Полный текст (367 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(ب) وكاستمالة المخاطب لقبول الخطاب: كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩] فقد كرر قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ لاستمالتهم وحملهم على قبول الرشاد.
(جـ) وكطول الكلام: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
كررت ﴿إن﴾ واسمها لطول الكلام خشية أن يكون الذهن قد ذهل عما ذكر أولا.
ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩].
ومنه قوله الشاعر:
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مئل هذا إنه لكريم
(د) وكتعدد المتعلق تعظيمًا لشأنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٦] فقد ذكر الله تعالى نعمًا عديدة، وأتبع كل نعمة بهذه العبارة، إجلالًا لها وإكبارًا.
(هـ) وكقصد الاستيعاب: نحو قولك: (قرأت الكتاب بابًا بابًا، وفهمته كلمتة كلمة) فالغرض من هذا التكرار هو الدلالة على أن الكتاب قد استوعب قراءة وفهمًا بحيث لم يترك فيه باب واحد، أو كلمة في قول مروان بن أبي حفصة:
سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على القرب والبعد!
(ز) وكإظهار التحسر: كما في قول الشاعر يرثي معن بن زائدة:
فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة موضعاً
ويا قبر معن، كيف واربت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
(٥) الإيغال: وهو في اللغة: السير السريع والإمعان فيه، وتوغل في الأرض، إذا سار فيها وأبعد وهو- في اصطلاح البلاغيين- (ختم الكلام بما يفيد نكتة، يتم المعنى بدونها) وذلك:
стр. 247
(أ) لزيادة المبالغة في التشبيه: كما في قول الخنساء ترثى أخاها صخرًا.
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فقولها: (في رأسه نار): إيغال؛ لأن فيه زيادة مبالغة في التشبيه، ذلك لأن قولها: "كأنه علم" واف بالمقصود، وهو التشبيه بما يهتدى به، ولكنها لم تكتف بكون المشبه به جبلًا عاليًا ظاهرًا بل زادت على ذلك أن جعلت في رأسه نارًا لما في ذلك من زيادة الظهور والانكشاف.
(ب) وكتحقيق التشبيه: أي: بيان التساوى بين الطرفين في وجه الشبه، كما في قول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
والجزع: الخرز اليماني الذي فيه سواد وبياض، شبه به الشاعر عيون الوحش ولما كانت عيون الوحش لا ثقوب بها كانت أكثر شبها بالخرز الذي لم يثقب ولهذا زاد الشاعر قوله: (لم يثقب) ليتحقق التشابه الكامل بين الطرفين.
ومثله قوله- أيضًا:
حملت ردينيا كأنه سنانه ... ... سنا لهب لم يتصل بدخان
(جـ) ولزيادة الحث والترغيب: كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١]، فقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إيغال، لأن المعنى يتم بدونه، إذ أن الرسل مهتدون قطعًا، فذكره تصريح بما هو معلوم، إلا أن في التصريح بوصف الاهتداء ما يحفزهم أشد الحفز إلى اتباعهم والترغيب فيهم.
(٦) التذييل: وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى لا محل لها من الإعراب دالة على معنى الأولى بالفحوى لقصد التأكيد والتقوية، وهو نوعان:
(أ) نوع يجري مجرى المثل: بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في الاستقلال بنفسه؛ كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]؛ إذا أريد مطلق الجزاء، لا جزاء خاص
стр. 248
ومثله قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ تذييل أريد به التأكيد لما استفيد مما قبله، وهو جار مجرى المثل لاستقلاله عما قبله، وذلك لتضمنه معنى كليا، وهو أن الباطل لا تقوم له قائمة.
ومنه قول الخطيئة:
نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد
(ب) نوع لا يجرى مجرى المثل: لأنه لا يستقل بمعناه، وإنما يتوقف على ما قبله، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تذييل غير جار مجرى المثل، إذا أريد بالجزاء ذلك الجزاء الخاص المدلول عليه في الآيات السابقة، من إرسال سيل العرم عليهم وتبديل جنتهم بجنتين ذواتي أكل خمط .. إلخ.
ومن هذا النوع قول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
فجملة (تركتني أصحب الدنيا بلا أمل) لا يفهم معناها مستقلًا عما قبلها.
(جـ) وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥]، فقوله ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ تذييل لا يجرى مجرى المثل، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ تذييل جرى مجرى المثل.
والتأكيد بالتذييل يكون:
(١) إما لتأكيد منطوق الجملة السابقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
(٢) وإما لتأكيد مفهومها، كما في قول النابغة:
ولست بمتبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ !
стр. 249
فمعنى الجملة الأولى: لن تدوم لك صداقة الصديق ما لم توطن نفسك على انه بشر يخطئ ويصيب؛ لأن الإنسان الكامل الخالي من العيوب غير موجود، ومعنى الجملة الثانية: ليس هناك رجل كملت فيه الفضال، ولهذا كانت مؤكدة لما فهم من الجملة الأولى.
(٧) التكميل ويسمى (الاحتراس): وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المراد بما يدفع ذلك الإبهام، وهذا الدفع قد يكون في أول الكلام، وقد يكون في وسط وقد يكون في آخره.
فمثال الأول قول المتنبي:
غير اختيار قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف
فقوله: (غير اختيار) تكميل أتى به دفعًا لأن يكون قبول البر به كان عن رضًا واشتهاء له، وقد جيء به من أول الكلام.
ومثال الثاني قول طرفة بن العبد:
فسقى ديارك - غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
لما كان المطر قد يئول إلى خرب الديار وفسادها أتى بقوله: (غير مفسدها) دفعًا لما يتوهم من ذلك الخراب والفساد.
ومنه قول عبد الله بن المعتز، يصف فرسًا:
صببنا عليها - ظالمين - سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: (ظالمين) تكميل أو احتراس، دفع توهم أن الفرس متبلدة متثاقلة تستحق الضرب، ومنه قول كثير عزة.
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن- عند موفق- لقضى لها
يريد: عند حاكم كموفق، ليكون الحكم صحيحًا، فقوله: (عند موفق) تكميل أتى به دفعًا لتوهم أن الحكم غير صحيح.
стр. 250
ومثال الثالث: قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: أشداء أقوياء عليهم، تكميل دفع به توهم أن وصفهم بالذلة لضعفهم وهوانهم؛ لأن المتذلل من شأنه أن يكن ضعيفًا مهينًا، ومنه قول عنترة:
أثنى على بما علمت فإنني ... سمح مخالفتي إذا لم أظلم
فقوله: (إذا لم أظلم) احتراس دل به على أنه قد يخالف، فيرجع إلى الحق راضيًا، ولكنه لا يقبل الظلم.
(٨) التتميم: وهو: أن يؤتي- في كلام لا يوهم خلاف المقصود- بفضله، كمفعول أو حال، أو تمييز، أو جار ومجرور، أو نحو ذلك لفائدة.
وذلك كالمبالغة في المدح في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]- على أن يكون الضمير في (حبه) عائدًا على الطعام- أي: يطعمونه مع حبهم له واشتهائهم إياه، لاحتياجهم إليه، وذلك أبلغ في المدح بالكرم مما لو كان عن غنى.
ومنه قول زهير:
من يلق يومًا- على علاته- هرمًا ... يلقى السماحة منه والندى خلقًا
فقوله: (على علانه) أي: على أي حال من غنى أو فقر، تتميم جميل.
