كان غير مختار ولا جيد لم يجبر شيئًا مما وقع فيه الشاعر، بل إنه ربما أتى السامع محاسن القصيدة كلها.
ومن حسن الانتهاء قول أبي نواس:
فبقيت للعلم الذي تهدى له ... ... وتقاعست عن يومك الأيام
وقول أبي تمام- في خاتمة قصيدة فتح عمورية:
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... ... وبين أيام بدر أقرب النسب
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب!
والبيت الأخير من حسن الختام؛ لأنه أفاد نهاية الفتح فآذن بانتهاء الكلام. وأحسن الانتهاءات ما آذن بانتهاء الكلام، كأن يكون لفظًا موضوعًا للدلالة على الانتهاء عادة أو عرفًا، كالدعاء والسلام، ويسمونه (براعة المقطع) كقول الشاعر:
بقيت بقاء الدهر يا كهف أهليه ... ... وهذا دعاء للبرية شامل
وقول أبي الطيب- في مدح سيف الدولة: -
فلا حطت لك الهيجاء سرجًا ... ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقًا
وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجه البلاغة وأكمها.
* * * *
стр. 282
علم البيان
البيان في اللغة: تدور مادة (البيان) في اللغة حول: الكشف والإيضاح والفصاحة واللسن، يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح منه وأوضح كلامًا وبان الشيء بين بياناً: اتضح، فهو بين، وأبان الشيء، فهو مبين، وأبنته أنا أي: أوضحته.
وفي اصطلاح البلاغيين: هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
وهم يريدون بالعلم: الملكة التي يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو نفس القواعد والأصول المعلومة، ويريدون بالمعنى: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم، كالكرم والشجاعة والإيمان فأل في لفظ "المعنى" للاستغراق العرفي الحقيقي، لأن استحضار جميع المعاني "وهي غير متناهية" فوق مقدور البشر.
وقيدوا المعنى "بالواحد" ليحترزوا به عن المعاني المتعددة التي تؤدي بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة على معانيها، وذلك كأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه؛ كأن تعبر عن معنى "الكرم" بقولك: (محمد كالبحر في العطاء) ثم تعبر عن معنى الشجاعة بقولك: (استمعت إلى أسد يخطب).
فالتركيب الأول في معناه وهو "الكرم" أوضح دلالة من الثاني في معناه وهو "الشجاعة" وهذا ليس من علم البيان في شيء؛ لأن المعنى في العبارتين مختلف والشرط أن يكون المعنى في العبارتين واحدًا.
ومعنى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجملة من التراكيب، وبعضها أوضح دلالة عليه من بعض، سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أو من قبيل المجاز، أو من قبيل الكناية، فالمعنى الواحد كالكرم "مثلًا" يمكن أن تعبر عنه بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، فتارة تعبر عنه بطريق التشبيه، فتقول: (محمد كالبحر في العطاء) وتقول: (محمد كالبحر) وتقول: (محمد بحر).
стр. 283
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى الكرم، وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها: ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعًا، "كما في المثال الأول" ويليه في الوضوح: ما صرح فيه بأحدهما "كما في المثال الثاني" وأقلها وضوحًا: ما لم يصرح فيه بواحدة منها "كما في المثال الثالث".
وتارة تعبر عنه بطريق المجاز، فتقول (رأيت بحرًا في منزلنا) تريد: محمدًا "مثلًا" فتشبهه بالبحر ثم تستعير له لفظ "البحر".
وتقول: (لجنة محمد تتلاطم بالأمواج) فاللجة والتلاطم بالأمواج من اوصاف البحر، وهذا دليل على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
وتقول: (غمر محمد بفضله الأنام) فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضًا على أنك شبهت محمدًا بالبحر.
والمثالان الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية.
وأوضح هذه الطرق: الأول، ويليه وضوحًا: الثاني، وأقلها وضوحًا: الثالث.
وتارة أخرى تعبر عنه بطريق الكناية، فتقول: (محمد كثير الرماد) و (هو مهزول الفصيل) و (هو جبان الكلب).
فهذه ثلاثة تراكيب قد دلت على معنى "الكرم" وذلك لأن كثرة الرماد إنما تكون من كثرة إحراق الحطب للطبخ للضيفان، وهزال الفصيل إنما يكون بإعطاء لبن أمه للضيوف، وجبن الكلب إنما يكون من كثرة الواردين عليه من الضيوف.
والمثال الأول أوضح هذه الطرق في الكرم، ويليه الثاني، فالثالث.
وقيدوا الاختلاف "بوضوح" الدلالة ليحترزوا به عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة، وذلك كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين وأنت عالم بمدلولات الألفاظ فيهما، كأن تقول "مثلًا" نشر فم محمد كنفح الطيب) ثم تقول: (رائحة ثغر محمد كأريج العطر) فمثل هذا "أيضًا" ليس من مباحث علم البيان، لتماثل التركبين في وضوح الدلالة على المعنى المراد،
стр. 284
والاختلاف إنما هو في اللفاظ والعبارة فقط مع أن الشرطة هو: أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى.
وقد اشترطوا في المعنى المراد إيراده بالطرق المختلفة في وضوح الدلالة أن يكون مدلولا عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال، ومعنى هذا أن علم البيان لابد فيه من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب.
مباحث علم البيان
اللفظ المستعمل في غير ما وضع له إن قامت قرينة مانعة من إرادة معناه الاصلي كان مجازًا وإن لم تقم قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي كان اللفظ كناية.
ثم إن المجاز إن كانت علاقته هي المشابهة، كان اللفظ استعارة، وإن كانت علاقته غير المشابهة كان اللفظ مجازًا مرسلًا.
ولما كانت الاستعارة قائمة على التشبيه، كان من الضروري دراسة التشبيه أولًا.
ولهذا انحصرت أبواب علم البيان في ثلاثة الأبواب التالية:
أ- التشبيه ... ب- المجاز ... جـ- الكناية
وقدموا التشبيه على المجاز لأن منه الاستعارة، وهي مبنية على المبالغة في التشبيه؛ إذ هو منها بمنزلة الأساس من البناء، أو بمنزلة الأصل من الفرع.
وقدموا المجاز على الكناية لأنه بمنزلة الجزء من الكل، لأن المعنى المقصود من المجاز هو اللازم فقط، بينما المقصود من الكناية هو اللازم مع جواز إرادة الملزوم.
وتوضيح ذلك أنك إذا قلت في الاستعارة "مثلًا": "رأيت أسدًا يخطب" كان المقصود هو اللازم فقط وهو: أنك رأيت رجلًا شجاعًا، ولكنك إذ قلت "في الكناية": "رأيت رجلًا كثير الرماد" كان المقصود هو اللازم وهو أنك رأيت رجلًا كريمًا مع جواز إرادة الملزوم وهو أنه كثير الرماد فعلًا.
стр. 285
التشبيه
التشبيه في "اللغة" هو التمثيل، ففي لسان العرب: الشبه والشبه، والتشبيه: المثل.
وأشبه الشيء الشيءَ: مائله، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم، والتشبيه: التمثيل.
أما معناه في اصطلاح البلاغيين فهو: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى بإحدى أدوات التشبيه لفظًا أو تقديرًا.
فالأمر الأول هو: المشبه، والأمر الثاني: هو المشبه به، ويسميان: طرفي التشبيه؛ والمعنى المشترك بينهما هو ما يسمى: وجه الشبه.
وذلك كأن تقول: "خالد كالأسد في الشجاعة" ففي هذا المثال دلالة على مشاركة أمر هو: خالد، لأمر هو: الأسد، في معنى هو: الشجاعة بإحدى أدوات التشبيه وهي: الكاف.
ومن حقك أن تحذف وجه الشبه وتبقى أداة التشبيه فتقول: "خالد كالأسد" كما أنه من حقك أن تحذف أداة التشبيه وتبقى وجه الشبه فتقول: "خالد أسد في الشجاعة"، ومن حقك أيضًا أن تحذفهما معًا فتقول: "خالد أسد".
وأوضح صور التشبيه هي الصور الأولى، والتي مثلنا لها بقولك: "خالد كالأسد في الشجاعة" لأنها جمعت أركان التشبيه الأربعة وهي: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه. ويليها في الوضوح: الصورة الثانية: وهي التي مثلنا لها بقولك: "خالد كالأسد" أو "خالد أسد في الشجاعة" وذلك لأن أركان التشبيه فيها قد نقصت ركنًا واحدًا عن الأولى وهو: وجه الشبه في المثال الأول والأداة في المثال الثاني.
ويلي الثانية في الوضوح: الصورة الثالثة؛ وهي التي مثلنا لها بقولك: "خالد أسد" لأنها نقصت ركنين من أركان التشبيه، وهما أداة التشبيه، ووجه الشبه.
أركان التشبيه:
للتشبيه أربعة أكان هي:
стр. 286
١ - المشبه.
٢ - المشبه به "ويسميان: طرفي التشبيه".
٣ - وجه الشبه، وهو: الصفة التي قصد إشراك الطرفين فيها.
٤ - أداة التشبيه، وهي: كل لفظ يدل على المشابهة، سواء كان حرفًا، كالكاف وكأن، أو فعلًا، نحو: شابه، ومسائل، وحاكي، وضارع، ويشابه، ويماثل، ويحاكى، ويضارع، أو أسمًا، نحو: شبه، ومثل، ومشابه، ومحاك، ومضارع.
* * *
تقسيمات التشبيه
للتشبيه أربعة تقسيمات أساسية هي:
١ - تقسيمه باعتبار الطرفين.
٢ - تقسيمه باعتبار وجه الشبه.
٣ - تقسيمه باعتبار أداة التشبيه.
٤ - تقسيمه باعتبار الأغراض التي دعت إليه.
