← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وذلك كما في قولك: أنبت الربيع البقل، فإسناد الإنبات إلى الربيع إسناد مجازي، لأنه ليس الفاعل الحقيقي للإنبات، وكذلك تقول في: بني الأمير المدينة، لأن الأمير ليس هو الفاعل الحقيقي للبناء، وإنما بني العمال المدينة بأمر منه. ويسمى هذا الإسناد: "مجازًا عقليًا". وقد أشار إليه كل من سيبويه (١)، والمبرد (٢)، وابن رشيق (٣)، ولكنهم لم يضهوا له اسمًا (٤)، وقد سماه عبد القادر في الأسرار: مجازًا عقليًا، لأن المتصرف في الإسناد هو العقل ولكنه عاد فسماه في الدلائل: مجازًا حكميًا، لأن المجاز ليس في ذات الكلمة، وإنما هو في حكم جرى عليها (٥). وقد بين عبد القادر الجرجاني قيمته البلاغية، وروعته في نظم الكلام ووصفه بأنه "كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأنه يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأنه بضعه بعيد المرام قريبًا من الإفهام (٦). وقد أنكر السكاكي المجاز العقلي، وجعله من قبيل الاستعارة المكنية، فأخرجه من علم المعاني وأدخله في علم البيان. ولكن الخطيب قد استنكر ما ذهب إليه السكاكي، فأخرجه من علم البيان وأدخله مرة أخرى في علم المعاني.

стр. 142

ولما لم يكن من المستطاع تصور المجاز العقلي قبل تصور الحقيقة العقلية قدم البلاغيون بحثهم للحقيقة العقلية بين يدي بحثهم للمجاز العقلي. وقد عرف الخطيب الحقيقة العقلية بأنها: "إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر (١). وما في معنى الفعل هو: المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول وظرف الزمان وظرف المكان؛ واسم التفضيل. أما قوله: (إلى ما هو له) فمعنا: إسناد الأفعال إلى فاعليها الحقيقيين، كالذي أسلفنا لك من نحو قولك: شفى الله المريض، ونصر الله الجيش وأنزل الله الغيث. على أنه - وإن كنا نعتقد بأن الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى - لا ينبغي أن ننسب كل فعل إلى الله تعالى، لأن منها ما لا يصح نسبته إليه سبحانه، كالأكل والشرب والقيام والقعود. ولهذا لخص العلامة بهاء الدين السبكي وجوه الإسناد الذي يوصف بأنه حقيقي في ثلاثة أقسام: الأول: إسناد الفعل لمن يقع منه الفعل حقيقة، ويؤثر في وجوده، وذلك لا يكون إلا الفاعل واحد هو الله تعالى، وأفعاله مثل: خلق الله، ورزق الله: الثاني: إسناد الفعل لمن يقع منه حكمًا مثل: قام زيد.

стр. 143

الثالث: إسناد الفعل إلى ما يتصف به مثل: مرض زيد، وبرد الماء، وأمطرت السماء (١). وأما قوله: (عند المتكلم) فمعناه: أن العبرة بما يعتقده المتكلم، وأن الحكم على قوله بأنه حقيقة، إنما يتوقف على اعتقاده، فالمسلم حين يقول أنبت الله الزهر يكون كلامه جاريًا على نهج الحقيقة في الإسناد. وإذا قال أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج المجاز في الإسناد. ولكن الملحد إذا قال: أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج الحقيقة، لأنه استند الفعل إلى ما هو له عنده وفي اعتقاده؛ ومنه قول الله تعالى - حكاية عن الكافرين - ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٢). إذا اسندوا الإهلاك إلى الدهر وهم يعتقدون ذلك، فقد أسندوا الفعل إلى ما هو له في اعتقادهم. وقد أشار بقوله "في الظاهر" إلى أن الإسناد في قول القائل إنما يكون حقيقة إذا كان ذلك ظاهرًا من حاله، أما ما يضمره في نفسه فلا شأن لنا به. ولهذا كان قول الملحد لمن لا يعرف حاله: أنبت الله البقل حقيقة، لأنه - وإن لم يكن يعتقد ذلك - إلا أنه لا يعرف حاله. ولهذا كانت صور الإسناد الحقيقي - عند الخطيب - أربعة: الأولى: صورة تطابق الواقع والاعتقاد كليهما وذلك كقول المؤمن "أنبت الله البقل".

