← Баляга

Баляга · id 151012

البلاغة الصافية في المعاني والبيان والبديع

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (367 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

و (هل) كالسين وسوف، تمحض المضارع للاستقبال وضعًا، فلا يجوز لك أن تقول: (هل تؤذي فؤادًا وهو أخوك؟ ) لأن الأخوة حالية، وإذا كان الفعل واقعًا كما يفهم عرفًا من تقييده بالأخوة فإنه لا يصح دخول (هل) عليه؛ لأنها تمحض الفعل للاستقبال والفعل -هنا- واقع في الحال، وهما معنيان متدافعان. وجه اختصاص (هل) بالفعل: لما كانت (هل) مختصة بطلب التصديق، وكانت ممحضة المضارع للاستقبال، كان تعلقها بالفعل ودخولها عليه أكثر؛ حيث إن زمانية الفعل أظهر من زمانية الاسم إذا كان وصفًا، فالزمن في الفعل جزء مدلوله، ولكنه في الاسم ليس كذلك. وأما أن اختصاصها بطلب التصديق يقتضي مزيد تعلقها بالفعل فلأن التصديق هو الحكم بالثبوت أو الانتفاء؛ وهما يتوجهان إلى المعاني والأحداث التي هي مدلولات الأفعال لا إلى الذوات التي هي مدلولات الأسماء. وأما أن تمحيضها المضارع للاستقبال يقتضي مزيد تعلقها فأمره واضح؛ لأن تمحيضها المضارع للاستقبال دليل على تأثيرها فيه، وتأثيرها في المضارع دليل على أن لها مزيد تعلق بجنس الفعل وإلا لما أثرت فيه، على أنه لا يخفي أن كون (هل) لها مزيد اختصاص بالفعل يرجع فيه إلى استعمال العرب؛ ولم تكن في حاجة إلى مثل هذا التعليل. ولهذا فإنها لا يعدل بها عن الفعلية إلى الاسمية إلا لنكتة بلاغية: وتلك النكتة البلاغية هي: (إبراز ما سيوجد في صورة الحاصل الموجود اهتمامًا بشأنه؛ وذلك أدل على كمال العناية به من إبقائه على أصله). ومن هنا: كان قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أدل على طلب حصول الشكر من قولنا: (فهل تشكرون؟ ) ومن قولنا: (فهل أنتم تشكرون؟ )؛ مع ما فيه من التأكد بالتكرير لأنه على تقدير: فهل تشكرون تشكرون؟ ثم حذف الفعل الأول؛ فانفصل ضميره؛ لأن الآية الكريمة قد أبرزت

стр. 212

ما سيحصل -وهو مفاد الجملة الفعلية- في صورة الحاصل الثابت- وهو مفاد الجملة الاسمية- وذلك أدل على كمال العناية به من إبقائه على أصله. وأيضًا: فإن القول الكريم -في الآية السابقة- أدل على طلب الشكر من قولنا: (أفانتم شاكرون؟ ) ومن: (أفأنتم تشكرون؟ ) ومن: (أفتشكرون؟ )؛ وذلك لأن (هل) للفعل أدعى من الهمزة وألزم له منها، فتركه معها أدلة على كمال العناية بحصوله من تركه مع الهمزة؛ لأن الهمزة ليس لها مزيد تعلق بالفعل؛ ولهذا لم يحسن أن يقال: (هل هشام معتزم بزيارتك؟ ) إلا من البليغ؛ لأنه هو الذي يراعي النكت البلاغية ويأتي بالكلام على مقتضى المقام. (وهل) قسمان: بسيطة ومركبة: فالبسيطة: هي التي يستفهم بها عن وجود الشيء أو عدم وجوده؛ كقولك: (هل علاء موجود؟ ) على معنى: هل هو متحقق في الخارج؟ أو (هل هو غير موجود؟ ) على معنى: هل هو غير متحقق في الخارج؟ أو (هل هو غير موجود؟ ) على معنى: هل هو غير متحقق في الخارج؟ بأن كان أمرًا اعتباريًا وهميًا، ومثله قولهم: (هل العنقاء موجودة؟ )، أو (هل هي غير موجودة؟ ). والمركبة: هي التي يستفهم بها عن وجود شيء لشيء أو عدم وجوده له؛ ومثله قوله: " (هل خالد كريم أو غير كريم؟ )؛ فالمطلوب هنا هو: وجود الكرم لخالد أو عدم وجوده. وأما بقية أدوات الاستفهام: فإن المطلوب بها هو: التصوير فقط، بيد أنها تختلف من جهة أن المطلوب بكل أداة هو تصور شيء غير المطلوب تصوره بأداة أخرى. أ- (ما): ويطلب بها أمران: الأول: شرح الاسم: أي بيان مدلوله الإجمالي الذي يعرف منه حقيقته؛ كأن يقال: (ما المسجد؟ ) فيجاب: (ذهب)؛ وكأن يقال: (ما الإنسان؟ ! ) فيجاب: (بشر). الثاني: حقيقته المسمى وماهيته؛ كأن يقال: (ما الإنسان؟ ) فيجاب: (حيوان ناطق) على أن السؤال (بهل) البسيطة يقع في الترتيب بين السؤال (بما) التي لشرح الاسم؛ والتي لطلب الماهية.

стр. 213

ومعنى هذا: أنك إذا سمعت اسمًا ولم تعرف له مدلولاً على وجه الإجمال فإذا وقفت على مفهومه الإجمالي طلبت وجوده، ثم إذا علمت وجوده طلبت تفصيل ذلك المفهوم ببيان حده، فإذا علمت تفصيله سألت عن أحواله العارضة له. فإذا لم تعرف معنى (الحصان) -مثلاً- سألت عن مفهومه الإجمالي (بما): فنقول: (ما هو؟ ) فيجاب: (فرس)؛ ثم تسأل عن وجوده (بهل) البسيطة؛ فتقول: (هل هو موجود؟ ) فيجاب: (نعم)؛ ثم تسأل عن ماهيته (بما) التي للحقيقة فتقول: (ما حقيقته؟ ) فيجاب: (حيوان صاهل)؛ ثم تسأل بعد ذلك عن أحواله العارضة له فتقول: (هل يمشي على أربع أو على رجلين؟ ) وهكذا. ب- (من): ويطلب بها تعيين ذي العقل؛ إما باسمه الخاص به، وإما بوصفه المعين له؛ فمثال الأول: قولك: (من أول الخلفاء الراشدين؟ ) فيجاب: (أبو بكر). ومثال الثاني: قولك: (من فتح الباب؟ ) فيجاب: (الرجل الأسمر الذي أعطيته المفتاح). ج- (أي): وهي للسؤال عما يميز أحد الشيئين أو ألأشياء المشتركة في أمر من الأمور؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً﴾ [مريم: ٧٣] وكما في قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]. ومنه قولك: (أي الطريقين؛ أو أي الطرق تختار؟ ). د- (كم): وهي للسؤال عن العدد المبهم؛ كأن تقول: (كم فدانًا ملكت؟ ) تريد: أعشرين أم ثلاثين؟ -مثلاً- وتقول: (كم مالك؟ ) تريد: كم دينارًا هو؟ وتقول: (كم ثوبك؟ ) تريد: كم متراً؟ أو كم ذراعًا؟ وتقول: (كم أنت ماكث؟ ) تريد: كم يومًا، أو كم: شهرًا؟ وتقول: (كم رأيتك؟ ) تريد: كم مرة؛ وتقول: (كم سرت؟ ) تريد: كم فرسخًا، أو كم يومًا؟ ؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] وقال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] يريد: كم آية آتيناهم؟ أعشرين أم ثلاثين؟ أم غير ذلك؟ وغرضه من السؤال التقريع؛ ومنه قول الفرزدق:

стр. 214

كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد خليت على عشارى؟ على رواية من نصب (عمة)؛ وعلى رواية الرفع (عمةٌ) تحتمل الخبرية الاستفهامية؛ وعلى رواية الجر (عمة) تتعين للخبرية. هـ- (كيف): وهي للسؤال عن الحال؛ فتقول: (كيف محمد؟ ) أي على أي حال هو؟ فيقال: صحيح، أو سقيم، أو مغتبط، أو حزين؛ وتقول: كيف جاء إليك علاء؟ فيكون الجواب: راكبًا، أو ماشيًا، أو نحو ذلك. و- (أين): وهي للسؤال عن المكان؛ فتقول: (أين كنت؟ ) وتكون الإجابة: (في المنزل) أو (في المسجد) أو (في الحديقة) -مثلاً-. ز- (أني): وتستعمل بمعنى (كيف)؛ كما في قول الله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] وقول تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ وتارة أخرى بمعنى: (من أين)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] بدليل قولها بعد ذلك: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ح- (متى وأيان): وهما للسؤال عن الزمان؛ فإذا قيل لك: (متى جئت؟ ) أو (أيان جئت؟ ) قلت: (يوم الجمعة) أو يوم الخميس أو (شهر كذا) أو (سنة كذا) وعن علي بن عيسى الربعي: أن (أيان) تستعمل في مواضع التفخيم؛ كما في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢]. المعاني المجازية للاستفهام المعاني السابقة لأدوات الاستفهام؛ معان نحوية لا دخل للبلاغة فيها؛ وإنما ذكرت تمهيدًا لما سيأتي بعدها من معانٍ مجازية؛ وهي مقصد البليغ وموضع اهتمامه؛ فما هي تلك المعاني؟ ١ - الاستبطاء: ودلالتها عليه من إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب -على سبيل المجاز المرسل-؛ وذلك كقولك: (كم دعوتك؟ ) ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالاستفهام

стр. 215

عن عدد الدعوة مسبب عن جهل بعددها؛ والجهل به مسبب عن كثرته عادة؛ وكثرته مسببه عن الإبطاء؛ فأطلق اسم المسبب وأريد السبب. كما أن الاستفهام عن زمان النصر مسبب عن الجهل به، والجهل به مسبب عن استبعاده عادة، واستبعاده مسبب عن استبطائه. ومنه قوله البهاء زهير: أمولاي إني في هواك معذب ... وحتام أبقى في العذاب وأمكث؟ ٢ - التعجب: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم على سبيل المجاز المرسل؛ وذلك كما في قول الله تعالى -حكاية عن سليمان ﵇: ﴿مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] فالسؤال عن حال النفس يستلزم الجهل بالسبب في عدم رؤيته للهدهد؛ والجهل بالسبب في عدم رؤيته للهدهد يستلزم التعجب؛ فهو مجاز مرسل من استعمال اسم الملزوم؛ وهو صيغة الاستفهام في اللازم وهو: التعجب. ٣ - التنبيه على ضلال المخاطب: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم -أيضًا- وإرادة اللازم -على سبيل المجاز المرسل؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] فالاستفهام عن الطريق في الآية يستلزم تنبيه المخاطب إليه؛ وتنبيه المخاطب يستلزم تنبيهه على ضلاله في غفلته عن ذلك الطريق، وسلوكه طريقًا واضحة الضلال. ٤ - الوعيد: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم -أيضًا- على سبيل المجاز المرسل، وذلك كما في قولك لمن يسئ الأدب: (ألم أؤدب فلانً؟ ) -إذا كان عالمًا بذلك- فالاستفهام في المثال ينبه المخاطب إلى جزاء إساءة الأدب وهذا يستلزم وعيده؛ لاتصافه بها؛ ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦]. ٥ - الأمر: ودلالتها عليه من باب الإطلاق والتقييد على سبيل المجاز المرسل لأن الاستفهام هو: طلب الإقرار بالجواب مع سبق جهل المستفهم؛ فاستعمل في مطلق

стр. 216

الطلب، ثم استعمل في الطلب على سبيل الاستعلاء، وهو الأمر. ومنه قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥]. ٦ - التقرير: ودلالتها عليه من باب الإطلاق والتقييد -أيضًا-؛ وذلك باستعمال الاستفهام في مطلق طلب الإقرار ثم في طلب الإقرار من غير سبق جهل. وقبل: إن العلاقة بين الاستفهام والتقرير هي: اللزوم؛ لأن الاستفهام عن أمر معلوم للمتكلم يستلزم حمل المخاطب على الإقرار به، ومنه قول البحتري: ألست أعمهم جودا وأزكا ... هم عودًا وأمضاهم حساما؟ ويشترط في الهمزة: أن يليها المقرر به؛ وذلك كقولك: (أساعدت محمدًا؟ ) إذا أردت أن تقرره بأن الفعل قد كان منه. وكقولك: (أأنت ساعدت محمدًا؟ )؛ إذا أردت أن تقرره بأن الفعل قد كان منه. وكقولك: (أأنت ساعدت محمدًا؟ )؛ إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل. ومن هذا الضرب قول الله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]؛ إذ ليس مراد الكفار حمله على الإقرار بأن الكسر قد كان؛ ولكن مرادهم هو: حمله على الإقرار بأن الكسر قد كان منه لا من أحد غيره؛ وذلك بدليل إشارتهم إلى الفعل في قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ فإنها تقتضي أن المطلوب هو الإقرار بالفاعل لا بالفعل، وبدليل قول إبراهيم ﵇ لهم ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ فإنه لو كان التقرير بالفعل لكانت إجابته: فعلت أو لم أفعل. ٧ - الإنكار: ودلالتها عليه من إطلاق اسم اللازم وإرادة الملزوم؛ وذلك أن إنكار الشيء يستلزم الجهل به؛ والجهل به يستلزم الاستفهام عنه. والاستفهام الإنكاري قسمان: توبيخي، وتكذيبي . فالتوبيخي: نوعان: النوع الأول: ما كان الموبخ عليه فيه قد وقع في الماضي ، ويكون معناه: (ما كان ينبغي أن يكون) وذلك في قولك: (أعصيت ربك؟ ) لمن صدر عنه عصيان على معنى: ما كان ينبغي لك أن تعصيه.

стр. 217

والنوع الثاني: ما كان الموبخ عليه فيه واقعًا في الحال، أو بصدد الوقوع في المستقبل ؛ كقولك: (أتعصي ربك؟ ) لمن يرتكب منكرًا، أو لمن هم به ولم يقع منه، على معنى: لا ينبغي أن يحدث منك، أو أن يصدر عنك في المستقبل وكقولك -لمن يخاطر بنفسه-: (أتخرج في هذا الوقت؟ ). والغرض من ذلك كله: تنبيه المخاطب حتى يرجع إلى نفسه فيخجل أو يرتدع عن فعلٍ هم به. ومنه قول أمير الشعراء: إلا الخلف بينكم إلا ما؟ ... وهذي الضجة الكبرى علاما؟ والتكذيبي نوعان: النوع الأول: ما كان الفعل المكذب فيه الماضي ؛ ويكون معناه: (لم يكن)، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً﴾ [الإسراء: ٤٠]؛ فهو خطاب لمن اعتقد أن الملائكة بنات الله، وأن الله تعالى قد خصهم بالذكور، وخص نفسه بالبنات؛ أي: لم يكن ذلك بل أنتم كاذبون فيما ادعيتم. ومثله قول الله تعالى: ﴿أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] فالمعنى على التكذيب لا على التوبيخ. والنوع الثاني: ما كان الفعل المكذب فيه في المستقبل ، ويكون معناه: (لا يكون) وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]؛ أي: أنكرهكم على قبول الحجة ونقسركم على الاهتداء بها وأنتم كارهون؟ يعني: لا يكون هذا الإلزام؛ بل الذي أنا منوط به: هو الإبلاغ لا الإكراه، وعليه قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرقٌ كأنياب أغوال؟ ! وقول الآخر: أأترك -إن قلت- دراهم خالد ... زيارته؟ ! إني إذًا للئيم!

стр. 218

على أن الإبكار كالتقرير: يشترط فيه أن يلي المنكر الهمزة، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: ١٤] وقوله: ﴿أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢] وعد الزمخشري قول الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] من هذا الضرب. ومن مجيء الهمزة للإنكار قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟ فالمعنى: الله كافٍ عبده، وأنتم خير من ركب المطايا؛ وذلك لأن نفي النفي إثبات. وهكذا كل تركيب دخلت فيه الهمزة على فعل منفي؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] و ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ [الشعراء: ١٨] و ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] ويجوز -في رأي بعضهم- أن تكون الهمزة للتقرير بما دخله النفي؛ لا للتقرير بالانتفاء. وإنكار الفعل مختص بصورة لا يلي الفعل فيها الهمزة؛ بل يليها معمول الفعل المنكر؛ وهي نحو قولك: (أمحمدًا قابلت أم محمودًا؟ ) لمن يدعي أنه قابل إما محمدًا وإما محمودًا، دون غيرهما؛ وذلك لأنه إذا لم يتعلق الفعل بأحدهما؛ والتقرير أنه لم يتعلق بغيرهما؛ فقد انتفى من أصله لا محالة، وعليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد الأشياء؛ ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد هو إنكار التحريم من أصله. ٨ - التهكم: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به وبفائدته، والجهل بذلك يستلزم التهكم به، ومنه قول

стр. 219

الله تعالى -حكاية عن الكفار-: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. ٩ - التحقير: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به، والجهل به يستلزم تحقيره. والفرق بين التحقير والتهكم هو أن التهكم قد يكون بمن هو عظيم في نفسه بخلاف التحقير. ومن التحقير قول المتنبي في هجاء كافور: من أية الطرق يأتي نحوك الكرم؟ ... أين المحاجم -يا كافور- والجلم؟ ! ومنه قول الشاعر: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟ ! ١٠ - التهويل: ودلالتها عليه من إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب؛ لأن الاستفهام عن الشيء ينشأ عن الجهل به؛ والجهل به ينشأ عن كونه هائلاً لا يدرك كنهه فهو إذا مجاز مرسل علاقته السببية؛ ومنه قول الله تعالى -في قراءة الله تعالى -في قراءة ابن عباس- ﵄: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ٣٠، ٣١] بلفظ الاستفهام؛ وذلك لأن الله تعالى لما وصف العذاب بأنه مهين لشدته وفظاعته شأنه زادهم تهويلاً بقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ على معنى: هل تعرفون من هو فرعون في فرط عتوه وطغيانه؟ ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به؟ ثم عرف حاله بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنْ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١]. ومنه قول المتنبي: أيدري الربع أي دمٍ أراقا؟ ... وأي قلوب هذا الركب شاقا؟ ١١ - الاستبعاد: ودلالتها عليه كدلالتها على الاستبطاء؛ للقرب بين معنييهما، والفرق بينهما: أن الاستبطاء يتوقع ما يتعلق به بخلاف الاستبعاد. ومن الاستبعاد: قول الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٣، ١٤].