أولًا: الطرفان (المشبه والمشبه به)
أ- حسب الطرفين وعقليتهما:
الحسى: هو ما يدرك بإحدى الحواس الخمس، والعقلي: هو ما يدرك بالعقل.
ولك أن تشبه أمرًا حسيًا بأمر آخر حسي، كأن تشبه الخد بالورد، والقد بالرمح، والثغر بالدر، كما أن لك أن تشبه أمرًا عقليًا بأمر أخر عقلي، كأن تشبه العلم بالحياة، والجهل بالموت، ولك أن تشبه معقولًا بمحسوس، كما ترى من قول أمير الشعراء- وهو في منفاه:
سقيًا لعهد كأكناف الربا رقة ... أتي ذهبنا وأعطاف الصبا لينا
إذ الزمان بنا غيناء زاهية ... ... ترف أوقاتنا فيها رباحينا
стр. 287
فقد شبه العهد وهو عقلي بأكناف الربا وهي حسية، وشبه العهد- أيضًا- وهو عقلي بأعطاف الصبا وهي حسية.
كما أنه قد شبه الزمان "وهو عقلي" بغيناء زاهية، أي شجرة خضراء كثيرة الأغصان "وهي حسية" وشبه الأوقات "وهي عقلية" بالرياحين "وهي حسية"
كما أن لك أن تشبه محسوسًا بمعقول، كما في قول أمير الشعراء أيضًا:
والنيل يقبل كالدنيا إذا احتفلت ... لو كان فيها وفاء للمصافينا!
فقد شبه إقبال النيل، أي: فيضانه "وهو حسي" بإقبال الدنيا واحتفائها "وهو عقلي".
ومن ذلك قول ابن بابك:
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السماك فأبصرا
فلما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق وكثر ذلك، شبه الشاعر الأرض وهي أمر حسي بأخلاق الكريم في سعتها "وهي أمر عقلي".
وقول أبي طالب المأموني:
وفلا كآمال يضيق بها الفتى ... لا تصدق الأوهام فيها قيلا
أقريتها بشنملة تقرى الفلا ... عنفًا وتقريها الغلاة تحولا
فقد شبه الفلاة في سعتها وهي أمر محسوس بالآمال في سعتها وهي أمر عقلي.
وقد قالوا: إن المراد بالحسي هنا هو: "ما يدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس الظاهرة" ليدخل في الحسي: ما لا تدركه الحواس بذاته، ولكن تدرك مادته، وهو المركب الذي توجد أجزاؤه في الخارج دون صورته المركبة، فتكون مادته مدركة بالحس دون صورته لعدم وجودها كما في قول الصنوبري:
стр. 288
وكأن محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشرن على رماحٍ من زبرجد
ومن هذا اللون من التشبيه قول الصنوبري، يصف الخمر في الكأس:
كأن الحباب المستدير برأسها ... كواكب در حشوهن عقيق
فقد شبه هيئة الفقاقيع الطافية على الكأس بهيئة كواكب من الدر منثورة في سماء من العقيق، وتلك صورة لا تدرك بالحس الظاهر، لعدم وجودها، وإنما تدرك مادتها وهي الكواكب والدر والسماء والعقيق.
ومنه قول الشاعر:
كلنا باسط اليد ... ... نحو نيلوفر ندى
كدبابيس عسجد ... ... قضبها من زبرجد
فقد شبه الشاعر هيئة نبات النيلوفر بهيئة دبابيس مصنوعة من عجد، عيدانها مصنوعة من الزبرجد، وتلك صورة خيالية لا وجود لها، فالمشبه به خيالي لا يدرك بالحس، وإنما تدرك مادته، وهي: الدبابيس، والعسجد، والقضيب والزبرجد.
وقول أبي الغنائم الحمصي:
خود كأن بنائها ... ... في خضرة النقش المزود
سمك من البلور في ... ... شبك تكون من زبرجد
فقد شبه الشاعر هيئة بنان الحسنا وما بها من نقش منسق أخصر بهيئة سمك مصنوع من البلور داخل شباك مصنوعة من الزبرجد، وما من شك في أن صورة المشبه به خيالية لا تدرك بالحس الظاهر لعدم تحققها خارج الأعيان، وإنما تدرك مادتها وهي: السمك، والبلور، والشبك، والزبرجد.
فالمشبه به هنا خيالي، ولكنه لما كانت مادته مدركة بالحس الظاهر الحق بالحسي.
стр. 289
كما أنها قالوا: إن المراد بالعقلي: هو ما لا يرك هو ولا مادته بإحدى الحواس الظاهرة، لعدم وجوده خارجًا، ولكن بحيث لو وجد لم يدرك إلا بها. ليدخل فيه: التشبيه الوهمي، وهو: ما اخترعه الوهم من عنده، من غير أن يكون له، ولا لمادته وجود في الخارج، كما في قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وكما في قوله تعالى: (في شجرة الزقوم): ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].
فأنياب الأغوا ورؤوس الشياطين لا وجود لها ولا لمادتها، وإنما هي من اختراعات الوهم وافتراءاته (١)، ولكننا لو افترضنا وجودها، لا ندركها إلا بالحس الظاهر.
ب- إفراد الطرفين وتركيبها: والتشبيه "بهذا الاعتبار" ينقسم إلى أربعة أقسام:
١ - تشبيه مفرد بمفرد: وهما إما أن يكون غير مقيدين، كتشبيه الخد بالورد وإما أن يكون مقيدين، كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على طائل: هو كالراقم على الماء. فالمشبه هو الساعي المقيد بأنه لا يحصل من سعيه على شيء، والمشبه به المقيد بكون رقمه على الماء لأن وجه الشبه هو: التسوية بين الفعل وعدمه وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين.
وكأن تقول: "علم بلا عمل كشجرة بلا ثمر"، فالمشبه هو: العلم المقيد بكونه بلا عمل، والمشبه به هو: الشجرة المقيدة بكونها بلا ثمر، وذلك لأن وجه الشبه هو: انعدام الفائدة في كل منهما، فالعلم الذي لا يعمل به لا فائدة منه، كما أن الشجرة التي تثمر لا فائدة منها، فوجه الشبه إذا متوقف على اعتبار هذين القيدين.
ومنه قول الشاعر:
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلق دراً على خنزير
خنزير يريد تزيينه.
стр. 290
والمشبه "كما ترى" مقيد بحال، وهو قوله: "وتزييني"، كما أن المشبه به مقيد بمفعول وجار ومجرور، وهما قوله "دًرا على خنزير".
ووجه الشبه هو: "هيئة من يضيع الشيء في غير موضعه" وهو متوقف على القيدين كما رأيت، ومنه قول شهاب الدين التلغفري، يصف الشمس عند شروقها:
ولاحت الشمس تحكى عند مطلعها ... مرآة تبر بَدَت في كفَّ مُرتعش
فقد شبه الشمس عند شروقها بمرآة من تبر في يد مرتعشة، فالشمس مقيدة بوقت طلوعها، والمرآة مقيدة بكونها من تبر وبكونها في يد مرتعشة، ووجه الشبه: هو الهيئة الحاصلة من الاستدارة والحركة السريعة المتصلة مع تموج الإشراق، وهذه الهيئة لا تتحقق إلا بما ذكر من قيود في طرفي التشبيه.
وقد يكون المشبه مطلقاً والمشبه به مقيداً، وذلك كما في قول الشاعر:
والشمس كالمرأة في كف الأشل ... لما رأيتها بدت فوق الجبل
فقد شبه الشاعر الشمس "وهى مطلقة من التقيد" بالمرآة "وهي مقيدة" بكونها فئ يد الأشل، ووجه الشبة: هو الهيئة التى سبق أن عرفتها من البيت السابق وتلك الهيئة لا تتحقق إلا بذكر القيد المذكور.
ومنة قول أمير الشعراء:
ومصر كالكرم ذي الإحسان فاكهة ... لحاضرين، وأكواب لبادينا
فقد شبه الشاعر مصر بالكرم زى الفوائد الجليلة، فخيراتها ينعم بها الحاضر والبادي على حد سواء، فالمشبه وهو مصر غير مقيد "لفظاً" بشيء، والمشبه به وهو الكرم مقيد بقيد، وهو قوله: "ذي الإحسان"، ووجه الشبه هو: عموم النفع في كل، وهو لا يتحقق إلا بالقيد المذكور.
وقد يكون المشبه مقيداً والمشبه به مطلقاً، وذلك كأن تقول:
(كأنَّ القائد - وهو يهجم على الأعداء - خالد بن الوليد)
стр. 291
٢ - تشبيه مركب بمركب:
ومعنى التركيب هنا: هو الهيئة الحاصلة من مجموع أمور متعددة قد اجتمعت وتلاصقت وكونت شيئاً واحداً، حتى إنك لو أخذت وجه الشبه من بعضها لاختل التشبيه، وذلك كما ترى في قول البحتري يصف فرساً:
ترى أحجاله يصعدون فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
فالشاعر يريد أن يشبه هيئة اختلاط بياض الفرس بسواده بهيئة اختلاط بياض البرق بسواد الغيم، ولا يريد تشبيه بياض الأحجال "على انفراد" بالبرق، ولا تشبيه سواد الفرس بالغيم "على انفراد" كذلك.
ومنة قول أبى الطيب المتنبي يمدح على بن منصور الحاجب:
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها ... تحت الجبال فوارسا وجنائبا
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجاً تبسم أو قذالاً شائبا
فكأنما كسي النهار بها دُجي ... ليلٍ وأطلعت الرَّماح كواكبا
انظر كيف شبه هيئة اختلاط بياض الحديد بسواد العجاجة وهى: الغبار المثار بهيئة طلوع الكواكب في ظلمات الليل.