(٩) الاعتراض: وهو: (أن يؤتي في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لفائدة سوى دفع الإبهام)
(أ) كالتنزيه في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فجملة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] معترضة، للمبادرة إلى تنزيه الله تعالى عما يجعلون له من البنات.
(ب) وكالدعاء: كما في قول الشاعر:
إن الثمانين- وبلغتها- ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
стр. 251
فقوله: (وبلغتها) جملة معترضة للدعاء، أريد بها تعطيف قلب الممدوح.
(جـ) وكالتنبيه: كما في قول الشاعر:
واعلم- فعلم المرء ينفعه- ... أن سوف يأتي كل ما قدرًا
فقوله: (فعلم المرء ينفعه) جملة معترضة جاءت لتنبيه المخاطب إلى أن الشيء الذي أمر به نافع له، وذلك مما يدفعه إلى الإقبال عليه.
(د) وكالتعظيم: كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥، ٧٦] ففيه اعتراضان: أحداهما ﴿وإنه لقسم عظيم﴾ والآخر: ﴿لو تعلمون عظيم﴾ وقد أريد بهما تعظيم القسم وتفخيم أمره، وفي ذلك- أيضًا- تعظيم للمقسم عليه وتنويه برفعة شأنه.
(هـ) وكالمبادرة إلى اللوم: كما في قول كثير:
لو أن الباخلين- وأنت منهم- ... رأوك تعلموا منك المطالا
فقد عجل بالتصريح بقوله: (وأنت منهم) للإسراع إلى التصريح بلومها.
هذا وقد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو لذلك الكلام في أصل المعنى، فيقال للأكثر حروفًا: إنه مطنب، وللأقل حروفًا: إنه موجز، وهكذا.
* * *
стр. 252
تمرينات
على الإيجاز والإطناب والمساواة
(١)
بين ما في الأمثلة من إيجاز أو إطناب أو مساواة، مبينًا نوع كل من الإيجاز والإطناب:
(أ) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(ب) وقال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
(جـ) وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.
(د) وقال الله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.
(هـ) وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
(و) قيل لأعرابي يسوق مالًا كثيرًا: "لمن هذا المال؟ " فقال: "لله في يدي".
(ز) قال الله تعالي- في حكاية موسى ﵇ مع ابنتي شعيب-: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
(ج) وقال النابغة الذبياني:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
(٢)
بين مواطن التذييل والاعتراض، مبينًا الغرض البلاغي في كل مما يأتي:
(أ) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
стр. 253
(ب) قال العباس بن الأحنف:
إذا تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... ثم فما لي في العيش من أرب
(جـ) قال أبو تمام يعزي الخليفة في ابنه:
تعز أمير المؤمنين فإنه ... ... لما قد ترى يغذي الصبي ويولد
هل ابنك إلا من سلالة آدم ... لكل على حوض المنية مورد
(د) واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
(هـ) وقال إبراهيم بن المهدي في رثاء ابنه:
تبدل دارًا غير دارى وجيرة ... سواى وأحداث الزمان تنوب
(٣)
حدد مواقع الإطناب والأغراض البلاغية منه في الأمثلة التالية:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
٢ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
٣ - قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.
٤ - وقال الحماسي:
أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأى حبيب؟ إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم
٦ - وقال الشاعر:
ولست بخابئ أبدًا طعامًا ... ... حذار غد لكل غد طعام
٧ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 254
٨ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.
٩ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
١٠ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.
١١ - وقال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.
* * *
стр. 255
من علم البديع
الطباق
ويسمى المطابقة- أيضًا-؛ وهي في اللغة: الموافقة، والطباق في اصطلاح البلاغيين: (الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة).
وهذا التقابل: إما أن يكون بلفظين من نوع واحد؛ كأن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين، وإما أن يكون بلفظين من نوعين مختلفين .
فمثال الطباق بلفظين من نوع واحد وهما اسمان قول الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]؛ فقد طابق بين ﴿أيقاظ﴾ و ﴿رقود﴾ وهما اسمان.
ومثال الطباق بلفظين من نوع واحد وهما فعلان قول الله تعالى: ﴿الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فقد طابق بين ﴿تؤتي﴾ و ﴿تنزع﴾؛ كما أنه قد طابق بين ﴿تعز﴾ و ﴿تذل﴾.
وقول النبي ﷺ : "إنكم لتكثرون عند الفزع، تقلون عند الطمع" فقد طابق بين (تكثرون) و (تقلون).
وقول أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
فقد طابق بين (أبكى) و (أضحك) كما أنه قد طابق بين (أمات) و (أحيا)
وقول بشار بن برد:
إذا أيقظتك حروب العدا ... ... فنيه لها عمرًا ثم تم
فقد طابق بين (نبه) و (تم) كما أنه قد طابق بين (أيقظتك) و (تم) وإن كان الفعلان الآخران مختلفين، فأولهما ماضٍ، وثانيهما: أمر.
стр. 256
ومثال الطباق بلفظين من نوع واحد؛ وهما حرفان قول الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقد طابق هنا بين لام الملك المؤذن بالانتفاع، وبين ﴿على﴾ التي للاستعلاء المؤذن بالتحمل والضرر.
وقول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا على ولا ليا
فقد طابق هنا بين قوله (على) وقوله (ليا)؛ والمعنى أنه تحمل الهوى وقاسى منه العذاب وقد كان هذا موجبًا لمدحه لا لذمه، ولكنه مع كل هذا راض بأنه يخلص منه وليس عليه ذم ولا له مدح.
وأما الطباق بلفظين من نوعين مختلفين ؛ فمثاله قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: ضالا فهديناه، فقد طابق هنا بين (ميتًا) و (أحييناه) وهما من نوعين مختلفين؛ لأن ﴿ميتًا﴾ اسم؛ أما ﴿أحيينا﴾ ففعل ماض.
وقول طفيل بن عوف الغنوي:
بساهم الوجه لم تقطع بأجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول
فقد طابق هنا بين (يصان) و (مبذول) وهما من نوعين مختلفين؛ فالأول فعل مبني للمجهول والثاني اسم مفعول.
على أن الطباق قد يكون ظاهرًا؛ كالذي أسلفناه لك، وقد يكون خفيًا، كما في قول الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٥]؛ فقد طابق هنا بين ﴿أُغْرِقُوا﴾ وبين ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾.
وقول الشاعر:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
فالشاعر يمدح نسوة فيقول: هن كمها الوحش في سعة العين وسوادها وأهدابها، إلا أنهن أوانس ومها الوحش نوافر، وهن كفنا الخط في طول القد واستقامته إلا أن تلك القنا ذوابل وهذه النسوة نواضر.
стр. 257
فقد طابق بين (هاتا) و (تلك)؛ لأن هاتا: اسم إشارة للقريب، وتلك اسم إشارة للبعيد.
تقسيم آخر للطباق:
للطباق تقسيم آخر- بحسب الإثبات والنفي، والأمر والنهي- وهو بهذا الاعتبار قسمان:
(أ) طباق الإيجاب: وأمثلته: ما تقدم لك من أمثلة.
(ب) طباق السلب: وهو: (أن تجمع بين فعلي مصدر واحد؛ أحدهما: مثبت والآخر منفي، أو أحدهما: أمر، والآخر: نهي).
فمثال الجمع بين المثبت والمنفي: قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٦، ٧].
فقد طابق هنا بين ﴿لا يعلمون﴾ وهو فعل منفي، وبين ﴿يعلمون﴾ وهو فعل مثبت، وبين (لا ينكرون) وهو فعل منفى.
