ومثال استعمال (إنما) في ما من شأنه ألا يكون مجهولاً ولا منكراً، قولك لصاحبك وقد رأيتما شخصاً من قريب: (إنما المقبل محمد)؛ فمثل هذا الحكم من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره لقرب الشخص من مرأى العين.
ومثال ما نزل فيه الحكم المجهول منزلة ما من شأنه أن يكون معلوماً قول الله تعالى - حكاية عن اليهود-: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، فقد أدى اليهود أن كونهم مصلحين أمر ظاهر من شأنه ألا يجهل ولا ينكر، ولهذا عبروا فيه "إنما" تنزيلاً للمجهول - وهو كونهم مصلحين- منزلة ما شأنه أن يكون معلوماً، لا يجهله المخاطب ولا ينكره.
ونكتة هذا التنزيل: الإشعار بأن ما يدعونه من أنهم مصلحون أمر وضح جلي لا يجمل إنكاره، ولهذا جاء رد الله الله عليهم أبلغ رد، وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
فقد أكد هذا الرد بتأكيدات مختلفة وهي:
١ - إفراد الجملة الاسمية الدالة على الثبوت.
٢ - تأكيدها "بأن" المشددة.
٣ - تعريف الخبر الدال على حصر المسند إليه.
٤ - توسيط ضمير الفصل المؤكد لهذا الحصر.
٥ - تصدير القول بحرف التنبيه؛ الدال على أن مضمون الكلام مما له خطر يستوجب العناية والاهتمام.
٦ - تعقيبه بما يدل على التقريع والتوبيخ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، إذ معناه: أنهم في عداد الموتى، لا شعور لهم.
والطريق الثالث: وهو: (إنما) يعقل منه حكما الإثبات والنفي دفعة واحدة ، ويفهمان نصاً دون الاعتماد على شيء آخر، فإذا قلت: (إنما طارق شجاع) فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت عنه ما عداه من الصفات في القصر الحقيقي - أو نفيت عنه صفة الجبن في القصر الإضافي، وهذان الحكمان قد فهما من العبارة السابقة دفعة واحدة ودلت عليهما نصاً دون الاعتماد على شيء آخر.
стр. 177
وهذا يخالف العطف والتقديم والنفي والاستثناء، فإذا قلت - في العطف-: (طارق شجاع لا جبان) و (ما طارق جبانا بل شجاع) أو (لكن شجاع) فإن الذي يعقل أولاً في المثال الأول ثبوت الشجاعة لطارق ثم نفى الجبن عنه، والذي يعقل في المثال الثاني أولاً: نفي الجبن عن طارق، ثم ثبوت الشجاعة له، ولا ريب أن تعقل الحكمين معاً أفضل حتى لا يذهب فيه الوهم إلى عدم القصر من أول الأمر.
وإذا قلت - في التقديم-: (الحق عرفت) فإنه وإن أفادهما معاً إلا أن إفادته إياهما على سبيل الاحتمال لا القطع، إذ يحتمل أن يكون الاسم المذكور معمولاً للعامل المؤخر فيكون تقديمه مفيداً لهما معاً، ويحتمل أن يكون معمولاً لشيء آخر مقدر فلا يكون مفيداً لهما.
وإذا قلت - في النفي والاستثناء -: (ما أسعدني إلا نجاحك) فإنه وإن أفادهما معاً إلا أن إفادته موقوفة على المستثنى منه، لأن الاستثناء قد وضع للإخراج، فلابد من مراعاة المخرج منه.
فقد وضح من ذلك إذن أن إفادة حكمي الإثبات والنفي معاً دفعة واحدة، مزية مقصورة على (إنما).
والطريق الرابع: وهو التقديم: يمتاز من بين الطرق الأخرى بأنه إنما يدل على القصر بمفهوم الكلام وفحواه، بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام المشتمل على تقديم ما حقه التأخير فهم القصر وإن لم يعرف أن التقديم في اصطلاح البلاغيين مفيد للقصر، فقولك: (مصري أنا) يفيد قصر المتكلم على وصف المصرية، لا يتعداها إلى الشامية - مثلاً -، وذلك بالنظر إلى مفهوم الكلام وفحواه.
أما الطرق الثلاثة الأخرى - وهي العطف، والنفي والاستثناء، وإنما- فإن دلالتها على القصر بالوضع لا بالفحوى، أي أن الواضع وضع هذه الثلاثة لمعنى هو: إثبات المذكور ونفي ما عداه، بحيث يجزم العقل - عند ملاحظته- بالقصر، فلا العاطفة - مثلاً - موضوعة للنفي بعد الإثبات وهذا المعنى مفيد للقصر، وكذلك النفي والاستثناء، فحرف النفي موضوع للنفي وحرف الاستثناء موضوع للإخراج من حكم النفي، وهذا المعنى - أيضاً - مفيد للقصر.
стр. 178
"وإنما" مفيدة - أيضاً - للقصر، بالوضع، لأنها تتضمن معنى (ما وإلا) المفيدين للقصر.
مواقع القصر: يقع القصر بين الأمور التالية:
١ - بين المبتدأ والخبر، كما في قولك: (ما شوقي إلا شاعر) - في قصر الموصوف على الصفة- وكما في قولك: (ما شاعر إلا شوقي) في قصر الصفة على الموصوف- وقد سبق أن عرفت هذا.
٢ - بين الفعل والفاعل: نحو: (ما نجح إلا عصام) - في قصر الصفة على الموصوف- وأما عكسه وهو قصر الفاعل على الفعل فإنه غير ممكن، وذلك لأن المقصور يجب تأخيره - على ما سيأتي- والفعل لا يؤخر عن الفاعل. فإن خرج عن الفاعلية رجع الأمر إلى قصر المبتدأ على الخبر.
٣ - بين الفاعل والمفعول: نحو (ما عرفت إلا عصاماً) في قصر الفاعل على المفعول، ونحو: (ما عرفني إلا عصام) - في قصر المفعول على الفاعل.
٤ - بين المفعولين: نحو: (ما لقنت العدو إلا درساً) - في قصر المفعول الأول على المفعول الثاني- ونحو: (ما لقنت درساً إلا العدو) في قصر المفعول الثاني على المفعول الأول.
٥ - بين متعلقات الفعل:
فتقول - في قصر الحال على صاحبها: (ما جاء مبتسماً إلا علي)، أي ما صاحب المجيء مع الابتسام إلا علي، فيكون من قصر الصفة على الموصوف.
وتقول في قصر صاحب الحال عليها: (ما علي إلا جاء مبتسماً) أو (ما جاء علي إلا مبتسماً) ومعنى المثال الأول، ما علي إلا صاحب المجيء مع الابتسام، ومعنى المثال الثاني: ما مجيء علي إلا مصحوب بالابتسام، وكلاهما من قصر الموصوف علي إلا الصفة.
وتقول في قصر التمييز على مميزه: (ما طاب نفساً إلا عصام): أي: ما صاحب النفس الطيبة إلا عصام، فيكون من قصر الصفة على الموصوف، وتقول - في مصر
стр. 179
مميزه عليه- (ما طاب عصام إلا نفساً): أي ما طاب من عصام إلا نفسه، فيكون من قصر الصفة على الموصوف - أيضاً - غير أن المقصور عليه في الأول: هو المميز، والمقصور عليه في الثاني: هو التمييز.
وتقول: "ما عصام إلا طابت نفسه" أي: ما عصام إلا صاحب النفس الطيبة - من قصر الموصوف على الصفة.
وتقول - في المجرور-: "ما سلمت إلا على خالد" وتقول في الظرف: "ما جلست إلا عندك" وتقول في البدل: "ما ضربت فؤاداً إلا رأسه" و "ما أعجبني علاء إلا وجهه".
" موقع المقصور عليه "
المقصور عليه في "النفي والاستثناء" يغلب عليه أن يكون مؤخراً عن المقصور، بحيث يقع بعد أداة الاستثناء، فإذا أردت قصر الفاعل على المفعول قلت: (ما اخترق العلماء إلا الفضاء) وإذا أردت قصر المفعول على الفاعل قلت: (ما اخترق الفضاء إلا العلماء).
والسبب في ذلك: أن القصر أثر ناشئ عن أداته، ويمتنع ظهور أثر الأداة قبل وجودها. ويقل تقديم المقصور عليه على المقصور في الاستثناء بشرط وقوع المقصور عليه بعد أداة الاستثناء: تقول في قصر الفاعل على المفعول: (ما اخترق إلا الفضاء العلماء) وتقول في قصر المفعول على الفاعل: (ما اخترق إلا العلماء الفضاء).
أما إذا فقد الشرط المذكور - وهو وقوع المقصور عليه بعد أداة الاستثناء - فإنه يمتنع تقديم المقصور عليه.