стр. 220

١٢ - التوبيخ والتعجب معًا: ودلالتها عليهما من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم لأنهما يستلزمان إنكار الموبخ عليه والمتعجب منه؛ وإنكارهما يستلزم عدم توجه الذهن إليهما، وهذا يستلزم الجهل بهما، والجهل بهما يستلزم الاستفهام عنهما. ومنه قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: كيف تكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ ومثله قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤]. على أن المعاني المجازية للاستفهام ليست منحصرة فيما ذكرنا فحسب؛ فمنها الأمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: انتهوا؛ والنهي كقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣] أي: لا تخشوهم؛ والنفي كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. ومنه قول الشاعر: هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض؟ ! والتشويق كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]. والتمني كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]. والتكثير كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]. * * * *

стр. 221

تمرينات على الاستفهام وضح الغرض البلاغي للاستفهام في كل مما يأتي: ١ - قال البحتري: هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها ... وشيكًا وإلا ضيقةٌ وانفراجها؟ ٢ - وقال أبو الطيب في هجاء كافور: من أية الطرق يأتي مثلك الكرم؟ ... أين المحاجم -يا كافور- والجلم؟ ٣ - وقال في الرثاء: من للمحافل والجحافل والسرى؟ ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلع ومن اتخذت على الضيوف خليقةً ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع ٤ - وقال في المديح: أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت ... قيام دليلٍ أو وضوح بيان؟ ٥ - وقال قد أصابته الحمى: أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام ٦ - وقال أيضًا: حتام نحن نسارى النجم في الظلم؟ ... وما سراه على خفٍ ولا قدم؟ ٧ - وقال البحتري: ألست أعمهم جودًا وأزكا ... هم عودًا وأمضاهم حسامًا؟ ٨ - وقال شوقي: إلا الخلف بينكم إلام؟ ... وهذي الضجة الكبرى علاما؟ ٩ - قال الله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ﴾. ١٠ - قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾. ١١ - قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

стр. 222

(٢) أ- استعمل همزة الاستفهام في جملتين بحيث تكون في الأولى لطلب التصور، وفي الثانية لطلب التصديق، جاعلاً غرضك من الاستفهام هو المعنى الحقيقي. ب- استعمل كل أداة من أدوات الاستفهام في جملة مفيدة، وأجب عن كل سؤال جاعلاً غرضك من الاستفهام هو المعنى الحقيقي. ج- كون ثلاث جملٍ استفهامية تامة، بحيث تكون أداة الاستفهام في كل منها (هل) ويكون الغرض من الاستفهام هو المعنى الحقيقي. (٣) أ- كون ثلاث جمل استفهامية بحيث يدل على الاستفهام في الأولى على التسوية، وفي الثانية على النفي، وفي الثالثة على الإنكار. ب- مثل للاستفهام الخارج عن معناه الأصلي للتعجب، ثم للتمني، ثم للاستبطاء. ج- كون ثلاث جمل استفهامية؛ يدل الاستفهام في الأولى منها على التعظيم وفي الثانية على التحقير، وفي الثالثة على التوبيخ. (٤) ماذا يراد بالاستفهام في الأمثلة الآتية: ١ - حتى متى أنت في لهو وفي لعبٍ ... والموت نحوك يهوى فاتحًا فاه؟ ٢ - وقال أبو الطيب: وما لك تعني بالأسنة والقنا؟ ... وجدك طعان بغير سنان ٣ - وقال: يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفني بما لا ينفد؟ ٤ - وقال: يفني الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفني بما لا ينفد؟ ٤ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ * * *

стр. 223

الفصل والوصل الوصل عند البلاغيين هو عطف جملة على أخرى بإحدى أدوات العطف. والفصل: هو ترك هذا العطف، غير أن الذي يبحثون فيه إنما هو: العطف بالواو لأنها لمطلق الجمع، ولمجرد إشراك ما بعدها لما قبلها في إعرابه، بخلاف العطف بغيرها؛ لأنه وإن أفاد التشريك -أيضًا- إلا أن لكل حرف يفيد مع التشريك معنى آخر كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في ثم .. وهكذا. فإذا توالت جملتان فإما أن يكون للأولى محل من الإعراب؛ بأن كانت واقعة في موقع الخبر، أو المفعول أو المضاف، وإما أن لا يكون لها محل من الإعراب، كالجملة الاستئنافية، وجملة الصلة. فإذا كان للجملة الأولى محل من الإعراب فإما أن يقصد تشريك الثانية للأولى، في حكم الإعراب الذي لها، وإما أن لا يقصد تشريك الثانية للأولى في هذا الحكم. فالحالة الأولى: وهي التي يقصد معها تشريك الجملة الثانية مع الأولى في الحكم الإعرابي -يجب فيها العطف، ليدل العطف على هذا التشريك. وذلك كأن تكون الأولى خبرًا للمبتدأ، مثل: (محمد يعطي ويمنع) أو حالاً مثل: (قام يخطب ويشعر) أو صفة، مثل: (سلمت على رجل يأمر وينهي). ويشترط لحسن الضعف في هذه الحالة: أن يكون بين الجملتين جهة جامعة، كالجهة الجامعة التي بين الكتابة والخطابة من التناسب، والتي بين الإعطاء والمنع من التضاد -كما سبق في المثالين- ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فالجهة الخاصة بين القبض والبسط هي: التقابل. ولهذا لا يحسن أن تقول: محمد يقرأ ويمنع، أو محمد يعطي شعر؛ لأنه لا تناسب بين القراءة والمنع، ولا بين الإعطاء والشعر. وقد عيب علي أبي تمام قوله -من قصيدة بمدح بها محمد بن الهيثم-:

стр. 224

لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر، وأن أبا الحسين كريم فقد نفى الشاعر ما أدعته حبيبته من انصراف قلبه عنها، وأقسم على هذا، والدليل عليه قول قبل هذا البيت: زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلول باللوى ورسوم والشاهد في قوله: (أن النوى صبر، وأن أبا الحسين كريم) فقد عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى، مع أنه لا مناسبة بين مرارة النوى، وكرم أبي الحسين، ولهذا كان العطف غير مقبول، فعابه النقاد على أبي تمام. والحالة الثانية: وهي التي لا يقصد معها تشريك الجملة الثانية مع الأولى في الحكم الإعرابي، يجب فيها فصل الجملة الثانية عن الجملة الأولى، سواء وجد بينهما جامع أم لم يوجد بينهما جامع، وذلك لئلا يلزم من العطف التشريك الذي لم يكن مقصودًا، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] فلم تعطف جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ التي هي مقول القول؛ لأنه لو عطفت عليه للزم تشريكها لها في كونها مفعول ﴿قَالُوا﴾، فيلزم -حينئذ- أن تكون جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ من مقول المنافقين، مع أنها ليست في مقولهم، بل هي من مقول الله- . ومن هذا الضرب -أيضًا- قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، فلو عطف قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ﴾ - في الآية الأولى- وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ﴾ في الآية الثانية على الجملة التي قبلها لكان من مقولهم، مع أنه ليس من مقولهم. وإذا لم يكن للجملة الأولى محل من الإعراب: فإما أن يقصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو، وإما ألا يقصد ذلك.