وقول البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم
والمعنى أنه يهيأ له الفراق من حيث لا يعلم أسبابه؛ لأن محبوبته تهجره بلا أسباب ولكن الشوق يسري إليه من حيث يعلم أسبابه؛ لأن هذه الأسباب إنما هي حبه لمحبوبته.
وقد طابق هنا بين (لا أعلم) وهو فعل منفي؛ وبين (أعلم) وهو فعل مثبت.
ومثال الجمع بين الأمر والنهي قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] فقد طابق هنا بين ﴿لا تخشوا﴾ وهي نهي عن خشية الناس؛ وبين ﴿اخشون﴾ وهو أمر بخشية الله تعالى.
стр. 258
التدبيج: من الطباق نوع يسمى تدبيجًا؛ وهو: أن يذكر في معنى- كالمدح أو غيره- ألوان بقصد الكناية، أو التورية.
أما تدبيج الكناية: فكقول أبي تمام من قصيدة في رثاء محمد بن حميد:
تردى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
ومعنى (تردي ثياب الموت): اتخذها رداء؛ والمراد بثياب الموت: ما كان يليه وهو يحارب، وإنما كانت حمرًا لأنها احمرت بدم القتلى، والسندس رقيق الحرير، والأول كناية عن القتل، والثاني كناية عن دخول الجنة.
وقد طابق هنا (حمرا) و (خضر)
وقول ابن حيوس:
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجود سود مثار النقع ... خضر الأكناف حمر النصال
النائل هو: العطاء، والنزال هو: القتال، ومثار النقع: غبار الحرب، والأكناف: جمع كنف وهو الجانب، وخضرتها: كناية عن سواد دروعها لأن العرب تسمى الضارب إلى السواد أخضر، وحمر النصال: كناية عن قتل الأعداء بها؛ وقوله: بيض الوجود: كناية عن كرمهم؛ وما بعده: كناية عن شجاعتهم.
وأما تدبيج التورية: فكقول الحريري: (قد ازور المحبوب الأصفر، واغبر العيش الأخضر، وأسود يومي الأبيض، وأبيض فودى الأسود، حتى رئى لي العدو الأزرق؛ فيا حبذا الموت الأحمر).
ففي قوله: (ازور المحبوب الأصفر) تورية بالذهب
ما يلحق بالطباق: يلحق بالطباق أمران:
أولهما: أن يجمع بين معنيين لا يتنافيان في ذاتهما، ولكن يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر بسببه أو لزومه أو نحوهما؛ نحو قول الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وذلك لأن الشدة لا تقابل الرحمة؛ وإنما تقابل اللبن الذي هو سبب في الرحمة.
стр. 259
ومنه قول الله تعالى: ﴿َمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] وذلك لأن السكون لا يقابل ابتغاء الفضل، وإنما يقابل الحركة اللازمة لابتغاء الفضل، وقد عدل عن لفظ الحركة لأن الحركة نوعان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، وقد قصدت الحركة الأولى ولم تقصد الثانية. ومن فاسد هذا النوع قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم؟
وذلك لأن ضد المحب: هو المبغض؛ ولكن المجرم قد لا يكون مبغضًا.
وثانيهما: ما يسمى: إبهام التضاد، وهو أن يجمع بين معنيين غير متقابلين ولكن عبر عنهما بلفظين متقابلين في معنييهما الحقيقيين، وذلك كقول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي- يا سلم- من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى!
استعار الضحك للمشيب برأسه استعارة تبعية؛ لظهوره التام برأسه؛ لأن كلا منهما يشبه الآخر في اللون، وقد طابق بين (ضحك) و (بكى) والضحك- في البيت- لا يضاد البكاء؛ لأن الضحك في البيت معناه: ظهور الشيب، ولكن المعنيين الحقيقيين متضادان.
وقول أبي تمام في الشيب:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
الأبيض الناصع هو: الشديد البياض؛ والأسود الأسفع هو: الأسود إلى حمرة. وقد استعار (الأسود الأسفع) لما يحدثه منظره في نفسه من الهم والحزن فمعناه الحقيقي هو الذي يقابل ما قبله لا المجازي. وقوله- أيضًا-:
وتنظري خبب الركاب ينصها ... محيي القريض إلى مميت المال
فمحيي القريض: كناية عن نفسه، ومميت المال كناية عن الممدوح.
والشاهد في البيت هو أن المراد من (المحيي) والمراد من (المميت) في البيت غير متضادين ولكن معنييهما الحقيقيين متضادان.
стр. 260
الفرق بين إبهام التضاد والتدبيج: هو أن إبهام التضاد يكون بطريق المجاز، أما التدبيج فإنه يكون بطريق الكناية أو التورية.
* * *
المقابلة
وهو من الطباق؛ وهي: أن يجمع بين معنيين متوافقين، أو معانٍ متوافقة، ثم بما يقابلها على الترتيب.
فمثال مقابلة اثنين باثنين قول الله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وقول النبي- ﷺ : "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شأنه" وقول النابغة الذيباني:
فتى فيه ما يسر صديقه ... ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
والمقابلة هنا بين: (يسر صديقه) و (يسوء الأعاديا)
وقول الشاعر:
فواعجبا كيف اتفقنا؟ فناصح ... وفي ومطوى على الغل غادر!
والمقابلة هنا بين (ناصح وفي) وبين (مطوي على الغل غادر).
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة: قول أبي دلامة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!
والمقابلة هنا بين (أحسن) و (أقبح) وبين (الدين) و (الكفر) وبين (الدنيا) و (الإفلاس).
وقول أبي الطيب المتنبي:
فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجد مدبر
والجد هو الحظ؛ وقد قابل هنا بين (الجود) و (البخل) وبين (يفتي) و (يبقى) وبين (مقبل) و (مدبر)
стр. 261
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] فقد قابل هنا بين كل من ﴿أعطى﴾ و ﴿بخل﴾، و ﴿اتقى﴾ و ﴿استغنى﴾ لأن معنى استغنى: زهد فيما عند الله فلم يثق به، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتفق، وبين ﴿صدق﴾ و ﴿كذب﴾ وبين ﴿اليسرى﴾ و ﴿العسرى﴾.
ومثال مقابلة خمسة بخمسة: قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثنى وبياض الصبح يغري بي
فقد قابل بين (ازورهم) و (أنثنى) وبين (سواد) و (بياض) وبين (الليل) و (الصبح) وبين (يشفع) و (ويغري) وبين (لي) و (بي).
وقد رجحوا بين أبي الطيب على بيت أبي دلامة بكثرة المقابلة فيه مع سهولة النظم، وأن قافية أبي الطيب متمكنة بينما قافية أبي دلامة مجلوبة لأجل الوزن والقافية؛ غير أنهم قالوا: إن المقابلة في بيت أبي دلامة أجود منها في بيت أبي الطيب؛ لأن ضد الليل هو النهار وليس الصبح.
ومن مقابلة ستة بستة قول عنترة:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
فقد قابل بين (على) و (في) وبين (رأس) و (رجل) وبين (عبد) و (حر) وبين (تاج) و (قيد) وبين (عز) و (ذل) وبين (يزينه) و (يشينه).
* * *
стр. 262
التورية
التورية هي: (أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، ويراد به البعيد منهما). وهي نوعان: مجردة، ومرشحة .