أما في (إنما): فإن المقصور عليه يؤخر عن المقصور - كما في النفي والاستثناء - إلا أنه لا يجوز تقديم المقصور عليه على المقصور أبداً.
فإذا أردت قصر الفاعل على المفعول قلت: (إنما حلل العلماء تربة القمر) وإذا أردت قصر المفعول على الفاعل قلت: (إنما حلل تربة القمر العلماء) ويكون الأخير بمثابة الواقع بعد إلا في النفي والاستثناء.
стр. 180
وإنما لم يصح تقديم المقصور عليه على المقصور في (إنما)، لأن في تقديمه إلباسًا للمعنى، فكل من الفاعل والمفعول الواقعين بعد الفعل يحتمل أن يكون هو المقصور عليه دون الآخر، ولم توجد قرينة تدل على أن أحدهما هو المقصور عليه دون الثاني، ولهذا جعلوا تأخير المقصور عليه دليلاً على القصر على المؤخر منهما.
فإذا قلت: (إنما حلل العلماء تربة القمر) كانت تربة القمر هي المقصور عليه، فإذا قدمتها، فقلت: (إنما حلل تربة القمر العلماء) كان العلماء هو المقصور عليه والعكس المعنى.
وعلى أية حال: فإن المقصور عليه في (إنما) هو المؤخر، بخلاف النفي والاستثناء، فإن المقصور عليه فيها يجوز تقديمه على قلة، لانتفاء اللبس حينئذ فالمقصور عليه هو الواقع بعد (إلا) سواء تقدم أو تأخر.
وإنما يؤخر المقصور عليه في (إنما) بشرطين:
الأول: إفادة معنى القصر من (إنما) فقط.
الثاني: ألا يعرض لتقديم المقصور عارض.
فإذا ما استفيد معنى القصر من "إنما" ومن غيرها، وجب تقديم المقصور عليه، وذلك كما في قولك: (إنما الكريم أكرمت) ففيه تقديم المقصور عليه على المقصور، لأن القصر ليس مستفادًا من (إنما) وحدها، بل منها ومن التقديم.
وإذا ما عرض لتقديم المقصور عارض، كامتناع تقديم الفاعل على الفعل، وجب تقديم المقصور عليه، كما في قولك: (إنما أعددت للأمر عدته)، وذلك لأن الفاعل -وهو تاء الفاعل- مقصور على الفعل الذي هو الإعداد، وهو يمتنع تقديمه على الفعل، لهذا وجب تقديم المقصور عليه، فإذا أردت -في هذا المثال- قصر الفعل على الفاعل، قلت: (ما أعد للأمر عدته إلا أنا).
وأما في (بل) و (لكن): فإن المقصور عليه هو ما بعدهما:
فإذا قلت -في قصر الموصوف على الصفة-: (ما العقاد خطيبًا بل كاتب) أو (لكن كاتب) كان المقصور عليه هو: كاتب، وإذا قلت- في قصر الصفة على
стр. 181
الموصوف- (ما المتنبي كاتبًا بل ابن العميد) أو (لكن ابن العميد) كان المقصور عليه هو: ابن العميد.
وأما العطف (بلا) فإن المقصور عليه هو المعطوف عليه قبلها: فإذا قلت- في قصر الموصوف على الصفة-: (شوقي شاعر لا كاتب) كان المقصور عليه هو: (شاعر)، وإذا قلت- في قصر الصفة على الموصوف- (المتنبي شاعر لا ابن العميد) كان المقصور عليه هو: (المتنبي).
وأما في تقديم ما حقه التأخير فإن المقصور عليه فيه هو: المقدم، فإذا قلت- في قصر الموصوف على الصفة-: (مصري أنا) كان المقصور عليه فيه هو: (مصري).
وإذا قلت -في قصر الصفة على الموصوف-: (أنا سعيت في حاجتك) كان المقصور عليه هو ضمير المتكلم.
هذا: ويجوز أن تجمع بين طريقين من طرق القصر، فتقول: (إنما المتنبي شاعر لا خطيب) في الجمع بين (إنما) و (العطف) وتقول: (إنما الله سألت) في الجمع بين (إنما) و (التقديم).
ومن الجمع بين العطف والتقديم قول الشاعر:
إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
* * *
стр. 182
تمرينات
على القصر
١ - بين المقصور والمقصور عليه ونوع القصر وطريقه فيما يلي:
أ- وما نال المنى في الناس إلا ... غبي القوم أو فطن تغابى
ب- إنما الدنيا هبات ... وعوار مستردة
شدة بعد رخاء ... ورخاة بعد شدة
ج- ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدًا بيد
د- إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
هـ- كأن لم يمت أحد سواك ولم يقم ... على أحد إلا عليك النوائح
و- وإنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن بما لديه
٢ - حول كلاً من العبارتين الآيتين إلى صيغة قصر، مستخدمًا طرق القصر المعروفة:
أ- يعاف حياة الضيم الحر الكريم.
ب- يستمرئ الجاهل مرعى الخمول.
٣ - بين نوع القصر، وطريقته، والمقصور والمقصور عليه فيما يأتي:
أ- "إن هذا إلا ملك كريم".
ب- وللناس فيما يعشقون مذاهب.
ج- الدنيا دار ضيافة لا دار إقامة.
د- إياك نعبد وإياك نستعين".
هـ- لا شاعر إلا شوقي.
стр. 183
و- ما أنت صديق بل شقيق.
ز- أنا سعيد في حاجتك.
٤ - عين المقصور عليه، وبين نوع القصر فيما يلي:
أ- إنما أعز الإسلام عمر.
ب- لا يرعى إلا الكريم حق الجوار.
ج- عليك أيها الكريم يعتمد.
د- لا يصاحب الكرام إلا الكريم.
ز- إنما ساء زيد منقلبًا.
و- إنما حسبت للأمر ألف حساب.
* * *
стр. 184
البديع
تدور مادة "البديع" في اللغة حول معنى "الجديد والمحدث والمخترع" والله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، لأنه أوجدهما لا على مثال سابق.
وفي اصطلاح البلاغيين: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة على المعنى المراد.
وقد قسم البلاغيون وجوم تحسين الكلام إلى قسمين: وقسم يرجع إلى المعنى، وقسم يرجع إلى اللفظ، وليس معنى هذا أن القسم الأول إنما هو تحسين للمعنى فحسب وأن الثاني إنما هو تحسين للفظ فحسب، ولكن المقصود بهذا التقسيم هو: أن القسم الأول منه -وهو المعنوي- يرجع تحسينه إلى المعنى أولاً وبالذات وإن تبع ذلك تحسين للفظ، وأن القسم الثاني منه -وهو اللفظي- يرجع تحسينه إلى اللفظ أولاً وبالذات وإن تبع ذلك تحسين للمعنى.
من المحسنات اللفظية
الجناس
وهو: ما اتفق فيه اللفظان في وجه من الوجوه الآتية، وهي: نوع الحروف، وعددها، وهيئتها وترتيبها، مع اختلافهما في المعنى.
وهو نوعان: تام، وغير تام .
فأما الجناس التام: فهو: ما اتفق فيه اللفظان في الوجوه الأربعة السابقة، ومثاله قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] فقد اتفقت لفظتا "ساعة" في الآية الكريمة في الوجوه الأربعة المذكورة، مع اختلافهما في المعنى، لأنه قد أريد بالأول "القيامة" وبالثانية "الساعة الزمنية".
وهو ثلاثة أنواع: مماثل، ومستوفى، ومركب:
(أ) فالمماثل: ما اتفق فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكونا: اسمين، أو فعلين، أو حرفين.
стр. 185
فالاسمان: كالآية السابقة، وكقول أبي تمام:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
فصدور العوالي هي: أعاليها، وصدور الكتائب هي: نحورها.
وهما: اسمان.
والفعلان كقولك: (فلان يضرب في البيداء فلا يضل، ويضرب الهيجاء فلا يكل) فلفظ (يضرب) الأولى بمعنى: قطع المسافة، ولفظ (يضرب) الثاني بمعنى: الحمل على الأعداء، وهما فعلان.
والحرفان: كقولك (تذرع بالصبر تطفر به)، فالباء الأولى للتعدية والثانية للتسمية.
(ب) والمستوفى: ما اختلف فيه اللفظان في نوع الكلمة، كأن يكون أحدهما اسمًا، والآخر فعلاً، أو أن يكون أحدهما حرفًا، والآخر اسمًا أو فعلاً.
فمثال الاسم مع الفعل قول أبي تمام:
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله
(فيحيا) الأولى: فعل مضارع و (يحيى) الثاني: اسم علم.