فالشاعر هنا لا يريد تشبيه سواد العجاجة منفرداً بظلمات الليل، ولا تشبيه بياض الحديد منفرداً بطلوع الكواكب، لأن المشبه قد عبر عنه قبل هذا البيت مباشرة بقوله: "زنجاً تبسم" وبقوله: "قذالاً شائباً"، وهاتان الصورتان لا تقطيع معهما إفراد السواد عن البياض، ولا إفراد البياض عن السواد.
وخير مثال لهذا الضرب "أي تشبيه المركب بالمركب" قول بشار بن برد:
كأنَّ مثار النقع بين رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فالشاعر يصف حربا دائرة بين جيشين يقتتلان بالسيوف وقد علاهما غبار كثيف، وهو لا يريد تشبيه النقع منفرداً بالليل، ولا تشبيه السيوف منفردة بالكواكب، وإنما يريد تشبيه الهيئة المنتزعة من غبرة قاتمة قد انعقدت فوق الرؤوس
стр. 292
تتخللها سيوف يتألق بريقها فى حركة سريعة مختلفة النواحى على أشكال متباينة بالهيئة الحاصلة من ليل مظلم تتساقط في أثنائه وفى أوضاع مختلفة أجرام لامعة متناسبة المقادير.
فكل من الطرفين هيئة مركبة؛ إذ المشبه مركب من النقع مثارا فوق الرؤوس ومن السيوف المتلاحمة اللامعة في أثنائه، والمشبه به مركب من: الليل المظلم ومن الكواكب المتهاوية في مواقع مختلفة منه.
وحتى لا تكون الهيئة المركبة في كل منهما مظنة التركيب جعل الشاعر الواو - في قوله: : وأسيافنا" - بمعنى مع، ليفيد ارتباط السيوف بطريق المعية المثار كما أن جعل جملة (تهاوى كواكبه) نعتاً لليل ليفيا اتصاله به بطريق التبعية له.
وهذا القسم ضربان:
الأول: ما لا يصح تشبيه كل جزء من أحد طرفية بما يقابله من الطرف الآخر كقول الشاعر:
غدا والصبح تحت الليل بادٍ ... ... كطرف أشهب ملقى الجلال
فإن الجلال فيه في مقابلة الليل، ولو شبه به لم يكن شيئاً.
وقول القاضي التنوخى:
كأغا المريخ والمشتسرى ... قدامه في شامخ الرفعة
منصرفٌ بالليل عن دعوةٍ ... قد أسرجت قدامهُ شمعة
فإن المريخ في مقابلة المنصرف، ولو قيل: كأنما المريخ منصرف عن الدعوة كان خلفاً من القول.
والثاني: ما يصح تشبيه كل جزء من أجزاء أحد طرفية بما يقابله من الطرف الآخر، غير أن الحال تتغير، كقول أبى طالب الرقى:
وكأن أجرام النجوم لوامعاً ... دُرر نثرن على بساط أزرق
فلو قيل: كأن النجوم درر، وكأن بساط أزرق، لصح، ولكن أين يقع من
стр. 293
التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ القلوب سروراً وعجباً من طلوع النجوم مؤتلفة متفرقة في أديم وهي زرقاء زرقتها صافية؟ !
ومن هذا الضرب قول الناشئ:
بكت للحبيب وقد راعها ... بُكاء الحبيب لبعد الدِّيار
كأن الدموع علي خدِّها ... بقية طلّ علي جُلنار
فقد شبه الشاعر هيئة قطرات الدموع اللامعة على خد حبيبته الأحمر، بهيئة قطرات الطل اللامعة على زهرة الجلنار الحمراء.
ولو قال: كأن الدموع قطرات طل، وكأن خدها جلنار، لصح ذلك القول ولكنة لا يبلغ من الحسن والروعة ما بلغة تشبيه هيئة الدموع على الخد، بهيئة الطلل على الجلنار.
٣ - تشبيه مفرد بمركب: وقد مثلوا له بقول الصنوبري:
وكان محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعدَّ
أعلام ياقوت نشرنَ على رماح من زبرجد
فالمشبه مفرد، وهو محمر الشقيق، وهو مقيد بقوله: "إذا تصوب أو تصعد" غير أن تقييده لا يخرجه عن كونه مفرداً، والمشبه به مركب من "أعلام ياقوت" ومن "رماح من زبرجد"، ووجه الشبة هو: هيئة أجرام حمر، وقد بسطت على رءوس شيقان خضر مستطيلة.
٤ - تشبيه مركب بمفرد: وقد مثلوا له بقول أبي تمام:
يا صاحبيَّ تقصَّيا نظريكما ... تريا وجوه الأرضي كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهرُ الربُّا، فكأنما هو مُقمرا
يريد أن النبات لشدة خضرته وكثرته صار لونه إلى السواد، فنقص من ضوء الشمس حتى صار كأنه ليل مقمر.
وقد علم لك مما أسلفنا أمران:
стр. 294
أولهما: أن المراد بالقيد في التشبيه: هو ما يكون له دخل في وجه الشبه بحيث لا يتم التشبيه إلا به.
ثانيهما: أن الفرق بين المقيد من طرفي التشبيه والمركب منهما: أن المركب يكون المقصود فيه بالذات هو: الأجزاء مجتمعة، وليس فيها جزء قصد وحده بالتشبيه دون بقية الأجزاء.
أما المقيد: فإن المقصود فيه بالذات هر: أحد أجزاء الطرف مع مراعاة قيد فيه فالقصيد ليس مقصوداً لذاته، بل هو مقصود لذلك الجزء.
وعلى هذا فمدار الفرق بين المقيد والمركب هو القصد والاعتبار، لا التركيب اللفظي، فإن كانت الأجزاء كلها مقصودة بذاتها في التشبيه كان من قبيل المركب وان كان المقصود أحد الأجزاء وأن ما عداه تبع له كان من قبيل المفرد المقيد فالمشبه في قول أمير الشعراء يصف الياسمين بين الأغصان:
متألق خلل الغصون كأنه ... في بلجة الأفنان ضوء صباح
من قبيل المفرد المقيد، ولميس من قبيل المركب، وذلك لأن بلجة الأفنان لم تقصد لذاتها، وإنما جاءت قيداً في المشبه وهو الزمر الذي عبر عنه الشاعر بضمير الغائب.
ولكن المشبه في قول أبى تمام من قبيل المركب، لما علمت من أنه مركب من "نهار سطعت شمسه" ومن "زهر نابت في الربا" وهما مقصودان معاً في المشبه كما علمت.
ج- تعدد الطرفين أو تعدد أحدهما:
والتشبيه "بهذا الاعتبار" ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: التشبيه الملفوف ، وهو ما يتعدد طرفاه، ويجمع كل طرف مع مثله وذلك بان يؤتى بالمشبهات ثم بالمشبهات بها، أو أن يؤتى بالمشبهات بها، ثم بالمشبهات.
стр. 295
فمثال ما أتى فيه بالمشبهات، ثم بالمشبهات بها: قول امرئ القيس يصف عقاباً:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
فقد شبه الشاعر الرطب الطري من قلوب الطير بالعناب في شكله وحجمه ولونه، كما شبه اليابس العتيق منها بالحشف البالي في شكله وحجمه ولونه كذلك.
والمشبه متعدد - كما ترى - وهو: الرطب الطري من قلوب الطير، واليابس العتيق منها، والمشبه به متعدد كذلك، وهو: العناب، والخشف والبالي.
وقد جمع بين المشبهين في الشطر الأول من البيت بطريق المعطف، كما أنه قد جمع بين المشبهين بهما في الشطر الثاني.
ومثال ما أتى فيه بالمشبهات بها، ثم بالمشبهات أن تقول: كالشمس والقمر ليلى وسلمي.
وإنما سمي هذا التشبيه ملفوفاً؛ لأن الملف هو: الضم، وقد لف المشبهات أي: ضم بعضها إلى بعض كما لف المشبهات بها أيضاً.
الثاني: التشبيه المفروق ، وهو: ما يتعدد طرفاه، وبجمع كل طرف مع صاحبة بأن يجمع كل مشبه مع مشبه به، وذلك كمما في قول ابن سكرة:
الخدُّ ورد والصدغ غاليةٌ ... والريق خمر والثغر كالدرر
فقد شبه الشاعر الخد بالورد، والصدغ بالغالية، والريق بالخمر، والثغر بالدرر، جاعلا كل مشبه مع مقابلة.
ومنة قول المرقش الأكبر:
النشر مسكُ والوجوهُ دنا ... نيرٌ وأطرافُ الأكف عنم
فقد شبه الشاعر - كما ترى - النشر بالمسك، والوجوه بالدنانير، وأطراف الأكف بالعنم، وقد جمع كل مشبه به مشبهه.
ومنة قول أبى الطيب:
بدت قمراً ومالت غُصن بتنً ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا
стр. 296
ومنه قول أمير الشعراء يصف عهد الصبا مع أصدقائه وخلانه:
الوصل صافية والعيش ناغية ... والسعد حاشية والدهر ماشينا
وإنما سمى هذا النوع مفروفاً لأنه لم يجمع فيه بين الشبهات على حدة، كما أنه لم يجمع فيه بين المشبهات بها كذلك، وإنما وضع فيه كل مشبه مع مشبهه.
الثالث: تشبيه التسوية: وهو ما يتعدد فيه المشبه دون المشبه به، كما ترى في قول الشاعر:
صدغ الحبيب وحالى ... كلاهما كالليالي
وثغره في صفاء ... ... وأدمعي كاللالى
فقد شبه الشاعر في البيت الأول صدغ حبيبه وحالة بالليالي في السواد، كما أنه قد شبه ثغر حبيبة وأدمعه باللآلئ في الصفاء، والمشبه فيهما متعدد، دون الشبه به - كما رأيت.
ومنه قول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يُعل به برد أنيابها ... ... إذا غرد الطائر المستحر
فقلا شبه الشعر المدام، وصوب الغمام، وريح الخزامي، ونشر القطر برضاب حبيبته تشبيهاً مقلوباً قصداً إلى المبالغة، وبقصد بذلك: أن فمها عذب رضابة له رائحة ذكية في وقت السحر ذلك الوقت الذي تتغير فيه رائحة الأفواه عادة، فما بالك به في غير هذا الوقت؟ !