أما المجردة: فهي التي لا تجامع شيئًا مما يلائم المورى به، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فالتورية هنا في قوله: ﴿استوى﴾ وله معنيان: قريب وهو: استقر، وليس مرادًا، وبعيد؛ وهو: استولى؛ وهو المراد؛ بدلالة استحالة الاستقرار الحسي على الله تعالى؛ وهذه الاستحالة هي القرينة التي صرفت اللفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.
والتورية هنا: مجردة؛ لأنها لم تقترن بما يلائم المعنى القريب؛ وقيل: إن التورية هنا مرشحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿على العرش
يلائم المعنى القريب.
وأما المرشحة: فهي التي قرن بها ما يلائم المعنى المورى به؛ أي المعنى القريب والترشيح إما أن يكون قبل التورية؛ وإما أن يكون بعدها.
فمثال ما كان الترشيح فيها قبلها قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] فالتورية هنا في قوله تعالى: ﴿بأيد﴾؛ لأن اللفظ هنا له معنيان: قريب وهو جمع يد، وهي الجارحة ولكنه ليس مرادًا؛ لاستحالة ذلك على الله تعالى، وبعيد وهو القوة وهو المراد، والاستحالة قرينة صارفة للفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.
أما الترشيح هنا فقد جاء قبل التورية، وهو قوله تعالى: ﴿بنيناها﴾، ومنه قول يحيى بن منصور الحنفي:
فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالقنا السيوف على الدهر
فما اسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أعضبنا الجفون على وتر
قوله: أنخنا كناية عن إقامتهم بدراهم واكتفائهم بأنفسهم، والكريهة هي: الحرب، والوتر: هو: الثأر.
стр. 263
والتورية هنا في قوله (الجفون) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب وهو: أجفان العيون، وليس مرادًا وبعيد وهو أجفان السيوف؛ والترشيح هنا في قوله: (أغضينا) لأنه مما يلائم المعنى المورى به وهو: العين؛ وقد جاء قبل التورية؛ والقرينة هنا حالية، وهي: أنه يتحدث عن الحرب التي تستخدم فيها السيوف، وهذه القرينة هي التي صرفت اللفظ عن معناه القريب إلى معناه البعيد.
أما ما كان التشريح فيها بعدها فمثاله قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيفية باردة:
كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعًا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل
التورية هنا في قوله: ﴿الغزالة﴾ لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب وهو: الظبية؛ وليس مرادًا، بقرينة الحديث عن بروج الشمس؛ وبعيد وهو: الشمس، وهو المراد.
والترشيح هنا في قوله: (خرفت) وقد جاء بعد التورية- كما ترى- وقد تقترن التورية بما يلائم المعنى البعيد؛ أو بما يلائم المعنيين معًا، ولكنها تكون مجردة.
فمثال ما يلائم المعنى البعيد؛ أو بما يلائم المعنيين معًا، ولكنها تكون مجردة.
فمثال ملا يلائم المعنى البعيد.
стр. 264
والتورية ضربان:
(١) ضرب يتحكم حتى يصير اعتقادًا ، فلا يدرك عدم إدراك المعنى القريب إلا بتأمل وطول نظر، كما في قول الشاعر:
حملناهم طرًا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسًا
والتورية هنا في قوله: (الدهم) ومعناه القريب: الفرس الأسود. ومعناها البعيد: القيد من الحديد، وهو المراد بقرينة ما ذكره من خلع الدماء عليهم بالطعان حتى صارت لهم كالملابس؛ إذ لا يصح بعد هذا أن يكون المراد حملهم على الأفراس.
(٢) والضرب الثاني لا يبلغ ذلك المبلغ؛ ولكنه شيء يجرى في الخاطر وأنت تعرف حاله فلا يحتاج عدم إرادة المعنى القريب فيه إلى تأمل وطول نظر، وذلك كما في قول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع:
لولا النظير بالخلاف وأنهم ... قالوا: مريض لا يزور مريضًا
لقضيت نحبي في فنائك خدمة ... لأكون مندوبًا قضى مفروضًا
والخلاف هو: مخالفة العرف والعادة؛ والنحب هو: الأجل، والمندوب اسم مفعول من الندب، والتورية هنا في قوله: (مندوبًا) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب، وهو (المسنون) من السنة، وليس مرادًا؛ وبعيد وهو (المرثي) وهو المراد هنا؛ لأن المعنى: لأكون ميتًا مرئيًا قضى مفروضًا عليه وهو الموت حزنًا على ذلك المريض.
والشاهد هنا في أن عدم إرادة المعنى القريب واضح لا يحتاج إلى تأمل.
* * *
стр. 265
المبالغة
هي: (أن يدعي لوصف بلوغه- في الشدة أو الضعف- حدًا مستحيلًا أو مستبعدًا)
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التبليغ: وهو: أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدًا ممكنًا عقلًا وعادة؛ كقول امرئ القيس:
فعادي عداء بين ثور ونعجة ... دراكًا فلم ينضح بماء فيغل
فقد وصف الفرس بأنه أدرك ثورًا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق، وهذا وصف ممكن عقلًا وعادة.
وقول أبي الطيب المتنبي:
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
المعنى: انه يصرع بفسره بقر الوحش، ثم ينزل عنه وهو في نشاطه حين ركبه وهذا وصف ممكن عقلًا وعادة.
القسم الثاني: الإغراق: وهو (أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدًا ممكنًا عقلًا، ولكنه مستحيل عادة).
وذلك كقول عمير بن الأيهم التغلبي:
ونكرم جارنا مادام فينا ... ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فقد ادعى الشاعر ان جاره لا يميل عنه إلى جهة إلا وهو يتبعه الكرامة؛ وهذا وصف ممكن عقلًا ولكنه مستحيل عادة.
وقول أبي الطيب المتنبي:
كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني!
فقد ادعى أبو الطيب أنه بلغ من الضعف والنحول إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يستدل عليه إلا بالكلام. وهذا وصف ممكن عقلًا ولكنه مستحيل عادة.
стр. 266
والقسم الثالث: الغلو: وهو: (أن يدعي لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدًا مستحيلًا عقلًا وعادةً) ومثاله قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق!
فقد ادعى أبو نواس أن ممدوحه قد أخاف أهل الشرك قاطبة حتى إنه قد أخاف من لم يخلق منهم؛ وهذا وصف مستحيل عقلًا وعادة، ولهذا فإنه غير مقبول.
وإنما يقبل الغلو في حالات ثلاث:
الأولى: أن يدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظ (يكاد)، كما في قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] فإضاءة الزيت من غير أن تمسه النار أمر مستحيل عقلًا وعادة؛ ولكن الذي قربه من الإمكان لفظة (يكاد) ومن هنا كان الغلو في الآية الكريمة مقبولًا.
وكقول ابن حمديس الصقلي، يصف فرسًا:
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
فخروج الفرس عن ظله من شدة السرعة وصف مستحيل عقلًا وعادة؛ ولكن الذي قربه إلى الصحة هو قوله (يكاد) ولهذا كان الغلو هنا مقبولًا.
ومما يقرب الغلو إلى الصحة: لفظ (لو) و (لولا) وحرف التشبيه و (يخيل) وما أشبهها.
والثانية: أن يتضمن الغلو نوعًا حسنًا من التخييل، كما في قول أبي الطيب المتنبي:
أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليها عثيرًا ... لو تبتغي عتقا عليه لأمكنا!