وقول الآخر:
وسميته (يحيى) (ليحيا) فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
"فيحيى" الأولى: اسم علم و "يحيا" الثانية: فعل مضارع بمعنى: يعيش.
ومثال الاسم مع الحرف: قولهم: رب رجل شرب رب رجل آخر، فرب الأولى: حرف جر؛ ورب الثانية: اسم للعصير المستخرج من العنب.
ومثال الفعل مع الحرف: قولك: "علا محمد ﷺ على جميع الأنام" "فعلاً" الأولى: فعل ماض، و "على" الثانية: " حرف جر.
(ج) والمركب: هو أن يكون اللفظان مركبين، أو يكون أحدهما مركبًا، والآخر مفردًا.
стр. 186
مثال ما كان اللفظان فيه مركبين قول الشاعر:
فلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
فاللفظ الأول مركب من "القدر" و "الشأن" واللفظ الثاني مركب من "قد" ومن الفعل المشتق من الرشوة.
والثاني: وهو ما كان فيه أحد اللفظين مركبًا يتنوع إلى ثلاثة أنواع:
مرفوع، ومتشابه، ومفروق.
فالمرفوع: ما كان اللفظ المركب فيه مكونًا من كلمة وجزء كلمة كقولهم: "أهذا مصاب، أم طعم صاب" فاللفظ الأول، وهو: "مصاب" اسم مفعول من: أصاب، والثاني مركب من كلمة هي: "صاب" بمعنى العلقم، وجزء كلمة هي: الميم من "طعم".
والمتشابه: ما كان اللفظ المركب فيه مكونًا من كلمتين، وكان اللفظان متفقين في الخط، كقول الشاعر:
إذا ملك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولته ذاهبة
فاللفظ الأول: مركب من كلمتين هما: "ذا" بمعنى صاحب و "هبة" بمعنى عطية، يعني كريم.
واللفظ الثاني: مفرد، وهو اسم فاعل من الذهاب، وقد اتفق اللفظان في الخط.
والمفروق: وهو ما كان اللفظ المركب فيه مركبًا من كلمتين، وكان اللفظان مختلفين في الخط كقول أبي الفتح البستي:
كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا
ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا؟
فاللفظ الأول مركب من "جام" بمعنى: كأس و "لنا" الجار والمجرور، واللفظ الثاني مفرد وهو: "جاملنا" والضمير كالجزء من الكلمة، لاتصال الضمير فيها بالفعل.
стр. 187
ووجه حسن هذا القسم يعني: "التام" هو حسن الإفادة مع أن الصورة هي صورة الإعادة.
وأما الجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الوجوه الأربعة التي اشترط وجودها في الجناس التام،
وله بحسب حالات الاختلاف أربع حالات:
١ - الحالة الأولى: الاختلاف في نوع الحروف:
فإذا كان اللفظان مختلفين في نوع الحروف، فالجناس بينهما، إما أن يكون مضارعًا، وإما أن يكون لاحقًا.
(أ) فالمضارع: هو ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما متقاربين في المخرج، سواء أكان في أول اللفظ، أو في وسطه، أو في نهايته، وسمي مضارعًا، لمضارعة المخالف من اللفظين لصاحبه في المخرج.
والحرفان المختلفان إما أن يكونا في الأول، كقول الحريري: بيني وبين كنى ليل دامس وطريق دامس، والدامس: شديد الظلمة، والطامس: الذي ليس فيه أثر يهتدي به.
وإما أن يكون في الوسط، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فالهمزة والحاء من الحلق.
وإما أن يكون في الآخر، كقول النبي ﷺ : "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
(ب) واللاحق: ما كان الحرفان اللذان وقع بينهما الخلاف غير متقاربين في المخرج، سواء أكانا في الأول، أو في الوسط، أو في الآخر.
وسمي لاحقًا: لأن أحد اللفظين ملحق بالآخر في الجناس.
فمثال الأول: قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] فالهاء واللام غير متقاربين في المخرج، لأن الهاء حلقية، واللام لسانية.
стр. 188
ومثال الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٧، ٨] فالحاء والدال غير متقاربين في المخرج، لأن الهاء حلقية، والدال لسانية.
ومثال الثالث قول البحتري:
هل لما فات من تلاق تلافي؟ أم لشاكٍ من الصبابة شافي؟
والتلافي: مصدر من: تلافي الأمر: تداركه، والصبابة: الشوق، فالجناس بين (تلاق) و (تلافي) والقاف والفاء في آخرهما متباعدتان في المخرج.
غير أنه يشترط في اللفظين المختلفتين في نوع الحرف ألا يقع الاختلاف في أكثر من حرف واحد. وإلا لم يبق بينهما تجانس لفظي (كفتح وفقد) و (علم وعرف) و (خبز وخرج) إذ ليس بين تلك الألفاظ تجانس لفظي لأن الاختلاف في نوع الحرف قد وقع في أكثر من حرف.
٢ - والحالة الثانية: وهي حالة الاختلاف في عدد الحروف:
فإذا ما اختلف اللفظان في عدد الحروف، بأن كان عدد أحد اللفظين رائدًا، سمي (الجناس الناقص)، وذلك لنقصان أحد اللفظين عن الآخر في عدد الحروف.
وهو ثلاثة أنواع: (مطرف) و (مكتنف) و (مذيل).
فالمطرف: ما كانت الزيادة فيه في أول اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٩، ٣٠]، وبين الساق والمساق: جناس، لأن باللفظ الثاني زيادة هي الميم في أوله.
والمكتنف: ما كانت الزيادة فيه في وسط اللفظ نحو قولهم: (جدي جهدي) بفتح الجيم فيهما، والهاء زائدة في وسط اللفظ الثاني.
والمذيل: ما كانت الزيادة فيه في آخر اللفظ، كقول أبي تمام:
يمدون من أيد عواصٍ عواصم تصول بأسياف قواض قواضب
أي: عاصيات على أعدائهم، عاصمات لأوليائهم، وقواض يعني: مهلكات وقواضب يعني: قاطعات، بين (عواص) و (عواصم) جناس ناقص لزيادة حرف
стр. 189
الميم في آخر اللفظ الثاني، وكذلك بين (قواض) و (قواضب) جناس ناقص لزيادة حرف الباء في اللفظ الثاني.
وكقول الخنساء:
إن البكاء هو الشفاء من الجوى بين الجوانح
والجوى: حرقة القلب، والجوانح: الضلوع، فبين (الجوى) و (الجوانح) جناس ناقص لزيادة حرفي النون والحاء في آخر اللفظ الثاني.
وقد يسمى ما كان الاختلاف فيه بزيادة أكثر من حرف في الآخر: (مذيلاً).
٣ - والحالة الثالثة: هي الاختلاف في هيئة الحروف، فإذا اختلف اللفظان في هيئة الحروف كان الجناس نوعين: (محرفًا) و (مصحفًا).
(أ) فالمحرف: ما اختلف اللفظان في الحركات والسكنات، نحو قولهم:
(جبة البرد جنة البرد) فبين (البرد) و (البرد) جناس محرف، لاختلافهما في الهيئة، فالأولى بضم الباء، وهو نوع من الثياب، والثاني: ضد الحر.
(ب) والمصحف: ما اختلف فيه اللفظان نقطًا، بحيث لو زال إعجام أحدهما، أو كليهما، لم يتميز أحدهما عن الآخر، كقول أبي نواس:
من بحر شعرك أغترف وبفيض علمك أعترف
فبين (أغترف) و (أعترف) جناس مصحف، إذ ليس بينهما خلاف إلا بالنقط، بحيث لو تجرد اللفظان لما تميز أحدهما عن الآخر.
٤ - والحالة الرابعة: حالة الاختلاف في ترتيب الحروف: فإذا اختلف اللفظان في ترتيب حروفهما سمي: (جناس القلب) وهو أربعة أنواع: (قلب كل) و (قلب بعض) و (مجنح) و (مستو).
(أ) فالقلب الكلي: ما انعكس فيه ترتيب الحروف، كقولهم: (حسامه فتح لأوليائه، وحتف لأعدائه) فبين (فتح) و (حتف) جناس قلب كلي لأن الترتيب فيهما قد انعكس كليًا، لأن (حتف) مقلوب (فتح).
стр. 190
(ب) والقلب الجزئي: ما انعكس فيه ترتيب بعض الحروف، كما في دعاء النبي ﷺ " "اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا" لأن انعكاس الترتيب فيه ليس في كل الحروف.
(ج) والمجنح: ما كان فيه أحد اللفظين اللذين وقع بينهما القلب في أول البيت، والآخر في آخره كأن له جناحين، كما في قول الشاعر:
لاح أنوار الهدى من كفه في كل حال
فلفظ لاح مقلوب (حال) ولفظ: حال مقلوب (لاح) وقع أولهما في أول المصراع الأول وثانيهما في آخر المصراع الثاني.