وإنما سمي هذا القسم تشبيه التسوية؛ لأنه سوى بين أمرين أو أمور في الإلحاق بأمر واحد - كما رأيت.
الرابع: تشبيه الجمع: وهو ما يتعدد فيه المشبه به دون المشبه ، وذلك كما في قول البحتري:
بات نديماً لي حتى الصَّباح ... ... أغيد مجدول مكان الوشاح
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... ... منضد أو برد أو أقاح
стр. 297
فقد شبه البحتري ثغر محبوبته بثلاثة أشياء هي: اللؤلؤ، والبرد، والأقاحى، والمشبه به متعدد - كما رأيت
ومثله قول الشاعر:
ذات حسن لو استزادت من الحسن لما أصابت مزيداً
فهي الشمس بهجة والقضيب اللذان قدا، والرئم طرفاً جيداً
فقد شبه الشاعر تلك المرأة بثلاثة أشياء، هي: الشمس، والقضيب اللدن، والرئم، فالمشبه شيء واحد، والمشبه به متعدد - كما رأيت.
ومثله قول أمير الشعراء في وصف الطائرة:
كبساط الريح في القدرة أو ... هدهد السيرة في صدق البلاء
أو كحوت يرتمى الموج به ... سابح بين ظهورا وخفاء
فقد شبه أمير الشعراء الطائرة بثلاثة أشياء هي: بساط الريح، وهدهد السيرة والحوت، فالمشبه شيء واحد، والمشبه به متعدد - كما رأيت.
ومنة قوله أيضاً:
والنيل يقبل كالدنيا إذا احتفلت ... لو كان فيها وفاء للمصافينا
والسعد لو دام والنعمى إذا طردت ... والسيل لو عف والمقدار لو دينا
فالمشبه واحد وهو: النيل، والمشبه به متعدد وهو الدنيا، والسعد، والنعمى والسيل، والمقدار.
ومنة قول الحريري:
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... ومن أقاح وعن طلع وعن حبب
وقول الصاحب بن عباد في وصف أبيات أهديت له:
أنتني بالأمس أبياته ... ... تعلل روحي بروح الجنان
كبرد الشباب وبرد الشراب ... وظل الأمان ونيل الأماني
وعهد الصبا ونسيم الصبا ... ... وصفو الدنان، ورجع القيان
стр. 298
ثانياً: (وجه الشبه)
وجه الشبة: هو "المعني الذي قصد إشراك الطرفين فيه" وذلك كالشجاعة في قولك: (أبطالنا كالأسود في الشجاعة) وكالسرعة في قولك: (نسورنا إذا جد الجد كالريح في ضرب الأهداف) وكالجمال في قولك: (وجه كالبدر ليلة التمام) فكل من: الشجاعة، والسرعة، والجمال وجه شبه لأنه المعني الذي اشترك الطرفان فيه في قصد المتكلم.
وقد قسوا التشبيه باعتبار الوجه إلى تقسيمات عدة:
أ- تحقق الوجه أو تخيله:
ينقسم التشبيه بهذا الاعتبار إلى قسمين: "تحقيق" و "تخيلي":
أما التحقيقي: فهو ما يكون وجه الشبة فيه قائما بالطرفين حقيقة، وذلك كما في قول الشاعر:
وأدهم كالغراب سواد لون ... يطير مع الرياح ولا جناح
فقد شبه الشاعر الفرس الأدهم بالغراب في لونه وهو السواد، فوجه الشبه بين الطرفين هو: السواد، وهو متحقق ببن الطرفين.
وكما ترى من قول أمير الشعراء يصف "زحلة":
والنيراتُ من السحاب مطلةٌ ... كالغيد من ستر ومن شباك
وكأن كل ذؤابة من شاهق ... ... ركن المجرة أو جدار سماك
فقد شبه النجوم بين السحاب بالغيد بين الستر والشباك، ووجه الشبة هو: ظهور أجسام بيضاء من بين ما يحببها، وهذا الوجه متحقق بين الطرفين حقيقة.
ووجه الشبه هو الارتفاع وهو متحقق في الطرفين كليهما على وجه الحقيقة.
وأما التخيلي: فهو: ما لا يكون وجه الشبة فيه قائماً بالطرفين أو بأحدهما إلا تخيلاً، فمثال ما كان الوجه فيه متخيلاً في الطرفين قولك: "صوت هذا المغنى، كصوت البلبل في الحلاوة" فقد شبهت صوت المغني بصوت البلبل في الحلاوة،
стр. 299
والحلاوة ليست داخلة في صوت المغني ولا في صوت البلبل إلا تخيلاً؛ لأنها مما يذاق والصوت مما يسمع.
ومثال ما كان الوجه فيه متخيلاً في أحد الطرفين: قولك: "لمحمد سيرةٌ كرائحة العطر" و "له خلق كأريج المسك" وذلك لأنه لما ذاع وصف كل من السيرة والأخلاق بالطيب مبالغة، ساغ أن تتخيل أنها من ذوات الرائحة الطيبة، فوجة الشبة - وهو الرائحة الطيبة - متخيل في المشبه في المثالين.
ومن هذا النوع قول القاضي التنوخي:
رب ليل قطعته بصدود ... ... وفراق ما كان فيه وداع
موحش كالثقيل تقذى به ... ... العين وتأبى حديثه الأسماع
وكأن النجوم بين دجاه ... ... سنن لاح بينهن ابتداع
فقد شبه الشاعر - في البيت الأخير - النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع ووجه الشبة هو الهيئة الحاصلة من اجتماع أشياء بيض مشرقة في جوانب شيء مظلم.
غير أن هذه الهيئة موجودة على وجه التحقيق في المشبه - وهو النجوم بين الدجى - ولكنها ليست موجودة على وجه التحقيق في المشبه به - وهو السنن بين الابتداع.
وذلك لان الإشراق - وهو أمر حسي - لا تتصف به السنة لأنها أمر عقلي، كما أن الإظلام - وهو أمر حسي أيضاً - لا تتصف به البدعة لأنها أمر عقلي كذلك.
ولهذا كان الشبة غير متحقق في المشبه به إلا تخيلاً.
والتشبيه في البيت السابق من قيل تشبيه المفرد المقيد، وهو النجوم مقيدة بكونها بين الدجى بالمفرد المقيد وهو: "السنن" مقيدة بكونها بين الابتداع.
غير أن في عبارة الشاعر قلباً، وذلك لأنه جعل النجوم بين الدجى في جانب المشبه فكان من الواجب أن يجعل السنن بين الابتداع في جانب المشبه به لتصح المقابلة.
стр. 300
ولعل الشاعر قد لاحظ نكتة في هذا القلب، وهي الإشارة إلى كثرة السنن في زمانه، وأن البدع كانت قليلة، بحيث كانت خروجا على العرف العام في تمسك الناس بالسنة.
ومن التشبيه التخيلي قول الشاعر:
يا من له شعر كحظي أسود ... جسمي نحيل من فراقك أصفر
فقد شبه شعر حبيبته بحظه في السواد بيد أن وجه الشبه - وهو السواد - متحقق في الشعر متخيل في الحظ كما ترى، ومنة قول أمير الشعراء - في وصف الطبيعة: -
والياسمين: لطيفهُ ونقية ... كسريرة المتنزه السماح
فقد شبه الشاعر الياسمين في صفائه ونقائه، بسريرة المنزه السماح في صفائها ونقائها، بيد أن وجه الشبه وهو: الصفاء والنقاء متحقق في الياسمين متخيل في السريرة.
وقول يصف الطبيعة - أيضاً: -
وعلى الخواطر رقةٌ وكآبةٌ ... كخواطر الشعراء في الأتراح
فقد شبه الشعر "الخواطر" - وهى نوع من الزهر - بخواطر الشعراء في الأحزان في الرقة والسواد، غير أن وجه الشبه -وهو الرقة والسواد - متحقق في المشبه وهو خواطر الزهر: متخيل في المشبه به "وهو خواطر الشعراء".
وينبغي أن تكون على ذكر من أنه لا يجوز تشبيه المحسوس بالمعقول إلا على سبيل التخيل والافتراض، بأن تتخيل المعقول محسوساً وتفترضه أصلاً في وجه الشبه مبالغة وادعاءً.
كما أنه ينبغي أن تكون على ذكر من أنه لابد من وجرد وجه الشبة في الطرفين، سواء كان متحققاً أو كان متخيلاً، فإذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز أن يكون وجه شبه.
وعلى هذا فقولهم: "النحو في الكلام، كالملح في الطعام" لا يجوز أن يكون وجه الشبه كون القليل مصلحا والكثير مفسداً، ولكن وجه الشبة هنا هو: الصلاح إذا
стр. 301
استعملا والفساد إذا أهمل، وذلك لان النحو - على التقدير الأول - لا يشترك مع الملح في كون القليل مصلحاً والكثير مفسداً، ولكنة عبارة عن أن تراعى قواعده وأحكامه من رفع الفاعل ونصب المفعول، فإن تحقق ذلك في الكلام كان صالحاً وإن لم يتحقق كان فاسداً، إذ النحو لا يحتمل القلة أو الكثرة. ولكن الملح يتحملهما، فالقليل منه مصلح والكثير منه مفسد.
وقد يكون وجه الشبة في أحد الطرفين أدعائياً وفي الآخر حقيقياً، وذلك كأن تقول للجبان: هو أسد، وللبخيل: هو حاتم، ويكون وجه الشبه بين الطرفين في الأول: الشجاعة، وفى الثاني: الجود، وما من شك في أن الشجاعة في الجبان والجود في البخيل أمر ادعائي.