يقول: إنك أقبلت وجيادك عوابس لكثرة ما عليها من حديد الدروع والقنا وقد بلغت سرعتها أن سنابكها أثارت غبارًا انعقد فوقها وأصبح كالأرض؛ حتى إنها لو
стр. 267
أرادت أن تسير عليه لأمكنها ذلك، وهذه مبالغة مقبولة؛ لأن الذي سوغها ما فيها من تخييل حسن وهو: ادعاؤه كثرة الغبار وجعله كالأرض في الهواء.
وقد جمع القاضي الأرجاني بين التخييل الحسن ووجود ما يقرب إلى الصحة في قوله- يصف الليل بالطول-:
يخيل لي أن سمر الشهب بالدجي ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقد ادعى الشاعر هنا أن طول الليل وصل إلى حالة أن الشهب أحكمت في ظلماته بالمسامير، وأن أهداب عينيه قد شدت إلى النجوم بحبال؛ وهذا وصف غير ممكن عقلًا وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان هو هذا التخييل الحسن الناشئ عن ادعاء أن هناك حبالًا ومسامير كانت سببًا في وقوف الشهب وشد الأجفان إليها؛ مع دخول ما يقرب إلى الصحة وهو (يخيل) ولهذا كان الغلو هنا مقبولًا.
والثالثة: أن يخرج الغلو مخرج الهزل والخلاعة؛ لأن صاحبها لا يعد موصوفًا بتقيصة الكذب كما يعد في الجد.
وذلك مثل قول الشاعر:
أمر بالكام إن عبرت به ... ... تأخذني نشوة من الطرب
أسكر بالأمس إن عزمت على الشر ... ب غدًا إن ذا من العجب!
فقد ادعى الشاعر أنه يسكر بالأمس إن عزم على الشرب غدًا؛ وهذا امر غير ممكن عقلًا وعادة؛ لما فيه من تقدم المعلوم على علته، غير أن إخراجه مخرج الهزل والخلاعة هو الذي جعل الغلو هنا مقبولًا.
آراء العلماء في المبالغة
للعلماء- في المبالغة- آرا ثلاثة:
الرأي الأول: أن المبالغة مقبولة مطلقًا سواء أكانت تبليغًا أو إغرافًا أو غلوًا لأنها واردة في كلام الله تعالى، وكلام رسول الله- ﷺ وفصيح كلام العرب.
وهذا من شأنه أن يتيح الفرصة أمام الكتاب والشعراء- لا تساع مجال القول- أن يبدوعة، ويكثروا من اختراع الصور البيانية.
стр. 268
الرأي الثاني: أن المبالغة مردودة مطلقًا؛ لأن في الحقائق متسعًا لمن يريد القول ولأن أعذب الشعر- في رأيهم- أصدقه؛ كما يقول حسان بن ثابت- ﵁:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسًا وإن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال- إذا أنشدته-: صدقًا!
والرأي الثالث: أن المبالغة: إن كانت تبليغًا أو إغراقًا فهي مقبولة؛ وإن كانت غلوًا فإن جاءت بلفظ يقربها من الصحة والإمكان بأن جاءت متضمنة تخييلًا حسنًا أو جاءت في معرض الهزل والخلاعة فهي مقبولة- أيضًا- وإن لم تتضمن شيئًا مما ذكر فهي مردودة.
* * *
стр. 269
حسن التعليل
هو: (أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي لا يدركه إلا من له بصر بالتعرف على لطائف المعاني، ودقائقها).
وإنما كان حسنًا: لأنه يظهر ما ليس واقعًا متخيلًا كأنه الواقع الحقيقي.
وقد قسموا حسن التعليل إلى أربعة أقسام:
١ - حسن التعليل للوصف الثابت الذي لا تظهر له علة في العادة . ومثاله قول أبي الطيب المتنبي:
لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء
يقول: إن السحاب لم تشابه عطاءك بغزارة مطرها، وإنما أصابتها الحمى؛ لأنها لم تجار عطاءك في غزارته؛ فما الصيب المتدفق منها إلا عرق الحمى التي أصابتها.
فنزول المطر لا يظهر له- في العادة علة- وإن كانت له علة حقيقة، ولكن الناس لا ينظرون إليها.
وكقول أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغني ... فالسيل حرب للمكان العالي
فقد علل أبو تمام عدم إصابة الغني الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل للمكان العالي؛ لأن الكريم لعلو قدره كالمكان العالي أو كالطود الأشم، والغني- لحاجة الناس إليه- كالسبل.
٢ - حسن التعليل للوصف الثابت الذي تظهر له- في العادة- صفة غير المذكورة ، ومثاله قول أبي الطيب المتنبي- في مدح بدر بن عمار:
ما به قتل أعاديه ولكن ... ... يتقى إخلاف ما ترجو الذئاب
يعني أن ممدوحه لا يقتل أعداءه خوفًا منهم لأنهم عاجزون عنه، وإنما يقتلهم لأنه يخاف أن يخلف ما ترجوه الذئاب منه من أنهم يطعمون من قتلاء في الحرب.
стр. 270
فقتل الملوك أعداءهم- عادة- إنما يكون لإرادة هلاكهم؛ لدفع مضارهم عن أنفسهم حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم؛ وليس لما ادعاء من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه؛ ومبته أن يصدق رجاء الراجين.
وقول أبي طالب المأموني- في بعض الوزراء ببخاري-:
مغرم بالثناء صب بكسب المجـ ... ... سد يهتز للسماح ارتياحًا
لا يذوق إلا غفاء إلا رجاءً ... ... أن يرى طيف مستميح رواحًا
يقول: إن ممدوحه لولوعه الشديد باكتساب المحامد التي تورث الإنسان مجدًا لا ينام إلا رغبة من رؤية طيف لطالب نواله في وقت العشى.
فقد علل الإغفاء برغبته في رؤية طيفٍ لطالف نواله؛ مع أن للإعفاء علة حقيقة غيرها.
٣ - حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته وكان ممكنًا: ومثاله قول مسلم بن الوليد:
يا واشبا حسنت قينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق
الواشي: هو الساعي، وإنساني: يعني به: إنسان عينه وهو سوادها، فقد استحسن إساءة الواشي وذلك أمر مخالف خالف فيه الناس؛ ولهذا فإنه قد عقبه بتعليل هذا الاستحسان؛ بأن حذره من الواشي منعه من البكاء فسلم إنسان عينيه من الغرق؛ وما كان كذلك فهو حسن.
فاستحسان إساءة الواشي لم يقل به أحد، ولكنه ممكن.
وقول الطغرائي:
عداي لهم فضل على ومنه ... فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاجتئيت المعايا
فثبوت الفضل والمنة للأعداء أمر ممكن؛ ولكن الناس لا يعترفون بذلك ولكن الشاعر لما خالف الناس في هذا بحث عن علتين طريفتين سوغ بهما هذه المخالفة وقربها من العقل.
стр. 271
٤ - حسن التعليل للوصف غير الثابت الذي أريد إثباته وكان غير ممكن ، ومثاله قول عبد القاهرة الجرجاني في معنى بيت فارسي:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ثابتة، وممتنعة؛ لأن النية إنما تكون ممكن يعقل؛ ولكنه ادعى ثبوتها بأنها منتطقة؛ أي: قد شدت النطاق في وسطها شأن الخدم عادة.
ما يلحق بحسن التعليل:
إذا كانت العلة التي يوردها الشاعر أو الأديب مبنية على الشك لا على الإدعاء والإصرار لم تكن العلة من حسن التعليل؛ وإنما تكون ملحقة به، مثال ذلك قول أبي تمام:
ربا شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حببيًا فما ترقى لهن مدامع!