(هـ) والمستوى: ما كان اللفظ فيه بحيث لو عكس وبدئ بحرفه الأخير إلى الأول لم يتغير نحو: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، لأنك لو عكست هذا الترتيب، فبدأ من الكاف في (فلك) كان هو بعينه.
ومنه قول الشاعر:
مودته تدوم لكل هول وهل كل مودته تدوم؟
فإنك لو بدأت بآخر حرف من البيت إلى أوله لما تغير اللفظ ولا المعنى.
سر الجمال اللفظي في الجناس:
هو هذا هو الخداع اللفظي الذي يخدعك به الشاعر أو الأديب، فيبدي لك الكلام في صورة التكرير والإعادة، مع أنه قد تضمن حسن الإفادة والزيادة.
* * * *
стр. 191
تمرينات
على الجناس
بين الجناس ونوعه في كل مثال من الأمثلة التالية:
١ - قال حسان بن ثابت:
وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيه بالقنا والقنابل
٢ - وقال الشريف الرضي:
لا يذكر الرمل إلا حن مغترب له إلى الرمل أوطان وأوطار
٣ - وقال أبو العلاء المعري:
لم تلق غيرك إنسانًا تلوذ به فلا برحت لعين الدهر إنسانًا
٤ - وقال البهاء زهير:
أشكو وأشكو فعله فأعجب لشاك منه شاكر
طرفي وطرف النجم فيه كلاهما ساهٍ وساهر
٥ - وقال آخر:
إذا أعطشتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعًا وريًا
فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا
٦ - وقال غيره:
إذا رماك الدهر في معثر ... قد أجمع الناس على بغضهم
فدارهم مادمت في دارهم وأرضهم مادمت في أرضهم
٧ - وقال غيره:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمت بما ودعاني
стр. 192
٨ - وقال شاعر:
أرى قدمي أراق دمي
٩ - وقال كعب بن زهير:
ولقد علمت- وأنت خير عليمة ... ألا يقربني الهوى لهوان
١٠ - وقال شاعر:
يا سيدا حاز رقي ... بما حباني وأولى
أحسنت برًا فقل لي أحسنت في الشكر أو لا؟
* * * *
стр. 193
السجع
السجع في اللغة: هدير الحمام، وسجعت الحمامة: هدرت، وسجعت الناقة مدت حنينها على جهة واحدة.
وفي الاصطلاح: توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر:
وتسمى كل واحدة من العبارتين اللتين وردت بهما الفاصلتان المتفقتان قرينة، لمقارنتها لصاحبتها كما أنها تسمى -أيضًا- فقرة.
والسجع أنواع ثلاثة هي:
(أ) المطرف. ... (ب) المرصع. ... (ج) المتوازي.
فأما المطرف: فهو: ما اختلفت فيه الفاصلتان في الوزن العروضي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح: ١٣، ١٤].
فقوله: ﴿قَاراً﴾ هو الفاصلة الأولى، وقوله: ﴿أَطْوَاراً﴾ هو الفاصلة الثانية، وقد اختلفت الفاصلتان في الوزن العروضي، لأن الأولى على وزن (فعولن) والثانية على وزن (مستفعل).
وإنما سمي هذا النوع باسم المطرف، لأن الذي وقع به التوافق إنما هو الطرف، وهو الحرف الأخير.
وأما المرصع: فهو ما كانت فيه ألفاظ إحدى الفقرتين، أو أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى في الوزن والتقفية، كما في قول الحريري: (فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه) وكقول أبي الفضل الهمذاني: (إن بعد الكدر صفوًا. وبعد المطر صحوًا).
وقول أبي الفتح: (ليكن إقدامك توكلاً، وإحجامك تأملاً).
وإنما سمي هذا النوع باسم (المرصع) تشبيهًا له بالعقد الذي ترصع فيه اللآلئ.
وأما المتوازي: فهو ما لم تكن فيه إحدى الفقرتين ولا أغلبها مثل ما يقابلها من ألفاظ الفقرة الأخرى، فطابع الفقرتين يسوده الاختلاف وليس الاتفاق، وهذا
стр. 194
الاختلاف إما أن يكون في الوزن والتقفية معًا، وإما أن يكون في التقفية دون الوزن، وإما أن يكون في الوزن دون التقفية.
فمثال ما كان الاختلاف فيه الوزن والتقفية: قول الله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣، ١٤] فالقرينتان هما: (سرر مرفوعة) و (أكواب موضوعة)، لأن لفظ: (فيها) لا يوجد ما يقابله، فلا اعتبار به، (فسرر) -وهو نصف القرينة الأولى- يقابله: (أكواب) من القرينة الأخرى، وقد اختلفا في الوزن والتقفية، فوزن (سرر): (متقا) ووزن: (أكواب)، (مستفعل)، وتقفية الأولى بالراء، أما الثانية فبالباء.
ومثال ما كان الاختلاف فيه في التقفية دون الوزن قولهم: (حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت) أي: أنعم الله على فحصل عندي وملكت الناطق وهو الرقيق، والصامت: كالخيل ونحوها؛ كالعقار، (فحصل) على وزن (هلك) وقافيتها مختلفة، لأن قافية الأولى هي اللام، ولكن قافية الثانية هي الكاف، وكذلك يقال في: ناطق، وحاسد، وأما (صامت) و (شامت) فلابد فيهما من التوافق وزنًا وقافية، لأنهما فاصلتان.
وأما ما كان الاختلاف فيه الوزن دون التقفية فقد مثل له بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾ [المرسلات: ١، ٢] لأن وزن: المرسلات -في نظره- مخالف لوزن "العاصفات" والحق أنهما متوافقان، لأن المعتبر هنا هو الوزن الشعري لا النحوي.
ويشترط لحسن السجع: اختلاف قرينتيه في المعنى، ولهذا فإن قول الصاحب بن عباد في قوم مهزومين "طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم" لا يعد سجعًا حسنًا، لعدم اختلاف قرينتيه في المعنى، لأن أصلابهم بمعنى ظهورهم، ونحورهم بمعنى صدورهم.
وأحسن السجع: ما تساوت قرائنه، كقوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨، ٣٠]، فهذه قرائن ثلاث، تساوت في أن كلاً منها مركب من كلمتين.
стр. 195
ويليه في الحسن: ما طالت قرينته الثانية أو الثالثة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢]، فهاتان قرينتان ثانيهما أكثر عددًا من الأولى، وكقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١] فقوله: (ثم الجحيم صلوه) قرينة ثالثة، وهي أطول من سابقتها، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] قرينة رابعة جاءت أطول من سابقتها.
على أنه لا يحسن أن يؤتي بالقرينة الثانية أو الثالثة أقصر من سابقتها، لأن السجع قد استوفى أمده في الأولى، فإذا جاءت الثانية أو الثالثة أقصر، بقى الإنسان عند سماعه بمثابة من يريد الانتهاء إلى غاية؛ فيعثر دونها.
سر جمال السجع: يكمن السر في جمال السجع: أن له موسيقى تطرب لها الأذن، وتهش لها النفس فتقبل على السماع من غير أن يدخلها ملل أو يخالطها فتور، فيتمكن المعنى في الأذهان، ويقر في الأفكار، ويعز لدى العقول.
* * *
وبعد: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 196
أولاً الأمر
صيغ الأمر:
للأمر صيغ أربع هي:
(أ) فعل الأمر ؛ كما في قول الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]؛ وقل أمير الشعراء (١):
باطن الأمة من ظاهرها إنما السائل من لون الإناء
فخذوا العلم على أعلامه ... واطلبوا الحكمة عند الحكماء
واقرءوا تاريخكم واحتفظوا بفصيح جاءكم من فصحاء
وقوله (٢):
أيها المنتحي بأسوان دارًا ... كالثريا تريد أن تنقضا
اخلع النعل واخفض الطرف واخشع لا تحاول من آية الدهر غضًا
(ب) المضارع المقرون بلام الأمر: كقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]
(ج) اسم فعل الأمر ؛ كقول المؤذن: "حي على الصلاة" "حي على الفلاح"؛ أي: أقبل؛ ونحو: صه عن كذا؛ أي: كف عنه؛ ونحو: آمين: بمعنى استجب ومنه قول مجنون ليلى:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ويرحم الله عبدًا قال: آمينا!
الإنشاء
قسم البلاغيون الكلام إلى قسمين:
القسم الأول: الخبر ؛ وهو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ كقولك: نجح محمد، وسافر خالد؛ وهكذا.
стр. 197
والقسم الثاني: الإنشاء: وهو: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ كقولك: "أعطني القلم"، و"اقرأ الموضوع".
