في أي لحد كان، وفي أي مكان كان، لأن الذي يهمه إنما هو الدفاع عن حرماته، وحماية مكارم قبيلته ومناقبها، وأنه مهما بكى على أصدقائه فلن يرد بكاؤه شيئاً حقيراً، حتى ولو كان زنداً تافهاً.
ثم أعد قراءة القصيدة، وتفقد كلماتها، فإنك ستجدها سهلة الألفاظ، سلسة الأسلوب جميلة المعاني، قد تعانقت كلماتها تعانقاً لطيفاً آخذاً بعضها يحجز بعض، حتى إنك لا تمل من قراءتها لسهولتها، وسلاسة أسلوبها، وجمال نظمها.
فقد جاءت كلمات القصيدة فصيحة، متماسكة قوية معبرة أصدق تعبير عن مشاعر هذا الفارس مصورة لتجربته في اللقاء والنزال، موحية بما يكنه لقومه من حب وإيثار، وبما يتمتع به من قوة الجلد، والصبر في ميادين الشرف والبطولة.
وقد ضمنها خصائص بلاغية قيمة، فعرف حيث يقتضي المقام التعريف، ونكر حيث يقتضي المقام التنكير، وأكد حيث يقتضي المقام التأكيد، وتجنب التأكيد حيث لا يقتضي المقام التأكيد .. وهكذا وهذا هو المقصود بقولهم، مطابقة الكلام لمقتضى الحال:
فالحال: هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، ومطابقة الكلام له بمعنى: اشتماله عليه.
فإذا كان المخاطب ينكر قيام (زيد) مثلاً، فإنكاره حال يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكداً، فيقول: (إن زيداً قائم)، وتأكيد الخبر هو: مقتضى الحال.
ومقتضى الحال مختلف، لأن مقامات الكلام متفاوتة:
فمقام التنكير يغاير مقام التعريف، ومقام الإطلاق يغاير مقام التقييد،
стр. 107
ومقام التقديم يغاير مقام التأخير، ومقام الذكر يغاير مقام الحذف، ومقام القصر يغاير مقام خلافه، ومقام الفصل يغاير مقام الوصل، ومقام الإيجاز يغاير مقام الأطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يغاير خطاب الغبي، وكذلك لكل كلمة مع صاحبتها مقام.
ولكن: ما الفرق بين الحال والمقام؟
الحال والمقام: متقاربا المفهوم؛ والتغاير بينهما أمر اعتباري، وذلك لأن الأمر الداعي. مقام: باعتبار توهم كونه محلاً لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال: باعتبار كونه زماناً له.
وأيضاً: فإن المقام تعتبر إضافته للمقتضَى؛ فيقال: مقام التأكيد، والإطلاق والحذف، والإثبات، كما تعتبر إضافة الحال المقتضِي: فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن، وغير ذلك.
وعلى ذلك: فعند تفاوت المقامات تختلف مقتضيات الأحوال، ضرورة أن الاعتبار اللائق بهذا المقام، غير الاعتبار اللائق بذلك، واختلافها هو عين اختلاف مقتضيات الأحوال.
وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول، يكون بمطابقته للاعتبار المناسب؛ وانحطاطه يكون لعدم مطابقته لهذا الاعتبار.
والمراد بالاعتبار المناسب: الأمر الذي اعتبره المتكلم متناسباً بحسب السليقة أو بحسب تراكيب البلغاء؛ فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام، كالتأكيد والإطلاق وغيرهما.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه الإمام عبد القاهر الجرجاني باسم (النظم) حيث يقول في نظريته التي أسلفناها لك: "النظم هو توخي
стр. 108
معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام".
وقد كرر - في دلائل الإعجاز - أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه.
وعلى هذا: فالبلاغة "صفة "راجعة، " إلى اللفظ، لكن لا من حيث أنه "لفظ وصوت"؛ ولكن باعتبار إفادته المعنى مركباً.
وكثيراً ما يسمى ذلك الوصف فصاحة - أيضاً - وهذا هو المقصود من كلام الشيخ عبد القاهر حيث كرر - في مواضع من كتابه "دلائل الإعجاز" - أن الفصاحة صفة "راجعة" إلى المعنى دون اللفظ كقوله: "علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما، أوصاف "راجعة" إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها".
وقد ذكر في مواضع أخرى - من دلائل الإعجاز -: أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، حيث أن المعاني مطروحة في الطريق بعرفها الأعجمي والعربي، والقروي والبدوي، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى.
فوجه التوفيق بين الكلامين: أنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة:
فحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ: أراد أنها من صفاتها باعتبار إفادتهم المعنى عند التركيب وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المفردة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب.
وحينئذ: لا تناقض في كلامه.
هذا هو رأي الخطيب القزويني في كلام عبد القاهر الجرجاني.
والحق ما قاله سعد الدين التفتازاني: وهو: أن محصول كلام عبد القاهر - بعد تصفحه - هو: أن الفصاحة عنده تطلق على معنيين:
стр. 109
أحدهما: ما مر في صدر المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ.
والثاني: وصف في الكلام يقع به التفاصيل ويثبت الإعجاز، وعليه يطلق، البلاغة، والبراعة، والبيان، وما شاكل ذلك، ولا نزاع - أيضاً - في أن الموصوف بها - عرفاً - هو: اللفظ، إذ يقال: لفظ فصيح، ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها أهو اللفظ أم المعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين، ويقول إن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود.
فهناك ألفاظ، ومعان أول، ومعان ثوان، فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ على حذوها في النظم، اسم: النظم، والصور، والخواص، والمزايا، والكيفيات، ونحو ذلك.
ويحكم - قطعاً - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليه، وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة، وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في الألفاظ المنطوقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني، التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها.
فحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، فإنه يريد بها تلك المعاني الأول وحيث ينفي أن تكون من صفاتها فإنه يريد بالألفاظ، الألفاظ المنطوقة وبالمعاني، المعاني الثواني، التي جعلت مطروحة في الطريق، وسوى فيها بين الخاصة والعامة وللبلاغة في الكلام: طرفان: أعلى، وإليه تنتهي البلاغة، وهو: حد الإعجاز وما يقرب منه، وهو: أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته وأسفل؛ وهو: ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات
стр. 110
الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب، حيث تصدر عن محالها حسبما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد.
وبين الطرفين: مراتب كثيرة، متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من أسباب الإخلال بالفصاحة.