ويسمى هذا اللون من التشبيه: تشبيه التضاد، وذلك لأنك قد نزلت التضاد بين الطرفين المتضادين منزلة التناسب بينهما، واعتبرت الجبان شجاعاً، والبخيل جواداً.
ولا يكون ذلك إلا لغرض بلاغي يقصد. البليغ، كالتهكم والسخرية، أو التظرف والتلمح.
ب- وحدن الوجه أو تعدده:
وقد قسموا التشبيه بهذا الاعتبار إلى:
١ - ما كان وجه الشبة فيه شيئاً واحداً: وهو ما لم يكن مركباً، ولا متعدداً كالحمرة والنعومة والحلاوة، في قولك: "خد كالورد" و "بشرة كالحرير" و "ريق كالعسل" وكالكرم في قولك: "محمد كالبحر" وكالهداية في قولك: "أصحاب النبي كالنجوم".
٢ - ما كان وجه الشبة فيه منزلاً منزلة الواحد: وهو ما كان مركباً من متعدد تركيباً اعتبارياً ، وذلك كأن تعمد إلى عدة أمور بالشينين، فتنتزع منهما هيئة تعمهما، بحيث لا يصلح واحد منها على انفراد وجه شبه وبحيث لو حذف واحد منها، لاختل وجه الشبة وذلك كما في قول الشاعر:
стр. 302
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقد عرفت أن وجه الشبه فيه هو: هيئة منتزعة من تساقط أجرام مشرقة مستطيلة الأشكال، متناثرة في جوانب شيء مظلم.
فوجه الشبه هنا كالشيء الواحد؛ لأنه مركب من تلك الهيئة التي تضامت أجزاؤها حتى صارت وحدة متكاملة بحيث لا يجوز لك أن تجعل شيئا منها وجه شبه على حدة، كما أنه لا يجوز كذلك أن تحذف شيئاً منها، ولو حذف لاختل وجه الشبة.
ومنة قول الشاعر:
وكأن أجرام النجوم لوامعاً ... ... دوُر نثرن على بساط أزرق
فوجه الشبة هو مجموع الهيئة التي ركبت من عدة أمور هي: تناثر أجرام مشرقة متلألئة فوق رقعة مبسوطة زرقاء، ولا يصح أن نجعل شيئاً منها وجه شبه على حدة كما أنه لا يصح أن تسقط شيئاً منها.
ومنة قول أمير الشعراء:
ولقد تمر على الغدير تخالهُ ... ... والنبت مرآة زهت بإطار
فقد شبه الشاعر الغدير وهو له نبات محيط به من كل جانب بمرآة زينب بإطار محيط بها، ووجه الشبه هو: الهيئة المكونة من عدة أمور هي: جسم شفاف متموج يحيط به إطار أخضر.
وقوله - أيضاً: -
ويقائق النسرين في أغصانها ... كالدرَّ ركُب في صدور رماح
فوجه الشبة هو الهيئة المكونة من عدة أمور هي: أجسام مستطيلة، وضعت عليها أجسام صغيرة مشرقة متلألئة.
ولا يصح - بلاغة - أن تعتبر شيئاً واحداً منها وجه الشبه، كما أنه لا يصح لك أن تسقط واحداً منها.
стр. 303
وإنما نزل هذا القسم منزلة الواحد لأن الوجه مركب فيه من مجموع أمور تضامت وتلاصقت حتى صارت كالشيء الواحد، ولم يكن واحداً حقيقة لأنه مركب من عدة أمور، ولا تركيب في الشيء الواحد.
٣ - ما كان وجه الشبة متعدداً:
وهو ما كان عدة أمور، جعل كل واحد منها وجه شبه على حدة، وذلك كقولك: "هذه القناة كأختها في الرشاقة، والجمال، والحياء"، وقولك: "هذه الفاكهة كالتي أكلناها طعماً، ولوناً، ورائحة" وقولك: "محمد كأخيه علماً، وخلقاً وشهامة".
فإن وجه الشبه - كما رأيت - أمور متعددة، يصلح كل واحد منها أن يكون وجه الشبه على حدة.
وليس القصد إلى هيئة مركبة من هذه الأمور مجتمعة، ولكن القصد إلى واحد منها فقط.
هذا وإذا ما عرفت أن الوجه المركب ينظر فيه إلى مجموع أمور تضامت وتلاصقت والى الهيئة المركبة منها بحيث صارت واحدة لا تتجزأ، وبحيث لو حذف أحد هذه الأمور لاختل التشبيه، وإذا ما عرفت - أيضاً - أن الوجه المتعدد ينظر فيه إلى أمور متعددة، وجعل كل منها على حدة وجه شبه بحيث لو حذف واحد منها أو قدم أواخر لم يختل نظام التشبيه، ولم يتغير حال الباقي في إفادة ما كان يفيده من قبل إذا ما عرفت ذلك: فقد عرفت الفرق جلياً بين الوجه المركب، والوجه المتعدد.
وخير ما يبين لك الفرق بين الوجه الركب والوجه المتعدد قول الشاعر:
كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت
فقد شبه الشاعر حال من ظهر له شيء هو في أشد الحاجة إليه وقد علق به رجاءه، ثم ما لبث أن فوجئ بفقدان هذا الشيء أو بذهابه إلى حيث لا أمل له فيه ولا رجاءه منه، شبه ذلك بحال قوم عطاش عنت لهم غمامة، هم أشد ما يكونون
стр. 304
حاجة إليها، وما إن رجوها أن تمطرهم حتى انقشعت عنهم وذهبت وتركتهم في حيرة ويأس
فالوجه منتزع من أمرين متصلين هما: ابتداء مطمع، وانتهاء مؤيس، وقد تضمن الشطر الأول الأمر الأول، إذ منعاه: أن الغمامة ظهرت لقوم يرجون الماء لشدة احتياجهم إليه، فقد أطمعتهم أول الأمر، إذ عرضت لهم.
وتضمن الشطر الثاني الأمر الثاني، إذ معناه: أن الغمامة قد خذلتهم وتولت عنهم وتركتهم في حياة ويأس، فالشطر الأول قد تضمن ابتداء مُطمعاً، والشطر الثاني تضمن انتهاء مؤيساً.
ولهذا فإنه لا يمكن انتزاع وجه الشبه من الشطر الأول فقط، لأن الوجه - كما سبق - مركب من الأمرين جميعاً، ولو اقتصر على الشطر الأول لما صلح التشبيه لأنه لم يف بالمعنى المقصود.
أما في التشبيه المتعدد فإنه لا يصح لك أن تقتصر على شيء واحد - في وجه الشبة - من الأمور المتعددة فيه، كما سبق أن عرفت في تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم والرائحة واللون - كما أنه يصح لك أن تحذف أحدها - فلو حذفت لظل الباقي على ما هو علية في إفادة معناه.
ج- حسية الوجه أو عقليته:
والتنبيه بهذا الاعتبار ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان وجه الشبة فيه حسياً ، أي مدركا بالحس الظاهر، سواء أكان منفرداً، أو مركباً، أو متعدداً.
فالمفرد الحسي: كالحمرة في قولك: (خد ًّكالورد) وكالنعومة، كما في قول الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا هزر
وكالطيب في قولك: (لها رائحة كرائحة الأزهار).
стр. 305
والمركب الحسي: قد يكون طرفاه مركبين، كما في قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فوجه الشبة - كما علمت - هو الهيئة المركبة من تساقط أجرام مستطيلة متساوية المقادير متناثرة في جوانب شيء مظلم، وتلك هيئة حسية تدرك أجزاؤها بحاسة البصر، والطرفان مركبان، إذ لم يقصد الشاعر تشبيه النقع بالليل، ولا السيوف بالكواكب، ولكنة أراد تشبيه هذه الهيئة بتلك الهيئة - كما سبق أن عرفت: -
وقد يكون طرفاه مفردين - عقيدين - كما في قول قيس بن الخطيم:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نوراَّ
فوجه الشبة هو هيئة اجتماع صور مستديرة، صغار المقادير في مرأى العين على وضع خاص، وتلك الهيئة حسية، والطرفان هما: "الثريا" و "العنقود" وهما مفردان مقيدان، أما الثريا: فمقيدة بكونها في وقت الصبح وأما العنقود: فمقيد بكونه حين نور.
وقد يكون طرفاه مختلفين إفراداً وتركيباً، كما سبق أن عرفت من قول الصنوبرى:
وكأن محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد
أعلام يا قوت نشرن على رماح من زبرجد
فوجه الشبة هو: هيئة الأجرام الحمر المنشورة على رءوس أجرام مستطيلة خضر، وتلك هيئة. حسية تدرك بحاسة البصر، والمشبه مفرد، لأنه "الشقيق" مراعى فيه كونه أحمر، متصوباً متصعداً، وتلك قيود لا تخرجه عن الإفراد، ولكن المشبه به مركب من أعلام ياقوتية منشورة فوق رماح من زبرجد، وكما سبق أن عرفته - أيضاً - من قول أبى تمام:
يا صاحبيَّ تقصيَّا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصوَّر
تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
стр. 306
فوجه الشبه هو: هيئة اختلاط شيء أسود بشيء أبيض مشرق، تلك هيئة حسية تدرك بحاسة البصر، والمشبه "وهو هيئة النهار المشمس خالطه زهر الربا فنقص من نوره" مركب، والمشبه به، "وهو الليل"، مفرد، مقيد بكونه مقمراً.
ومن بديع المركب الحسي: وجه الشبه الذي يجئ في الهيئات التي تقع عليها الحركة، أي أن يكون وجه الشبة هو الهيئة التي تقع عليها الحركة من الاستدارة والاستقامة وغيرهما.