стр. 144

والثانية: صورة تطابق الواقع دون الاعتقاد، كقول المعتزلي - لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها عنه: خالق الأفعال كلها هو الله - والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والثالثة: صورة تطابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الجاهلي: شفى الطبيب المريض، ومنه: "وما يهلكنا إلا الدهر". والرابعة: صورة لا نطابق شيئًا منهما، وذلك كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد - وهو لم يأت -. أما المجاز العقلي، فقد عرفه الخطيب بقوله "هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول". وأنت تلاحظ الفرق بين تعريف الخطيب للقزويني للحقيقة العقلية، وتعريفه للمجاز العقلي: فقد قال هناك: (إلى ما هو له) وقال هنا: (إلى ملابس له غير ما هو له). فالفعل في الحقيقة يسند إلى فاعله الحقيقي، ولكنه في المجاز العقلي يسند إلى غير فاعله الحقيقي أي أنه يسند إلى ما يلابس الفعل؛ أي: ما كانت له بالفعل، أي الحدث. ملابسة: أي علاقة، فالملابسة هي العلاقة. وللفعل علاقات شتى: فله علاقة بالفاعل لأنه واقع منه، وله علاقة بالمفعول، لأنه واقع عليه، وله علاقة بالمصدر، لأنه أصل للحدث وله علاقة بالزمان والمكان، لوقوعه فيهما، وله علاقة بالسبب، لأنه مسهب عنه. على أن هذه العلاقات، وإن لم تكن هي كل علاقات المجاز العقلي - إلا أنها أشهر هذه العلاقات:

стр. 145

١ - الفاعلية: وهي: أن يسند الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل، وذلك كما في قولك: ماء مغمور، وسيل مفعم، فالماء لا يكون مغمورًا، وإنما هو غامر، والسيل لا يكون مفعمًا - بفتح العين - وإنما هو مفعم - بكسر العين - وذلك لأن الماء هو فاعل الغمر، والسيل هو فاعل الإفعام فاسم المفعول هذا بمعنى اسم الفاعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية. ومنه: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (١). فمستور هنا بمعنى ساتر، لأن الحجاب ساتر وليس مستوراً، فاسم المفعول هنا بمعنى اسم الفعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية. ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٢)﴾ أي آتيا، فاسم المفعول هنا: وهو: (مأتى) بمعنى اسم الفاعل، أي: (آت)، فقد اسند اسم المفعول إلى ضمير اسم الفاعل على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الفاعلية.

стр. 146

٢ - المفعولية: وهي: أن يسند الفعل المبني للفاعل إلى المفعول به، وذلك كما في قوله الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (١) فالعيشة مرضية، وليست راضية، لأن الذي يرضى هو صاحب العيشة، لأن الأصل: رضي الإنسان عيشته، فالعيشة مفعول به، وليس فاعلًا، فاسم الفاعل هنا بمعنى اسم المفعول، فهو من إسناد اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول، على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي المفعولية. وكما في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ (٢)، والحرم مأمون، وليس آمنا، فقد أسند الأمن إلى الحرم، وكان حقه أن يسند إلى أهل الحرم. فآمن هنا: بمعنى مأمون، فكأنه أسند اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول، فهو مجاز عقلي علاقته بالمفعولية. ومنه قول علي بن الجهم: فافزع إلى ذخر الشئون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد قال الآمدي: ولو استقام له: (بعض جهد المجهود) لكان أحسن وأليق، ولكن هذا أغرب وأطرف (٣).

стр. 147

٣ - المصدرية: وهي أن يسند الفعل إلى مصدره، وذلك كما في قولهم: "شعر شاعر" فإن الشاعر هو صاحب الشعر لا الشعر، وكما في قولهم: "جد جده" حيث أسندوا الجد إلى الجد نفسه، والأصل في ذلك: شعر شاعر صاحبه، وجد صاحب الجد. ومنه قول أبي فراس الحمداني: سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر فقد أسند الفعل إلى المصدر، وليس الجد هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل الحقيقي هو الرجل الجاد، فإسناد الفعل هنا إلى مصدره مجاز عقلي، علاقته المصدرية. ومنه قول الشاعر: تكاد عطاياه يحن جنونها ... إذا لم يعوذها برقية طالب فقد أسند الفعل وهو: (يحن) إلى مصدره وهو جنونها، وهو مجاز عقلي علاقته المصدرية.

стр. 148

٤ - الزمانية: وهي أن يسند الفعل إلى زمانه، وذلك كما في قولهم: نهاره صائم، وليلة قائم. فقد أسندوا الصوم إلى ضمير النهار، وأسندوا القيام إلى الليل، والصائم هم الناس في النهار، وكذلك القائم هم الناس في الليل، وليس الليل. ولكنهم أسندوا الحدث إلى الزمان لوقوعه فيه. على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الزمانية. ومثله قول النبي ﷺ : "اللهم إني أحمدك على العرق الساكن والليل النائم: والليل لا ينام ولكن ينام الناس فيه، فقد أسند النون إلى الليل لوقوعه فيه. ومنه قول الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١) فقد أسند المكر إلى الليل والنهار؛ وهما مما لا يتأتى منه المكر، وإنما يقع المكر فيهما، فهو مجاز عقلي علاقته الزمانية. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (٢)، فقد أسند إلى اليوم فعل الشيب إسنادًا مجازيًا، لأن فعل الشيب يقع في ذلك اليوم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٣)،

стр. 149

والنهار لا يبصر ولكن يبصر الناس فيه، فإسناد الإبصار إلى النهار مجاز عقلي علاقته الزمانية. ومن المتداول في هذا الباب قول جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت، وما ليل المطى بنائم فقد أسند النوم إلى الليل، والليل لا ينام، وإنما ينام الشاعر فيه، فهو مجاز عقلي علامته الزمانية. ومنه قول أبي البقاء الرندي: هي الأمور - كما شاهدتها - دول ... من سره زمن ساءته أزمان فقد أسند فعل السرور والإساءة إلى الزمان، وهو لا يقع منه ذلك ولكن يقع فيه. ٥ - المكانية: وهي أن يسند الفعل إلى مكانه، ومن أمثلته قولهم: طريق سائر، ونهر جار فقد أسند السير إلى الطريق، والطريق لا يسير وإنما يسير الناس فيه، فإسناد السير إلى الطريق مجاز عقلي علاقته المكانية. وكذلك أسند الجريان إلى النهر، وإنما يجري الماء فيه، فإسناد الجريان إلى النهر مجاز عقلي علاقته المكانية. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ (١) فالأنهار اسم لمكان جريان الماء، فالأنهار لا تجري في الحقيقة، ولكن تجري المياه فيها، فإسناد الجريان إلى الأنهار مجاز عقلي علاقته المكانية.

стр. 150

وقال الله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (١)، فقد أسند إخراج الأثقال إلى الأرض، لأنها مكان الإخراج، والفاعل الحقيقي لهذا الإخراج هو الله تعالى فهو مجاز عقلي علاقته المكانية. ٦ - السببية: وهي: أن يسند للفعل إلى سببه: ومن أمثلتهم لهذه العلاقة قولهم: "محبتك جاءت بي إليك، فالمحبة لم تجيء بك، وإنما أنت الذي جئت بسبب هذه المحبة، فإسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي علاقته السببية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٢) فأسند التدبيح إلى فرعون، وليس فاعلًا حقيقيًا له، وإنما هو آمر فقط بالتدبيح، فهو سبب فيه، ولهذا فإن الإسناد مجاز عقلي علاقته السببية. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (٣) فأسند زيادة النفور إلى النذير وليس فاعلًا حقيقيًا له، فهو مجاز عقلي علاقته السببية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤) أسند زيادة الإيمان إلى الآيات لأنها سبب فيها. ومنه قول أبي الطيب: وتحيى له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا

стр. 151

لما كان الصوارم والقنا سببًا في إحياء المال بمعنى جمعه، وكان التبسم والجدا سببًا بمعنى إنفاقه على العافين، جاز أن يسند الأحياء إلى الصوارم والقنا، وأن يسند القتل إلى التبسم والجدا، على سبيل المجاز العقلي، لعلاقة السببية. هذه هي العلاقات التي تصورها الخطيب للجاز العقلي، لأنها هي التي يشملها تعريفه، حيث قصر المجاز العقلي على إسناد الفعل أو ما في معناه. وقد نبه العلامة السبكي إلى هذا، وذكر علاقتين أخريين لم يشملهما تعريف الخطيب وهما: (أ) الوصف أو الإخبار بالمصدر، في مثل وجل عدل، وقول الخنساء: ترتع ما غفلت حتى إذا أذكرت ... فإنما هي إقبال وأدبار (ب) وصف الشيء: بوصف محدثه وصاحبه، كما في: الكتاب الحكيم، والأسلوب الحكيم، إذ الحكمة في الحقيقة ليست وصفًا للكتاب وإنما هي وصف لصاحبه وليست في الحقيقة وصفًا للأسلوب وإنما هي وصف لصاحبه كذلك. ومن العلاقات التي ذكرها الزمخشري - وأغفلها تعريف الخطيب: (أ) إسناد الفعل إلى الجنس كله - وهو في الحقيقة مسند إلى بعضه - كقولهم بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم. ومثله قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (١) أسند العقر إليهم جميعًا، مع أن العقر لم يباشره إلا بعضهم.