وتتبع بلاغة الكلام: وجوه أخر سوى المطابقة، والفصاحة، تورث الكلام حسناً، وتكسبه رونقاً وجمالاً، وهذه الوجوه هي التي تضمنها على البديع، من حسنات لفظية ومعنوية.
وأما بلاغة المتكلم.
فهي: الموهبة، أو الملكة التي تستطيع بها أن تؤلف كلاماً بليغاً.
ولعلك قد فهمت مما تقدم: أن كل بليغ كلاماً كان أو متكلماً، فصيح، وليس كل فصيح بليغاً.
كما أنك قد فهمت مما أسلفنا لك: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلى تميز الكلام الفصيح من غيره.
وتمييز الكلام الفصيح من غيره: منه ما يتبين في علم متن اللغة، كالغرابة، أي تمييز السالم من الغرابة من غيره، أو في الصرف، كمخالفة القياس، أو في علم النحو: كصعف التأليف، والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق، كالتنافر فما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني وما يحترز به التعقيد المعنوي، وهو علم البيان.
وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع.
стр. 111
وبعد فقد رأيت مما أسلفنا لك: أن البلاغة هي نفسها "نظرية النظم" والتي توصل إليها عبد القاهر الجرجاني، واستنبطها من كلام النقاد السابقين، كالخطابي، والقاضي الجرجاني، والقاضي عبد الجبار، وأبي سعيد السيرافي، وأن عبد القاهر قد طبقها على النصوص الأدبية في غير كلل أو ملل، وأنه في نقده هذا لم يفقر بين النقد الأدبي، والنقد البلاغي، بل إنه ليجمع نقده في دائرة "النظم البلاغي"، الذي ارتضاه تفسيراً حقيقياً لإعجاز القرآن الكريم.
فلم يكن ينظر إلى البلاغية إلا على أنها علم واحد أساسه "النظم" الذي تفرعت منه المعاني البلاغية، التي أطلق عليها اسم، الخصائص، والكيفيات، والمزايا، وهي التي أدرجها المتأخرون فيما أسموه بعلم المعاني، واستنبطوها من عبارة عبد القاهر - في نظريته -، وهي عبارة: "معاني النحو فيما بين الكلم، كالمعاني الناشئة عن: التقديم، والتأخير والتعريف والتنكير، والذكر والحذف، والفصل والوصل، والإيجاز والأطناب والمساواة - وهكذا.
ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الكبرى، وهي التشبيه، والمجاز، والكناية، والصغرى، كالاستعارة تصريحية، أو مكنية أصلية أو تبعيه والتشبيه - على حد المبالغة - والتشبيه على حد الاستعارة وهكذا وهذه الصور، أو تلك المعاني: قد تتضمن فيما جمالية راجعة إلى المعنى قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).
ولكن المتأخرين قد نظروا إلى البلاغة على أنها علوم ثلاثة، هي: علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع.
стр. 112
وصحيح أنهم قالوا: إن علم البيان لابد له من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب، ولكن هذا القول المنطقي الجاف ليس كافياً، فقد قالوا هذا، ثم تناولوا المعاني بعيداً عن الصور البيانية، وتناولوا الصور البيانية بعيداً عن المعاني، فحالوا بذلك بين البلاغة والنقد الذي يمارس تقويم النصوص الأدبية على أسس من معايير الجمال التي تعتمد الذوق السليم أساساً في فهم دقائق المعاني ولطائفها، وإدراك الصور البيانية، وأنماط التعبير عنها، وتذوق الجمال البديعي بين أساليبها (١).
ولعل أول من نبه إلى خطأ المتأخرين في تقسيمهم البلاغة إلى علوم ثلاثة هو الأستاذ أحمد مصطفى المراغي (٢).
فقد قال منكراً على السكاكي تقسيمه البلاغة إلى علوم ثلاثة - في فصل من كتابه "تاريخ علوم البلاغة "بعنوان: (لا وجه لتقسيمه علوم البلاغة". أقساماً ثلاثة، ولا لجعله تحسين البديع عرضياً):
"لا نعلم أحداً سبق السكاكي إلى قسمة علوم البلاغة الأقسام الثلاثة المعروفة، ولا نرى لهذا التقسيم وجهاً صحيحاً، ولا مستنداً من رواية ولا هواية، فليس هناك جهة للتمايز تفضل كل علم عن ص ١١٥، ولا في أغراض كل علم، ولا في موضوعه، مما يجعله وحدة مستقلة عن العلمين الآخرين في بحوثه ومسائله، حتى يمكن للناظر أن يقتنع بوجاهة هذا التقسيم، ويبرهن على صحته، بل على العكس؛ نرى بينها اتصالاً وثيقاً في الأعراض والمقاصد، واتحاداً في وجهة البحث، فلا يمكن فصل بعضها من بعض، وإن أمكن فعلى نحو آخر غير ما ذكره السكاكي، ومن اقتفوا أثره، وساروا على سنته، دون أن يدلوا بحجة ص ١١٥".
стр. 113
ثم بين كيف أن الرواية لا تساعد السكاكي على هذا التقسيم، وحاصلها:
أنه لم يتقدم أحد قالق بهذا التقسيم:
وأما أن الدراية لا تؤيده، فقد ذكر أن ذلك لوجوه، نذكر منها:
أولاً: أن الثمرة المستفادة من علم المعاني، وهي معرفة أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال - تستفاد - أيضاً - من علم البيان والبديع، لأنا لا نعبر باستعارة ولا كناية إلا إذا اقتضاها المقام، كما قال عبد القاهر - في الدلائل -: أنه إذا أريد إثبات الشيء على جهة الترجيح بين أن يكون وألا يكون عبرت عنه بالتشبيه: فقلت: "رأيت رجلاً كالأسد"، ولم يكن ذلك من حديث الوجوب في شيء، وإذا أريد إثباته على سبيل الوجوب، وجعلته كالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوبه، عبرت بالاستعارة، وقلت رأيت أسداً، وذلك أنه إذا كان أسداً، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى منها.
وحكم التمثيل حكم الاستعارة، فإنك إذا قلت: "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى"، فأوجبت له الصورة التي يقطع فيها بالتحير والتردد كان أبلغ - لا محالة - من أن تجري على الظاهر فتقول، قد جعلت تتردد في أمرك، فأنت كمن يقول: أخرج أو لا أخرج، فيقدم رجلاً ويؤخر أخرى.
وكذلك إذا أردت إثبات قضية دون حاجة إلى برهان، بأن كان السامع مقتنعاً بصحتها دون أن تزيده تأكيداً في إثباتها، عبرت بالحقيقة، فقلت: زيد كريم.
وإن رأيت أنه في شك من صحتها، أتيت بالقضية يصحبها دليلها، وعبرت عن ذلك المعنى بطريق الكناية، فقلت: "هوجم الرماد"، فأثبت القرى الكثير من وجه هو أبلغ وأشد في الإيجاب والإثبات.
стр. 114
ثانياً: أنه كما يصدق هذا على المعاني والبيان، يصدق - أيضاً - على البديع، فالجمال الذي يوجد في التورية من حيث دقة التعبير ولطفه لا يقل عن الجمال الذي يوجد في الكناية والإبداع الذي يوجد في الطباق والتقسيم، ليس بأقل مما يوجد في الاستعارة.
ثالثاً: أنه مما يدل على أن مباحث هذه العلوم ليست متمايزة: أن بعض المؤلفين قد أدخل المجاز العقلي في علم البيان، بينما غيرهم أدخله في المعاني: كذلك نجد جماعة أدخلت التذييل والاحتراس، والحشو في البديع، بينما أدمجها غيرهم في المعاني وجعلوها أقساماً للأطناب، فلو كانت هناك حدود واضحة تميز قسماً من قسم، لما جاء مثل هذا الاختلاط والارتباك في تفريع هذه المسائل، ووضعها في المواضع المناسبة لها".
стр. 115
علم المعاني
(معاني النحو فيما بين الكلم)
عرفت أن علم المعاني هو بعينه نظرية النظم البلاغي التي أدار عليها عبد القاهر كتابه دلائل الإعجاز، وأنهم قد أخذوا لفظة "المعاني" من قول عبد القاهر: النظم هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
وقد عرف البلاغيون علم المعاني بأنه "علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال" وأحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، هي ما يعرض له من تقديم، وتأخير، وتعريف، وتنكير وغير ذلك.
وهناك أحوال للفظ ليست بهذه ص ١١٨، كالإعلال، والإدغام، والرفع والنصب وما أشبه ذلك مما لابد منه في تأدية المعنى؛ ولكنها ليست مما يبحث في علم المعاني، بل إنها تبحث في علمي: النحو والصرف.
على أن علم النحو قد درس أحوال التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، وغيرها مما يدرسه علم المعاني، ولكنه قد درسها من ناحية أخرى، فقد درس جواز التقديم وامتناعه ووجوبه، وجواز الحذف وامتناعه ووجوبه، وأنواع التعريف وأحكام التنكير، ولكنه لم يتناولها من حيث وقوعها مطلباً بلاغياً يقتضيه المقام، وتدعو إليه الحال:
وهذا هو الفرق بين البلاغة والنحو: موضوعات البلاغة تبحث في علم النحو، ولكن النحوي يبحثها من حيث الصحة وعدمها، والبلاغي يبحثها من حيث مطابقتها لأحوال السامعين.
وقد حصر البلاغيون علم المعاني في ثمانية الأبواب التالية.
стр. 116
أولاً: أحوال الإسناد الخبري.
ثانياً: أحوال المسند إليه.
ثالثاً: أحوال المسند.
رابعاً: أحوال متعلقات الفعل.
خامساً: القصر.
سادساً: الإنشاء.
سابعاً: الفصل والوصل.
ثامناً: الإيجاز والإطناب والمساواة.
والسر في انحصار علم المعاني في هذه الأبواب الثمانية: أنهم تتبعوا العبارة من جميع جوانبها وكل أحوالها:
فالكلام: إما أن يكون خبراً، وهو، ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، أي بقطع النظر عن قائله، سواء أكان مقطوعاً بصدقه أو كذبه، وإما أن يكون إنشاء، وهو: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
فالأول: هو الخبر، والثاني هو الإنشاء.
ثم الخبر: لابد له من إسناد، ومسند إليه، ومسند.
وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى.
ثم المسند قد يكون له متعلقات - إذا كان فعلاً أو شبهه - فهذا هو الباب الرابع.
ثم الإسناد والتعليق، كل واحد منهما إما أن يكون بقصر، وإما أن يكون بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس.
والإنشاء، هو الباب السادس.
стр. 117
ثم إن الجملة - إذا قرنت بأخرى - فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى وإما غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع.
ولفظ الكلام البليغ إما أن يكن زائداً على أصل المعنى المراد لفائدة، وإما أن يكون غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.
وسوف نتناول في هذه الدراسة:
(١) أحوال الإسناد الخبري.
(٢) أحوال المسند إليه.
(٣) أحوال المسند.
(٤) أحوال متعلقات الفعل.
стр. 118
الفصل الثاني
أحوال الإسناد الخبري
تمهيد:
الكلمات المفردة لا تستطيع الاستفادة منها، ولا تعطيك معنى من المعاني إلا إذا كانت مرتبطة ببعضها؛ متعلقاً بعضها ببعض، آخذاً حجزها بحجر بعض، وكونت منها نوعاً من التأليف، وصفتها صياغة خاصة، شعراً كانت أو نثراً.
وحينئذ تعطيك المعاني التي تريد التعبير عنها، وتحمل أفكارك التي تريد أن تفضي بها؛ وتصور خلجات نفسك، وما يعتمل في صدرك من عواطف وانفعالات، وتبرز ما يدور بخلدك من قضايا فكرية علمية كانت أو أدبية.
وعلى قدر قوة ارتباط كلماتك ببعضها، وحسن صياغتك لمفردات كلامك يكون حظها من البلاغة ويكون حظك من الإحسان والإجادة. "فمهادة الأديب، ونبوغ الشاعر، وعبقرية اللغة؛ كل هذا يكمن فيما بين الكلم من ترابط وصلات؛ فحذق الأديب والشاعر يظهر في مقدرته الفائقة على صياغة كلم اللغة، صياغة بصيرة واعية، تصف كل خاطرة من خواطر نفسه، وتفصح عن كل فكرة تومض في كيانه، أو شعور يختلج في مطاويه، وعبقرية اللغة تكمن في مرونتها وطواعيتها وإفادتها دقيق المعاني بوجوه
стр. 119
وفنون الصياغة، فتصف بهيئة الكلمة، وتشير بخصوصية التركيب" (١).
فالألفاظ - كما يقول عبد القاهر - لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً عن التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، فلو أنك عمدت إلى بيت شعر، أو فصل نثر، فعددت كلماته عداً كيفما جاء واتفق، وأبطلت نضده ونظامه الذي عليه بنى وفيه أفرغ المعنى وأجرى وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد كما أفاد، وبنسقه أفاد المراد، نحو أن تقول في:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (منزل، قفا، ذكرى، من نبك، حبيب).