أقسام الإنشاء:
ينقسم الإنشاء إلى قسمين:
(أ) طلبي: وهو ما يستدعى مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب؛ وهو المقصود بالدراسة ههنا.
(ب) غير طلبي: هو: ما لا يستدعي مطلوبًا؛ وهو غير مقصود بالدراسة هنا وذلك لقلة المباحث البلاغية المتعلقة به ولأن أكثر أنواعه -في الأصل- أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء ومنه: التعجب، والمدح، والذم، والقسم، وأفعال الرجاء، وكذلك صيغ العقود.
أنواع الإنشاء الطلبي:
وأهم أنواع الإنشاء الطلبي هو: الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء. وسنخص بالدراسة هنا: الأمر، والتمني، والاستفهام.
(د) المصدر النائب عن فعل الأمر: نحو: "رفقًا بالضعفاء"، "وصبرًا على البأساء"، "وسعيًا في الخير".
المعنى الحقيقي للأمر:
الأمر موضوع لطلب الفعل على جهة الاستعلاء؛ وذلك لتبادر هذا المعنى إلى الذهن عند سماع صيغة الأمر.
المعاني المجازية لصيغة الأمر:
قد يقتضي المقام استعمال صيغة الأمر في معناها الحقيقي -وهو طلب الفعل على جهة الاستعلاء- فإن قامت قرينة على منع إرادة هذا المعنى الحقيقي كان مجازًا، وإن لم تقم قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى كان كناية.
стр. 198
ومن المعاني المجازية لصيغة الأمر ما يأتي:
(أ) الإباحة: واستعمال صيغة الأمر في الإباحة إنما يكون في مقام يتوهم السامع فيه حظر شيء عليه؛ وذلك لاشتراكها هي والأمر في مطلق الإذن، فهو مجاز مرسل من إطلاق الأخص على الأعم، ومن ذلك قولك: "جالس محمدًا أو عليًا"، و"ذاكر الأدب أو البلاغة"؛ ومن أحسن ما جاء فيه: قول كثير عزة:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
ووجه حسنه إظهار الرضا بوقوع أحد الأمرين حتى كأنه مطلوب، يقول: مهما اخترت في حقي من الإساءة والإحسان فأنا راضٍ به غاية الرضا، فعامليني بهما وانظري؛ هل تتفاوت حالي معك في الحالين؟
ومنه قول شوقي عن النفس:
ضمي قناعك بإسعاد أو ارفعي ... هذي المحاسن ما خلقن لبرقع
الضاحيات الضاحكات ودونها ... ستر الجلال وبعد شأو المطلع
(ب) التهديد: وذلك في مقام عدم الرضا بالمأمور به، فاستعمال صيغة الأمر في التهديد مجاز؛ علاقته ما بينهما من شبه التضاد، وذلك لأن المأمور به إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، والمهدد عليه إما أن يكون حرامًا، أو مكروهًا، ومنه قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
(ج) التعجيز: وذلك في مقام إظهار عجز من يدعي القدرة على ما يعجز عنه؛ فاستعمال صيغة الأمر في التعجيز مجاز؛ علاقته ما بينهما من شبه التضاد وذلك لأن الأمر في الممكنات، والتعجيز في المستحيلات؛ ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]؛ وإنما كان تعجيزًا لأن الإتيان بسورة من مثله فوق مقدورهم وطاقتهم.
ومنه قول مهلهل بن ربيعة:
يا لبكرٍ انشروا لي كليبًا ... يا لبكر أين أين الفرار؟ !
فالأمر هنا يقصد به التعجيز؛ لأن المقصود هو: إعادة الحياة إلى كليب؛ وذلك فوق مقدورهم.
стр. 199
(د) التسخير: وذلك في مقام انقياد المأمور للأمر من غير قدرة له فيه؛ فاستعمال صيغة الأمر في التسخير مجاز، علاقته المشابهة بينه وبين الأمر في مطلق الإلزام، ومنه قول الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]؛ وقيل: العلاقة بين الأمر والتسخير هي السببية؛ وذلك لأن إيجاب شيء لا قدرة للمخاطب عليه يتسبب عنه تسخيره لذلك.
(هـ) الإهانة: وذلك في مقام عدد الاعتداد بشأن المأمور؛ واستعمال صيغة الأمر في الإهانة مجاز علاقته اللزوم؛ لأن طلب الشيء من غير قصد حصوله لعدم القدرة عليه مع كونه من الأمور الحسية يستلزم إهانته، ومنه قوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ [الإسراء: ٥٠].
والفرق بين الإهانة والتسخير: هو: أن الإهانة لا يحصل فيها المأمور به بخلاف التسخير، فليس الغرض إذن من الأمر في الآيتين الطلب، لأن الكفار ليس في استطاعتهم أن يكونوا قردة؛ كما أنه ليس في استطاعتهم أن يكونوا حجارة أو حديدًا، ولهذا كان الغرض من الأمر في الآية الأولى: التسخير؛ لأن المأمور به حاصل وقت إيجاد الصيغة؛ وهو: صيرورتهم قردة؛ وكان الغرض من الأمر في الآية الثانية: الإهانة؛ لأن المأمور به غير حاصل؛ وهو: صيرورتهم حجارة أو حديدًا.
ومنه قول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]؛ إذ ليس المراد من الأمر هنا ذوق العذاب؛ لأن الكافر حال الخطاب يذوق العذاب فعلاً.
(و) التسوية بين الشيئين: وذلك في مقام توهم رجحان أحد الأمرين على الآخر، فاستعمال صيغة الأمر في التسوية بين الشيئين مجاز علاقته بالتضاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]؛ فقد يتوهم المخاطب أن الصبر نافع، فيدفع ذلك بالتسوية بين الصبر والجزع، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]؛ فقد توهموا أن الإنفاق طوعًا مقبول دون الإنفاق كرهًا، فسوى بينهما في عدم القبول، فليس المراد إذن من الأمر في الآيتين الأمر بالصبر أو الإنفاق؛ ولكن المراد به كما تدل عليه القرائن هو: التسوية بين الأمرين.
стр. 200
(ي) التمني: وذلك في مقام طلب شيء محبوب لا قدرة للطالب عليه واستعمال صيغة الأمر في التمني مجاز علاقته التضاد؛ وقيل: العلاقة بين الأمر والتمني: السببية؛ لأن طلب الشيء الذي لا إمكان في حصوله سبب في تمنيه.
ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤]؛ فليس الغرض هو طلب بلع الماء من الأرض، ولا طلب الإقلاع من السماء؛ لأنهما لا يخاطبان؛ فالغرض هو: التمني.
ومنه قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبحٍ، وما الإصباح منك بأمثل
فليس المقصود هو: طلب الانجلاء من الليل؛ لأنه ليس مما يخاطر ويؤمر فحصول الانجلاء -كما طلب- متعذر؛ وإنما المقصود هو تمني ذلك تخلصًا مما يعانيه من تباريح الشوق.
(ز) الدعاء: وذلك في مقام طلب الفعل على سبيل التضرع؛ نحو قول الله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩] والعلاقة بين الأمر والدعاء: هي الإطلاق والتقييد لأن الأمر: طلب على وجه الاستعلاء فأطلق عن قيده؛ ثم أريد منه: الطلب على وجه التضرع، وهو معنى الدعاء.
(س) الالتماس: وذلك في مقام طلب الفعل على سبيل التلطف؛ وذلك كقولك لمن يساويك رتبة -ولو في زعمك-: (افعل كذا)؛ دون تضرع أو استعلاء؛ والعلاقة بين الأمر والالتماس هي: الإطلاق والتقييد كذلك.
هذا، وهناك كثير من المعاني المجازية لصيغة الأمر؛ كالامتنان في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٤]؛ وكالإكرام في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ والتعجب في قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨]؛ وكالدوام في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وكالاعتبار في قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]؛ وكالإذن في قولك: لمن طرق الباب- (ادخل).
стр. 201
تمرينات
على الأمر
(١)
بين المعنى المجازي للأمر في كل مما يأتي:
(١) قال أبو الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة:
كذا فليسر من طلب الأعادي ... ومثل سراك فليكن الطلاب
(٢) وقال يخاطبه:
أزل حسد الحساد عني بكبتهم ... فأنت الذي صيرتهم لي حسادًا
(٣) وقال امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوي بين الدخول فحومل
(٤) وقال-أيضًا-:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
(٥) وقال أبو الطيب:
عش عزيزًا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
(٦) وقال آخر:
أروني بخيلاً طال عمرًا ببخله ... وهاتوا كريمًا مات من كثرة البذل
(٧) وقال غيره:
إذا لم تخش عاقة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
(٨) وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾.
(٢)(١) لم كانت صيغ الأمر في الأمثلة الآتية مفيدة للإرشاد، والالتماس والتعجيز، والتمني، والدعاء على الترتيب؟
стр. 202
(أ) وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
(ب) يا خليلي: خلياني ومابي ... أو عيدًا إلى عهد الشباب
(ج) يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمى صباحًا دار عبلة واسلمي
(٣)
بين المقصود بكل صيغة من صيغ الأمر فيما يأتي:
(أ) قال أبو الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة:
أجزني إذا أنشدت شعرًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددًا
ودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى
(ب) وقال أبو العلاء المعري:
أبنات الهديل أسعدن أو عد ... ن قليل العزاء بالإسعاد
إيه لله دركن فأنتن اللواتي ... تحسن حفظ الوداد
(ج) قال الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾.
(و) قال حكيم لابنه: "يا بني استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر. يا بني زاحم العلماء بركبتيك وأنصت إليهم بأذنيك؛ فإن القلب يحيا بنور العلم؛ كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء"
* * * *
стр. 203
ثانيًا: التمني
معناه الحقيقي: هو طلب الشيء المحبوب الذي لا يرجى حصوله؛ بأن يكون غير ممكن، أو يكون بعيد المنال.
فالأول كما في قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب
وقول الآخر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح؛ فما أرضي لكم كلمي
فإن كلا من عودة الشباب ودنو الكواكب أمر غير ممكن.
والثاني كما في قول الشاعر:
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
ومنه قول الشاعر (١):
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانًا
فإذا كان الشيء مترقب الحصول قريب الوجود كان ترجيًا، ويعبر فيه -حينئذ- بصيغة الترجي مثل: (لعل) و (عسى) كما في قول الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]؛ وقول الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢].
وقد رأيت أنه لا يشترط لصحة التمني أن يكون المتمني ممكناً؛ ولكنه يصح مع عدم إمكانه؛ غير أنه إذا كان ممكنًا وجب ألا يكون لك طماعية فيه وإلا صار ترجيًا.
أما صيغ الطلب الأخرى-وهي: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنداء- فإنها لا تستعمل إلا فيما هو ممكن.
صيغ التمني: وللتمني صيغ أربع هي: (ليت) و (هل) و (لو) و (لعل):
стр. 204
(أ) أما (ليت): فهي الصيغة الأصلية الموضوعة للتمني؛ وقد تقدمت أمثلتها.
(ب) وأما (هل): فإنها تستعمل حيث يعلم أن المستفهم عنه غير حاصل؛ وأنه غير مطموع في حصوله؛ وذلك لإبراز المتمني في صورة الممكن؛ إظهارًا لشدة الرغبة فيه، وعلى هذا فاستعمالها في التمني مجاز بالاستعارة التبعية، وذلك بأن يشبه مطلق تمن بمطلق استفهام؛ بجامع مطلق الطلب في كل؛ فسرى التشبيه من الكليين إلى الجزئيات؛ ثم استعيرت (هل) الموضوعة للاستفهام الجزئي للتمني ومنه قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي ليت لنا شفعاء.
(ج) وأما (لو): فإنها تستعمل في التمني؛ لإبراز المتمني في صورة ما لم يوجد إشعارًا بعزته؛ وذلك لأن (لو) -في الأصل- حرف امتناع لامتناع، وعلى هذا فاستعمالها في التمني مجاز بالاستعارة التبعية -كما تقدم في (هل) -، ومنه قولك: (لو تأتيني فتحدثني) بنصب الفعل في جواب التمني؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٢] بنصب الفعل -أيضًا- ومنه قول المهلهل بن ربيعة:
فلو نثر المقابر عن كليبٍ ... فيخبر بالذنائب أي زير؟ !
ويتمنى بأحرف التنديم والتحضيض الأربعة؛ وهي: (هلا، وألا، -بقلب الهاء همزة- ولو، ولوما)؛ وإنما سميت أحرف التنديم والتحضيض، لأنها إذا دخلت على الماضي أفادت جعل المخاطب نادمًا على ترك الفعل؛ وإذا دخلت على المضارع أفادت حضه على الفعل وحثه عليه.
فمثال التنديم قولك: (هلا سافرت؟ ) أو (لو ما سافرت؟ ) بمعنى: ليتك سافرت؛ قاصدًا بذلك جعله نادمًا على ترك السفر.
ومثال التحضيض قولك: (هلا تقول الحق؟ ) أو (لو ما تقول الحق؟ ) بمعنى: ليتك تقول الحق؛ قاصدًا بذلك حضه على الحق وحثه عليه.
(د) وأما (لعل): فإنها تستعمل في التمني لإبراز المتمني في صورة الممكن المتوقع حصوله؛ لشدة الرغبة فيه؛ وعلى ذلك فاستعماله في التمني مجاز بالاستعارة التبعية -كما سبق-.
стр. 205
وتعطي حكم (ليت) فينصب المضارع بالفاء بعدها؛ كما ينصب في جواب (هل) و (لو) إذا استعملتا في التمني؛ وذلك ليكون نصب المضارع بالفاء بعدها دليلاً على أنها خرجت عن أصلها.
ومثال (لعل) التي استعملت في التمني: قول الله تعالى -حكاية عن فرعون-: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧].
ففرعون يعلم أن ما يأمله بعيد الحصول، ولكن إمعانه في عتوه وضلاله ورغبته الشديدة في الوصول إلى ما يريد خيلا له أنه قريب الحصول، ولهذا أمر هامان ببناء الصرح.
* * * *
стр. 206
تمرينات
على التمني
(١)
وضح ما في الأمثلة التالية من تمن أو ترج مبينًا الغرض البلاغي الذي من أجله جاءت بعض الأدوات على غير وضعها الأصلي:
(١) قال الله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾.
(٢) قال الله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٣) قال أبو الطيب في رثاء أخت سيف الدولة:
فليت طالعة الشمسين غائبة ... وليت غائبة الشمسين لم تغب
(٤) قال الشاعر:
أيا منزلي سلمي سلام عليكما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع؟
(٥) وقال مروان بن أبي حفصة في رثاء معن بن زائدة:
فليت الشامتين به قدوة ... وليت العمر مد له فطالا
(٦) وقال آخر:
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يومًا وتجمعه
(٧) وقال آخر في المديح:
ليت المدائح تستوفى مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول؟
(٨) وقال:
ليت الملوك على الأقدار معطية ... فلم يكن لدنيء عندها طمع
стр. 207
(أ) اذكر مثالاً لكل أداة مفيدة للتمني.
(ب) اذكر مثالين للترجي مستعملاً في الأول (لعل) وفي الثاني (عسى).
(ج) اذكر مثالين للترجي مستعملاً في كل منهما (ليت) مبينًا الغرض البلاغي من اختيار هذه الأداة.
(٣)
لماذا كان المثال الأول للتمني، والثاني للترجي، في المثالين التاليين؟ :
(١) قال صريع الغواني:
واها لأيام الصبا وزمانه ... لو كان أسعف بالمقام قليلاً
(٢) وقال أبو الطيب:
فليت هوى الأحبة كان عدلاً ... فحمل كل قلبٍ ما أطاقا
* * *
стр. 208
ثالثًا الاستفهام
معناه الحقيقي: ومعناه الحقيقي هو: (طلب حصول صورة الشيء في الذهن بأدوات مخصوصة).
وهو قسمان: تصديق، وتصور:
أ- فإن كانت الصورة المطلوب حصولها في الذهن هي: وقوع نسبة بين المسند والمسند إليه، أو عدم وقوعها، كان إدراكها تصديقًا .
ب- وإن كانت الصورة المطلوبة مسندًا، أو مسندًا إليه، أو نسبة مجردة أو شيئًا من المتعلقات؛ كان إدراكها تصورًا .
أدوات الاستفهام: للاستفهام أدوات تؤدي بها؛ وهي إحدى عشرة أداة هي: (الهمزة) و (هل) و (من) و (أي) و (كيف) و (أني) و (متى) و (أيان)؛
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - ما يطلب به التصور تارةً، والتصديق أخرى؛ وهو (الهمزة).
٢ - ما يطلب به التصديق فقط؛ وهو (هل).
٣ - ما يطلب به التصور فحسب؛ وهو بقية الأدوات.
الهمزة:
إذا جاءت الهمزة للتصديق لم يذكر معها معادل؛ فإذا قلت: (أنجح محمد؟ ) في الجملة الفعلية؛ أو (أمحمد نجح) في الجملة الاسمية؛ كنت متصورًا لمحمد والنجاح ومتصورًا للنسبة بينهما؛ أي نسبة النجاح إلى محمد؛ ولكنك تسأل عن وقوع هذه النسبة؛ أي: هل النجاح المنسوب إلى محمد متحقق خارجًا، أو غير متحقق؟ ويكون الجواب -حينئذ- (بنعم) أو (بلا) وإذا جاءت للتصور ذكر معها المعادل؛ فإن كنت تطلب تصور المسند إليه قلت: (أهشام ناجح أو علاء؟ )؛ وأنت تعلم أن أحدهما ناجح؛ ولكنك لا تعرفه على التعيين فأنت تطلب تعيبه. وإن
стр. 209
كنت تطلب تصور المسند قلت: (أصديقك شاعر أم كاتب؟ ) وأنت تعلم أنه متصف بإحدى الصفتين؛ ولكنك لا تعرفها على التعيين؛ فأنت تطلب تعيينها.
ولأن الهمزة تأتي الطلب التصديق ولطلب التصور لم يقبح أن تقول: (أمحمد سافر؟ ) كما لم يقبح أن تقول: (أخالدًا سألت؟ )؛ وذلك لأن التقديم إذا كان للتخصيص استدعى حصول التصديق بنفس الفعل؛ ويكون المسئول عنه محمدًا بخصوصه؛ وخالدًا بخصوصه؛ وهذا تصور. وإذا كانت لتقوية الحكم كان المسئول عنه هو التصديق به؛ وكل من التصديق والتصور تصلح له الهمزة؛ وهذا بخلاف (هل) فإنها تأتي لطلب التصديق فقط.
المسئول عنه بالهمزة:
إذا ولى الهمزة جملة اسمية خبرها ليس فعلاً كقولك: (أمحمد ناجح؟ ) كان المطلوب بها التصديق بالنسبة وإذا وليها شيء غير ذلك كان المسئول عنه بها هو ما وليها سواء كان مسندًا إليه أو مسندًا أو شيئًا من المتعلقات كالمفعول والظرف والمجرور والحال وغير ذلك.
فمثال المسند إليه إذا ولى الهمزة قولك: (أأنت رسمت هذه الصورة؟ ).
ومنه قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]؛ لأنهم لم يشكوا في الفعل؛ وإنما الشك في الفاعل.
ومثاله المسند إذا ولى الهمزة: قولك: (أقابلت عليًا؟ ) فتبدأ بالفعل؛ لأنك لم تشك في الفاعل؛ وإنما الشك في الفعل نفسه.
وتكون الهمزة -إذا وليها فعل- لطلب التصديق بالنسبة ما لم تقم قرينة تدل على خلافه؛ كذكر المعادل؛ فإن كان المعادل هو النقيض كان المطلوب بها هو التصديق كقولك: (أأكرمت خالدًا أو لا؟ )؛ وإن كان غير النقيض كان المطلوب بها هو التصور؛ كقولك: (أمدحت خالدًا أم هجوته؟ ).
ومثال المفعول إذا ولى الهمزة قولك: (أكتابًا اشتريت؟ )؛ إذا كان الشك في المفعول بأن كنت تعلم أنه اشترى شيئًا، ولكن لا تدري ما هو؟
стр. 210
وتقول في المجرور -إذا ولى الهمزة-: أفي المسجد صليت؟ ) وفي الظرف: (أتحت الشجرة جلست؟ ! )؛ وفي المفعول لأجله: (أخوفًا هربت؟ )، وفي الحال: (أراضيًا تصدقت؟ )، على أن جواب إيلاء المسئول عنه الهمزة إنما يجيء هكذا إذا لم تقم قرينة تدل عليه، فإذا قامت قرينة تدل عليه كذكر المعادل جاز تأخيره كقولك: (أقرأت كتابًا أم صحيفة؟ )؛ فقد أخر المسئول عنه وهو: (كتابًا)؛ لأن في ذكر المعادل وهو: (صحيفة) قرينةٌ على أن المسئول عنه هو المفعول لا الفعل.
(هل): هي لطلب التصديق فقط -كما عرفت- وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية فتقول: (هل سافر محمد؟ ) و (هل محمد سافر؟ ).
ولأنها طلبت التصديق فقط امتنع أن يقال: (هل فؤاد نجح أم هشام؟ ) وقبح أن يقال: (هل فؤاد قابلت؟ ) و (هل عليك سلم؟ ) و (هل راضيًا سعى إليك؟ ) و (هل أمامك جلس؟ ).
أما امتناع المثال الأول: فلأن وقوع المفرد بعد (أم) دليل على أنها متصلة؛ يطلب بها تعيين أحد الشيئين مع العلم بثبوت الحكم، والعلم بثبوته تصديق؛ فلا يصح اجتماعها و (هل)؛ لأن (هل) لطلب التصديق بالحكم؛ فالحكم فيها غير معلوم وإلا لم يستفهم عنه، فالجمع بينهما يؤدي إلى التناقض؛ لأن هل تفيد أن السائل جاهل بالحكم، و (أم) المتصلة تفيد أن السائل عالم به.
ولو كانت (أم) منقطعة لوجب وقوع الجملة بعدها؛ كما في قول الشاعر:
ألا ليت شعري هل تغيرت الرحا؟ ... رحا الحرب أو أضحت بفلجٍ كما هيا؟
وأما قبح الأمثلة الأربعة التالية: فلأن تقديم المعمول على العامل يقتضي -غالبًا- حصول العلم بأصل الحكم، و (هل) لطلب التصديق بأصل الحكم، وهذا يؤدي إلى طلب حصول الحاصل وهو عبث.
وإنما لم يمتنع مثل هذه الأمثلة لجواز أن يكون المعمول المقدم معمولاً لعامل محذوف مقدر قبله ويكون معمول العامل المذكور محذوفًا؛ على تقدير: هل قابلت فؤادًا قابلت؟ أو أن يكون التقديم للاهتمام لا للتخصيص.
стр. 211
و (هل) كالسين وسوف، تمحض المضارع للاستقبال وضعًا، فلا يجوز لك أن تقول: (هل تؤذي فؤادًا وهو أخوك؟ ) لأن الأخوة حالية، وإذا كان الفعل واقعًا كما يفهم عرفًا من تقييده بالأخوة فإنه لا يصح دخول (هل) عليه؛ لأنها تمحض الفعل للاستقبال والفعل -هنا- واقع في الحال، وهما معنيان متدافعان.
وجه اختصاص (هل) بالفعل:
لما كانت (هل) مختصة بطلب التصديق، وكانت ممحضة المضارع للاستقبال، كان تعلقها بالفعل ودخولها عليه أكثر؛ حيث إن زمانية الفعل أظهر من زمانية الاسم إذا كان وصفًا، فالزمن في الفعل جزء مدلوله، ولكنه في الاسم ليس كذلك.
وأما أن اختصاصها بطلب التصديق يقتضي مزيد تعلقها بالفعل فلأن التصديق هو الحكم بالثبوت أو الانتفاء؛ وهما يتوجهان إلى المعاني والأحداث التي هي مدلولات الأفعال لا إلى الذوات التي هي مدلولات الأسماء.
وأما أن تمحيضها المضارع للاستقبال يقتضي مزيد تعلقها فأمره واضح؛ لأن تمحيضها المضارع للاستقبال دليل على تأثيرها فيه، وتأثيرها في المضارع دليل على أن لها مزيد تعلق بجنس الفعل وإلا لما أثرت فيه، على أنه لا يخفي أن كون (هل) لها مزيد اختصاص بالفعل يرجع فيه إلى استعمال العرب؛ ولم تكن في حاجة إلى مثل هذا التعليل.
ولهذا فإنها لا يعدل بها عن الفعلية إلى الاسمية إلا لنكتة بلاغية: وتلك النكتة البلاغية هي: (إبراز ما سيوجد في صورة الحاصل الموجود اهتمامًا بشأنه؛ وذلك أدل على كمال العناية به من إبقائه على أصله).
ومن هنا: كان قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أدل على طلب حصول الشكر من قولنا: (فهل تشكرون؟ ) ومن قولنا: (فهل أنتم تشكرون؟ )؛ مع ما فيه من التأكد بالتكرير لأنه على تقدير: فهل تشكرون تشكرون؟ ثم حذف الفعل الأول؛ فانفصل ضميره؛ لأن الآية الكريمة قد أبرزت
стр. 212
ما سيحصل -وهو مفاد الجملة الفعلية- في صورة الحاصل الثابت- وهو مفاد الجملة الاسمية- وذلك أدل على كمال العناية به من إبقائه على أصله.
وأيضًا: فإن القول الكريم -في الآية السابقة- أدل على طلب الشكر من قولنا: (أفانتم شاكرون؟ ) ومن: (أفأنتم تشكرون؟ ) ومن: (أفتشكرون؟ )؛ وذلك لأن (هل) للفعل أدعى من الهمزة وألزم له منها، فتركه معها أدلة على كمال العناية بحصوله من تركه مع الهمزة؛ لأن الهمزة ليس لها مزيد تعلق بالفعل؛ ولهذا لم يحسن أن يقال: (هل هشام معتزم بزيارتك؟ ) إلا من البليغ؛ لأنه هو الذي يراعي النكت البلاغية ويأتي بالكلام على مقتضى المقام.
(وهل) قسمان: بسيطة ومركبة:
فالبسيطة: هي التي يستفهم بها عن وجود الشيء أو عدم وجوده؛ كقولك: (هل علاء موجود؟ ) على معنى: هل هو متحقق في الخارج؟ أو (هل هو غير موجود؟ ) على معنى: هل هو غير متحقق في الخارج؟ أو (هل هو غير موجود؟ ) على معنى: هل هو غير متحقق في الخارج؟ بأن كان أمرًا اعتباريًا وهميًا، ومثله قولهم: (هل العنقاء موجودة؟ )، أو (هل هي غير موجودة؟ ).
والمركبة: هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء أو عدم وجوده له؛ ومثله قوله: " (هل خالد كريم أو غير كريم؟ )؛ فالمطلوب هنا هو: وجود الكرم لخالد أو عدم وجوده.
وأما بقية أدوات الاستفهام: فإن المطلوب بها هو: التصوير فقط، بيد أنها تختلف من جهة أن المطلوب بكل أداة هو تصور شيء غير المطلوب تصوره بأداة أخرى.
أ- (ما): ويطلب بها أمران:
الأول: شرح الاسم: أي بيان مدلوله الإجمالي الذي يعرف منه حقيقته؛ كأن يقال: (ما المسجد؟ ) فيجاب: (ذهب)؛ وكأن يقال: (ما الإنسان؟ ! ) فيجاب: (بشر).
الثاني: حقيقته المسمى وماهيته؛ كأن يقال: (ما الإنسان؟ ) فيجاب: (حيوان ناطق) على أن السؤال (بهل) البسيطة يقع في الترتيب بين السؤال (بما) التي لشرح الاسم؛ والتي لطلب الماهية.
стр. 213
ومعنى هذا: أنك إذا سمعت اسمًا ولم تعرف له مدلولاً على وجه الإجمال فإذا وقفت على مفهومه الإجمالي طلبت وجوده، ثم إذا علمت وجوده طلبت تفصيل ذلك المفهوم ببيان حده، فإذا علمت تفصيله سألت عن أحواله العارضة له.
فإذا لم تعرف معنى (الحصان) -مثلاً- سألت عن مفهومه الإجمالي (بما): فنقول: (ما هو؟ ) فيجاب: (فرس)؛ ثم تسأل عن وجوده (بهل) البسيطة؛ فتقول: (هل هو موجود؟ ) فيجاب: (نعم)؛ ثم تسأل عن ماهيته (بما) التي للحقيقة فتقول: (ما حقيقته؟ ) فيجاب: (حيوان صاهل)؛ ثم تسأل بعد ذلك عن أحواله العارضة له فتقول: (هل يمشي على أربع أو على رجلين؟ ) وهكذا.
ب- (من): ويطلب بها تعيين ذي العقل؛ إما باسمه الخاص به، وإما بوصفه المعين له؛ فمثال الأول: قولك: (من أول الخلفاء الراشدين؟ ) فيجاب: (أبو بكر).
ومثال الثاني: قولك: (من فتح الباب؟ ) فيجاب: (الرجل الأسمر الذي أعطيته المفتاح).
ج- (أي): وهي للسؤال عما يميز أحد الشيئين أو ألأشياء المشتركة في أمر من الأمور؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً﴾ [مريم: ٧٣] وكما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]. ومنه قولك: (أي الطريقين؛ أو أي الطرق تختار؟ ).
د- (كم): وهي للسؤال عن العدد المبهم؛ كأن تقول: (كم فدانًا ملكت؟ ) تريد: أعشرين أم ثلاثين؟ -مثلاً- وتقول: (كم مالك؟ ) تريد: كم دينارًا هو؟ وتقول: (كم ثوبك؟ ) تريد: كم متراً؟ أو كم ذراعًا؟ وتقول: (كم أنت ماكث؟ ) تريد: كم يومًا، أو كم: شهرًا؟ وتقول: (كم رأيتك؟ ) تريد: كم مرة؛ وتقول: (كم سرت؟ ) تريد: كم فرسخًا، أو كم يومًا؟ ؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] وقال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] يريد: كم آية آتيناهم؟ أعشرين أم ثلاثين؟ أم غير ذلك؟ وغرضه من السؤال التقريع؛ ومنه قول الفرزدق:
стр. 214
كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد خليت على عشارى؟
على رواية من نصب (عمة)؛ وعلى رواية الرفع (عمةٌ) تحتمل الخبرية الاستفهامية؛ وعلى رواية الجر (عمة) تتعين للخبرية.
هـ- (كيف): وهي للسؤال عن الحال؛ فتقول: (كيف محمد؟ ) أي على أي حال هو؟ فيقال: صحيح، أو سقيم، أو مغتبط، أو حزين؛ وتقول: كيف جاء إليك علاء؟ فيكون الجواب: راكبًا، أو ماشيًا، أو نحو ذلك.
و- (أين): وهي للسؤال عن المكان؛ فتقول: (أين كنت؟ ) وتكون الإجابة: (في المنزل) أو (في المسجد) أو (في الحديقة) -مثلاً-.
ز- (أني): وتستعمل بمعنى (كيف)؛ كما في قول الله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] وقول تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ وتارة أخرى بمعنى: (من أين)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] بدليل قولها بعد ذلك: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
ح- (متى وأيان): وهما للسؤال عن الزمان؛ فإذا قيل لك: (متى جئت؟ ) أو (أيان جئت؟ ) قلت: (يوم الجمعة) أو يوم الخميس أو (شهر كذا) أو (سنة كذا) وعن علي بن عيسى الربعي: أن (أيان) تستعمل في مواضع التفخيم؛ كما في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢].
المعاني المجازية للاستفهام
المعاني السابقة لأدوات الاستفهام؛ معان نحوية لا دخل للبلاغة فيها؛ وإنما ذكرت تمهيدًا لما سيأتي بعدها من معانٍ مجازية؛ وهي مقصد البليغ وموضع اهتمامه؛ فما هي تلك المعاني؟
١ - الاستبطاء: ودلالتها عليه من إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب -على سبيل المجاز المرسل-؛ وذلك كقولك: (كم دعوتك؟ ) ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالاستفهام
стр. 215
عن عدد الدعوة مسبب عن جهل بعددها؛ والجهل به مسبب عن كثرته عادة؛ وكثرته مسببه عن الإبطاء؛ فأطلق اسم المسبب وأريد السبب.
كما أن الاستفهام عن زمان النصر مسبب عن الجهل به، والجهل به مسبب عن استبعاده عادة، واستبعاده مسبب عن استبطائه.
ومنه قوله البهاء زهير:
أمولاي إني في هواك معذب ... وحتام أبقى في العذاب وأمكث؟
٢ - التعجب: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم على سبيل المجاز المرسل؛ وذلك كما في قول الله تعالى -حكاية عن سليمان ﵇: ﴿مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] فالسؤال عن حال النفس يستلزم الجهل بالسبب في عدم رؤيته للهدهد؛ والجهل بالسبب في عدم رؤيته للهدهد يستلزم التعجب؛ فهو مجاز مرسل من استعمال اسم الملزوم؛ وهو صيغة الاستفهام في اللازم وهو: التعجب.
٣ - التنبيه على ضلال المخاطب: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم -أيضًا- وإرادة اللازم -على سبيل المجاز المرسل؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] فالاستفهام عن الطريق في الآية يستلزم تنبيه المخاطب إليه؛ وتنبيه المخاطب يستلزم تنبيهه على ضلاله في غفلته عن ذلك الطريق، وسلوكه طريقًا واضحة الضلال.
٤ - الوعيد: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم -أيضًا- على سبيل المجاز المرسل، وذلك كما في قولك لمن يسئ الأدب: (ألم أؤدب فلانً؟ ) -إذا كان عالمًا بذلك- فالاستفهام في المثال ينبه المخاطب إلى جزاء إساءة الأدب وهذا يستلزم وعيده؛ لاتصافه بها؛ ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦].
٥ - الأمر: ودلالتها عليه من باب الإطلاق والتقييد على سبيل المجاز المرسل لأن الاستفهام هو: طلب الإقرار بالجواب مع سبق جهل المستفهم؛ فاستعمل في مطلق