стр. 225

فإن قصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو، عطفت عليها بذلك العاطف -وإن لم توجد جهة جامعة- وذلك كقولك: (دخل محمد فخرج على) إذا كان خروج على عقيب دخول محمد بدون مهلة. وكقولك: (جاء محمد ثم جاء على) إذا كان مجيء على بعد مجيء محمد بمهلة، وكقولك: (يعطيك محمد كتبًا، أو يقرضك مالاً)، إذا أردت أنه يفعل واحدًا منهما، ومنه قول الله تعالى: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. وذلك لأن لكل حرف من حروف العطف سوى (الواو) معنى خاصًا به، ووجوده كافٍ لصحة العطف- وإن لم تكن هناك جهة جامعة. وإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو، فلا يخلو الحال من أحد أمرين: أولهما: أن يكون للجملة الأولى قيد زائد على مفهومها، مثل الحال أو الشرط أو الظرف ولم يقصد إعطاؤه للجملة الثانية، وهنا يجب الفصل، لئلا يلزم من الوصل التشريك في ذلك القيد مع أنه غير مقصود، وذلك كما في الآية السابقة: حيث لم تعطف جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة ﴿قَالُوا﴾ لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدم -وهو قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ وهذه المشاركة غير مقصودة؛ لأن جملة: ﴿قَالُوا﴾ مقيدة بظرف هو: ﴿إِذَا﴾ وتقديم الظرف يفيد الاختصاص، والمعنى أنهم يقولون: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في حال خلوهم بشياطينهم فقط، فلو عطفت جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُوا﴾ للزم أن يكون استهزاء الله بهم مختصًا بذلك الظرف لإفادة العطف تشريك الجملتين في الاختصاص به وهو باطل؛ لأن المراد باستهزاء الله بهم هو مجازاته لهم بالخذلان واستدراجهم من حيث لا يشعرون، وهذا متصل لا يتقيد بحال خلوهم إلى شياطينهم، ولهذا ترك العطف لتنتفي المشاركة في الاختصاص بذلك الظرف. والآخر: ألا يكون للجملة الأولى قيد زائد على مفهومها أصلاً، أو يكون لها قيد رائد قصد إعطاؤه للثانية. وعلى هذا الأساس بين البلاغيون مواضع الفصل والوصل:

стр. 226

أولاً: مواضع الفصل يجب الفصل في خمسة مواضع: (١) أن يكون بين الجملتين: (كمال الاتصال)، وذلك بأن تكون الجملة الثانية توكيدًا للأولى وذلك كقول المتنبي: وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا فالجملة الثانية- وهي: (إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا) توكيد للجملة الأولى، وهي: (وما الدهر إلا من رواة قصائدي)، فمعنى الجملتين واحد. ومنه قول الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، فجملة: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ توكيد لجملة: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾، لأن إثبات كونه ملكًا توكيد لنفي كونه بشرًا. أو بأن تكون الجملة الثانية بيانًا للأولى، نحو قول أبي العلاء: الناس للناس من بدو وحاضرةٍ ... بعضٌ لبعض -وإن لم يشعروا- خدم فالجملة الثانية، وهي: (بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم) جاءت لتوضح الجملة الأولى، وهي: (الناس للناس من بدو وحاضرة) فهي بيان لها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] فالجملة الثانية، وهي: ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ بيان للجملة الأولى، وهي: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾. أو بأن تكون الجملة الثانية بدلاً من الجملة الأولى، نحو قوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الأنعام: ١٣٢ - ١٣٤] فجملة: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ يدل بعض من جملة: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ إذ الأنعام والبنون بعض ما يعلمون، ومنه قول الشاعر: أقول له: ارحل، لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلمًا فقوله: (لا تقيمن عندنا) بدل اشتمال من قوله: (ارحل).

стр. 227

(٢) أن يكون بين الجملتين (كمال الانقطاع) بشرط ألا يوهم الفصل خلاف المقصود، فيجب الوصل - كما سيأتي-: وكمال الانقطاع بين الجملتين يكون في حالتين: الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنى، نحو قول أبي العتاهية: يا صاحب الدنيا المحب لها ... أنت الذي لا ينقضي تعبه فجملة النداء: إنشائية لفظًا ومعنى، وجملة: (أنت الذي لا ينقضي تعبه) خبرية لفظًا ومعنى. ونحو قول الشاعر: لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فجملة النهي: (لا تحسب) إنشائية لفظًا ومعنى، وجملة: (لن تبلغ المجد) خبرية لفظًا ومعنى. ومثله قول الآخر: لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر أو معنى فقط: كقولك: (مات فلان ﵀، فالجملة الأولى، وهي: (مات فلان) خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية وهي: ﵀ خيرية لفظًا ولكنها إنشائية معنى، فالمراد منها الدعاء على معنى: اللهم ارحمه. والثانية: ألا تكون بينهما مناسبة ما، بل يكون كل منهما مستقلاً بنفسه، كقولك: (على كاتب) (الغراب طائر)، وكما جاء في الحكم: (كفى بالمشيب داء، صلاح الإنسان في حفظ اللسان)، وإنما وجب ترك العطف في كمال الانقطاع لأن العطف يكون للجمع بين الشيئين والربط بينهما، ولا يكون ذلك في المعنيين إذا كان بينهما غاية التباين. (٣) أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى ، فتفصل الثانية عن الأولى، كما يفصل الجواب عن السؤال، لما بينهما من الاتصال، ويقال -

стр. 228

حينئذ: إن بين الجملتين (شبه كمال الاتصال)، ويسمى فصل الجملة الثانية عن الأولى في هذا الموضع: استئنافًا، والجملة الثانية، تسمى: مستأنفة. والسؤال المفهوم من الجملة الأولى: إما أن يكون عن السبب العام للحكم نحو قول الشاعر: قال لي: كيف أنت قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل أي: ما سبب علتك؟ وإنما كان السؤال هنا عن السبب العام دون الخاص؛ لأن العرف يقتضي أنه إذا قيل: فلان مريض، أن يكون السؤال عن السبب العام لمرضه، لا أن يقال: هل سبب علته كذا؟ حتى يكون السؤال عن السبب الخاص. وإما أن يكون عن السبب الخاص: نحو قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، كأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء. فالسائل هنا قد نزل منزلة المتردد في هذا السبب الخاص؛ لأن الكلام قد تقدم فيه ما يشير إلى الخبر؛ لأن قوله -على لسان يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ يشير إلى أن النفس أمارة بالسوء، والدليل على تنزيل السائل منزلة المتردد هو: تأكيد الخبر له، والخبر هنا طلبي في معنى الإنكاري، ولهذا أكد بأكثر من مؤكد واحد، فقد أكد بإن، واللام، واسمية الجملة. وإما أن يكون السؤال عن غير السبب العام والسبب الخاص، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩]، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم ﵇؟ فقيل: قال: سلام. والجملة المستأنفة قد تأتي بإعادة اسم ما استؤنف الحديث عنه، كأن يقال لرجل أحسن إلى محمد: (أحسنت إلى محمد، محمد خليق بالإحسان) فتفصل الجملة الثانية عن الأولى لكون الثانية جوابًا عن سؤال نشأ عن الأولى، استشعر سؤالاً تقديره: لماذا أحسنت إليه؟ إذا كان السؤال عن السبب العام، أو: هل هو جدير

стр. 229

بالإحسان؟ إذا كان السؤال عن السبب الخاص، وقد أعيد المستأنف له الحديث باسمه -كما رأيت- وقد تأتي بوصفه الصالح لترتيب الحكم عليه، كأن يقال في المثال السابق: (أحسنت إلى محمد، صديقك القديم أهل للإحسان) والسؤال المقدر فيه كسابقه، وقد أعيد هنا ما استؤنف عنه الحديث بوصف صداقته القديمة، وهو سبب صالح لأحقية الإحسان، وهذا القسم من الاستئناف -وهو ما أعيد فيه المستأنف عنه الحديث بوصفه- أبلغ من القسم الأول، وذلك لانطوائه على بيان السبب الموجب للحكم، كالصداقة القديمة في المثال السابق فهو من قبيل إثبات الحكم بدليل. الحذف في الاستئناف: وللحذف في الاستئناف حالتان: الأولى: أن يحذف صدر الجملة المستأنفة، سواء أكان المحذوف فعلاً ، نحو قوله تعال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]-في قراءة: ﴿يُسَبِّحُ﴾ مبنية للمجهول، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: ﴿رِجَالٌ﴾، أي: يسبحه رجال. أم كان المحذوف اسمًا نحو قولك: (نعم الرجل زيد) على اعتبار جعل زيد خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو زيد، كأنه قيل: من الرجل المخصوص بالمدح؟ فقيل: هو زيد. الثانية: أن تحذف الجملة المستأنفة كلها، والاستئناف في هذه الحال على نوعين: أحدهما: أن يقوم مقامه شيء يدل عليه، كقول الحماسي: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف أي: لهم إيلاف في رحلتيهما للتجارة، رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وليس لكم شيء من ذلك، كأنه قيل: أصدقنا في هذا الزعم، أم كذبنا؟ فقيل: (كذبتم) فحذفت الجملة المستأنفة كلها وأقيم مقامها: (لهم إلف وليس لكم إلاف) لدلالة هذا الكلام عليها.