أخرجته من كمال البيان إلى محال الهذيان (٢).
وذلك لأنه لا يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى ومعنى القصد إلى معاني الكلم: أن تعلم السامع بها شيئاً لم يكن يعلمه، وأنت لا تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها فلا تقول: (خرج زيد) لتعلمه معنى: خرج في اللغة، ومعنى: زيد، كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف؟ !
ولهذا: لم يكن الفعل وحده دون الاسم، ولا الاسم وحده دون اسم آخر أو فعل آخر كلاماً، وكنت لو قلت: (خرج) ولم تأت باسم، ولا قدرت فيه ضميراً لشيء أو قلت: زيد ولم تأت بفعل ولا اسم آخر؛ ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتاً تصوته سواء (٣).
стр. 120
فلابد في الكلام من مسند ومسند إليه، وإسناد.
والإسناد. هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى الأخرى، بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداها ثابت لمفهوم الأخرى، أو منفي عنه (١).
(١) أغراض الخبر:
ذكر البلاغيون أن من يكون بصدد الإخبار ينحصر قصده بخبره هذا في أمرين:
الأول:
إفادة المخاطب مضمون الخبر وفائدته؛ وذلك كقولك لمن لا يعلم أن والده قد سافر. (سافر والدك) ولمن لا يعلم أن الهلال قد ظهر: ظهر الهلال، ولمن لا يعلم أن أخاه قد نجح أخوك.
الثاني:
إفادته لازم فائدة الخبر: وذلك كقولك لمن حفظ القرآن الكريم: أنت قد حفظت القرآن الكريم؛ فهو يعلم أنه يحفظ القرآن الكريم، ولكنك قد أفدته أنك تعلم ذلك أيضاً.
هذا هو الذي جرى عليه العرف في الإخبار بخبر ما؛ وذلك إذا التزم المتكلم باستعمال الجمل الخبرية في حقائقها.
стр. 121
أما من يريد أن يستخدم الأساليب الخبرية في أفقها الأرحب، فإن قصده يتعدد بتعدد المثيرات التي تدفعه إلى القول وتحثه عليه؛ وهذه المثيرات هي خواطر النفس وهواجسه، ولا يتصدى عاقل لحصرها.
ولكن يمكن أن يقال بوجه عام: إن غرض الشاعر بشعره في أغلب أحواله قد يكون الرغبة في إثارة انفعال مشابه لدى القارئ؛ فتحقق المشاركة النفسية والوجدانية؛ فيعيش القارئ طربه، إن كان طروباً، أو أساه، إن كان حزيناً، وفي هذه المشاركة متعة الشاعر وهدفه.
وقد يكون غرض الشاعر هو الشعر نفسه؛ أي: هو الدندنة الشعرية التي يتسلى بها حين يفرغ على قيثارته ألحان نفسه، والذي يعنيه أن يقول وليس يعنيه أن يسمع (١).
ولهذا فغن الخبر قد يخرج عن الغرضين الأساسيين، وهما: الفائدة، ولازم الفائدة، إلى أغراض أخرى يقصده البلغاء، وتتضح من سياق الكلام:
وذلك كإظهار الضعف في قول المسجاح بن سباع الضبي (٢):
لقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني - ولا يغني - نهار ... وليل كلما يمضي يعود
وشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد
стр. 122
ومفقود عزيز الفقد، تأتي ... منيته، ومأمول وليد
فقد أخبر الشاعر بأنه قد طوف في الآفاق حتى بلى، وقارب الهلاك، وأهرمه مرور الليل والنهار وتوالي الأشهر والسنين، وفقد من يعز عليه من الأصحاب والأبناء.
ولكنه لم يقصد بخبره هذا فائدة الخبر أو لازمها: وإنما يريد أن يبث للسامع مشاعره، ليشاركه إحساسه؛ فتحقق له بتلك المشاركة راحة نفسية يتطلبها.
والتحسر في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (١).
والمدح كما في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة (٢).
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم
стр. 123
والذم، كما في قوله - يهجو كافرواً (١):
وتعجبني رجلاك في النعل، إنني ... رأيتك ذا نعل إذا كنت حافياً
وأنك لا تدري ألونك أسود ... من الجهل أم قد صار أبي صافياً
ويذكرني تخييط كعبك شقة ... ومشيك في ثوب من الزيت عارياً
وقد أشار هذا الذي ذكرناه، من أن الخبر كثيراً ما يقصد به أغراض تتجاوز حدود الفائدة ولازمها، سعد الدين التفتازاني، إذ يقول:
"كثيراً ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أو لازمه. كقوله تعالى - حكاية عن امرأة عران: "رب إني وضعتها أنثى" إظهاراً للتحسر على خيبة رجائها وعكس تقديرها والتخزن إلى ربها، لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً. وقوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵊ ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ (٢) إظهاراً للضعف والتخشع، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) الآية، إنكاراً لما بينها من التفاوت العظيم، ليتأنف القاعد، ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، ومثله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) تحريكاً لحمية الجاهل، وأمثال هذا أكثر من أن يحصى: وكفاك شاهداً على ما ذكرت: قول الإمام المرزوقي في قوله:
قومي هم قتلوا - أميم - أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار (٥).
стр. 124
(ب) أضرب الخبر:
عمت أن الخبر هو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، فهو مظنة التكذيب.
وقد نظر البلاغيون إلى أحوال المخاطب الذي يلقى إليه الخبر، فوجدوا أنها: ثلاثة: خلو الذهن، والتردد، والإنكار فقد يكون المخاطب خالي الذهن من هذا الخبر، ولم يكن عنده سابق فكرة عنه، ولا انشغال لخاطره به، وقد يكون متردداً في قبول هذا الخبر ورفضه. وقد يكون منكراً له، رافضاً لقبوله وتتراوح حال الإنكار والرفض عنده بين القوة والضعف.
وخالي الذهن من الخبر لا يحتاج إلى تأكيد، بل يلقى إليه الكلام خالياً من أي تأكيد، لأنه يصادف ذهناً خالياً، فيتمكن منه بمجرد وصوله إليه.
والمتردد في الخبر: عنده شك فيه، فهو طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردده، فيلقى إليه الكلام موكداً بمؤكد واحد فقط.
والمنكر يحتاج إلى تأكيد أقوى من تأكيد المتردد وهذا التأكيد يكون على حسب الإنكار قوة وضعفاً. فيلقى الخبر مؤكداً بأكثر من تأكيد واحد أي بتأكيدين أو أكثر على حسب إنكاره في القوة والضعف.