ويكون ما يجيء في تلك الهيئة على وجهين:
أحدهما: أن يقترن بالحركة غيرها من أوصاف الجسم كالشكل واللون كما في قول أبى النجم:
* والشمس كالمرأة في كف الأشل *
فوجه الشبة هو: الهيئة الحاصلة من الاستدارة مع الإشراق، والحركة السريعة المتصلة، مع تموج الإشراق حتى يرى الشعاع كأنه يهم بأن ينبسط حتى يفيض من جوانب الدائرة، ثم يبدو له أن يرجع من الانبساط الذي بدا له إلى الانقباض كأنه يرجع من الجوانب إلى الوسط، والشمس إذا أحدَّ الإنسان النظر إليها ليتبين جرمها وجدها مؤدية لهذه الهيئة الموصوفة، وكذلك المرآة في كف الأشل.
والآخر: أن تجرد الحركة محن غيرها من الأوصاف، وهنا - أيضاً - لابد من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة، كأن يتحرك بعضه إلى اليمين وبعضه إلى الشمال، وبعضه إلى العلو، وبعضه إلى السفل ليتحقق التركيب وإلا لكان وجه الشبه مفرداً، وهو الحركة، فحركة السهم والرحى لا تركيب فيها لاتحاداها، بخلاف حركة المصحف في قول عبد الله بن المعتز:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقاً مرة وانفتاحاً
"فانطباقاً مرة وانفتاحاً" أي: فينطبق انطباقاً مرة وينفتح انفتاحاً مرة أخرى، فإن فيها تركيباً، لأن المصحف يتحرك في حالة الانطباق والانفتاح إلى جهتين في كل حالة إلى جهة.
стр. 307
ومما جاء في التشبيه معقوداً على تجريد هيئة الحركة، ثم لطف وعرف لما فيه من التفصيل والتركيب قول الأعشي يصف السفينة في البحر وتقاذف الرياح بها:
تقصُّ السَّفين بجانبيه كما ... ... ينزو الرياح خلاله كرع
الرياح: هو الفصيل، وقيل: القرد، والكرع: ماء السماء، شبه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه؛ وذلك أن الفصيل - إذا نزا - ولاسيما في الماء وحين يعتريه ما يعترى المهر ونحوه من الحيوانات التي هي أول النشء -كانت له حركات متفاوتة تقيد لها أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تفل وتصعد على غير ترتيب، بحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين يتدافعها الموج.
وقد يقع التركيب في هيئة السكون كما في قول المتنبي في صفة كلب:
يقعي جلوس البدوي المصطلي ... بأربع مجدولة لم تجدل
"يقعي" أى: يجلس على إليته، وقوله: "جلوس البدوي الصطلى" من اصطلى بالنار، ووجه الشبه: هو الهيئة الحاصلة من موقع كل عضو من الكلب في إقعائه، لأنه يكون لكل عضو منه في الإقعاء موقع خاص، وللمجموع صورة خاصة مؤلفة من تلك المواقع، وكذلك صورة جلوس البدوي عند الاصطلاء بالنار الموقدة على الأرض.
والمتعدد الحسي: ما سبق أن عرفته من تشبيه فاكهة بأخرى في الطعم، والرائحة واللون، فوجه الشبة - كما ترى - متعدد حسي، لأن الأول يدرك بحاسة الذوق، والثاني يدرك بحاسة الشم، والثالث يدرك بحاسة البصر.
والقسم الثاني: ما كان وجه الشبه فيه عقلياً، أي مدركاً بالعقل، سواء أكان واحداً، أو مركباً، أو متعدداً
فالواحد العقلي: يكون طرفاه عقليين، أو حسيين، أو مختلفين
فالواحد العقلي ذو الطرفين العقليين كما في قولك: "وجود الكسول كعدمه" إذ وجه الشبه - وهو "عدم النفع" - عقلي، والطرفان - وهما: "وجود الكسول" و "عدمه" عقليان - أيضاً.
стр. 308
وكقولك: "العلم كالحياة" فوجه الشبه وهو: "أعظم الفائدة" عقلي، كما أن الطرفين وهما: "العلم" و "الحياة" عقليان - أيضاً.
والواحد العقلي ذو الطرفين الحسيين، كقول النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، فوجه الشبة - وهو "الهداية" عقلي، ولكن الطرفين وهما: "أصحاب النبي والنجوم" حسيان "كما ترى" وكقولك: "محمد كالجبل ثباتاً" فوجه الشبه وهو "الثبات" عقلي، ولكن الطرفين وهما: (محمد) و (الجبل) حسيان.
والواحد العقلي ذو الطرفين المختلفين حساً وعقلاً؛ كما في قولك: (العلم كالنور) فوجه الشبه وهو "الهداية" عقلي؛ والمشبه - وهو العلم - عقلي، ولكن المشبه به؛ وهو "النور" حسي؛ فالطرفان مختلفان حساً وعقلاً.
وكقولك: (مطر كخلق الكريم) فوجه الشبة وهو: "استطابة النفس" عقلي والشبة وهو "العطر" حسي، ولكن المشبه به - وهو: "خلق الكريم" - عقلي فالطرفان مختلفان حساً وعقلاً.
ومن هذا القبيل قول جرير:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... ... ويفوق جاهلنا فعال الجهلَّ
فوجه الشبة، وهو: "الرزانة"، عقلي والمشبه وهو الأحلام، عقلي، ولكن المشبه به - وهو الجبال - حسي، فالطرفان مختلفان حساً وعقلاً.
والمركب العقلي: كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: ٥] فقد شب حال اليهود - في حملهم للتوراة، بمعنى تكليفهم العمل بها، وكونها مسترع العلم النافع لهم، وعدم حملهم لها، بمعنى عدم العمل بمقتضاها والانتفاع بما فيها من تحملهم ما طلب إليهم مما يثقل عليهم وبشق على نفوسهم، شبه هذا الحال بحال الحمار في حملة أوعية العلوم ومستودع ثمرة العقول، وعدم انتفاعه بما يعمل مع مساندة مشاق الحمل.
ووجه الشبة هو: (هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع، مع معاناة الكد في استصحابه) وتلك الهيئة أمر عقلي، أخذ من عدة أمور - كما رأيت-.
стр. 309
وكما في قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) [النور: ٣٩] فقد شبه حال الكفار وهم يأتون أعمالاً يحسونها ذات أثر عند الله، فيخيبون فيما حسبوا، ويلقون آخر الأمر عكس ما قدروا جزاء كفرهم، شبه هذه الحال بحال ظامئ رأى سراباً فخاله ماء، وسعي إليه فلم يجد أمله، ووجد جحيماً وعذاباً أليماً.
ووجه الشبة بينهما هو: (حسبان الشيء غير المجدي مجدياً، مع الإخفاق في عاقبة الأمر) وهو أمر عقلي منتزع من عدة أمرر - كما ترى -
ومن هذا القبيل قول الشاعر:
والمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
فقد شبه الشاعر حال من إصابته شدة فالتجأ إلى عمرو، ليحتمي به، فإذا عمرو أشد خطراً مما وقع فيه، بحال من لذعته الرمضاء فالتجأ إلى ما هو أشد لذعة وأتكي ألماً.
ووجه الشبة: هو الهيئة الحاصلة من الفرار من الضار إلى ما هو أشد منه ضرراً طمعاً في الانتفاع به، وهما عقليان - كما ترى -.
والمتعدد العقلي: كما في تشبيه رجل بآخر في عقلة وذكائه وبعد نظره، فوجه الشبة كل واحد من هذه الثلاثة، وثلاثتها مما لا يدرك إلا بالعقل.
والقسم الثالث: ما كان وجه الشبة فيه مختلف: بعضه حسي، وبعضه عقلي ، كان تشبه رجلاً بآخر في ضخامته، وجسامته - وحلمة، وشهامته، فوجه الشبه مجموع هذه الأربعة، غير أن الأولين منها حسيان، والآخرين عقليان.
التمثيل وغير التمثيل:
وينقسم التشبيه باعتبار الوجه - أيضاً - إلى قسمين: تمثيل - وغير تمثيل -.
أ- فالتمثيل: ما كان وجه الشبة فيه هيئة منتزعة من أمرين أو أمور متعددة سواد أكان حسياً أو غير حسي.
فالتمثيل الحسي: ما سبق أن عرفته، من تشبيه مثار النفع من الأسياف بليل تتهاوى كواكبه، وتشبيه النجوم متلألئة منثورة في سماء زرقاء بدرر منثورة على بساط أزرق.
стр. 310
والتمثيل غيد الحسي: ما سبق أن عرفته - أيضاً - من تشبيه حال اليهود بحال الحمار، فالوجه - كما سبق أن عرفت - هو هيئة الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع مع معاناة المشاق في تحمله، وهى صورة مركبة من أمور عقلية -كما ترى -، ومثله ما سبق من تشبيه المستجير بعمرو بالمستجير بالنار، فوجه الشبه - كما رأيت - هو هيئة مركبة من أمرين لا يقعان تحت حس، وهما: "الفرار من الضار، والالتجاء إلى ما هو أشد ضرراً طمعاً في الانتفاع به".
ومنة قول الشاعر:
اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
فقد شبه حال الحسود وقد قتلة كمداً صبر الممدوح عليه، وعدم جزعه لما يناله من أذاه بحال النار، يأكل بعضها بعضاً إذا لم تجد وقوداً، ووجه الشبة هو: إسراع الفناء لانقطاع ما فيه مدد البقاء، وهو أمر عقلي منتزع من أمرر عقلية لا تدخل تحت حس.
ب- وغير التمثيل: هو ما لم يكن وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من متعدد، بأن كان أمراً واحداً، أو متعدداً، فمثال الأول قولك: (جرح اللسان كجرح السيف في الضرر) وقولك: (العلماء كالمصابيح في الهداية) وقولك: (خالد كالسيف في المضاء) فوجه الشبه في الأمثلة السابقة شيء واحد.
ومثال الثاني قولك: هذه الفاكهة كالتي أكلناها في الطعم، والرائحة، واللون فوجه الشبه هو كل واحد من هذه الثلاثة، وليس هيئة مركبة منها.