стр. 230

والآخر: ألا يقوم شيء مقام الاستئناف، اكتفاء بالقرينة الدالة، كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]- على قول من يجعل المخصوص خبرًا لمبتدأ محذوف أي: هم نحن، أو مبتدأ لخبر محذوف، أي: نحن هم. (٤) أن تسبق جملة بجملتين يصح عطفها على إحداهما لوجود المناسبة بينهما ولا يصح عطفها على الأخرى ؛ لأن في العطف إفسادًا للمعنى؛ فيترك العطف كلية دفعًا لتوهم أن تكون الجملة المعطوفة معطوفة على التي لا يصح العطف عليها، ويسمى الفصل -حينئذ- قطعًا، ويكون بين الجملتين اللتين قصد فصلهما: (شبه كمال الانقطاع). وذلك نحو قول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغى بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم فجملة: (أراها في الضلال تهيم) يصح عطفها على جملة: (وتظن سلمى) لكن يمنع من هذا توهم العطف على جملة: (أبغي بها بدلاً) فتكون جملة: (أراها) من مظنونات سلمي، وذلك غير مقصود، ولهذا امتنع العطف كلية ووجب الفصل. (٥) أن تكون الجملتان متوسطتين بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع مع قيام المانع من الوصل ، وذلك بأن تكون الجملتان متفقتين خبرًا أو إنشاءً وبينهما رابطة قوية ولكن يمنع من العطف مانع، وذلك بأن يكون للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] فجملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لا يصح عطفها على جملة ﴿قَالُوا﴾ لئلا يلزم من ذلك اختصاص استهزاء الله بهم بوقت خلوهم إلى شياطينهم، والواقع أن استهزاء الله بهم غير مقيد بوقت من الأوقات، ولا يصح -أيضًا- أن تعطف جملة: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ لئلا يلزم من ذلك أن تكون الجملة المعطوفة من مقول المنافقين مع أنها من مقول الله تعالى.

стр. 231

ثانيًا: مواضع الوصل يجب الوصل في ثلاثة مواضع: (١) أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع مع الإبهام، وذلك بأن تكون إحداهما خبرية والأخرى إنشائية ، لكن لو فصل بينهما لأوهم الفصل خلاف المقصود، نحو: (لا، وبارك الله فيك) تجيب بذلك على من قال: هل لك حاجة أساعدك في قضائها؟ (فلا) في هذا الموضع قائمة مقام جملة خبرية، إذ التقدير: (لا حاجة لي) وجملة: (بارك الله فيك) جملة إنشائية معنى خبرية لفظًا، والعبرة بالمعنى، ولو فصلت بين الجملتين فقلت: (لا بارك الله فيك) لتوهم السامع أنك تدعو عليه على حين أنك تقصد الدعاء له، ولهذا وجب الوصل وعدل عن الفصل. وفيه ما روى أن أبا بكر ﵁ مر برجل في يده ثوب، فقال له: أتبيع الثوب؟ فقال الرجل: (لا، يرحمك الله) فقال له أبو بكر: لا تقل هذا، وقل: (لا، ويرحمك الله). (٢) أن تكون الجملتان متفقتين خبرًا أو إنشاء، لفظًا ومعنى فقط، وكان بينهما تام في المعنى ، وليس هناك سبب يقتضي الفصل بينهما. فمثال الخبريتين لفظً ومعنىً، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. ومثال الإنشائيتين لفظًا ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥] وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: ٣٦]. ومثال المتفقتين خبرًا معني فقط قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] أي: إني أشهد الله، وأشهدكم، فتكون الجملة الأولى وهي: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية: ﴿وَاشْهَدُوا﴾ خبرية معنى، إنشائية لفظًا.

стр. 232

ومثال المتفقين إنشاء معنى فقط قولك: (اذهب إلى فلان وتقول له كذا) أي: اذهب إلى فلان وقل له كذا، فالجملة الأولى وهي: (اذهب) إنشائية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية، -وهي: (تقول) - خبرية لفظًا، إنشائية معنى. والمراد بالتناسب بين الجملتين: أن يكون بينهما رابطة تجمع بينهما كالموافقة في نحو: (يقرأ، ويكتب) وكالتضاد في نحو (يضحك، ويبكي). وإنما كان التضاد في حكم الموافقة؛ لأن الذهن يتصور أحد الضدين عند تصور الآخر، كالعلم فإنه يخطر على البال عند ذكر الجهل، كما تخطر الكتابة عند ذكر القراءة. والتناسب بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين جميعًا، فلا يقال: (عصام قادم، والبعير ذاهب) لعدم التناسب بين المسند إليهما: (عصام) و (البعير) كما لا يقال: (وائل عالم وعصام قصير) لعدم التناسب بين المسندين (عالم) و (قصير). (٣) أن يكون للجملة الأولى محل من الإعراب وقصد إشراك الجملة الثانية لها في الحكم الإعرابي ، ولا مانع من هذا الإشراك نحو قول أبي العلاء المعري: وحب العيش أعبد كل حر ... وعلم ساغبا أكل المرار فجملة: (أعبد كل حر) لها محل من الإعراب؛ لأنها خبر للمبتدأ قبلها وقصد القائل إشراك جملة (علم ساغبًا أكل المرار) لها في هذا الحكم الإعرابي ولا مانع من ذلك. ومنه قول أبي الطيب المتنبي: وللسر مني موضعٌ لا يناله ... نديم ولا يفضى إليه شراب فجملة: (لا يناله نديم) لها موضع من الإعراب؛ لأنها صفة للنكرة قبلها وقصد القائل إشراك جملة (ولا يقضي إليه شراب) لها في هذا الحكم الإعرابي ولا مانع من ذلك.

стр. 233

ويشترط في قبول العطف بالواو ها ما شرط في الموضع السابق من وجود التناسب بين الجملتين، ولهذا عيب على أبي تمام قوله يمدح الحسن بن الهيثم: لا، والذي هو عالمٌ أن النوى ... صبر وأن أبا الحين كريم إذ لا رابطة بين كرم أبي الحسين، ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر. محسنات الوصل مما يريد من حسن الوصل: توافق الجملتين في الاسمية والفعلية وفي المعنى والمضارعة، وفي الإطلاق والتقييد، ولا يحسن العدول عن ذلك إلا لغرض: كأن يقصد التجدد في إحداهما والثبوت في الأخرى، وذلك مثل قولك: (يقوم خالد وعمرو قاعد)، إذا أردت أن قيام خالد يتجدد، وقعود عمرو ثابت مستمر. وكأن يراد: حكاية الحال الماضية، واستحضار الصورة الغريبة في الذهن، كما في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، فقد عبر بالمضارع في الجملة الثانية -وإن كان القتل في الماضي كالتكذيب- لأن أمر القتل فظيع، فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. وكأن يراد الإطلاق في إحداهما والتقييد في الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]، فالجملة الأولى: وهي: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]، فالجملة الأولى: وهي: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ مطلقة، والجملة الثانية مقيدة؛ لأن الشرط مقيد للجواب فقضاء الأمر: أي قضاؤه بهلاكهم، وعدم إيمانهم مقيد بإنزال الملك. * * * *

стр. 234

تمرينات على الفصل والوصل (١) حدد مواضع الوصل والفصل في كل مما يأتي مبينًا السبب: ١ - قال الشريف الرضي في الرثاء: أعلمت من حملوا على الأعواد؟ ... أعلمت كيف خبا ضياء النادي؟ ! ٢ - وقال آخر: لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ٣ - قال الطغرائي: يا واردًا سؤر عيش كله كدر ... أنفقت عمرك في أيامك الأول ٤ - وقال أبو الطيب: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني ٥ - وقال ابن الرومي: قد يسبق الخير طالبٌ عجلٌ ... ويرهق الشر ممعنًا هربة ٦ - وقال حسان بن ثابت: أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال أحتال للمال إن أودي فأكسبه ... ولست للعرض إن أودي بمختال ٧ - وقال عمارة اليمني: وغدر الفتي في عهده ووفائه ... وغدر المواضي في نبو المضارب ٨ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾.

стр. 235

(٢) بين مواضع الوصل والفصل في كل مما يأتي مع ذكر السبب في كل مثال: ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾. ٣ - ومما ينسب للإمام علي- كرم الله وجهه: - "دع الإسراف مقتصدًا، واذكر في اليوم غدًا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقد الفضل ليوم حاجتك". ٤ - قال أبو العتاهية: قد يدرك الراقد الهادي برقدته ... وقد يخيب أخو الروحات والدلج ٥ - وقال أبو العلاء المعري: لا يعجبك إقبال يريك سنا ... إن الخمود- لعمري- غاية الضرم ٦ - وقال شاعر يشكل الناس: يصدون في البأساء من غير علة ... ويمتثلون الأمر والنهي في الخفض ٧ - وقال تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ٨ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. (٣) ١ - لماذا عيب على أبي تمام قوله: لا والذي هو عالم أن النوي ... صبر وأن أبا الحسين كريم ٢ - ولماذا يحسن أن نقول: محمد خطيب وعلى شاعر؛ ولا يحسن أن نقول: محمد مريض وعلى عالم؟ (٤) مثل لما يأتي: أ- كمال الاتصال. ب- شبه كمال الاتصال. جـ- كمال الانقطاع.

стр. 236

الإيجاز، والإطناب، والمساواة عرف البلاغيون الإيجاز بأنه: "تأدية المعنى بعبارة أقل منه" وعرفوا الإطناب بأنه "تأدية المعنى بعبارة زائدة عليه" وعرفوا المساواة بأنها: "تأدية المعنى بعبارة مساوية له". فالمساواة: هي الحد الوسط بين الإيجاز والإطناب، ومثاله قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]؛ يعني: لا ينزل المكر السيء إلا بمن يستحقه بعصيانه وكفره؛ والمكر السيء من جانب الله تعالى: أن يفعل بالعبد ما يوبقه. وإنما كانت الآية من قبيل المساواة؛ لأن المعنى قد أدى بما يستحقه من التركيب وضعًا يقتضى ذلك، ومثله قوله النابغة الذبياني: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع يقول: أين المهرب منك؟ فإنك منى كالليل الذي هو- لا محالة- مدركي فلست بمستطيع أن أفلت منك مهما أمعنت في الفرار، وظننت أنني بمنجى يعصمني ويقيني؛ لما لك من قوة النفوذ وسعة السلطان. والشاهد في البيت أن معانيه مفرغة في قوالب مطابقة لها. ومن المساواة: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور متشابها" وذلك لأن ألفاظ الآية والحديث على قدر معانيها، فلو حاولت أن تزيد فيها لفظاً أو تسقط كلمة لكان ذلك من قبيل الحشو في الأول، ومن قبيل الإخلال في الثاني. والإيجاز - كما عرفت- هو (أن يؤدي المعنى بعبارة أقل منه) على أن يكون اللفظ وافياً بالمعنى المقصود، بمعنى: أن تكون الدلالة واضحة لا خفاء فيها، فإن لم يكن وافياً بالمعنى المراد كان ذلك إخلالاً بالمعنى ولم يكن إيجازاً، كما في قول الحارث بن حلزة:

стр. 237

والعيش خير في ظلال ... النوك ممن عاش كدا فقد أراد الحارث أن يقول: والعيش الناعم الهنئ في ظل الجهل خير من العيش الشاق العسير في ظل العقل؛ ولكن اللفظ لم يف بالمعنى بل أخل به. أقسام الإيجاز ينقسم الإيجاز إلى قسمين: القسم الأول: إيجاز القصر ؛ وهو: أن يقصد فيه إلى الإكثار في المعنى من غير أن يكون في التركيب حذف، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ فإن معناه كثير ولفظه قليل، ولا حذف فيه، فلو أن كاتبًا بليغًا كتب مقالًا يصور لنا فيه آثار القصاص وما يجنيه المجتمع من ورائه من منافع ما استطاع أن يصور ما صوره القرآن الكريم في هاتين الكلمتين: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وإن هاتين الكلمتين لتوحيان إلينا بصور متعددة متتابعة: من باعث القتل والتعدي، ثم القتل، ثم رفع الأمر إلى السلطان، ثم القصاص، ثم خوف المعتدين بعد ذلك من أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، ثم الإحجام عن القتل بغير الحق، ثم حقن الدماء وحفظ حياة الإنسان. وقد كان للعرب كلمات يعجبون بها ويعدونها من أوابد كلامهم؛ وهي: "القتل أنفى للقتل" لما نزلت آية القرآن الكريم، تضاءلت أمامها حكمة العرب، وظهر فيها ضعف المخلوق أمام جبروت الخالق؛ فقد تميزت الآية الكريمة على القول المأثور بما يلي: ١ - أن النص الكريم أقل حروفًا من القول المأثور. ٢ - أن في الآية الكريمة نصًا وتصريحًا بالمطلوب؛ وهو: (الحياة) والتصريح به أدعى إلى القول وأعون على ترغيب الناس فيه والحرص عليه. ٣ - ما يفيده تنكير (حياة) من معنى التعظيم. ٤ - أن النص الكريم عاد مطرد؛ إذ القصاص مطلقًا في كل وقت ومع كافة الأفراد المكلفين سبب الحياة، أما النص العربي فليس في ظاهره مطردًا، إذ

стр. 238

ليس كل قتل أنفى للقتل، بل إنه لا يكون كذلك إلا إذا كان على وجه القصاص. ٥ - أنه خال من التكرار اللفظي، بخلاف النص العربي المأثور؛ ففيه التكرار. ٦ - أنه غني عن تقدير محذوف بينما النص العربي في احتياج إليه؛ فيقال: (القتل أنفى للقتل من تركه). ٧ - أنه مشتمل على حلية الطباق؛ أما النص العربي فإنه عاطل الجيد من هذه الحلية البلاغية. ٨ - أن إدخال حرف (في) على لفظ: (القصاص) جعل له اعتباراً لطيفًا؛ وهو أنه كالمنبع والمعدن للحياة. ومنه قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ فتلك آية من جوامع الكلم وروائع الحكم، تطوى تحتها كثيرًا من مكارم الأخلاق؛ وذلك لأن في العفو الصفح عمن أساء، والأخذ بمبدأ التسامح والإغضاء، وفي الأمر بالمعروف صلة الرحمن والحدب على ذوى القربى، وصون الجوارح عن المحارم، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والأناة، وكظم الغيظ، وغير ذلك من أحاسن الشيم. ومثل ما تقدم من الكلمات الجامعة ذات اللفظ القصير والمعنى الكثير: قوله ﷺ : "الضعيف أمير الركب". ومنه: ما كتب عمرو بن مسعدة عن المأمون إلى بعض العمال في شأن رجل- وقد أعمره أن يختصر كتابه ما استطاع-: "كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنى كتب له؛ ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله". والقسم الثاني: إيجاز الحذف: وهو: "ما قصد فيه إلى إكثار المعنى مع حذف شيء من التركيب" والمحذوف أنواع شتى فمنه: ١ - ما يكوون حرفًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]؛ والأصل: ولم أكن؛ حذفت النون تخفيفًا.

стр. 239

٢ - مفردًا مضافًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها- على أن المراد بالقرية المكان- ومنه قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢١] أي: رحمة الله، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: ٥٠] أي: عذاب ربهم. ٣ - ما يكون مضافًا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] أي: بعشر ليال. ومنه قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ﴾ [الروم: ٤] أي: من قبل ذلك ومن بعده. ٤ - ما يكون موصوفًا- وهو كثير- كما في قول الشاعر: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أي: أنا ابن رجل جلا؛ أي تكشف أمره ووضح؛ أو: كشف الكروب وجلا الأمور، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢]؛ أي: حور قاصرات الطرف. ٥ - ما يكون صفة- وهو قليل-؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: سفينة سليمة؛ أو صالحة؛ بدليل ما قبله، وهو قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]؛ فهو دليل على أن الملك كان يأخذ السليمة؛ وقد جاء ذلك في بعض القراءات؛ قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس- ﵁ يقرأ: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا). ومنه قول الشاعر: كل امرئ ستئيم منه ... العرس أو منها يئيم ٦ - ما يكون شرطًا في جواب الأمر، أو النهي، أو التمني، أو الاستفهام؛ فقد قالوا بجوار تقدير الشرط بعدها؛ كقولهم في الأمر: (أكرمني أكرمك) أي: إن تركمني أكرمك. وفي النهي: (لا تسئ إلى أحد يكن خيرًا)؛ أي: إن لا تسئ يكن خيرًا. وفي التمني: (ليت لي مالًا أنفقه في وجوه الخير)؛ أي: إن أرزقه؛ وفي الاستفهام: (أين بيتك أزرك) أي: إن ترشدني إليه أزرك.