ولهذا وجد البلاغيون أن أضرب الخبر ثلاثة:
الابتدائي: وهو ما يلقى إلى خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر، ومن التردد فيه، وهذا الضرب لا يحتاج إلى تأكيد؛ لأنه
стр. 125
- كما أسلفنا - يلقى إلى خال الذهن، إذ يصادف ذهناً خالياً، فيتمكن منه عند وصوله إليه، وذلك كقولك: نجح محمد، ومحمد ناجح.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢).
وقولك: الكريم محمود، والبخيل مذموم.
وإنما سمي هذا الضرب ابتدائياً: لأنه يلقى إلى المخاطب ابتداء دون سابق علم للمخاطب به.
والطلبي: وهو ما يلقى إلى المتردد في قبول الخبر ورفضه.
وهذا الضرب يحسن تقويته بمؤكد واحد، كقولك: لمحمد ناجح، وإن محمد ناجح.
ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٥).
ومنه قول أمير الشعراء:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان (٦)
стр. 126
وإنما سمي هذا الضرب طلبياً، لأن المخاطب به طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردده.
والإنكاري: وهو ما يلقى إلى المنكر للخبر؛ والرافض لقبوله.
وهذا الضرب يجب تأكيده بحسب قوة الإنكار وضعفه، فكلما ازداد الإنكار؛ زيد في التأكيد.
وذلك مثل قولك لمنكر نجاح محمد: إن محمداً لناجح، فإذا زاد في إنكاره قلت له: والله إن محمداً لناجح، وهكذا.
انظر كيف قد رجت الآية الكريمة في التأكيد وفق إنكار المنكرين في قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (١).
فالآية الكريمة تصور حواراً جرى بين الرسل - أصحاب القرية التي أرسلوا إليها، وقد جاء خطاب الرسل لأصحاب القرية في المرة الأولى مؤكداً بإن، واسمية الجملة؛ لأنهم كذبوا؛ بدليل قوله تعالى: "فكذبوهما".
فلما رد عليهم أصحاب القرية بقولهم: "ما أنتم إلا بشر مثلنا" مؤكدين ردهم بالنفي والاستثناء: أي: لستم رسلاً؛ لاعتقادهم أن الرسول لا يكون بشراً، مردفين بقولهم: "وما أنزل الرحمن من شيء" وهو تأكيد ثان لنفي الرسالة عنهم بصورة أبلغ؛ لأنهم نفوا أن يكون الله تعالى قد أنزل شيئاً عليهم أو على غيرهم.
стр. 127
[سقطت من المصور]
стр. 128
لا يجتمعان وسرعة العقاب، فاستبعدوا منه الغفران والرحمة وكأنهم أنكروهما، فنفى الله إنكارهم هذا بإتيانه الخبر مؤكداً بإن واللام.
وهكذا تجد أن التأكيد يأتي على قدر الإنكار، أو التردد، وأن عدم التأكيد لا يكون إلا إذا ألقى الكلام إلى خالي الذهن من الخبر.
على أن الذي أوحى إلى البلاغيين بأضرب الخبر إنما هي قصة الفيلسوف الكندي، مع أبي العباس ص ١٣٠، فقد روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس، وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشواً، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ ؛ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم: إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم: جواب عن سؤال سائل، وقولهم: إن عبد الله لقائم: جواب عن إنكار منكر قيامه فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني، قال: فما أحار المتفلسف جواباً" (١).
ويسمى إخراج الكلام على الوجوه المذكورة - أعني الخلو من التأكيد لخالي الذهن، والتقوية بمؤكد استحساناً للتردد، ووجوب التأكيد للمنكر - إخراجاً للكلام على مقتضى الظاهر، أي الإتيان بالكلام على مقتضى ظاهر حال المخاطب.
وقد يأتي الكلام على خلاف ظاهر الحال، فلا يعتد المتكلم بواقع حال المخاطب، ولكنه يجري على أمور اعتبارية يلحظها هو في كلامه، فيجعلها مقامات، ويصوغ عبارته على مقتضاها كأن ينزل خالي الذهن
стр. 129
منزلة المتردد، وذلك إذا قدم له في الكلام ما يلوح له بالخبر، فيستشرف له استشراف الطالب المتردد، وحينئذ يحسن تأكيد الخبر له بمؤكد واحد يزيل تردده.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (١) فمطلع الكلام وهو قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ معناه: لا تدعني يا نوح في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، وهذا كلام يوحي بالخبر، ويهيئ النفس لأن تظن بأنهم مغرقون، وخصوصاً بعد أن تقدم قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا، فقد أوحى الله إليه بأن قومه لن يؤمنوا، ثم أمره بصنع الفلك، فالإيحاء بأنهم لن يؤمنوا: إشارة إلى أنهم سيقع بهم عذاب، والأمر بصنع الفلك: إشارة واضحة إلى أنهم مغرقون لا محالة.
ولما تضمن سابق الكلام هذا الإيحاء بالخبر، صار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم هل صاروا محكوماً عليهم بالإغراق أم لا؟ وبطلبه، فنزل منزلة السائل، وقيل: "إنهم مغرقون" مؤكداً، أي: محكوم عليهم بالإغراق.
ويكثر هذا الأسلوب في القرآن الكرين، حتى إنه - كما يقول عبد القاهر - لا يدركه الإحصاء، ويأتي بعد الأوامر والنواهي.
استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
стр. 130
لما أمر بتقوى الله تعالى والخوف من عقابه، تطلعت نفس المخاطب إلى السؤال عن السبب الذي من أجله كان هذا الأمر، فأردف ذلك بقوله ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (١).
المخاطبون هنا لا ينكرون غفران الله تعالى للذنوب، فكان ظاهر حالهم يدعون إلى الإتيان بالكلام خالياً من أي تأكيد، ولكن لما كانوا قد أصرفوا على أنفسهم في مقارفة الذنوب، ونهاهم الله تعالى عن اليأس من رحمته، تطلعت نفوسهم إلى الخبر، طالبة له، وكأنهم سألوا: هل سيغفر الله الذنوب جميعاً؟ فقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ مؤكداً بتأكيد واحد يجيب عن تساؤلهم ويذهب ترددهم.
وهكذا الشأن في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: على لسان لقمان -: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).
وقوله - جل وعلا - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٥).
على أن هذا الأسلوب - وهو من خصائص التعبير القرآني - قد
стр. 131
تأثر به ابن المقفع في إرشاداته وتوجيهاته انظر إلى قوله: "لا تكونن نزر الكلام والسلام ولا تفرطن بالهشاشة والبشاسة. فإن إحداهما من الكبر، والأخرى من الخسف".
فقوله: "إن إحداهما من الكبر، جاء مؤكداً، لأنه تعليل لهذه النصيحة، وكأنه حين نهى عن النزر في القول، والإفراط في الهشاشة والبشاشة، تطلعت النفس المتلقية إلى معرفة سبب ذلك، وصارت كأنها مترددة فأسعفتها بهذه الجملة المؤكدة" (١).
وانظر إلى قوله: "أعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن لم يتداو به، لم يغن عليه به شيئاً، ولم يجد لدائه راحة ولا خفة، فاستعمل رأيك ولا تحزن لقلة المال، فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي يهاب وإن كان رابضا، والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال، كالكلب لا يحفل به، وإن طوق، وخلخل بالذهب، فلا تكبرن عليك غربتك، فإن العاقل لا غربة له: كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوته، فلتحسن تعاهدك لنفسك: فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره" (٢).
ثم أعد النظر في هذه الجمل: (فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال) (فإن العاقل لا غربة له) (فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك) تجد أن كل جملة منها قد أكدت بتأكيد واحد شأن الجمل التي تلقى إلى السائل المتردد، مع أنها ألقيت إلى خالي الذهن، ولكن لما تقدم على كل منها ما يلوح بالخبر - وذلك عن طريق النهي عن الحزن قبل الجملة الأولى،
стр. 132
والنهي عن الشعور الزائد بالغربة قبل الثانية، والأمر بإحسان تعاهد النفس قبل الثالثة - تطلع المخاطب إلى معرفة الخبر، فنزل منزلة السائل المتردد، وأكد له الكلام بتأكيد واحد في كل جملة من الجمل الثلاثة - كما رأيت -
وقد جعل البلاغيون قصة بشار مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، أصلا في هذا الباب.
فقد روي عن الأصمعي أنه قال: كان أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر يأتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الاعظام.
ثم يقولان: يا أبا معاذ، ماذا أحدثت؟ فيخبرهما. وينشدهما" ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان، فأتياه يوماً، فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما، قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب، قال: نعم: إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما:
بكرا - صاحبي - قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت - يا أبا معاذ - مكان (إن ذاك النجاح) (بكرا فالنجاح) كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: (إن ذاك النجاح).
كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: (بكرا فالنجاح) كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف فقبل بين عينيه (١).
стр. 133
فقول بشار: "إنما بنيتها أعربية وحشية" دليل على أن تلك الطريقة في التعبير إنما هي طريقة الأعراب الخاص، الذين لم تدنس عربيتهم شوائب اللحن.
ومثل بيت بشار: قول بعض العرب:
فغنها - وهي لك الفداء - ... إن غناء الإبل الحداء
لما طلب الشاعر من مخاطبة الغناء للإبل، تطلعت نفسه إلى معرفة سبب هذا الطلب، فكأنه سأل: وهل غناء الإبل هو الحداء؟ فجاء الخبر مؤكداً بأن؛ لإزالة تردد مقدر عن المخاطب.
على أن التأكيد بإن بعد الأوامر والنواهي، إنما هو من خصائصها إذا كان مراداً بها إزالة تردد مقدر من المخاطب، لأنك ترى الجملة إذا هي دخلت بها ترتبط بما قبلها وتأتلف معه، وتتحد به حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر هذه الصورة، حتى إذا جئت إلى (إن) فأسقطتها رأيت الثاني قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل حتى تجيء بالفاء فنقول: بكرا - صاحبي قبل الهجير، فداك النجاح في التبكير، وغنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء، ثم لا ترى الفاء تعيد الجمليتن إلى ما كانت عليه من الألفة وترد عليك الذي كنت تجد بإن من المعنى (١).
وقد ينزل المنكر منزلة غير المنكر، وذلك إذا كان معه من الأدلة والشواهد ما إن نأمله ارتدع عن إنكاره وذلك كما تقول لمنكر الإسلام، (الإسلام حق) هكذا من غير تأكيد؛ لأن لديه من الأدلة الدالة على نبوة محمد ﷺ ما إن لارتدع عن إنكاره.
стр. 134
وهذا شأن الحقائق الكبرى، والقضايا العظيمة التي تلقى دون احتفال بإنكار المنكرين أو اهتمام بتكذيب المكذبين، لأنها أرفع من أن تحاط بتأكيد أو تقرير.
ثم إن لهذا الأسلوب أثره الغالب في النفس حين تجد الكلام الذي يواجه الرفض والجمود خاليًا من الاحتفال والتوكيد، خافت النبرة هامسًا بالحقيقة في غير جلجلة وضجيج (١).
ويكثر هذا الأسلوب في القرآن الكريم:
استمع إلى قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢).
فهو خبر عظيم يفيد أن كل ما في السموات وما في الأرض من حيوان، ونبات، وجماد يسبح لذلك القدوس، وهو منكور عند الجاحدين، ولكن القرآن الكريم لم يعبأ بهذا الإنكار، وساق تلك الحقيقة الكبرى في هدوء واثق حكيم.
ومن هذا الأسلوب في الشعر قول أمير الشعراء - يرثي جدته - (٣):
خلقنا للحياة وللممات ... ومن هذين كل الحادثات
ومن يولد يعش ويمت كأن لم ... يمر خياله بالكائنات
ومهد المرء في أيدي الرواقي ... كتعش المرء بين النائحات
وما سلم الوليد من اشتكاه ... فهل يخلو المعمر من أذاه؟
هي الدنيا قتال، نحن فيه ... مقاصد للحمام وللقناة
стр. 135
وكل الناس مدفوع إليه ... كما دفع الجبان إلى الثبات
نروع ما نروع ثم نرمي ... بسهم من يد المقدورات!
فقد سرد أمير الشعراء قضايا عدة دون تأكيدها، على الرغم من أنها ليست مسلمًا بها من جميع الناس، ولكن لما كانت أدلة صحتها كثيرة، لو تأملها الجميع لآمنوا بها، ساقها مساق الأمور المسلمة لا اعتراض لأحد عليها.
ومن هذا القبيل قول أبي الطبيب يمدح سيف الدولة:
رأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر، كوضع السيف في موضع الندى
ولكن تفوق الناس رأيًا وحكمة ... كما فقتهم حالًا، ونفسًا، ومحتدًا
فقد ساق أبو الطيب قضايا غير مسلم بها، ولكنه لم يؤكدها لعدم اهتمامه بإنكار المنكرين لتلك القضايا مع أن هذه القضايا ما هو من الأمور الخطيرة، فقد جعل سيف الدولة، يفوق الناس جميعًا في رأيه، وحكمته، بل وفي حاله، ونفسه ومحتده!
* * *
стр. 136
وقد ينزل غير المنكر منزلة المنكر: وذلك إذا ظهر عليه شيء من علامات الإنكار، فيلقى إليه الكلام مؤكدًا، وإن لم يكن في ظاهر حاله منكرًا.
فالمسلم المهمل في أداء الصلاة، نقول له: (إن الصلاة واجبة) تنزيلًا له منزلة المفكر، وإن لم يكن منكرًا لفرضية الصلاة، لأن إهماله في أداء الصلاة أمارة من أمارات الإنكار.
ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ (١) فإتيان الساعة حقيقة لا ينكرها المسلمون، ولكن تصرف المسلمين حيال هذه الحقيقة تصرف من لا يؤمن بها، ولهذا خوطبوا خطاب المنكرين لقيام الساعة.
ومنه قوله تعالى - مخاطبًا النبي ﷺ : "فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء" (٢)، فالنبي ﷺ لا ينكر أنه لا يستطيع إسماع الموتى، وإسماع الصم. ولكن لما كان مبالغًا في الإلحاح على دعوة المكابرين من الكفار إلى الإسلام نزل منزلة المنكر بهذه الحقيقة، وخوطب خطاب المنكر.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٣) مؤكدًا إثبات الموت بتأكيدين - وإن كان مما لا ينكر - لأنه نزل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل (ميتون) دون (تموتون) وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا - وإن كان مما ينكر - لأنه لما كانت أدلته
стр. 137
ظاهرة، كان جديرًا بألا ينكر، بل إما أن يعترف به، أو يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيهًا لهم على ظهور أدلته، وحثًا على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل (١).
ومما هو أصل في هذا الباب قول حجلة لن فضلة الباهي:
جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فقد رأى الشاعر شقيقًا مقبلًا غير مكترث بقومه، إذ جاء عارضًا رمحه، أي واضعًا له بالعرض على فخذه غير متهيئ لقتال، كأنه ينكر أن يكون فيهم من يستطيع لقاءه، فنزل منزلة من ينكر أن في بني عمه رماحًا، وإن لم يكن منكرًا في الحقيقة، فقال له: (إن بني عمك فيهم رماح).
وبعد: فقد رأيت مما أسلفنا لك: أن التوكيد وعدمه إنما ينظر فيهما إلى حال المخاطب الحقيقية والاعتبارية.
وقد ذكر الدكتور محمد أبو موسى: أن هناك ضروبًا أخرى من التوكيد لا ينظر فيها إلى حال المخاطب وإنما ينظر فيها المتكلم إلى حال نفسه، ومدى انفعاله بهذه الحقائق، وحرصه على إذاعتها. وتقريرها في النفوس كما أحمسها ص ١٣٩ مقررة أكيدة في نفسه، ولم ينس أن يرجح الفضل إلى ابن جني في هذا الباب، حيث أنه قد ذكر أن التوكيد قد يكون مرجعه إلى اهتمام المتكلم بالمعنى وأنه مستعظم له، وأن يريد أن ينقله إلى سامعه كما يجده في نفسه (٢).
ومن هذا الباب قول الله تعالى: - حكاية عن سيدنا إبراهيم - في ضراعته: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ
стр. 138
الْمُحَرَّمِ﴾ (١) وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فالتأكيد هنا لم ينظر فيه إلى حال المخاطب وإنما نظر فيه إلى حال النفس الراجية، وبين مدى انفعالها بهذا الرجاء.
ومثله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣).
وقد يكون التأكيد لرغبة المتكلم في تقوية الكلام عند المخاطب وتقريره في نفسه - وإن كان غير مفكر له - كقوله تعالى - في مخاطبة النبي ﵇: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٥).
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).
وقد يكون التأكيد لتحقيق الوعد - كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٨).
стр. 139
وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١).
وقد يكون التأكيد لغرابة الخبر، وحرص المتكلم على أن يؤنس به نفس المخاطب وإن كان المخاطب لا ينكره، ومثله قوله تعالى: ﴿لَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنه قوله تعالى يخاطب موسى ﵇ لما رأى أفاعيل السحرة وأوجس في نفسه خيفة قال له الله تعالى: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ (٢).
وقد يكون التوكيد إظهارًا لمعتقد النفس وإبرازًا له لتزداد النفس يقينًا به، لأن مقامها يقتضي ذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣).
قال الدكتور أبو موسى: وقد يأتي التوكيد في الجمل التي كأنها نتائج لمقدمات فيلفت إليه وكأنها هي المقصودة والأهم وموضع العناية في السياق، ثم مثل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤).
стр. 140
ولكن قد يقال: إن المقدمات التي سبقت التأكيد في الجمل الأخيرة، تضمنت إيماءات وإيحاءات وإشارات إلى الخبر، فتطلعت نفس السامع إلى الخبر، فجاء الكلام في النهاية مؤكدًا.
ويشبه هذا قولهم: وقد ينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم ما يلوح له بحكم الخبر، فيستشرف له استشراف المتردد والطالب (١).
(جـ) المجاز في الإسناد:
علمت مما أسلفنا لك: أنه لا بد في الجملة من مسند. ومسند إليه، وإسناد، حتى تؤدي الجملة معنى من المعاني وأن الإسناد: هم ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه.
والإسناد يأتي على ضربين: حقيقي، ومجازي:
فأما الإسناد الحقيقي، فهو: إسناد الفعل أو ما في معناه، كالمصدر واسم الفاعل أو نحوهما مما هو في معنى الفعل، إلى ما هو له في الحقيقة.
وذلك كما في قولك. شفى الله المريض، فإسناد الشفاء إلى الله تعالى، إسناد حقيقي، لأن الفاعل الحقيقي للشفاء إنما هو الله تعالى، وكذلك تقول في: نصر الله الجيش، وأنزل الله الغيث.
ويسمى هذا الإسناد: "حقيقة عقلية".
وإما الإسناد المجاري: فهو: إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الحقيقة.
стр. 141
وذلك كما في قولك: أنبت الربيع البقل، فإسناد الإنبات إلى الربيع إسناد مجازي، لأنه ليس الفاعل الحقيقي للإنبات، وكذلك تقول في: بني الأمير المدينة، لأن الأمير ليس هو الفاعل الحقيقي للبناء، وإنما بني العمال المدينة بأمر منه.
ويسمى هذا الإسناد: "مجازًا عقليًا".
وقد أشار إليه كل من سيبويه (١)، والمبرد (٢)، وابن رشيق (٣)، ولكنهم لم يضهوا له اسمًا (٤)، وقد سماه عبد القادر في الأسرار: مجازًا عقليًا، لأن المتصرف في الإسناد هو العقل ولكنه عاد فسماه في الدلائل: مجازًا حكميًا، لأن المجاز ليس في ذات الكلمة، وإنما هو في حكم جرى عليها (٥).
وقد بين عبد القادر الجرجاني قيمته البلاغية، وروعته في نظم الكلام ووصفه بأنه "كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأنه يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأنه بضعه بعيد المرام قريبًا من الإفهام (٦).
وقد أنكر السكاكي المجاز العقلي، وجعله من قبيل الاستعارة المكنية، فأخرجه من علم المعاني وأدخله في علم البيان.
ولكن الخطيب قد استنكر ما ذهب إليه السكاكي، فأخرجه من علم البيان وأدخله مرة أخرى في علم المعاني.
стр. 142
ولما لم يكن من المستطاع تصور المجاز العقلي قبل تصور الحقيقة العقلية قدم البلاغيون بحثهم للحقيقة العقلية بين يدي بحثهم للمجاز العقلي.
وقد عرف الخطيب الحقيقة العقلية بأنها: "إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر (١).
وما في معنى الفعل هو: المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول وظرف الزمان وظرف المكان؛ واسم التفضيل.
أما قوله: (إلى ما هو له) فمعنا: إسناد الأفعال إلى فاعليها الحقيقيين، كالذي أسلفنا لك من نحو قولك: شفى الله المريض، ونصر الله الجيش وأنزل الله الغيث.
على أنه - وإن كنا نعتقد بأن الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى - لا ينبغي أن ننسب كل فعل إلى الله تعالى، لأن منها ما لا يصح نسبته إليه سبحانه، كالأكل والشرب والقيام والقعود.
ولهذا لخص العلامة بهاء الدين السبكي وجوه الإسناد الذي يوصف بأنه حقيقي في ثلاثة أقسام:
الأول: إسناد الفعل لمن يقع منه الفعل حقيقة، ويؤثر في وجوده، وذلك لا يكون إلا الفاعل واحد هو الله تعالى، وأفعاله مثل: خلق الله، ورزق الله:
الثاني: إسناد الفعل لمن يقع منه حكمًا مثل: قام زيد.
стр. 143
الثالث: إسناد الفعل إلى ما يتصف به مثل: مرض زيد، وبرد الماء، وأمطرت السماء (١).
وأما قوله: (عند المتكلم) فمعناه: أن العبرة بما يعتقده المتكلم، وأن الحكم على قوله بأنه حقيقة، إنما يتوقف على اعتقاده، فالمسلم حين يقول أنبت الله الزهر يكون كلامه جاريًا على نهج الحقيقة في الإسناد. وإذا قال أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج المجاز في الإسناد.
ولكن الملحد إذا قال: أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج الحقيقة، لأنه استند الفعل إلى ما هو له عنده وفي اعتقاده؛ ومنه قول الله تعالى - حكاية عن الكافرين - ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٢).
إذا اسندوا الإهلاك إلى الدهر وهم يعتقدون ذلك، فقد أسندوا الفعل إلى ما هو له في اعتقادهم.
وقد أشار بقوله "في الظاهر" إلى أن الإسناد في قول القائل إنما يكون حقيقة إذا كان ذلك ظاهرًا من حاله، أما ما يضمره في نفسه فلا شأن لنا به.
ولهذا كان قول الملحد لمن لا يعرف حاله: أنبت الله البقل حقيقة، لأنه - وإن لم يكن يعتقد ذلك - إلا أنه لا يعرف حاله.
ولهذا كانت صور الإسناد الحقيقي - عند الخطيب - أربعة:
الأولى: صورة تطابق الواقع والاعتقاد كليهما وذلك كقول المؤمن "أنبت الله البقل".
стр. 144
والثانية: صورة تطابق الواقع دون الاعتقاد، كقول المعتزلي - لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها عنه:
خالق الأفعال كلها هو الله - والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم.
والثالثة: صورة تطابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الجاهلي: شفى الطبيب المريض، ومنه: "وما يهلكنا إلا الدهر".
والرابعة: صورة لا نطابق شيئًا منهما، وذلك كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد - وهو لم يأت -.
أما المجاز العقلي، فقد عرفه الخطيب بقوله "هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول".
وأنت تلاحظ الفرق بين تعريف الخطيب للقزويني للحقيقة العقلية، وتعريفه للمجاز العقلي: فقد قال هناك: (إلى ما هو له) وقال هنا: (إلى ملابس له غير ما هو له).
فالفعل في الحقيقة يسند إلى فاعله الحقيقي، ولكنه في المجاز العقلي يسند إلى غير فاعله الحقيقي أي أنه يسند إلى ما يلابس الفعل؛ أي: ما كانت له بالفعل، أي الحدث. ملابسة: أي علاقة، فالملابسة هي العلاقة.
وللفعل علاقات شتى: فله علاقة بالفاعل لأنه واقع منه، وله علاقة بالمفعول، لأنه واقع عليه، وله علاقة بالمصدر، لأنه أصل للحدث وله علاقة بالزمان والمكان، لوقوعه فيهما، وله علاقة بالسبب، لأنه مسهب عنه.
على أن هذه العلاقات، وإن لم تكن هي كل علاقات المجاز العقلي - إلا أنها أشهر هذه العلاقات:
стр. 145
١ - الفاعلية:
وهي: أن يسند الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل، وذلك كما في قولك:
ماء مغمور، وسيل مفعم، فالماء لا يكون مغمورًا، وإنما هو غامر، والسيل لا يكون مفعمًا - بفتح العين - وإنما هو مفعم - بكسر العين - وذلك لأن الماء هو فاعل الغمر، والسيل هو فاعل الإفعام فاسم المفعول هذا بمعنى اسم الفاعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.
ومنه: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (١).
فمستور هنا بمعنى ساتر، لأن الحجاب ساتر وليس مستوراً، فاسم المفعول هنا بمعنى اسم الفعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.
ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٢)﴾ أي آتيا، فاسم المفعول هنا: وهو: (مأتى) بمعنى اسم الفاعل، أي: (آت)، فقد اسند اسم المفعول إلى ضمير اسم الفاعل على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الفاعلية.