المفصل والمجمل:
ينقسم التشبيه - باعتبار الوجه أيضاً - إلى قسمين: مفصل ومجمل،
فالمفصل هو: ما صرح فيه بوجه الشبة على صورته الخاصة، بأن كان مجروراً بفي، أو منصوباً على التمييز على معنى "في"
فمثال الأول قول ابن الرومي:
يا شبيه البدر في الحسن وفى بعد المنال
جد فقد تنفجر الصخرة بالماء الزلال
стр. 311
ومثال الثاني قول أبي بكر الخالدي:
يا شبيه البدر حسناً ... وحياءً ومنالا
وشبيه الغصن ليناً ... ... وقواماً واعتدالاً
أنت مثل الورد لوناً ... ونسيماً وملالا
زارنا حتى إذا ما ... ... سرنا بالقرب زالا
والمجمل: هو ما لم يصرح فيه بوجه الشبة على صورته الخاصة، وهو قسمان:
الأول: ما كان وجه الشبه فيه ظاهراً ، كما في قولك: (شعر كالفحم) و (قد كالغصن) و (وجه كالبدر)، فوجه الشبه في كل هذه الأمثلة غير مصرح به، ولكنة ظاهر لا يحتاج إلى إعمال فكر.
والثاني: ما كان وجه الشبة فيه خفياً ، لا يدرك ببديهة النظر، بل يحتاج إلى تأمل وإمعان فكر، ومنة ما روى من أن فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، سئلت عن بنيها الأربعة: أيهم أفضل؟ فقالت: (هم كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفاها) إنهم في تناسبهم في الشرف والشجاعة وعدم تفاوتهم فيها بحيث يمتنع تعيين أحدهم فاضلاً وأحدهم مفضولاً كالحلقة المتصلة الجوانب، فان أجزاءها متناسبة يمتنع تعيين بعضها طرفاً، وبعضها وسطاً، فوجه الشبة هو: (التناسب الكلى الخالي من التفاوت) وهو غير مصرح به، ولكن أشعر به قولها: (لا يدرى أين طرفاها) غير أنه في المشبه تناسب في الشرف، وفي المشبه به تناسب في الأجزاء، وهو - كما ترى خفي - لا يدركه إلا من ارتفع عن طبقة العامة إلى طبقة الخاصة.
القريب المبتذل، والبعيد الغريب: ينقسم التشبيه - باعتبار الوجه أيضاً - إلى قسمين: قريب مبتذل وبعيد غريب.
فأما القريب المبتذل ، فهو: (ما ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به من غير تأمل ونظر، بسبب وضوح وجه الشبة فيهما، وذلك كتشبيه الوجه بالقمر، وتشبيه الخد بالورد، وتشبيه الصوت الجميل بصوت البلبل فكل من التشبيهات السابقة قريب مبتذل، لسهولة انتقال الذهن فيه من المشبه إلى المشبه به، بسبب وضوح الوجه بين الطرفين.
стр. 312
ولوضوح وجه الشبة أسباب ثلاثة هي:
أ- أن يكون وجه الشبة شيئاً واحدً، لا تعدد فيه ولا تفصيل، كالأمثلة السابقة.
ب- أن يكون في وجه الشبة شيء من التفصيل، يحتاج إلى تعدد الملاحظة، غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن عند إحضار صورة المشبه لما بين الصورتين من شدة التناسب. وذلك كأن تشبه العنب بالبرقوق، في حجمه وشكله ولونه.
جـ- أن يكون في وجه الشبة شيء من التفصيل يحتاج إلى تعدد الملاحظة غير أنه يكثر حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقاً لكثرة مشاهدة هذه الصورة وتكررها على الحس، لأن المشاهد كثيراً يكثر خطورة بالبال عادة، وذلك كتشبيه الإنسان الجميل بالقمر في الرفعة والهداية، وكتشبيه المرأة المجلوة بالشمس في الاستنارة والاستدارة، ففي وجه الشبه في كل من المثالين شي، من التفصيل، وهو: ملاحظة الرفعة والهداية في الأول، والاستنارة والاستدارة في الثاني، إلا أن هذا التفصيل قد عارضة كثرة حضور صورة المشبه به في الذهن مطلقاً، لكثرة النظر إليها ومشاهدتها، لأن صورة الشمس والقمر مما يكثر توارده على الأبصار.
وأما البعيد الغريب: هو: (مالا ينتقل فيه الذهن من المشبه إلى المشبه به إلا بعد إعمال فكر وطول تأمل، بسبب خفاء وجه الشبه فيهما).
ولخفاء وجه الشبه أسباب ثلاثة - أيضاً - هي:
أ- أن يكون في وجه الشبه تفصيل يحتاج إلى كثرة الملاحظات والاعتبارات ، وذلك كما في تشبيه هيئة بأخرى كبيت بشار السابق، وكقول الشاعر:
لا تعجبوا من خالة في خده ... كلُّ الشقيق بنقطة سوداء
فقد شبه الشاعر هيئة الخال على الخد "بالشقيق"، ووجه الشبة هو الهيئة الحاصلة من وجود نقطة مستديرة سوداء في وسط رقعة مبسوطة حمراء، ففيه من كثرة التفصيل والاعتبارات مما لا يقع إلا بعد روية وإمعان نظر وأعمال فكر.
ب- ندرة حضور صورة المشبه به في الذهن عند استحضار صورة المشبه لبعد التناسب بين الصورتين - وذلك كما في تشبيه القمر بالعرجون في قوله تعالى:
стр. 313
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) [يس: ٣٩] فصورة العرجون غير تامة الحضور في الذهن، ولكنها تندر عند استحضار صورة القمر، للفر الشاسع بين الصورتين، فالقمر مسكنة السماء، والعرجون في الأرض، والقمر مثال العلو والهداية، والعرجون شيء تافه لا يهتم به، والقمر من قبيل الكواكب، والعرجون من قبيل النبات.
ومن ذلك ما تقدم من تشبيه أزهار البنفسج على سيقانها بصورة النار في أطراف الكبريت أول اشتعالها.
ج- ندرة حضور فورة المشبه به في الذهن مطلقاً ، وذلك لكونه وهمياً كما فئ قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: ٦٥]، وكما في قول الشاعر:
* ومسنونة زرق كأنياب أغوال *
أو لكونه مركباً خيالياً، كما في تشبيه الشقيق بأعلام من الياقوت منشورة على رماح من الزبرجد، أو لكونه نادر التكرار على الحس، كصورة المرأة في كف الاشل.
التفصيل في وجه الشبه:
معناه: (أن تكثر فيه الملاحظات والاعتبارات، بأن ينظر فيه إلى أكثر من وصف لشيء واحد، أو أكثر (متعدداً كان ذلك الوجه، أو مركباً اعتبارياً) وكلما كثر التفصيل في وجه الشبه كان التشبيه أدخل في باب الغرابة وأبعد عن الابتذال، وذلك كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس: ٢٤].
أوجه التفصيل: وأوجه التفصيل كثيرة، ولكن أحراها بالقبول صورتان:
الأولى: أن يؤخذ بعض الأوصاف، ويترك بعضها من كل تشبيه فيه دقة تحتاج إلى مزيد نظر وفضل ملاحظة، وذلك كما في قول الشاعر:
стр. 314
حملت ودينيا كأنَّ سنانهُ ... سنا لهب لم يصل بدُخان
فقد شبه الشاعر سنان الرمح، يلهب له سنا، فاعتبر في كل منهما شكله المخروطي الدقيق الطرف وزرقته الصافية وبريقه، ثم قصد أن ينفي الدخان عن السنا تحقيقاً للتشبيه، ولو لم ينف ذلك لم يتحقق التشبيه المقصود لأنه ليس في رأس السنان ما يشبه الدخان.
والثانية: أن تؤخذ جميع الأوصاف وتعتبر جميعها في وجه الشبه ، وذلك كما في قول الشاعر:
وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورَّا
فقد اعتبر في كل من المشبه والمشبه به: الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص.
لماذا كان التفصيل - في الوجه - مزية على الإجمال ؟
وإنما كان للتفصيل في وجه الشبة مزية على الإجمال لأمور ثلاثة هي:
أولاً: أن الجملة - أبداً - أسبق إلى النفوس من التفصيل.
ثانياً: أنك تجد الرؤية نفسها لا تصل إلى التفصيل بالبديهة، ولكنك ترى بالنظر الأول الوصف على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولهذا قالوا: النظرة الأولى حمقاء.
ثالثاً: أنك في إدراك تفصيل ما تراه وتسمعه أو تتذوقه كمن ينتقى الشيء من بين جملة، وكمن يميز الشيء مما قد اختلط به، ولكنك حين لا يهمك التفصيل تكون كمن يأخذ الشيء جزافاً.
وإذا كان ذلك ثابتاً في الأمور المشاهدة وما يجرى مجراها مما تناله الحواس فإن القلب كذلك، تجد الجمل دائماً هي التي تسبق التفاصيل إلى الخواطر، أما التفاصيل فإنها مغمورة في ثناياها لا تعرفها إلا بعد إعمال الفكر والرواية.
ولهذا فإن الاشتراك في الصفة على الإطلاق كأن يكون كلا الشيئين أسود أو أحمر أقل من أن يحوج إلى قياس وتشبيه.
стр. 315
فإن دخل في التفصيل شيء، كأن تريد أن هذا السواد صاف براق، والحمرة رقيقة ناصعة احتجت بقدر ذلك إلى إعمال المفكر، وذلك مثل تشبيه حمرة الخد بعمرة التفاح والورد.