стр. 240

٧ - ما يكون جواب شرط وهو نوعان: أ- ما حذف لمجرد الاختصار اعتمادًا على القرينة؛ وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥] فهذا شرط حذف جوابه؛ وهو: (أعرضوا)؛ بدليل ما بعده؛ وهو قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦]. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] وجواب الشرط هنا تقديره: لكان هذا القرآن. ب- ما يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف؛ قصدًا إلى المبالغة حتى تذهب نفس السامع فيه كل مذهب؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] والتقدير في ذلك كله: لرأيت أمرًا لا يدرك فظاعته وهم. ٨ - ما يكون قسمًا أو جوابه: فالأول: كقولك: (لأحجن البيت الحرام) أي: والله لأحجن. والثاني- وهو كثير شاع- كقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ١: ٤] وتقدير الجواب هنا: لتعذبن يا كفار مكة. ٩ - ما يكون معطوفًا؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديث: ١٠]؛ والتقدير: ومن أنفق من بعده وقاتل؛ يدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]. ١٠ ما يكون جملة؛ والمراد بالجملة هنا: الكلام المستقل الذي لا يكون جزءًا من كلام آخر؛ وحذف الجملة على أنواع: أ- أن تكون الجملة مسببة عن سبب مذكور؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] والمعنى: ليثبت الإسلام ويظهره؛ ويمحو الكفر ويدحضه؛ فجملة ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ سبب حذف مسببه، بدليل أن

стр. 241

اللام فيها للتعليل؛ والتقدير: فعل الله سبحانه ما فعل من كسر قوة أهل الكفر مع وفرتهم وإظهار المسلمين عليهم مع قتلهم ليحق الحق ويبطل الباطل. ومنه قول أبي الطيب المتنبي: أتى الزمان بنوه في شبيبئه ... فسرهم وأتيناه على الهرم ومعناه أن من قبلنا أدركوا الزمان في نضارته وغضارته؛ فأدركوا ما أملوا ونحن أدركناه في شيخوخته وهرمه؛ فما رأينا منه خيرًا. والشاهد فيه قوله: وأتيناه على الهر؛ حيث حذف الجملة المسببة عن المذكورة وهي قوله: فساءنا. ب- أن تكون سببًا لمسبب مذكور: كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. أي: فامتثلتم؛ فتاب عليكم. ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]؛ أي: فضرب بها؛ فانفجرت. جـ- ألا تكون مسببة عن شيء ولا سببًا لشيء؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]؛ فقد حذفت فيه جملة تقديرها: هم نحن أو: نحن هم على قول من يجعل المخصوص مبتدأ حذف خبره؛ أو على قول من يجعله خبرًا حذف مبتدؤه. ١١ - ما يكون أكثر من جملة: كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] ومنه قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٨، ٢٩] وتقدير المحذوفات هكذا: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى بلقيس وقرأته قالت: يا أيها الملأ .. إلخ. الإطناب هو "تأدية المعنى بعبارة زائدة عليه"؛ بأن يعبر عنه بأكثر مما وضع لأجزائه مطابقة؛ على أن يكون الزائد لفائدة، فإن لم يكن لفائدة؛ فلا يخلو الحال من أحد أمرين:

стр. 242

الأول: أن يكون الزائد غير مستعين ؛ وحينئذ يكون الكلام تطويلًا لا إطنابًا كما في قول عدى بن زيد من قصيدة يخاطب فيها النعمان بن المنذر؛ يذكره فيها بأحداث الدهر، وما وقع لجذيمة الأبرش والزباء من خطوب جسام: وقددت الأدبم لراهشيه ... ... وألفى قولها كذبًا ومسيئا يريد: أنها قطعت الجلد حتى وصل القطع إلى الراهشين، وأنه وجد ما وعدت به من زواجها منه كذبًا وميتًا؛ ففيه تطويل؛ لأن الكذب والمين واحد ولا فائدة من الجمع بينهما ولم يتعين الزائد منهما. ومثل بيت عدى قول الشاعر: ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد ففي قوله: (النأى والبعد) تطويل؛ لأن اللفظين بمعنى واحد، ولا فائدة في الجمع بينهما ولم يتعين أحدهما للزيادة. الثاني: أن يكون الزائد متغينًا ، وحينئذ يكون الكلام حشوًا، وهو نوعان: أ- مفسد للمعنى: وذلك كلفظ "الندى" في قول أبي الطيب: ولا فصل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب والمعنى: لولا تيقن لقاء الموت ما كان هناك فضل للصفات المذكورة على أضدادها، والشاهد قوله: "والندى" فهو حشو مفسد للمعنى؛ أما أنه حشو؛ فلأنه زيادة متعينة لا فائدة منها؛ وأما أنه مفسد للمعنى: فلأن معنى البيت: إنه لا فضيلة في الدنيا للشجاعة والعطاء والصبر على الشدائد؛ على تقدير عدم الموت وهذا إنما يصلح في الشجاعة والعطار والصبر على الشدائد؛ على تقدير عدم الموت وهذا إنما يصلح في الشجاعة والصبر دون العطاء؛ لأن الإنسان إذا تيقن الخلود فإنه لا يبالي بالمغامرات، ويهون عليه اقتحام المعارك حرصًا على فضيلة الشجاعة وهذا المعنى يستوى فيه الناس جميعًا؛ فلا فضل فيه لأحد على أحد. أما من علم أنه سيموت وهو- مع ذلك- يخوض غمار الحروب، فهذا هو البطل، والأبطال قليل؛ لاختصاصه بما لا طاقة لكل أحد عليه.

стр. 243

وكذلك الشأن في الصبر على شدائد الدنيا؛ فإن من تيقن زوال الأحداث والشدائد وبقاء العمر هان عليه صبره على المكروه؛ لوثوقه بالخلاص منه. أما العطاء: فإن الباذل ماله إذا أيقن بالخلود وهو مع ذلك يسخو بماله ثبت له فضل الكرم؛ لاختصاصه بما لا يستطيعه كل أحد؛ لأن الخلود يوجب الحاجة إلى المال؛ فيندر في الناس من يوجد على هذه الحال؛ أما من أيقن أنه سيموت ويترك المال لغيره؛ استخف به وهان عليه بذله؛ فلا فضل فيه. ولهذا: لم يستقم نظم (الندى) في سياق الحديث عن الشجاعة والصبر؛ وإذ هو حشو مفسد للمعنى. ب- غير مفسد للمعنى: ومنه قول زهير بن أبي سلمى: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما فيد غد عم والشاهد فيه قوله: (قبله) فهو حشو؛ ولكنه غير مفسد للمعنى؛ أما أنه حشو فلأنه زيادة متعينة لغير فائدة؛ لأن الأمس مفيد للقبلية؛ إذ هو اليوم الذي قبل يومك؛ وهو متعين للزيادة؛ لعدم صحة عطفه على اليوم؛ وأما أنه غير مفسد؛ فلأن المعنى لا يبطل يذكره. ومنه قول الشاعر: ذكرت أخي فعاودني ... ... صداع الرأس والوصب فذكر (الرأس) مع الصداع حشو؛ لأن الصداع لا يكون إلا للرأس؛ ولكنه غير مفسد. هذا وقد يحسن الحشو إذا تضمن نكتة لطيفة؛ كقول أبي الطيب: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... -يا جنتي- لرأيت فيه جهنماً! إذ قوله: (يا جنتي) حشو غير أنه حسن بديع لمقابلته بقوله: (جهمنًا). أنواع الإطناب: للإطناب عند البلاغيين أنواع مختلفة، منها: (١) الإيضاح بعد الإبهام: وذلك ليبدو المعنى في صورتين مختلفتين:

стр. 244

إحداهما: مبهمة، والأخرى موضحة؛ فيزداد بذلك تقريرًا وتمكنًا في النفس، وتكمل لذة العلم به، ويفخم الأمر في ذهن السامع ويعظم إذا كان المقام يقتضي هذا التفخيم والتعظيم، ومنه قول الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمّ﴾ [طه: ٣٦: ٣٩] فقوله: ﴿َما يُوحِي﴾ مبهم فسر بقوله: ﴿اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] فقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ إيضاح للإبهام الذي تضمنه لفظ الأمر في قوله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾. ويدخل في الإيضاح بعد الإبهام أمران: الأول: باب "نعم وبئس"- على رأي من يجعل المخصوص خبرًا لمبتدأ محذوف أو العكس لأن الكلام في هذه الحال يكون مركبًا من جملتين: إحداهما مبهمة؛ وهي جملة الفعل الدال على المدح أو الذم؛ والأخرى موضحة وهي: جملة المخصوص بالمدح أو الذم. ووجه حسن باب "نعم وبئس" سوى ما ذكر من الإيضاح بعد الإبهام- هو: إبراز الكلام في معرض التوسط بين الإيجاز الخالص، والإطناب الخالص، إذ هو ليس إيجازًا خالصًا، لما فيه من الإيضاح بعد الإبهام، وليس إطنابًا خالصًا، لما فيه من حذف المبتدأ. الثاني: الوشيع، وهو في اللغة: لف القطن المندوف، أي: جمع القطن المتفرق في لحاف ونحوه، ومعناه في اصطلاح البلاغيين: (أن يؤتي في عجز الكلام - غالبًا - بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الآخر، أو بجمع مفسر بأسماء معطوف بعضها على بعض). مثاله في المثنى قولك: (عليك بالشفاءين: العسل والقرآن). وقول أمير الشعراء: ودخلت في ليلين: فرعك والدجي ... ولثمت - كالصبح المنور - فاك

стр. 245

وقول ابن المعتز: سقيتني في ليل سبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب فمازلت في ليلين: شعر وظلمة ... وشمسين: من خمر، ووجه حبيب ومقاله في الجمع- قول محمد بن وهيب: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى، وأبو إسحق والقمر (٢) عطف الخاص على العام: وذلك للتنبيه على فضل الخاص، نحو قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقد خصت الصلاة الوسطى- وهي صلاة العصر- بالذكر، لزيادة فضلها، ونحو قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] فقد خص الروح- وهو جبريل ﵇ بالذكر تكريمًا له، وتعظيمًا لشأنه. (٣) عطف العام على الخاص: وذلك لإفادة العموم، مع العناية بشأن الخاص كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، فقد ذكر الله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وهما لفظان عامان، يدخل فيهما من ذكر قبلهما، لإفادة العموم، مع العناية بالخاص لذكره مرتين: مرة وحده ومرة مندرجًا تحت العام. (٤) التكرير: وهو ذكر الشيء مرتين أو أكثر لداع: (أ) كالتأكيد وتقرير المعنى في النفس، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤]، فبقوله: ﴿كَلَّا﴾ ردع عن الانهماك في الدنيا، وتنبيه إلى الخطأ في ذلك، وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إنذار وتخويف، يعني: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما ينتظركم من أهوال الحشر يوم القيامة. وفي تكرير قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تأكيد للردع والإنذار معًا، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ دلالة على أن الإنذار الثاني يعلو الأول، تنزيلًا لبعد المرتبة بعد الزمان، واستعمالًا للفظ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على التدرج في سلم الإنذار.

стр. 246

(ب) وكاستمالة المخاطب لقبول الخطاب: كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩] فقد كرر قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ لاستمالتهم وحملهم على قبول الرشاد. (جـ) وكطول الكلام: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. كررت ﴿إن﴾ واسمها لطول الكلام خشية أن يكون الذهن قد ذهل عما ذكر أولا. ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]. ومنه قوله الشاعر: وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مئل هذا إنه لكريم (د) وكتعدد المتعلق تعظيمًا لشأنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٦] فقد ذكر الله تعالى نعمًا عديدة، وأتبع كل نعمة بهذه العبارة، إجلالًا لها وإكبارًا. (هـ) وكقصد الاستيعاب: نحو قولك: (قرأت الكتاب بابًا بابًا، وفهمته كلمتة كلمة) فالغرض من هذا التكرار هو الدلالة على أن الكتاب قد استوعب قراءة وفهمًا بحيث لم يترك فيه باب واحد، أو كلمة في قول مروان بن أبي حفصة: سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على القرب والبعد! (ز) وكإظهار التحسر: كما في قول الشاعر يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة موضعاً ويا قبر معن، كيف واربت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا (٥) الإيغال: وهو في اللغة: السير السريع والإمعان فيه، وتوغل في الأرض، إذا سار فيها وأبعد وهو- في اصطلاح البلاغيين- (ختم الكلام بما يفيد نكتة، يتم المعنى بدونها) وذلك:

стр. 247

(أ) لزيادة المبالغة في التشبيه: كما في قول الخنساء ترثى أخاها صخرًا. وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فقولها: (في رأسه نار): إيغال؛ لأن فيه زيادة مبالغة في التشبيه، ذلك لأن قولها: "كأنه علم" واف بالمقصود، وهو التشبيه بما يهتدى به، ولكنها لم تكتف بكون المشبه به جبلًا عاليًا ظاهرًا بل زادت على ذلك أن جعلت في رأسه نارًا لما في ذلك من زيادة الظهور والانكشاف. (ب) وكتحقيق التشبيه: أي: بيان التساوى بين الطرفين في وجه الشبه، كما في قول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب والجزع: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض، شبه به الشاعر عيون الوحش ولما كانت عيون الوحش لا ثقوب بها كانت أكثر شبها بالخرز الذي لم يثقب ولهذا زاد الشاعر قوله: (لم يثقب) ليتحقق التشابه الكامل بين الطرفين. ومثله قوله- أيضًا: حملت ردينيا كأنه سنانه ... ... سنا لهب لم يتصل بدخان (جـ) ولزيادة الحث والترغيب: كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١]، فقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إيغال، لأن المعنى يتم بدونه، إذ أن الرسل مهتدون قطعًا، فذكره تصريح بما هو معلوم، إلا أن في التصريح بوصف الاهتداء ما يحفزهم أشد الحفز إلى اتباعهم والترغيب فيهم. (٦) التذييل: وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى لا محل لها من الإعراب دالة على معنى الأولى بالفحوى لقصد التأكيد والتقوية، وهو نوعان: (أ) نوع يجري مجرى المثل: بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في الاستقلال بنفسه؛ كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]؛ إذا أريد مطلق الجزاء، لا جزاء خاص

стр. 248

ومثله قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ تذييل أريد به التأكيد لما استفيد مما قبله، وهو جار مجرى المثل لاستقلاله عما قبله، وذلك لتضمنه معنى كليا، وهو أن الباطل لا تقوم له قائمة. ومنه قول الخطيئة: نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد (ب) نوع لا يجرى مجرى المثل: لأنه لا يستقل بمعناه، وإنما يتوقف على ما قبله، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تذييل غير جار مجرى المثل، إذا أريد بالجزاء ذلك الجزاء الخاص المدلول عليه في الآيات السابقة، من إرسال سيل العرم عليهم وتبديل جنتهم بجنتين ذواتي أكل خمط .. إلخ. ومن هذا النوع قول ابن نباتة السعدي: لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل فجملة (تركتني أصحب الدنيا بلا أمل) لا يفهم معناها مستقلًا عما قبلها. (جـ) وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]، فقوله ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ تذييل لا يجرى مجرى المثل، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ تذييل جرى مجرى المثل. والتأكيد بالتذييل يكون: (١) إما لتأكيد منطوق الجملة السابقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. (٢) وإما لتأكيد مفهومها، كما في قول النابغة: ولست بمتبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ !

стр. 249

فمعنى الجملة الأولى: لن تدوم لك صداقة الصديق ما لم توطن نفسك على انه بشر يخطئ ويصيب؛ لأن الإنسان الكامل الخالي من العيوب غير موجود، ومعنى الجملة الثانية: ليس هناك رجل كملت فيه الفضال، ولهذا كانت مؤكدة لما فهم من الجملة الأولى. (٧) التكميل ويسمى (الاحتراس): وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفع ذلك الإبهام، وهذا الدفع قد يكون في أول الكلام، وقد يكون في وسط وقد يكون في آخره. فمثال الأول قول المتنبي: غير اختيار قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف فقوله: (غير اختيار) تكميل أتى به دفعًا لأن يكون قبول البر به كان عن رضًا واشتهاء له، وقد جيء به من أول الكلام. ومثال الثاني قول طرفة بن العبد: فسقى ديارك - غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي لما كان المطر قد يئول إلى خرب الديار وفسادها أتى بقوله: (غير مفسدها) دفعًا لما يتوهم من ذلك الخراب والفساد. ومنه قول عبد الله بن المعتز، يصف فرسًا: صببنا عليها - ظالمين - سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل فقوله: (ظالمين) تكميل أو احتراس، دفع توهم أن الفرس متبلدة متثاقلة تستحق الضرب، ومنه قول كثير عزة. لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن- عند موفق- لقضى لها يريد: عند حاكم كموفق، ليكون الحكم صحيحًا، فقوله: (عند موفق) تكميل أتى به دفعًا لتوهم أن الحكم غير صحيح.

стр. 250

ومثال الثالث: قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: أشداء أقوياء عليهم، تكميل دفع به توهم أن وصفهم بالذلة لضعفهم وهوانهم؛ لأن المتذلل من شأنه أن يكن ضعيفًا مهينًا، ومنه قول عنترة: أثنى على بما علمت فإنني ... سمح مخالفتي إذا لم أظلم فقوله: (إذا لم أظلم) احتراس دل به على أنه قد يخالف، فيرجع إلى الحق راضيًا، ولكنه لا يقبل الظلم. (٨) التتميم: وهو: أن يؤتي- في كلام لا يوهم خلاف المقصود- بفضله، كمفعول أو حال، أو تمييز، أو جار ومجرور، أو نحو ذلك لفائدة. وذلك كالمبالغة في المدح في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]- على أن يكون الضمير في (حبه) عائدًا على الطعام- أي: يطعمونه مع حبهم له واشتهائهم إياه، لاحتياجهم إليه، وذلك أبلغ في المدح بالكرم مما لو كان عن غنى. ومنه قول زهير: من يلق يومًا- على علاته- هرمًا ... يلقى السماحة منه والندى خلقًا فقوله: (على علانه) أي: على أي حال من غنى أو فقر، تتميم جميل. (٩) الاعتراض: وهو: (أن يؤتي في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لفائدة سوى دفع الإبهام) (أ) كالتنزيه في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فجملة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] معترضة، للمبادرة إلى تنزيه الله تعالى عما يجعلون له من البنات. (ب) وكالدعاء: كما في قول الشاعر: إن الثمانين- وبلغتها- ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
следующие страницы →