يقول أبو تمام: إن ريح الصبا قد شفعت لرياض الربا عند السحاب؛ فأمطرت السحاب الرياض- بسبب هذه الشفاعة- أمطارًا غزيرة حتى كأن السحاب قد غيبت حبيبًا تحت ثري هذه الرياض، ولهذا فإنها ما تنفك تبكيه، ولا ينقطع لها دمع عليه.
فقد علل الشاعر إمطار السحاب بما ذكر، ولكنه قد بنى هذا التعليل على الشك بلفظة (كأن) لأنها تفيد الشك، ولهذا لم يكن من حسن التعليل وإنما هو ملحق به.
تأكيد المدح بما يشبه الذم
هو: (أن يبالغ المتكلم في المدح، فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم السامع منها في بادئ الأمر أنه ذم، فإذا هو مدح مؤكد).
وهو على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول:
وهو أفضلها (أن يستثنى من صفة ذم منقية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها) وذلك كقول النابغة الذبياني:
стр. 272
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
يقول: إنهم سلموا من العيوب غير أن سيوفهم قد تئلمت من مقارعة الأبطال في ميادين النزال؛ ولكن تثلم السيوف في مثل هذه المواطن مما يفتخر به؛ وبهذا يكون قد أتى بدليل ظاهر على شجاعتهم؛ فأكد مدحهم؛ ونفى ما كان السامع يترقبه بعد ذكر كلمة (غير) من أنه سيذكر صفة ذم.
وسر بلاغة هذا الضرب من وجوه ثلاثة:
أولها: أنه كدعوى الشيء بينه؛ فكأن النابغة قد استدل على سلامتهم من العيوب بأن ثبوت العيب فيهم معلق بكون فلول السيوف من مقارعة الأبطال في ميادين النزال عيبًا، وهو محال، والمعلق على المحال محال، فيكون عدم العيب محققاً.
وثانيها: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، وأنه اثبات عيب؛ فإذا جاء المدح بعدها تأكد المدح لأنه إثبات مدح بعد مدح.
وثالثها: أن هذا الخداع اللفظي الذي يأتي به الأديب أو الشاعر من إبهام الذم بذكرة أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإبهام مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه.
ومن هذا الضرب قول الله تعالى- في السابقين من أهل الجنة-: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦] وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فكلمة السلام التي جاءت بعد (إلا) في الآيتين ليست من اللغو والتأئيم، وإنما هي ألفاظ تحية ورحمة.
والضرب الثاني: هو (أن يثبت لشيء صفة مدح، ويعقبها بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى) .
مثاله قول النبي- ﷺ : "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش" بيد: كغير لفظًا ومعنى، وهي أداء استثناء.
стр. 273
لما أثبت النبي- ﷺ لنفسه، أنه أفصح العرب، أشعر بهذا أن هذه الصفة قد كملت فيه؛ فلما عقب هذه الصفة بأداء استثناء- وهي (بيد) - أوهم هذا الصنيع أنه سيخرج شيئًا مما قبل الاستثناء؛ فلما لم يجد إلا صفة مدح أخرى مماثلة للتيى أثبتها وهي أنه من قريش- وقريش أفصح العرب- أثبتها هي الأخرى فجاءت مدحا بعد مدح، فتأكد المدح الأول.
ووجه بلاغة هذا الضرب يرجع إلى الوجهين الأخيرين من ثلاثة الوجوه التي أسلفناها للضرب الأول وهذا الوجهان هما ما يلي:
الأول: أن الأصل في الاستثناء الاتصال، وذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج شيء مما قبلها، وأنه إثبات عيب، فإذا جاء المدح بعدها تأكد المدح الأول لأنه إثبات مدح بعد مدح.
الثاني: أن هذا الخداع اللفظي الذي يأتي به الشاعر أو الأديب من إبهام الذم بذكره أداة الاستثناء، وتلك الخلابة التي يبعثها في أسلوبه بذلك الإبهام مما ينبه السامع إلى الاهتمام بما يقوله، وينشط ذهنه لاستقبال المعاني التي يضمنها مدحه. ولم يتضمن هذا الضرب الوجه الأول الذي أثبتناه للضرب الأول- وهو أنه كدعوى الشيء ببينة- ولهذا كان الضرب الأول أفضل من الثاني، وأبلغ منه.
والضرب الثالث: هو (أن يؤتي بمستثنى فيه معنى المدح، معمول الفعل فيه معنى الذم، فيتفرع للعمل فيه، ويكون الاستثناء مفرغًا) كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] وكقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [المائدة: ٥٩]؛ أي ما تعيبون إلا أصل المناقب والمفاخر كلها؛ وهو الإيمان بآيات الله فالاستفهام في الآية للإنكار.
تأكيد الذم بما يشبه المدح
وهو: أن يبالغ المتكلم في ذمه؛ فيعمد إلى الإتيان بعبارة يتوهم منها السامع في بادئ الأمر أنه مدح، فإذا هو ذم مؤكد.
стр. 274
وهو نوعان:
أولهما: (أن يستثنى من صفة مدح منقية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها)
كقولك: (فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من يحسن إليه) فقد نفيت الخير من فلان، وهذه صفة ذم، ثم استثنيت بعد هذا النفي صفة ذم أخرى وهي أنه يسيء إلى من يحسن إليه؛ فجاء ذما بعد ذم؛ فتأكد الذم الأول.
ولهذا فإنه يجري فيه ما يجري في الضرب الأول من أنه كدعوى الشيء ببينة وأنه ذم على ذم وأن به خداعًا لفظيًا ينبه السامع وينشط ذهنه لاستقبال ما يذم به.
وثانيهما: (أن يثبت للشيء صفة ذم، ويعقبها بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى ، كقولك: (فلان فاسق إلا أنه جاهل).
ويجرى فيه ما يجري في نظريه من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
* * * *
стр. 275
تمرينات
على المحسنات المعنوية
(١)
حدد موقع الطباق في كل مثال من الأمثلة التالية مبينًا نوعه:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
٢ - وقال الحماسي:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
٣ - وقال المقنع الكندي:
لهم جل مالي إن تتابع لي غني ... ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدًا
٤ - وقال الفرزدق:
قبح الإله بني كليب إنهم ... ... لا يغدرون ولا يفون لجار
٥ - قال أبو صخر الهذلي:
أما والدي أبكي وأضحك والذي ... ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحد الوحش أن أرى ... ... خليلين منها لا يروعهما الذعر
٦ - قال السموأل بن عادياء:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
(٢)
حدد مواطن المقابلة في ما يلي:
١ - قال الشريف الرضي:
ومنظر كان بالسراء يضحكني ... ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
стр. 276
٢ - وقال أبو تمام:
يا أمة كان قبح الجور يسخطها ... ... دهرًا فأصبح حسن العدل يرضيها
٣ - وقال أبو العلاء:
يا دهر يا منجز إبعاده ... ... ومخلف المأمول من وعده
٤ - وقال أبو تمام:
قد ينعم الله بالبلوي وإن عظمت ... ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
(٣)
بين حسن التعليل في كل مما يأتي:
١ - أبدى صنيعك تقصير الزمان ففي ... وقت الربيع طلوع الورد من خجل
٢ - قال ابن نباتة:
لم يزل جوده يجور على المال ... ... إلى أن كسا النظار اصفرارًا
٣ - قال الشاعر- في وصف فرس أدهم ذي غرة-:
وأدهم كالغراب سواد لون ... ... يطير مع الرياح ولا جناح
كساه الليل شملته وولى ... ... فقبل بين عينيه الصباح
٤ - لا يطلع البدر إلا من تشوقه ... ... إليك حتى يوافى وجهك النضرا
٥ - سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أوانها تطفيلًا
طمعت بالثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا
(٤)
وضح فيما يأتي تأكيد المدح بما يشبه الذم، وبين نوعه:
١ - ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن
стр. 277
٢ - لا عيب في غير أني من دياركم ... وزامر الحي لم تطرب مزامره
٣ - تعد ذنوبي عند قوم كثيرة ... ... ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل
٤ - فتى كملت أخلاقه غير أنه ... ... جواد فما يبقى من المال باقيا
٥ - ولا عيب في معروفهم غير أنه ... يبين عجز الشاكرين عن الشكر
* * * *
стр. 278
مواضع التأنق في الكلام
وقف نقاد العرب طويلًا عند مطلع القصيدة، وعند الانتقال من فاتحتها إلى الغرض منها، ثم عند خاتمتها، ولهذا قالوا: إنه ينبغي للشاعر أو الأديب أن يتأنق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظًا، وأحسن سبكًا، وأصح معنى.