فإن زاد تفصيله بخصوص تدق العبارة عنه ويتعرف بفضل تأمل ازداد الأمر قوة في الاحتياج إلى المفكر، وذلك نحو: تشبيه سقط النار بعين الديك في قوله:
وسقط كعين الديك عاورت صحبتى ... أبدها وهيأنا لموقعها وكراً
وذلك لأن ما في عينة من التفصيل والخصوص زائد على كون الحمرة رقيقة ناصعة، والسواد صافياً براقاً.
ولهذا كان قول الشاعر:
كأنَّ على أنيابها كلَّ سحرةٍ ... صياح البوازى من صريف اللوانك
ارفع طبقة من قوله:
كأن صليل المروحين تشذه ... ... صليل زيوف ينتقدن بعبقراً
لأن التفصيل والخصوص في صوت البازى أبين وأظهر منه في صليل الزيوف ... وهكذا.
تفاوت التفصيل في وجه الشبة:
وإنما يفضل (حد التفصيليين الأخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين، ومثال ذلك قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسافنا ليل تهاوى كواكبه
مع قول أبى الطيب المتبني:
يزود الأعادى فى سماء عجاجةٍ ... أستنهُ في جانبيها الكواكب
أو قول عمرو بن كلثوم:
تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفاً كواكبه البيض المباتير
стр. 316
فالتفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن كرم الموقع ولطف التأثير ما لا يمكن إنكاره.
وذلك لأنه راعى ما لم يراعة غيره، وهو: جعل الكواكب "تتهاوى" فأتم التشبيه، وعبر عن هيئة السيوف وقد سلت من الأغماد وهى تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة، كما فعل الآخران.
وكان لهذه الزيادة التي زادها حظ من الدقة التي تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل.
وذلك لأن إفادة هيئة السيوف في حركاتها - إنما أتت في جملة لا تفصيل فيها، إلا أن حقيقة تلك الهيئة لا تقوم في النفوس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة، لأن لها في حال احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب اضطرابا شديداً وحركات سريعة، ثم إن لتلك الهيئة جهات مختلفة وأحوالا تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة والارتفاع والانخفاض، وإن السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل ويقع بعضها في بعض، ويصدم بعضها بعضاً، ثم إن أشكال السيوف مستطيلة، وقد نظم هذه الدقائق كلها في نفسه ثم أحضرها لك بلفظة واحدة ونبه عليها بأحسن التنبيه، وكمله بكلمة واحدة هي: "تهاوى" لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل، ثم إنه بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأما إذا لم تزل عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة.
ومن أبلغ الاستقصاء وعجيبه قول عبد الله بن المعتز:
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدُجى ... نطيرُ غراباً ذا قوادم جونَّ
فقد شبه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضاً، لأن تلك الفروق من الظلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين، كشكل قوادم إذا كانت بيضاء وتمام التدقيق في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أنه جعل ضوء الصبح لقوة ظهوره
стр. 317
ودفعة لظلام الليل كأنه يحفز الدجى ويستعجلها، ولا يرضى منها بأن تتمثل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أولاً اعتبره في التشبيه آخراً، فقال: (نطير غراباً)، ولم يقل: (غراب يطير) مثلاً -، وذلك لأن الغراب، وكل طائر إذا كان واقفة هادئاً في مكان فأزعج وأخيف وأطير منه، أو كان في حبس في يد أو قفص فأرسل كان ذلك محالة - أسرع لطيرانه، أعجل وأمد له وأبعد لأمده، فإن تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أو الفرحة التي تدركه وتحدث فيه من خلاصه وانفلاته مما دعاه إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار؛ لأنه يجوز - حينئذ - أن يطير إلى مكان قريب من مكانه الأول وألا يسرع في طيرانه، بل يمشي على هيئته ويتحرك حركة غر المستعجل.
ألوان التصرف في القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً:
قد يتصرف الحاذق بصنعة البيان في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً، لا ترتقي إليه مدارك العامة، ولذلك طرق منها:
١ - التشبيه الضمني ، وذلك كما في قول أبى الطيب المتنبي مادحاً:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياءُ
فقد أراد الشاعر أن يشبه الممدوح بالشمس في الإشراق، وهذا تنبيه قريب مبتذل يستوي في إدراكه الخاصة والعامة، ولكن ادعاء الشاعر أن الشمس إنسان يحس ويشعر ويستحى، وكان عليها وقد رأت وجه الممدوح أن تتوارى خجلاً منه لأنه فوقها في الحسن والإشراق هو الذي رفع من قدر هذا التشبيه من القرب والابتذال إلى البعد والغرابة.
٢ - ومن ألوان التصرف في التشبيه القريب المبتذل حتى يصير بعيداً غريباً: التشبيه المشروط وهو المقيد بشرط، والشرط أما أن يكون في المشبه، وإما أن يكون في المشبه به، وإما أن يكون فيهما معاً.
فمن تقييد المشبه قول الشاعر:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والبدر لو لم يغيب والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذباً
стр. 318
فالمشبه هو الممدوح، وقد شبه به كل من: صوب الغيث، والبدر والشمس والليث، والبحر، وقرن كلاً منها بقيد لولاه لتم التشبيه.
ومن تقييد المشبه به قول رشيد الدين:
عزماته مثل النجوم ثواقباً ... ... لو لم يكن للثاقبات أفول
فقد شبه عزمات الممدوح بالنجوم، ولكنه قيدها بعدم الأفول.
ومن تقييدهما معاً، قولك: "ليلى إذا ابتسمت كالشمس إذا أشرقت" وقول أمير الشعراء:
ويقائق النسرين في أغصانها ... كالدر ركب في صدور رماح
فقد شبه يقائق النسرين - وهو ورد عطري قوى الرائحة - بالدر، وهو تشبيه قريب مبتذل ولكن تقييد ورود النسرين بكونها في أغصانها، وتقييد الدر بكونه مركباً في صدور رماح أخرجه عن قربه وابتذاله إلى بعده وغرابته.
٣ - تشبيه التفضيل: وهو أن تشبه شيئاً بشيء، ثم ترجع فتفضل المشبه على المشبه به.
كما في قول الشاعر:
حسبت جماله بدراً منيراً ... ... وأين البدر من ذاك الجمال!
ومنة تشبيه التشكيك، كما في قول الشاعر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر؟
ومن روائع التصرف في التشبيه القريب المبتذل قول الشاعر:
في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من ثنيها
ثالثا: أداة التشبيه
الأداة: لفظ يدل على معنى التشبيه، كالكاف في قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) [الرحمن: ٢٤] وكما في قول أبى الطيب:
هذا الذي أبصرت منه حاضراً ... مثل الذي أبصرت منه غائباً
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدى إلى عينيك نوراً ثاقباً
стр. 319
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جواداً ويبعث للبعيد سحائباً
كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... تغشي البلاد مشارقاً ومغاربا
وكذلك كل لفظ يدل على المماثلة حرفاً كان أو اسماً، أو فعلاً، كلفظ "كأن" حرفاً، كما في قول المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردىَّ وهو نائمُ
وكلفظ "مثل" اسماً، كما في قوله:
كذا فليسر من طلب الأعادى ... ومثل سُراك فليكن الطلاب
وكذلك الفعل الدال على معنى التشبيه ماضياً كان أو مضارعاً، كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكي يحاكى.
وكذلك الوصف المشتق المفيد لهذا المعنى: كمماثل، ومشابه، ومحاك، ومن الأدوات - أيضاً -: سيان، وسواء.
والتشبيه باعتبار الأداة ينقسم إلى قسمين: مرسل، ومؤكد:
فالمرسل: هو ما ذكرت فيه أداة التشبيه لفظاً أو تقديراً، فمثال الأول قول المتنبي:
ومن في كفة منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضابُ
ومثال الثاني قولك: "صوته صوت البلبل" و "نفحه نفح المسك" و "وشيه وشي الطاووس"إذا قدرت على معنى الكاف.
وإنما سمي هذا القسم مرسلاً، لأنه أرسل عن التأكيد، أي: خلا منه.
والمؤكد: هو ما تركت فيد أداة التشبيه لفظاً وتقديراً، أي ترك التصريح بها، كقولك:
"محمد بحر" و "خالد أسد" و "ليلى بدر".
وكقول أبى الطيب المتنبي:
إنما بدرُ عمر سحابٌ ... هطلٌ فيه ثواب وعقابُ
стр. 320
إنما بدر رزايا وعطايا ... ... ومنايا وطعان وضراب
ومن التشبيه المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، بعد حذف الأداة، وتقديم المشبه به على المشبه، كقولك: "لبس محمد رداء العافية".
وكقول التنوخي:
أقحوان معانق لشقيق ... ... كثغور تعص ورد الخدود
أي: تعض الخدود الشبيهة بالورد.
ومنه قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء
أي: على الماء التشبيه باللجين، أي الفضة.
رابعًا: أغراض التشبيه
الغرض من التشبيه: هو الدافع الذي حدا بالمبين أن يعقد شبهًا بين أمرين وهو في الأعم الأغلب عائد إلى المشبه لأنه:
١ - إما أن يكون الغرض هو: بيان المشبه أمر ممكن ، وهذا إذا كان أمرًا غريبًا، يمكن أن يخالف فيه ويدعي امتناعه، كما في قول أبى الطيب المتنبي:
رأيتك في الذين أرى ملوكًا ... كأنك مستقيم في محال
فإن تقق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وذلك لأن المتنبي لما ادعى أن الممدوح قد فاق الناس حتى صار أصلًا برأسه وجنسًا منفردًا بنفسه وكان هذا كالأمر الممتنع فقد احتج لدعواه تلك بأن شبه هذه الحال بحال المسك وهو من الدماء ومع هذا فإنه لا يعد منها لما فيه من صفات لا توجد فيها، هذا تشبيه ضمني ومكني عنه.
٢ - وإما أن يكون الغرض هو بيان حال المشبه ، كما في تشبيه ثوب آخر في السواد.
ومما جاء لبيان حال المشبه قول الشاعر: