما أن يكون خبراً - وهو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته- وإما أن يكون إنشاء، وهو: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، فالأول هو الخبر، والثاني هو الإنشاء.
ثم الخبر: لا بد له من إسناد، ومسند إليه، ومسند، وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى.
ثم المسند: قد يكون له متعلقات - إذا كان فعلاً أو شبهه- فهذا هو الباب الرابع.
ثم الإسناد والتعليق، كل واحد منهما: إما أن يكون بقصر، وإما أن يكون بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس.
والإنشاء هو الباب السادس.
ثم إن الجملة - إذا قورنت بأخرى- تكون الثانية إما معطوفة على الأولى وإما غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع.
ولفظ الكلام البليغ إما أن يكون زائداً على أصل المعنى المراد لفائدة، وإما أن يكون غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.
* * *
стр. 90
أحوال الإسناد الخبري
الكلمات المفردة لا تعطيك معنى من المعاني إلا إذا كانت مرتبطة ببعضها متعلقا بعضها ببعض، آخذاً بعضها بحجز بعض، وكونت منها نوعاً من التأليف، وصغتها صياغة خاصة، شعراً كانت أو نثراً فلابد في الكلام من مسند، ومسند إليه، وإسناد.
والإسناد هو: ضم كلمة أو ما يجري مجراها، إلى الأخرى أو ما يجري مجراها، بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى، أو منفي عنه.
(أ) أغراض الخبر:
ذكر البلاغيون أن من يكون بصدد الإخبار ينحصر قصده بخبر هذا في أمرين:
الأول: إفادة المخاطب مضمون الخبر وفائدته ، وذلك كقولك لمن لا يعلم أن والداء قد سافر: (سافر والدك) ولمن لا يعلم أن الهلال قد ظهر: (ظهر الهلال) ولمن لا يعلم أن أخاه قد نجح: (نجح أخوك).
الثاني: إفادة المخاطب لازم فائدة الخبر: وذلك كقولك لمن حفظ القرآن الكريم: (أنت قد حفظت القرآن الكريم)، فهو يعلم أنه حفظ القرآن الكريم، ولكنك قد أفدته أنك تعلم ذلك -أيضاً -.
هذا هو الذي جرى عليه العرف في الإخبار بخبر ما، وذلك إذا التزم المتكلم باستعمال الجمل الخبرية في حقائقها، أما من يريد أن يستخدم الأساليب الخيرية في أفقها الأرحب فإن قصده يتعدد بتعدد الأغراض التي تدفعه إلى القول، وتحثه عليه، ولهذا فإن الخبر قد يخرج عن الغرضين الأساسيين، وهما الفائدة ولازم الفائدة إلى أغراض أخرى يقصدها البلغاء، وتتضح عن سياق الكلام، ومن هذه الأغراض:
١ - إظهار الضعف، كما في قول المسجاح بن سباع الضبي:
لقد طوفت بالآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد
стр. 91
وأفناني - ولا يفنى- نهار ... وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهرٍ ... وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تأتي ... منيته، ومأمول وليد
فقد أخبر الشاعر بأنه طوف في الآفاق حتى بلى وقارب الهلاك، وأهرمه مرور الليل والنهار، وتوالى الأشهر والسنين، وفقد من يعز عليه من الأصحاب والأبناء، ولم يقصد بخيره هذا فائدة الخبر أو لازمها، وإنما أراد أن يبث السامع مشاعره ليشاركه إحساسه، فتتحقق له بتلك المشاركة راحة نفسية يتطلبها.
٢ - والتحسر - كما في قوله تعالى-: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦].
٣ - والمدح - كما في قول أبي الطيب المتنبي- يمدح سيف الدولة:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم! !
٤ - والذم، كما في قوله يهجو كافوراً:
وتعجبني رجلاك في الفعل إنني ... رأيتك ذا نعل إذا كنت حافياً
وأنك لا تدري ألونك أسود ... من الجهل أم قد صار أبيض صافياً
ويذكرني تخبيط كعبك شقه ... ومشيك في ثوب من الزيت عارياً
٥ - وكتحريك حمية الجاهل، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
٦ - وكإظهار التحزن والتفجع، كقول الشاعر:
قومي هم قتلوا -أميم- أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
стр. 92
(ب) أضرب الخبر:
علمت أن الخبر هو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، فهو مظنة التكذيب، وقد نظر البلاغيون إلى أحوال المخاطب الذي يلقى إليه الخبر فوجدوا أنها ثلاثة:
١ - خلو الذهن. ... ٢ - التردد. ... ٣ - الإنكار.
لأن المخاطب إما أن يكون خالي الذهن من هذا الخبر، ولم يكن عنده سابق فكرة عنه ولا انشغال لخاطره به، وإما أن يكون متردداً في قبول هذا الخبر ورفضه، وإما أن يكون منكراً له رافضاً لقبوله، وتتراوح حال الإنكار والرفض عنده بين القوة والضعف.
وخالي الذهن من الخبر، لا يحتاج إلى تأكيد، بل يلقى إليه الكلام خالياً من التأكيد، لأنه يصادف ذهناً خالياً، فيتمكن منه بمجرد وصوله إليه:
والمتردد في الخبر: عند شك فيه، فهو طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردد، فيلقى إليه الخبر مؤكداً بمؤكد واحد فقط.
والمنكر: يحتاج إلى تأكيد أقوى من تأكيد المتردد، وهذا التأكيد يكون على حسب الإنكار قوة وضعفا، فيلقى إليه الخبر بأكثر من تأكيد واحد، أي بتأكيدين أو أكثر على حسب إنكاره في القوة والضعف.
ولهذا وجد البلاغيون أن أضرب الخبر ثلاثة:
الأول: الابتدائي: وهو ما يلقى إلى خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر، ومن التردد فيه، وهذا الضرب لا يحتاج إلى تأكيد، لأنه - كما علمت- يلقى إلى خالي الذهن، إذ يصادف ذهناً خالياً فيتمكن منه عند وصوله إليه، وذلك كقولك: نجح محمد، ومحمد ناجح، وكقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
وإنما سمى هذا الضرب ابتدائياً، لأنه يلقى إلى المخاطب ابتداءً دون سابق علم للمخاطب به.
والثاني: الطلبي: وهو ما يلقى إلى المتردد في قبول الخبر ورفضه .
стр. 93
وهذا الضرب يحسن تقويته بمؤكد واحد، كقولك: لمحمد ناجح، وإن محمداً ناجح، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وكقول أمير الشعراء:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
وإنما سمى هذا الضرب طلبياً، لأن المخاطب به طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردده.
والثالث: الإنكاري: وهو ما يلقى إلى المنكر للخبر والرافض لقبوله .
وهذا الضرب يجب تأكيده بحسب قوة الإنكار وضعفه، فكلما ازداد الإنكار زيد في التأكيد، وذلك مثل قولك لمنكر نجاح محمد: إن محمداً ناجح، فإذا زاد في إنكاره قلت له: والله إن محمداً لناجح. وهكذا.
انظر كيف تدرجت الآية الكريمة في التأكيد وفق إنكار المنكرين - في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٦].
فالآية الكريمة تصور حواراً جرى بين الرسل وأصحاب القرية التي أرسلوا إليها، وقد جاء خطاب الرسل لأصحاب القرية في المرة الأولى مؤكداً بإن، واسمية الجملة، لأنهم كذبوا، بدليل قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ فلما رد عليهم أصحاب القرية بقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ مؤكدين ردهم بالنفي والاستثناء أي: لستم رسلاً، لاعتقادهم أن الرسول لا يكون بشراً، مردفين ذلك بقولهم: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهو تأكيد ثان لنفي الرسالة عنهم بصورة أبلغ، لأنهم نفوا أن يكون الله تعالى قد أنزل شيئاً عليهم أو على غيرهم، ثم أردفوا ذلك بقولهم: ﴿أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فوصفوا رسل الله بالكذب بأسلوب مؤكد بالنفي والاستثناء، فما كان من الرسل ﵈ إلا أن ردوا عليهم بعد هذا العناد والإنكار والمكابرة والتطاول - بقولهم-: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾
стр. 94
فكرروا قولهم الأول. وفي هذا ضرب من التأكيد، ثم زادوا مقولتهم بجرعات أخرى من التأكيد تمثلت في (إن) و (اللام) و (اسمية الجملة) وبقولهم (ربنا يعلم) لأنه لو أخر من ألوان التأكيد، كقولهم: "علم الله، وشهد الله".
وهكذا نجد أن التأكيد يأتي على قدر الإنكار، أو التردد، وأن عدم التأكيد لا يكون إلا إذا ألقى الكلام إلى خالي الذهن من الخير، وإنما سمي هذا الضرب إنكارياً لأنه يلقى إلى المنكر للخبر والرافض لقبوله.
ويسمى إخراج الكلام على الوجوه المذكورة - أعني الخلو من التأكيد لخالي الذهن، والتقوية بمؤكد استحساناً للمتردد، ووجوب التأكيد للمنكر - إخراجاً للكلام على مقتضى الظاهر، أي: الإتيان بالكلام على مقتضى ظاهر حال المخاطب.
صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر
وقد يأتي الكلام على خلاف ظاهر الحال، فلا يعتد المتكلم بواقع حال المخاطب، ولكنه يجري على أمور اعتبارية يلحظها هو في كلامه، فيجعلها مقامات، ويصوغ عبارته على مقتضاها:
(أ) كأن ينزل خالي الذهن منزلة المتردد، وذلك إذا قدم له في الكلام ما يلوح له بالخبر ، فيستشرف له استشراف الطالب المتردد، وحينئذ يحسن تأكيد الخبر له بمؤكد واحد يزيل تردده.
وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فمطلع الكلام وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معناه: لا تدعني يا نوح في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، وهذا كلام يوحى بالخبر، ويهيئ النفس لأن تظن بأنهم مغرقون، وخصوصاً بعد أن تقدم قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٦، ٣٧] فقد أوحى الله إليه بأن قومه لن يؤمنوا، ثم أمره بصنع الفلك، فالإيحاء بأنهم لن يؤمنوا إشارة إلى أنهم سيقع بهم عذاب، والأمر بصنع الفلك إشارة واضحة إلى أنهم مغرقون لا محالة.
стр. 95
ولما تضمن سابق الكلام هذا الإيحاء بالخبر، صار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم صاروا محكوماً عليهم بالإغراق أم لا؟ ويطلبه، فنزل منزلة السائل، وقيل: "إنهم مغرقون" مؤكداً، أي محكوم عليهم بالإغراق.
ويكثر هذا الأسلوب في القرآن الكريم، حتى إنه - كما يقول الإمام عبد القاهر- لا يدركه الإحصار، يأتي بعد الأوامر والنواهي كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ومنه قول الشاعر:
فغنها - وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء
لما طلب الشاعر من مخاطبه الغناء للإبل، تطلعت نفسه إلى معرفة سبب هذا الطلب، فكأنه سأل: وهل غناء الإبل هو الحداء؟ فجاء الخبر مؤكداً بإن لإزالة تردد مقدر من المخاطب.
(ب) وكأن ينزل المنكر منزلة غير المنكر، وذلك إذا كان معه من الأدلة والشواهد ما إن تأمله ارتدع عن إنكاره ، وذلك كما تقول لمنكر الإسلام: (الإسلام حق) هكذا من غير تأكيد، لأن لديه من الأدلة الدالة على نبوة محمد- ﷺ ما إن تأمله لارتدع عن إنكاره، وهذا شأن الحقائق الكبرى، والقضايا العظيمة التي تلقى دون احتفال بإنكار المنكرين، أو اهتمام تكذيب المكذبين.
ومنه قول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] فهذا خبر عظيم ينكره الكافرون الجاحدون، ولكن القرآن الكريم لم يعبأ بإنكارهم، وساق تلك الحقيقة الكبرى مساق الأمور المسلم بها، والتي لا تحتاج إلى تأكيد.
ومن هذا الأسلوب في الشعر قول أمير الشعراء يرثى جدته:
خلقنا للحياة وللممات ... ومن هذين كل الحادثات
стр. 96
ومن يولد يعش ويمت كأن لم ... يمر خياله بالكائنات!
ومهد المرء في أيدي الرواقي ... كنعش المرء بين النائحات
وما سلم الوليد من اشتكاء ... فهل يخلو المعمر من أذاة؟ !
هي الدنيا: قتال نحن فيه ... مقاصد للحسام وللقناة
وكل الناس مدفوع إليه ... كما دفع الجبان إلى الثبات
تروع ما نروع ثم ترمى ... بسهم من يد المقدور آت! !
فقد سرد أمير الشعراء قضايا عدة دون تأكيدها، على الرغم من أنها ليست مسلماً بها من جميع الناس، ولكن لما كانت أدلة صحتها كثيرة لو تأملها الجميع لآمنوا بها ساقها مساق الأمور المسلمة التي لا اعتراض لأحد عليها.
(جـ) قد ينزل غير المنكر منزلة المنكر، وذلك إذا ظهر عليه شيء من علامات الإنكار ، فيلقى إليه الكلام مؤكداً. وإن لم يكن في ظاهر حاله منكراً.
فالمسلم المهمل في أداء الصلاة تقول له: (إن الصلاة واجبة) تنزيلاً له منزلة المنكر، وإن لم يكن منكراً لفرضية الصلاة، لأن إهماله في أداء الصلاة أمارة من أمارات الإنكار.