الموضع الأول:
الابتداء، ويسمونه (حسن الابتداء) لأنه أول ما يقرع السمع، فإن أحسن الشاعر أو الأديب ابتداء كلامه، أقبل السامع على كلامه وأحسن الإصغاء إليه نوعًا؛ وإن كان غير ذلك أعرض عنه ولم يلتفت إليه وإن كان في غاية الحسن.
وضربوا لحسن الابتداء أمثلة كثيرة من المطالع الجيدة، فمنها:
كليني لهم - يا أميمة - ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقالوا: إنه أحسن ابتداءات الجاهلية؛ وذلك لأنه دل من أول الأمر على حال الشاعر عندما غضب عليه النعمان وتوعده، وصور ما يتعلج في قلبه من هم أعياه؛ وأقض مضجعه، وحرمه النوم الهنيء؛ فألم به أرق جعل ليله طويلًا وكل ذلك وضع في أسلوب بين واضح، وارتباط قوي بين شطري البيت وتناسب في القوة والجزالة، كما أنهم قالوا: إن أحسن مرئية جاهلية: ابتداء قول اوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعًا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
ولعل حسن هذا المطلع راجع إلى تعبير عما كان يضمره الشاعر لهذا الذي يرثيه من حب وإعزاز، وما كان يخشى عليه من عدوان الموت، ونزول الحمام بساحته؛ أما وقد نزل المحذور فإن نفسه قد مضت في الحزن إلى أبعد الغايات واستسلمت إلى البكاء والنحيب والجزع؛ وهو لذلك يطلب إليها أن تتحمل المصاب في صبر، وألا تسترسل في آلامها على الرغم من أن ما تحذره من المكروه قد نزل بساحتها وألم بها.
стр. 279
وينبغي ان يتجنب الشاعر- في مديحه- كل ما يتطير منه حتى لا يتشاءم منه الممدوح أو بعض الحاضرين؛ وذلك كمطلع قصيدة ابي نواس؛ يهنئ بها بعض بني برمك بدار بذل في تجميلها كل ما يملك من الجهد؛ إذ بدأ بها أبو نواس بقوله:
أربع البلى؛ إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أختك ودادي!
فتطير منها البرمكي واشمأز حتى ظهر الوجوم عليه.
ومن هذا القبيل: ما يروى أن المعتصم بني قصرًا فخمًا جلس فيه؛ وجمع الناس من أهله وأصحابه، وصعد إلى العرش فاستأذنه إسحق بن إبراهيم الموصلي في النشيد، فأذن له، فأنشده شعرًا بالغ الجودة في وصفه ووصف المجلس إلا أن أوله تشبيب بالديار القديمة وبقية آثارها، فكان أول بيت منها:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟ !
فتطير المعتصم فيها. واعترض عبد الملك بن مروان على جرير عندما بدأ ينشده قصيدته فقال:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح؟
فقال عبد الملك: (بل فؤادك) كأنه استثقل هذه المواجهة، وإلا فهو يعلم أن الشاعر يخاطب نفسه. كما اعترض على ذمة الرمة عندما دخل عليه فاستنشده شيئًا من شعره فأنشده قصيدته التي يقوم في مطلعها:
ما بال عينك منها الماء ينسكب؟
وكان عين عبد الملك تدمع دائمًا؛ فتوهم أنه خاطبه أو عرض به فقال: وما سؤالك عن هذا؟ ومقته.
براعة الاستهلاك: أحسن الابتداءات هو ما ناسب الغرض الذي قصد إليه الشاعر بقصيدته والمعنى الذي تضمنته هذه القصيدة، ويسمى: (براعة الاستهلال) كقول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية، وكان أهل التنجيم قد زعموا أنها لا تفتح في ذلك الوقت:
стр. 280
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... منونهن جلاء الشك والريب
وقول أبي محمد الخازن يهنئ ابن عباد بمولود لبيته:
بشرى، فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
ومن ألطف البراعات: براعة مهيار الديلمي؛ فقد بلغه أنه وشيى به إلى ممدوحه، فتتصل من ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض النسيب، فقال:
أما وهواها حلقة وتنصلا ... ... لقد نقل الواشي إلهيا فأمحلا!
سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا!
الموضع الثاني
التخلص ، ويقصدون به الانتقال من المعنى التي ابتدئت به القصيدة كالنسيب ونحوه إلى الغرض المقصود منها؛ مع مراعاة الملاءمة بينهما ويسمونه (حسن التخلص) وذلك بأن يخرج الشاعر مما بدأ كلامه به من النسيب- مثلًا- إلى المدح، أو غيره بلطف تحيل؛ مع رعاية الملاءمة بينهما، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقع وقع في الثاني، لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما حتى كأنهما قد أفرغا في قالب واحد.
فمن حسن التخلص قول أبي تمام:
يقول في (قومس) قومي- وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود-:
أمطلع الشمس تبغي أن يؤم بنا؟ ... ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود!
وقول المتنبي- في مدح سيف الدولة-:
خليلي: إني لا رأى غير شاعر ... ... فكم منهم الدعوى ومتى القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد
والموضوع الثالث:
الانتهاء ؛ لأنه آخر ما يعيه السمع، ويرتسم في النفس ويسمونه: (حسن الانتهاء) فإذا كان مختارًا جيدًا جبر ما قد يكون قد وقع فيه الشاعر من تقصير وإن
стр. 281
كان غير مختار ولا جيد لم يجبر شيئًا مما وقع فيه الشاعر، بل إنه ربما أتى السامع محاسن القصيدة كلها.
ومن حسن الانتهاء قول أبي نواس:
فبقيت للعلم الذي تهدى له ... ... وتقاعست عن يومك الأيام
وقول أبي تمام- في خاتمة قصيدة فتح عمورية:
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... ... وبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب!
والبيت الأخير من حسن الختام؛ لأنه أفاد نهاية الفتح فآذن بانتهاء الكلام. وأحسن الانتهاءات ما آذن بانتهاء الكلام، كأن يكون لفظًا موضوعًا للدلالة على الانتهاء عادة أو عرفًا، كالدعاء والسلام، ويسمونه (براعة المقطع) كقول الشاعر:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهليه ... ... وهذا دعاء للبرية شامل
وقول أبي الطيب- في مدح سيف الدولة: -
فلا حطت لك الهيجاء سرجًا ... ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقًا
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجه البلاغة وأكمها.