стр. 152

(ب) إسناد الفعل إلى آلته، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١). (جـ) إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربي بالفاعل الحقيقي، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢) أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم - وهو لله وحده - لما لهم من القربى والاختصاص بالله - كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك. وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه (٣). ولهذا كان تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي بأنه "كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في الفعل لضرب من التأول" هو التعريف الأمثل للمجاز العقلي، لأنه لم يحدد علاقاته. وقد أشار الخطيب - في تعريفه - بقوله: "بتأول": إلى أن قول الجاهل: شفى الطبيب المريض، ليس من باب المجاز، بل هو من باب الحقيقة، لأن الجاهل لا يتأول في كلامه. ولهذا لم يحمل قول الشاعر الحماسي: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة وهو العشى على المجاز ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يرد ظاهره، كما استدل على أن إسناد (ميز) إلى (جذب الليالي) - في قول أبي النجم:

стр. 153

قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع من أن رأت رأسي كراس الأصلع ... ميز عنه تنزعا من تنزع جذب الليالي أبطئي أو أسرعي مجاز بقوله عقيبه: أفناه قيل الله الشمس أطلعي ... حتى إذا وأراك أفتى فارجعي والذي يدلنا على أن المتكلم متأول في كلامه: هو القرينة التي تصرف السامع مع إرادة الظاهر إلى المراد من الكلام: وهي ضربان: لفظية ومعنوية: فاللفظية: هي أن يكون في الكلام لفظ يصرفه عن إرادة ظاهرة، أي عن أن يكون الإسناد على حقيقته، وذلك كما في قول الصلتان العبدي، من قصيدة ينصح بها ابنه: أشاب الصغير، وأفني الكبير ... كر الغداة ومر العثى ص ١٥٦ نروح وتغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى إلى أن قال: ألم تر لقمان أوصى ابنه ... وأوصيت عمرًا، ونعم الوصي فملتقا، أننا مسلمون ... على دين صديقنا والغبي ص ١٥٦ والشاهد: أفي البيت الأول: حيث أسند الشاب وأفنى إلى كر الغداة ومر العشى، وهو إسناد مجازي من إسناد الفعل إلى سببه، وقرينته،

стр. 154

البيتان الأخيران، فإن مراده بوصية لقمان: قوله: "يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم، وفي هذا القول دليل على أن القائل متجوز في كلامه - سيما البيت الأخير -، فهو أصرح في الدلالة على هذا التجوز، فكلا البيتين قرينة "لفظية صارفة" عن أن يكون إسناد الإشابة والإفناء إلى تعاقب الأيام والليالي إسنادًا حقيقيًا. والمعنوية: هي: ألا يكون في الكلام لفظ يصرفه عن إرادة الظاهر منه، بل هو أمر خارج عن اللفظ وذلك لأحد أمرين: الأول: أن يكون صدور المسند من المسند إليه، أو قيامه به مستحيلًا عقلًا أو عادة. فالمستحيل عقلًا، كما في قولك: "محبتك جاءت بي إليك" فإسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي علاقته السببية وقرينته، استحالة صدور المجيء من المحبة عقلًا. والمستحيل عادة: كما في قولهم هزم القائد الجيش، فإسناد الهزيمة إلى القائد مجاز عقلي: علاقته السببية، وقرينته: استحالة أن يهزم القائد الجيش وحده عادة - وإن أمكن ذلك عقلًا -. ومنه قولهم: "بني صلاح الدين القلعة" و"فتح عمرو بن العاص مصر". الثاني: أن يكون الكلام صادرًا عن الموحد، كقول غلام لبشام بن عبد الملك: "أصابتنا سغون ثلاثة: فسنة "أكلت اللحم، وسنه أذابت الشحم، وسنة طحنت العظم، فهذه الأسانيد الثلاثة مجازات عقلية، من إسناد الفعل إلى الزمان، أو إلى السبب.

стр. 155

وقربنه التحوز فيها: صدور هذا القول من مؤمن يرى أن الله تعالى مصدر الأفعال كلها. فالقرينة - إذن - في هذين الموضعين معنوية، إذ ليس في الكلام لفظ صريح يدل على التجوز في الإسناد، وإنما الدال عليه أمر معنوي (١). الفرق بين المجاز العقلي والمجاز اللغوي: فرق الإمام عبد القاهر الجرجاني بين المجاز اللغوي، والمجاز العقلي بأن الأول يقع في المثبت، وأن الثاني يقع في الإثبات، وأن المتصرف في الإثبات هو العقل الذي يقيم الروابط والصلات، فالذي يعود إلى واضع اللغة أن (ضرب) لإثبات الضرب وليس لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض، وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما نعين متى يثبت له، فيتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين والمعبرين عن ودائع الصدور والكاشفين عن المقاصد والدعاوى صادقة كانت تلك الدعاوى أو كاذبة، ومجرأة على صحتها، أو مزالة عن مكانها من الحقيقة وجهتها (٢). تقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه: ينقسم المجاز العقلي باعتبار حقيقة الطرفين ومجازيتهما إلى أربعة أقسام: الأول: ما كان الطرفان فيه حقيقتين لغويتين. كما في قول المؤمن:

стр. 156

شفى الطبيب المريض فكل من (شفى) و (الطبيب) مستعمل في المعنى الذي وضع له، ولكن التجوز إنما هو في إسناد (شفى) إلى (الطبيب). ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) فقد أسندت زيادة الإيمان إلى الآيات على سبيل المجاز العقلي، لأن الآيات سبب فيها، ومع هذا فإن الطرفين وهما: الزيادة، والآيات؛ مستعملان في معنييهما. ومنه قول جميل بن معمر: وشبب أيام الفراق مفارقي ... وأنشرن نفسي فوق حيث تكون "مفارقي" جمع مفرق على زنه مقعد ومجلس: وهو في الأصل: وسط الرأس حيث يفرق الشعر، والمراد هنا: عامة الشعر و"وآنشرن" رفعن، يقول: أن أيام الفراق - لما فيها من آلام السهر والفكر - أشاعت الشيب في رأسي على غير موعد، ونزعت النفس من مكانها حتى بلغت الحلقوم. وقد أسند التشبيب إلى أيام الفراق، على سبيل المجاز العقلي، لأن الفعل قد أسند إليه إلى زمانه، والطرفان مستعملان في حقيقتيهما. والثاني ما كان الطرفان فيه مجازين لغويين، وذلك كما في قولك: "أحيا الأرض شباب الزمان" فالإحياء - وهو إيجاد الحياة - قد استعمل (٢)

стр. 157

في غير معناه، وهو: إيجاد نضارة الأرض وإحداث خضرتها، فقوله: (أحيا) استعارة تبعية. وكذلك الشباب مستعمل في غير معناه، لأنه فترة القوة والحيوية في الإنسان، وقد استعيرت لزمن الربيع. وكما في قولك: "أحيتنا مصابيح الإسلام"، أي: هدتنا علماؤه، فالطرفان وهما: (أحيا) و (مصابيح) مستعملان في غير ما وضعا له، وذلك لأن الإحياء في الأصل: إيجاد الحياة في الحيوان، ثم نقل إلى معنى الهداية على سبيل الاستعارة التبعية. والمصابيح في الأصل، جمع مصباح، وهو السراج، ثم استعمل في العلماء على سبيل الاستعارة الأصلية. ولعل هذه الصورة من صور المجاز لم تدر على السنة العرب، ولهذا لم نجوا أحدًا ممن شرحو تلخيص الخطيب القزويني قد أتى بشاهد مأثور لهذه الصورة، لا من الشعر ولا من النثر. اللهم إلا ما تكلفوا من أمثلة مصنوعة، ليتموا بها قسمتهم العقلية. الثالث: ما كان فيه المسند حقيقة، والمسند إليه مجازًا، وذلك في قولك: هدتنا مصابيح الإسلام، فالمسند وهو "الهداية" مستعمل في حقيقته، والمسند إليه - وهو المصابيح - مستعمل في مجازه، والإسناد مجاز عقلي" من إسناد الفعل إلى سببه، لأن الهادي هو الله تعالى والعلماء سبب في الهداية.

стр. 158

ومنه قول ابن خفاجة: وإني إذا ما شاقني لحامة ... رنين وهزتني لبارقة ذكرى لأجمع بين الماء والنار لوعة ... فمن مقلة ريا ومن مقلة حرى فقد أراد بالرتين صوت الحمامة، وإنما هو الهديل والسجع والترجيع، والتطريب، فاستعمال الرنين في صوت الحمامة مجاز بتشبيه هديلها بالرنين، وإسناد الشوق إلى الرنين مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى سببه. وفي هذا التجوز توضيح للأثر العميق الذي أحسه الشاعر بسماع صوت الحمام وكأنه هو الذي فعل فيه الشوق وأحدثه. الرابع: ما كان المسند - فيه - مجازًا، والمسند إليه حقيقة، وذلك كما في قوله تعالى - حكاية عن زكريا عليه -: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١). أراد بالاشتعال، ظهور شيب الرأس، على سبيل الاستعارة التبعية، ليفيد معنى العموم والمفاجأة في الظهور، ثم أسند الاشتعال إلى الرأس؛ والرأس مكان الاشتعال لأن المشتعل هو الشعر، ليفيد بهذا الإسناد إحساسه بمعموم الشيب واستغراقه لجميع رأسه؛ وهو مجاز عقلي علاقته المكانية. ومنه قول أبي الطيب: وتحيي له المال الصوارم وألقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا فالشاعر يصف قوة بطش الممدوح، وبسطة كمفه بالعطاء، وانتزاعه

стр. 159

المال من أيدي الأعداء بقوة السلاح ثم اهتزازه للندى وبذله ما أستلبه من المال لذوي الحاجات والمعوزين. وقد استعار الإحياء لجمع المال وانتزاعه من يد الأعداء، واستعار القتل لبذلته وإنفاقه على المعوزين والمسند - في الموضعين - مستعمل "في غير معناه الحقيقي، ثم أسند الإحياء إلى الصوارم والقنا، وأسند القتل إلى التبسم والجدا، على سبيل المجاز العقلي، إسنادًا للفعل إلى سببه. وقد نبه عبد القاهر إلى أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل إنك لتجد نفسك - في كثير من الأمر - محتاجًا إلى أن تهيئ لذلك بشيء تتوخاه في نظم الكلام. ثم ألمح إلى مقصوده بذكر مثال لتلك الصورة الرابعة من صور المجاز العقلي، فقال، وإن أردت مثالًا في ذلك، فانظر إلى قوله: تناس طلاب العامرية إذا فات ... بأسجح مر قال الضحى قلق الضفر إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلة سمر تجوب له الظلماء عين، كأنها ... زجاجة شرب؛ غير ملآي ولا صفر". الأسجح من الإبل هو الرقيق المشفر، ومر قال الضحى: المسرع للسير فيه، وهو وقت الحر. والضفر: الحزام؛ وقلقه يكون من الضمور، وتحوز عنه: تنحى، وتحوزت الحية: تقلبت، والشواة، الجلوه، والمثلمة السمر: هي الأخفاف؛ وثلبها يكون من السير على الحجارة؛ أي إذا مشى ليلًا والأفاعي خارجة من جحورها، وأحست به: انقبضت جلودها عن طريق خوفًا من أخفافها، وجاب المغازة: قطعها، وجاب الشيء خرقه؛ والشرب: جماعة الشاربين، والصغر: الخالية.

стр. 160

يصف الشاعر جملًا له؛ ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئًا يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلًا. فلولا أنه قال: (تجوب له)؛ فعلق (له) بتجوب "لما صلحت العين لأن يسند (تجوب) إليها، ولكنت لا تتبين جهة التجوز في جعل (تجوب) فعلًا للعين كما ينبغي؛ وكذلك لو قال: - مثلًا -: تجوب له الظلماء عينه؛ لم يكن له هذا الموقع، ولا اضطرب عليه معناه وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن (١). على أن هذه التهيئة المجاز العقلي في قول الشاعر، "تجوب له الظلماء عين" شبيهة بما في قول أبي الطيب: (وتحيي له المال الصوارم والقنا)؛ فإن موقع (له) هنا سبيه بموقعها هنا لك. رأيت أن المجاز هو فرع الحقيقة؛ وأن المجاز العقلي هو فرع الحقيقة العقلية؛ فهل يلزم في كل مجاز عقلي أن يكون للمسند فاعل على حقيقي في تقدير المتكلم؟ أم أن هذا الأمر ليس يلازم؟ إنك إذا ما راجعت تراكيب المجاز العقلي، وجدت منها ما يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ لأنه يمكنك أن تقول: فما ربحوا في تجارتهم؛ وكما قولهم: "أخرج الغيث النبات" فإنه يمكنك أن تقول؛ أخرج الله النبات بالغيث. وكما في قوله، (تجوب له الظلماء عين" فإنه يمكنك أن تقول: يجوب الجمل الظلماء بعينه. ولكنك إذا فعلت ذلك كنت قد أذهبت من الكلام مزيته التي تجلت في النظم البلاغي، وأتيت بحديث مرذول، وقول مغسول - كما يقولون -.

стр. 161

ومنها: ما لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي؛ وذلك كما في قولهم: أقدمني بلدك حق لي على فلان؛ فالإقدام - هنا - مسند إلى الحق؛ والحق ليس فاعلًا حقيقيًا للإقدام وإنما هو سبب فيه؛ فهو مجاز عقلي علاقته السببية، ولكنه لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي لأنهم لم يتعودوا الإسناد الحقيقي لهذا التركيب. وكذلك قول الشاعر: وصيرني هواك وبي ... - لحيني - يضرب المثل يقول إن هواك صيرني مثلًا يضرب الهلاك المحب، فأسند صير إلى هواك، والهوى لم يصيره، وإنما هو سبب فقط، فهو مجاز عقلي علاقته السببية، ولكنه لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي، لأنهم لم يتعودوا الإسناد الحقيقي لهذا التركيب - أيضًا - وهكذا الشأن في قول أبي نواس: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا يقول: إنك كلما ازددت نظرًا إلى وجهه، تكشفت لك روائع حسنه، فأسند الزيادة إلى الوجه، وهو ليس فاعلًا حقيقيًا للزيادة، ولكنهم لم يتعودوا الرجوع بهذا الإسناد إلى حقيقته. ولهذا قال عبد القاهر: "واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إن أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في: "فما ربحت تجارتهم" ربحوا في تجارتهم وفي: "يحمي نساءنا ضرب": نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت الفعل - في قولك: "أقدمني بلدك حق لي على إنسان" فاعلًا سوى الحق؟ وكذلك لا تستطيع في قوله: وصيرني هواك، وبي ... - لحيني - يضرب المثل