ومن هذا القبيل قوله الله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]. فإتيان الساعة حقيقة لا ينكرها المسلمون، ولكن تصرف المسلمين حيال هذه الحقيقة تصرف من لا يؤمن بها، ولهذا خوطبوا خطاب المنكرين لقيام الساعة.
ومما هو أصل في هذا الباب قول حجلة بن نضلة الباهلي:
جاء شقيق عارضاً رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فقد رأى الشاعر شقيقاً مقبلاً غير مكترث بقومه، إذ جاء عارضاً رمحه، أي واضعاً له بالعرض على فخذه غير متهيئ لقتال، كأنه ينكر أن يكون فيهم من يستطيع لقاءه، فنزل منزلة من ينكر أن في بني عمه رماحاً، وإن لم يكن منكراً في الحقيقة، فقال: (إن بني عمك فيهم رماح).
стр. 97
تمرينات
على أغراض الخبر وأضربه
(١)
١ - بين الغرض من الخبر في كل مما يأتي:
(أ) قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩].
(ب) ذهب الذي يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف بغير خلاق
(جـ) قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
(د) قال الشاعر معرضاً بقومه:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحساناً
٢ - بين الغرض من التأكيد في كل مما يأتي:
(أ) جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
(ب) قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
(جـ) إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
(د) ألا إن أخلاق الفتى كزمانه ... فمنهن بيض في العيون وسود
(هـ) دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
стр. 98
(٣)
بين ما جرى من أضرب الخبر على مقتضى الظاهر وما جرى منها على خلافه فيما يأتي:
(أ) قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
(ب) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦].
(جـ) قال بعض الشعراء:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
(د) بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذلك النجاح في التبكير
* * *
стр. 99
المجاز العقلي
عرفت مما تقدم أنه لابد في الجملة من مسند ومسند إليه وإسناد حتى تؤدي الجملة معنى من المعاني، وأن الإسناد هو: ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه.
والإسناد يأتي على ضربين: حقيقي، ومجازي .
فأما الإسناد الحقيقي: فهو إسناد الفعل أو ما في معناه، كالمصدر، واسم الفاعل ونحوهما مما هو في معنى الفعل إلى ما هو له في الحقيقة، وذلك كما في قولك: (شفى الله المريض) فإسناد الشفاء إلى الله تعالى إسناد حقيقي، لأن الفاعل الحقيقي للشفاء إنما هو الله تعالى، وكذلك تقول في (نصر الله الجيش) و (أنزل الله الغيث).
ويسمى هذا الإسناد: (حقيقة عقلية).
وأما الإسناد المجازي: فهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الحقيقة.
وذلك كما في قولك: (أنبت الربع البقل) فإسناد الإثبات إلى الربيع إسناد مجازي، لأنه ليس الفاعل الحقيقي للإثبات، وكذلك تقول في (بني الأمير المدينة) لأن الأمير ليس هو الفاعل الحقيقي للبناء، وإنما بنى العمال المدينة بأمر منه.
ويسمى هذا الإسناد: (مجازاً عقلياً).
ولما لم يكن من المستطاع تصوير المجاز العقلي قبل تصوير الحقيقة العقلية قدم البلاغيون بحثهم للحقيقة العقلية بين يدي بحثهم للمجاز العقلي.
وقد عرف الخطيب الحقيقة العقلية بأنها: (إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم الظاهر).
وما في معنى الفعل هو: المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، وظرف الزمان، وظرف المكان، واسم التفضيل.
стр. 100
وصور الإسناد الحقيقي عنده أربعة:
الأولى: صورة تطابق الواقع والاعتقاد كليهما ، وذلك كقول المؤمن: (أنبت الله البقل).
والثانية: سورة تطابق الواقع دون الاعتقاد ، كقول المعتزلي - لمن لا يعرف حاله- وهو يخفيها عنه (خالق الأفعال كلها هو الله تعالى) والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم.
والثالثة: صورة تطابق الاعتقاد دون الواقع ، كقول الجاهل: (شفى الطبيب المريض).
والرابعة: صورة لا تطابق شيئاً منهما ، وذلك كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد - وهو لم يجيء.
وأما المجاز العقلي: فقد عرفه الخطيب بقوله: (هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول).
وأنت تلاحظ الفرق بين تعريف الخطيب للحقيقة العقلية، وتعريفه للمجاز العقلي فقد قال هناك: (إلى ما هو له) وقال هنا: (إلى ملابس له غير ما هو له).
فالفعل في الحقيقة العقلية يسند إلى فاعله الحقيق، ولكنه في المجاز العقلي يسند إلى غير فاعله الحقيقي، أي يسند إلى ما يلابس الفعل، أي ما كانت له بالفعل - أي الحدث- ملابسة، أي علاقة، فالملابسة هي العلاقة.
وللفعل علاقات شتى، فله علاقة بالفاعل، لأنه واقع منه، وله علاقة بالمفعول، لأنه واقع عليه، وله علاقة بالمصدر، لأنه أصل الحديث، وله علاقة بالزمان والمكان لوقوعه فيهما، وله علاقة بالسبب، لأنه مسبب عنه.
على أن هذه العلاقات - وإن لم تكن هي كل علاقات المجاز العقلي- إلا أنها أشهر هذه العلاقات.
١ - الفاعلية: وهي: أن يسند الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل، وذلك كما في قولك: (ماء مغمور) و (سيل مفعم) فالماء لا يكون مغموراً، وإنما هو غامر، والسيل لا يكون مفعما - بفتح العين- وإنما هو مفعم بكسر العين لأن الماء هو فاعل
стр. 101
الغمر، والسيل هو فاعل الافعال، فاسم المفعول هنا بمعنى اسم الفاعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]؛ فمستور هنا بمعنى ساتر؛ لأن الحجاب ساتر وليس مستوراً، فاسم المفعول هنا بمعنى اسم الفاعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.
ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ [مريم: ٦١] أي: آتيا؛ فاسم المفعول هنا وهو (مأتى) بمعنى اسم الفاعل، أي (آت). فقد أسند اسم المفعول إلى ضمير اسم الفاعل على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الفاعلية.
٢ - المفعولية وهي: أن يسند الفعل المبني للفاعل إلى المفعول به، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦، ٧] فالعيشة مرضية، وليست راضية، لأن الذي يرضى هو صاحب العيشة، لأن الأصل رضى الإنسان عيشته، فالعيشة مفعول به، وليست فاعلاً، فاسم الفاعل هنا بمعنى اسم المفعول، فهو من إسناد اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي المفعولية.
وكما في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً﴾ [القصص: ٥٧]، والحرم مأمون وليس آمناً. فقد أسند الأمن إلى الحرم، وكان حقه أن يسند إلى أهل الحرم، فآمن هنا بمعنى مأمون، فكأنه أسند اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول، فهو مجاز عقلي علاقته المفعولية.
٣ - المصدرية: وهي: أن يسند الفعل إلى مصدره، كما في قولهم: شعر شاعر، فإن الشاعر هو صاحب الشعر لا الشعر، وكما في قولهم: "جد جده" إذ أسندوا الجد إلى الجد نفسه، والأصل في ذلك: شعر شاعر صاحبه، وجد صاحب الجد.
ومنه قول أبي فراس:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
стр. 102
فقد أسند الجد إلى المصدر، وليس الجد هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل الحقيقي هو الرجل الجاد، فإسناد الفعل هنا إلى مصدره مجاز عقلي علاقته المصدرية.
- ومنه قول الشاعر:
تكاد عطايا يجن جنونها ... إذا لم يعوذها برقية طالب
فقد أسد الفعل - وهو (يجن) - إلى مصدره وهو (جنونها)، وهو مجاز عقلي علاقته المصدرية.
٤ - الزمانية: وهي أن يسند الفعل إلى زمانه، كما في قولهم: نهاره صائم، وليله قائم، فقد أسند الصوم إلى النهار، والقيام إلى الليل، مع أن الصائم هو الرجل، وكذلك القائم بالليل هو الرجل، ولكنهم أسندوا الحدث إلى الزمان لوقوعه فيه، على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الزمانية، ومنه قول النبي ﷺ : "اللهم إني أحمدك على العرق الساكن والليل النائم"، والليل لا ينام ولكن ينام الناس فيه، فقد أسند النوم إلى الليل لوقوعه فيه.
ومن المتداول في هذا الباب قول جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السري ... ونمت وما ليل المطي بنائم
فقد نفى النوم عن الليل، والليل لا ينام، والمراد نفيه عن المطي، ومنه قول أبي البقاء الرندي:
هي الأمور - كما شاهدتها- دول ... من سره زمن ساءته أزمان
فقد أسند فعل السرور والإساءة إلى الزمان، وهو لا يقع منه ذلك ولكن يقع فيه.
٥ - المكانية: وهي أن يسند الفعل إلى مكانه، ومن أمثلته قولهم: طريق سائر ونهر جار، فقد أسند السير إلى الطريق، والطريق لا يسير وإنما يسير الناس فيه، فإسناد السير إلى الطريق مجاز عقلي علاقته المكانية.
وكذلك أسند الجريان إلى النهر، وإنما يجري الماء فيه، فإسناد الجريان إلى النهر مجار عقلي علاقته المكانية؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
стр. 103
فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، فالأنهار اسم لمكان جريان الماء، فالأنهار لا تجري في الحقيقة، ولكن تجري المياه فيها، فإسناد الجريان إلى الأنهار مجاز عقلي علاقته المكانية.
٦ - السببية: وهي أن يسند الفعل إلى سببه، ومن أمثلتهم لهذه العلاقة قولهم: (محبتك جاءت بي إليك) فالمحبة لم تجيء بك وإنما أنت الذي جئت بسبب هذه المحبة، فأسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي علاقته السببية.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] فأسند التذبيح إلى فرعون، وليس فاعلاً حقيقاً له، وإنما هو آمر فقط بالتذبيح، فهو سبب فيه، ولهذا فإن الإسناد مجاز عقلي علاقته السببية.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
لما كانت الصوارم والقنا سبباً في إحياء المال (بمعنى جمعه) وكان التبسم والجدا سبباً في قتله (بمعنى إنفاقه على العافين) جاز أن بسند الإحياء إلى الصوارم والقنا، وأن يسند القتل إلى التبسم والجدا، على سبيل المجاز العقلي لعلاقة السببية.
* * * *
стр. 104
تمرينات على المجاز العقلي
(١)
بين المجاز العقلي وعلاقته في كل مما يأتي:
(أ) قال أبو الطيب المتنبي يصف ملك الروم بعد هزيمته:
يمشي به العكاز في الدير نائباً ... وقد كان يأبى مشي أشقر أجردا
(ب) وقال أيضاً:
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت على مصائبا
(جـ) إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
(د) وتحيي له المال الصوارم والقنا ويقتل ما تحيي التبسم والجدا
(٢)
(أ) مثل بأسلوبك لكل ما يأتي:
١ - مجاز عقلي علاقته السببية.
٢ - مجاز عقلي علاقته الزمانية.
٣ - مجاز عقلي علاقته المكانية.
٤ - مجاز عقلي علاقته الفاعلية.
٥ - مجاز عقلي علاقته المفعولية.
(ب) حول كل حقيقة عقلية إلى مجاز عقلي ثم بين علاقته في القطعة التالية:
قال بعضهم يصف قوماً من الزهاد والوعاظ:
- جلوا بكلامهم الأبصار العليلة، وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة، ونبهوا القلوب من غفلتها، ونقلوها من سوء عادتها، فشفوها من داء الغفلة، وداووها من العي الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح".
стр. 105
[المسند إليه]
حذف المسند إليه
وإنما قدموا حذف المسند إليه على ذكره، لأن ذكره هو الأصل، لأنه أحد ركني الإسناد؛ ولا يحذف إلا لغرض بلاغي، وقد ذكر البلاغيون
من الأعراض البلاغية لحذف المسند إليه، الأغراض التالية:
١ - الاحتراز عن العبث في ذكره بناء على الظاهر، لدلالة القرينة عليه ، وذلك كقولك لمن يستشرف الهلال: "الهلال والله"؛ أي: هذا الهلال والله، فلو صرحت بذكر المسند إليه لكان ذكره عبثاً - في الظاهر- بمعنى أنه لا تظهر له فائدة.
ومنه قولك: (حضر الجلسة)؛ تريد: الرئيس، إذا كانت هناك قرينة قائمة على أن الرئيس قد حضرها.
٢ - ضيق المقام، بسبب مرض، أو ضجر ، كما في قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل
والتقدير: أنا عليل، وحالي سهر دائم، وقد حذف المسند إليه في شطري البيت لضيق المقام.
ومن الحذف لضيق الصدر: قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، أي أنا عجوز، فحذف المسند إليه لما تحسه من ضيق صدرها من الإطالة في الكلام بسبب ما انتابها من العقم، وما لحقها من الكبر.
٣ - اختبار تنبه السامع: أيتنبه إلى المسند إليه، لقيام القرينة الدالة عليه، أم لا يتنبه إلا بالتصريح ؟ ومثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان، تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر - يعلم بهذه الصلة: "غادر" تريد: الصديق غادر، فتحذف المسند إليه لتختبر ذكاء السامع، أيتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف هو "الصديق" بقرينة ذكر "الغدر" إذ هو المناسب لمعنى الصداقة، أم أنه لا يتنبه؟
٤ - اختبار مقدار تنبه السامع، ومبلغ ذكائه عند قيام قرينة خفية على المسند إليه، أيتنبه إليه بالقرينة الخفية أم أنه لا يتنبه ؟
стр. 106
ومثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تجمعك بهما صداقة، غير أن أحدهما أقدم صحبة من الآخر فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "جدير بالوفاء" تريد أقدمهما صحبة، ولكنك تترك ذكره حينئذ، اختباراً لمقدار تنبه السامع، أيتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية - وهي أن ذا الوفاء هو: ذو الصداقة القديمة، دون حادثها، أم أنه لا يتنبه؟
٥ - الحذر من فوات فرصة سانحة ، وذلك كأن تقول لصائد متحفز: "غزال" وكأن تقول لواقف في طريق قطار مسرع - وهو غافل: "أقبل" تريد: القطار أقبل، فتحذف المسند إليه مخافة أن تفوت فرصة الإفلات من الخطر، فيدهمه القطار.
٦ - إيهام صون المسند إليه عن لسانك تعظيماً لشأنه ، أو صون لسانك عن ذكره احتقاراً لشأنه، فالأول: نحو قولك: (ارفع راسة التوحيد، مقوض دعائم الشرك) وتقصد: النبي ﷺ فتترك ذكره صوتاً له عن لسانك تعظيماً له، والثاني: نحو قولك: (مخذول مدحور) وتقصد: إبليس اللعين، فتحذفه صوناً للسانك عن ذكره، احتقاراً له.
٧ - تأتي الإنكار عند الحاجة إليه ، ومثال ذلك: أن يحضر إليك جماعة من بينهم خصم لك، فتقول لآخر: (فاجر، فاسق) وأنت تقصد هذا الخصم ولكنك تترك ذكر اسمه، حتى يتسنى لك أن تنكر عند لومه لك على سبه.
٨ - قصد تعين المسند إليه: إما لأن المسند لا يصح إلا للمسند إليه ، ومثاله قولك: (عالم الغيب والشهادة)، تريد الله فتحذفه لتعينه، إذ إن علم الغيب والشهادة خاص به تعالى.
وإما لأن المسند قد بلغ في المسند إليه مرتبة الكمال، ومثله قولك: (عادل في حكومته) وتريد: عمر بن الخطاب ﵁، فتحذفه؛ لأن صفة العدالة بلغت فيه حد الكمال، وقولك: أمير الشعراء: وتقصد: (شوقي)، لأن إمارة الشعر قد لزمت له بإجماع شعراء عصره لبلوغها فيه حد الكمال، وإما لأن المسند إليه معهود بين المتكلم والمخاطب، كقولك: (حضر) تريد شخصاً معهوداً بينك وبين المخاطب.
стр. 107
٩ - ادعاء تعين المسند إليه ، وذلك كقولهم: (هازم الجيوش) يريدون: "خالد بن الوليد".
١٠ - قصد المحافظة علة الوزن، أو السجع، أو القافية:
فمثال الأول قول الشاعر:
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا علي ولا ليا
أي: لا علي شيء، ولا لي شيء، فحذف المسند إليه، وهو لفظ (شيء) محافظة على وزن البيت.
ومثال الثاني: قولهم: (من كرم أصله وصله حبله)؛ والتقدير: وصل الناس حبله ولكنهم حذفوا المسند إليه الأصلي؛ وهو الفاعل: محافظة على السجع.
ومثال الثالث قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوما أن ترد الودائع
يقصد أن يرد الناس الودائع فحذف المسند إليه محافظة منه على القافية؛ ولولا ذلك لصارت منصوبة - والقافية في القصيدة كلها- مضمومة لا مفتوحة.
١١ - اتباع الاستعمال الوارد - على حذف المسند إليه - وذلك كما في الأمثال الواردة من مثل قولهم: (رمية من غير رام) يقصدون: هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، فإذا ما قلنا هذا القول في إنسان قد وفق في عمله عفو الخاطر، ولكنه ليس أهلاً لمثل هذا التوفيق، كان هذا القول مطابقاً لمقتضى حاله، ومثله قولهم: (شنشنة أعرفها من أخزم)، أي: هي شنشنة.
ذكر المسند إليه
من الأغراض التي ذكرها البلاغيون لذكر المسند إليه
١ - أن يكون ذكر المسند إليه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، فإذا كنت مع صديق لك تنتظر قدوم محمد - مثلاً - ثم رأيته، فقلت: (قدم محمد) كنت بذلك قد ذكرت المسند إليه، وهو: (محمد) مع قيام قرينة الحال عليه، ولو قلت: (قدم) وحذفت المسند إليه لكان ذلك جائزاً أيضاً.
стр. 108
٢ - ضعف التعويل على القرينة لأنها غير واضحة أو للأشتباه فيها
فالأول: وهو أن تكون القرينة غير واضحة ، مثاله: أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانياً، لاحتمال غفلة السامع لطول العهد به.
والثاني: وهو أن يشتبه في أمر القرينة ، مثاله: أن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث إلى غيره، فيذكر المسند إليه ثانياً، لئلا يلتبس الأمر على السامع، فلا يعلم المحدث عنه على وجه اليقين، وذلك كأن يكون الحديث عن شوقي، ثم يجري الحديث عن شاعر غيره؛ فإذا ما رأيت مدح شوقي حينئذ، قلت: شوقي نعم الشاعر.
٣ - التنبيه إلى أن السامع غبي لا يفهم المحذوف مع وجود قرائنه؛ فيذكر المسند إليه إشارة إلى هذا الغرض ، وذلك كما تقول لمن يسمع القرآن الكريم ولكنه لا يحفل به: (القرآن شفاء للقلوب).
٤ - إظهار تعظيم المسند إليه وتفخيمه؛ لأن اللفظ مما يدل على التعظيم، أو إظهار تحقيره والتهوين من شأنه، لأن اللفظ مما يدل على التحقير .
فمثال الأول؛ قولك: (قائد الجيش قادم) ومثالي الثاني: (اللئيم قادم).
٥ - إرادة التبرك بذكره، أو التلذذ بسماعه:
فمثال ذكر المسند إليه للتبرك قولك: (هل قال رسول الله كذلك؟ ) فتذكر المسند إليه وهو: (رسول الله) تيمناً بذكر اسمه، وتبركاً به.
ومقال ذكر المسند إليه للتلذذ به، قولك: (ليلى أقبلت) و (بثينة سلمت).
٦ - القصد إلى بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء السامع مطلوباً للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه، ولهذا يحسن إطالة الكلام مع الأحبة ، وذلك كما في قوله تعالى - حكاية لقول موسى- ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه: ١٨] جواباً عن سؤاله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧]، وقد كان يكفي في الجواب أن يقول "عصا" لأن "ما" للسؤال عن الجنس، ولكنه ذكر المسند إليه وهو الضمير "هي"
стр. 109
حباً في إطالة الكلام في حضرة الذات العلية، ولهذا لم يكتف سيدنا موسى ﵇، بذكر المسند إليه ولكنه أردف ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، ولم يذكر هذه المآرب طمعاً في أن يسأل عنها فيجيب فيتلذذ بالسؤال والجواب معاً.
٧ - إظهار التعجب منه، لأن الحكم غريب يندر وقوعه ، وذلك كقولك - عن إنسان سبق الحديث عنه: فلان يصارع الأسود، أو فلان عبر المحيط! !
٨ - قصد التسجيل على السامع بن يدي القاضي حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار ، وذلك كأن يقول القاضي لمن شاهد واقعة: هل أقر هذا بأن عليه لفلان كذا من المال؟ فيجيب الشاهد: نعم أقر فلان أمامي بكذا، فيذكر اسمه لئلا يجد المشهود عليه سبيلاً إلى الإنكار إذا لم يذكر اسمه.
٩ - حرص المتكلم أن يضيف الخير إلى المسند إليه في صورة واضحة ومؤكدة ، ومن ذلك قول عبد الله بن الدمينة معاتباً صاحبته أمامه:
وأنتِ التي قطعت قلبي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم
وأنتِ التي كلفتني دلج السري ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
وأنتِ التي أحفظتِ قومي فكلهم ... بعيد الرضا، داني الصدور كظوم
فأجابته أمامه - على وزنها، ورويها-:
وأنتَ الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضاً أرمى وأنت سليم
فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
فالشاعر هنا يلوم صاحبته بأنها قطعت قلبه وجداً، ونكأت جرح قلبه، وكلفته الإدلاج السري، أغضبت قومه عليه، وأمامه تجيبه معاتبة هي الأخرى بأنه أخلف وعده لها، وأشمت بها من كان يلومها فيه، وكشف أمرها للناس، ثم تركها غرضاً لسهام قالتهم.
стр. 110
وقد ذكر الشاعر ضمير صاحبته - وهو المسند إليه- في كل بيت لكي يسند إليه هذه الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي: تقطيع قلبه، وتكليفه الإدلاج بالسري، وإحفاظ قومه عليه.
كما أن صاحبته هي الأخرى قد ذكرت ضميره في أول الأبيات، لكي تسند إليه تلك الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي: أنه أخلف ما وعدها به، وأنه أشمت به اللوام، وأنه كشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لألسنتهم.
****
следующие страницы →