* * * *
стр. 282
علم البيان
البيان في اللغة: تدور مادة (البيان) في اللغة حول: الكشف والإيضاح والفصاحة واللسن، يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح منه وأوضح كلامًا وبان الشيء بين بياناً: اتضح، فهو بين، وأبان الشيء، فهو مبين، وأبنته أنا أي: أوضحته.
وفي اصطلاح البلاغيين: هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
وهم يريدون بالعلم: الملكة التي يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو نفس القواعد والأصول المعلومة، ويريدون بالمعنى: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم، كالكرم والشجاعة والإيمان فأل في لفظ "المعنى" للاستغراق العرفي الحقيقي، لأن استحضار جميع المعاني "وهي غير متناهية" فوق مقدور البشر.
وقيدوا المعنى "بالواحد" ليحترزوا به عن المعاني المتعددة التي تؤدي بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها، وذلك كأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الكرم" بقولك: (محمد كالبحر في العطاء) ثم تعبر عن معنى الشجاعة بقولك: (استمعت إلى أسد يخطب).
فالتركيب الأول في معناه وهو "الكرم" أوضح دلالة من الثاني في معناه وهو "الشجاعة" وهذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف والشرط أن يكون المعنى في العبارتين واحدًا.
ومعنى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة من التراكيب، وبعضها أوضح دلالة عليه من بعض، سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو من قبيل المجاز، أو من قبيل الكناية، فالمعنى الواحد كالكرم "مثلًا" يمكن أن تعبر عنه بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، فتارة تعبر عنه بطريق التشبيه، فتقول: (محمد كالبحر في العطاء) وتقول: (محمد كالبحر) وتقول: (محمد بحر).
стр. 283
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى الكرم، وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها: ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعًا، "كما في المثال الأول" ويليه في الوضوح: ما صرح فيه بأحدهما "كما في المثال الثاني" وأقلها وضوحًا: ما لم يصرح فيه بواحدة منها "كما في المثال الثالث".
وتارة تعبر عنه بطريق المجاز، فتقول (رأيت بحرًا في منزلنا) تريد: محمدًا "مثلًا" فتشبهه بالبحر ثم تستعير له لفظ "البحر".
وتقول: (لجنة محمد تتلاطم بالأمواج) فاللجة والتلاطم بالأمواج من اوصاف البحر، وهذا دليل على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
وتقول: (غمر محمد بفضله الأنام) فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضًا على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية.
وأوضح هذه الطرق: الأول، ويليه وضوحًا: الثاني، وأقلها وضوحًا: الثالث.
وتارة أخرى تعبر عنه بطريق الكناية، فتقول: (محمد كثير الرماد) و (هو مهزول الفصيل) و (هو جبان الكلب).
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى "الكرم" وذلك لأن كثرة الرماد إنما تكون من كثرة إحراق الحطب للطبخ للضيفان، وهزال الفصيل إنما يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف، وجبن الكلب إنما يكون من كثرة الواردين عليه من الضيوف.
والمثال الأول أوضح هذه الطرق في الكرم، ويليه الثاني، فالثالث.
وقيدوا الاختلاف "بوضوح" الدلالة ليحترزوا به عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة، وذلك كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما، كأن تقول "مثلًا" نشر فم محمد كنفح الطيب) ثم تقول: (رائحة ثغر محمد كأريج العطر) فمثل هذا "أيضًا" ليس من مباحث علم البيان، لتماثل التركبين في وضوح الدلالة على المعنى المراد،
стр. 284
والاختلاف إنما هو في اللفاظ والعبارة فقط مع أن الشرطة هو: أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى.
وقد اشترطوا في المعنى المراد إيراده بالطرق المختلفة في وضوح الدلالة أن يكون مدلولا عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال، ومعنى هذا أن علم البيان لابد فيه من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب.
مباحث علم البيان
اللفظ المستعمل في غير ما وضع له إن قامت قرينة مانعة من إرادة معناه الاصلي كان مجازًا وإن لم تقم قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي كان اللفظ كناية.
ثم إن المجاز إن كانت علاقته هي المشابهة، كان اللفظ استعارة، وإن كانت علاقته غير المشابهة كان اللفظ مجازًا مرسلًا.
ولما كانت الاستعارة قائمة على التشبيه، كان من الضروري دراسة التشبيه أولًا.
ولهذا انحصرت أبواب علم البيان في ثلاثة الأبواب التالية:
أ- التشبيه ... ب- المجاز ... جـ- الكناية
وقدموا التشبيه على المجاز لأن منه الاستعارة، وهي مبنية على المبالغة في التشبيه؛ إذ هو منها بمنزلة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع.
وقدموا المجاز على الكناية لأنه بمنزلة الجزء من الكل، لأن المعنى المقصود من المجاز هو اللازم فقط، بينما المقصود من الكناية هو اللازم مع جواز إرادة الملزوم.
وتوضيح ذلك أنك إذا قلت في الاستعارة "مثلًا": "رأيت أسدًا يخطب" كان المقصود هو اللازم فقط وهو: أنك رأيت رجلًا شجاعًا، ولكنك إذ قلت "في الكناية": "رأيت رجلًا كثير الرماد" كان المقصود هو اللازم وهو أنك رأيت رجلًا كريمًا مع جواز إرادة الملزوم وهو أنه كثير الرماد فعلًا.
стр. 285
التشبيه
التشبيه في "اللغة" هو التمثيل، ففي لسان العرب: الشبه والشبه، والتشبيه: المثل.
وأشبه الشيء الشيءَ: مائله، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم، والتشبيه: التمثيل.
أما معناه في اصطلاح البلاغيين فهو: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى بإحدى أدوات التشبيه لفظًا أو تقديرًا.
فالأمر الأول هو: المشبه، والأمر الثاني: هو المشبه به، ويسميان: طرفي التشبيه؛ والمعنى المشترك بينهما هو ما يسمى: وجه الشبه.
وذلك كأن تقول: "خالد كالأسد في الشجاعة" ففي هذا المثال دلالة على مشاركة أمر هو: خالد، لأمر هو: الأسد، في معنى هو: الشجاعة بإحدى أدوات التشبيه وهي: الكاف.
ومن حقك أن تحذف وجه الشبه وتبقى أداة التشبيه فتقول: "خالد كالأسد" كما أنه من حقك أن تحذف أداة التشبيه وتبقى وجه الشبه فتقول: "خالد أسد في الشجاعة"، ومن حقك أيضًا أن تحذفهما معًا فتقول: "خالد أسد".
وأوضح صور التشبيه هي الصور الأولى، والتي مثلنا لها بقولك: "خالد كالأسد في الشجاعة" لأنها جمعت أركان التشبيه الأربعة وهي: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه. ويليها في الوضوح: الصورة الثانية: وهي التي مثلنا لها بقولك: "خالد كالأسد" أو "خالد أسد في الشجاعة" وذلك لأن أركان التشبيه فيها قد نقصت ركنًا واحدًا عن الأولى وهو: وجه الشبه في المثال الأول والأداة في المثال الثاني.
ويلي الثانية في الوضوح: الصورة الثالثة؛ وهي التي مثلنا لها بقولك: "خالد أسد" لأنها نقصت ركنين من أركان التشبيه، وهما أداة التشبيه، ووجه الشبه.
أركان التشبيه:
للتشبيه أربعة أكان هي:
следующие страницы →