стр. 162

وقوله: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا أن تزهم أن لصيرني فاعلًا قد نقل عنه فجعل الهوى، كما فعل ذلك في "ربحت تجارتهم" و"يحمي نساءنا ضرب"؟ ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قوله: "يزيدك وجهه: فاعلًا غير الوجه" (١). ولكن الخطيب القزويني قد ذهب إلى أن الفعل في المجاز العقلي يجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند الفعل إليه يكون الإسناد حقيقة، غير أنه تارة يكون ظاهرًا، يدرك بأدنى تأمل كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أي: فما ربحوا في تجارتهم، وتارة يكون خفيًا، لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل، كما في (سرتني رؤيتك)، أي سرني الله عند رؤيتك، وقوله: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا أي: يزيدك الله حسنًا في وجهه، لما أودعه من دقائق الحسن والجمال. وكأن الخطيب - برأيه هذا - يعرض بالشيخ عبد القاهر، ويرد عليه فيما أسلفنا له من رأى في هذا الموضوع. وقبل الخطيب القزويني لخص الإمام فخر الدين الرازي ﵀ في نهاية الإيجاز، كتابي عبد القاهر: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، واعترض على رأيه هذا، بأن الفعل لابد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل. فهو إن كان ما أسند إليه الفعل فلا مجاز، وإلا فيمكن تقديره.

стр. 163

ثم جاء أبو يعقوب السكاكي فزهم أن اعتراض الرازي حق، وأن فاعلي هذه الأفعال هو الله تعالى، وأن الشيخ عبد القاهر لم يعرف حقيقتها لخفائها، فتتبعه الخطيب القزويني على هذا الرأي؛ يقول العلاقة سعد الدين التفتازاني في مختصره: "وفي ظني أن هذا تكلف وأن الحق ما ذكره الشيخ" (١). وقد تابع الدكتور محمد أبو موسى رأي العلامة سعد الدين التفتازاني في هذا الموضوغ وحمل على الإمام الرازي حملة شعراء لأن كثيرًا من الشراح قد انصرفوا عن رأي عبد القاهر وشايعوا الرازي والسكاكي فيما ذهبا إليه ودافع عن الشيخ دفاعًا مخلصًا، يتخلص فيما يلي: أولًا: أن القول بأن الفعل لابد له من فاعل كلام لا ينقضه من له عقل، ولكنه لا يرد على عبد القاهر لأن عبد القاهر لم يتعرض لهذه القضية، وإنما يقول: إن هناك تراكيب جرت في لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد ولم يعهدها لسانهم جارية على أسلوب الحقيقة، وهو لا يدعى أن هناك أفعالًا تصدر من غير فاعل. ثانيًا: أن عبد القاهر لا ينكر عن ناحية العقل تلك التقديرات التي ذهب إليها السكاكي في هذه الصور التي قال عنها عبد القاهر: "إنه لا يمكنك أن تثبت للفعل فيها فاعلًا سوى المذكور" من مثل قوله: أقدمتني نفسي لأجل حق على فلان، وصبرني الله بسبب هواك، ويزيدك الله حسنًا في وجهه، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم. ثالثًا: أن هذه التأويلات تكلف وتطلب لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التركيب - كما أشار البنائي -.

стр. 164

غير أن صريح كلام عبد القاهر يفيد أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في هذه الأفعال، أو أن تزعم أن لها فاعلًا قد نقل عنه للفعل. وأما القول بأن عبد القاهر يقول: إن هناك تراكيب جرت على لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد، ولم يعهدها لسانهم جارية على أسلوب الحقيقة، فإن هذا القول إنما هو تفسير - فقط - لكلام عبد القاهر، وليس صريح كلامه. على أن القول أن عبد القاهر لا ينكر - من ناحية العقل - تلك التقديرات التي ذهب إليها السكاكي، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم فكلام لم يقم عليه دليل، لأن عبد القاهر نفسه لم يقدرها، حتى ولو من باب ذكرها للتنبيه على عدم جدواها. ولو كانت تلك التقديرات ممكنة - في أريه - لكان عليه أن يقول: ويمكن أن تقدر لكل فاعل من هذه الأفعال فاعلًا حقيقيًا، ولكن العرب العربي لم يجر بذلك. وأما أن هذه التأويلات: تكلف، وتطلب لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التركيب فهو حق فوافقه عليه، ولهذا فإننا نؤيد عبد القاهر - في رأيه - من هذه الناحية. * * * أسلفنا لك أن عبد القاهر الجرجاني قد أشاد بالمجاز العقلي، ورأى أنه كنز من كنوز البلاغة وأنه قد فرق بينه وبين المجاز اللغوي بأن المجاز فيه إنما هو في الإثبات لا في المثبت وأنه - وهو يكتب الدلائل - لاحظ أن التجوز فيه إنما هو في حكم يجري على الكلمة فقط، فسماه المجاز الحكمي.

стр. 165

ولكن السكاكي قد أنكر المجاز العقلي ونظمه في سلك الاستعارة بالكناية، وأخرجه من علم المعاني وأدخله من علم المعاني وأدخله في علم البيان، ويقول في قولهم: "أنبت الربيع البقل": شبه الفاعل المجازي وهو الربيع، بالفاعل الحقيقي، وهو القادر المختار، في تعلق الفعل بهما، ثم يحذف المشبه ويرمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإنبات على سبيل الاستعارة بالكناية (١). واستنكر الخطيب القزويني ما ذهب إليه السكاكي من عده هذا الأسلوب من قبيل الاستعارة بالكناية، وإدخاله إياه في علم البيان، فأخرجه من علم البيان وضمه مرة أخرى إلى علم المعاني (٢). وقد رد الخطيب القزويني كلام السكاكي ردًا قويًا، وأبطل رأيه بما يلي: أولًا: أن قول السكاكي يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قول تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ هو صاحب العيشة لا العيشة، وبما في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ فاعل الدفق لا الماء لأن السكاكي كي يجعل الفاعل المجازي مشبهًا بالفاعل الحقيقي، ثم يستعير اللفظ الدال على الشبه إلى المشبه به، أي أن العيشة مشبهة يصاحبها الذي هو الفاعل الحقيقي، ثم استعير لفظ العيشة إلى صاحبها، وهذه طريقة السكاكي في الاستعارة بالكناية، فيكون معنى العيشة هو صاحبها، وتؤول الجملة هكذا: فهو في صاحب عيشة، وهذا فاسد. ومثل هذا يقال في "ماء دافق" لأن الفاعل المجازي هنا هو: الماء، وهو على رأي السكاكي - مشبه بالفاعل الحقيقي وهو الشخص الدافق، ثم استعير لفظ المشبه وهو الماء إلى المشبه به وهو الشخص الدافق" وتؤول الجملة هكذا: خلق من صاحب ماء، وهذا فاسد لأن المراد هو بيان القدرة في خلقه من شيء مهين هو ماء مدفوق لا من صاحب الماء.

стр. 166

ثانيًا: أنه يستلزم ألا تصح الإضافة في نحو قولهم: (نهاره صائم) و (ليلة قائم) لأن المراد بالنهار على رأيه هذا هو فلان نفسه؛ وكذلك المراد بالليل هو فلان نفسه؛ وإضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز. ثالثًا: أنه يستلزم أن لا يكون الأمر بالبناء في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ لها مان؛ لأن المراد به حينئذ هو: العملة أنفسهم، وليس كذلك، لأن النداء له والخطاب معه. رابعًا: أنه يستلزم أن يتوقف نحو قولهم: "أنيت الربيع البقل" و"شفى الطبيب المريض" و"سرتني رؤيتك" مما يكون الفاعل الحقيقي فيه هو الله تعالى على السماع من الشارع، لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يطلق عليه اسم لا حقيقة ولا مجازًا ما لم يرد به إذن الشارع، وليس كذلك لأن مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع في كلامهم، سواء سمع من الشارع أو لم يسمع. خامسًا: أن كلام الكاكي ينتقض بنحو قولهم: (نهاره صائم وليلة قائم) وما أشبه ذلك مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقي، وذلك لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه، وهو مانع من حمل الكلام على الاستعارة. ونحن - وإن كنا لا نوافق السكاكي ص ١٦٩ على نظمه المجاز العقلي في سلك الاستعارة بالكناية - لا نسلم بأنه خارج عن عقد البيان، ومنظوم في سلك المعاني وذلك لأننا عندما نتصفح دلائل الإعجاز نجد عبد القاهر الجرجاني - وإن كان قد جعله "فنًا" من المجاز اللغوي، لأن كلًا منهما عنده طريق للاتساع في الكلام، فالمجاز عنده إما أن يكون في نفس الكلمة، كالكناية والاستعارة والتمثيل على حد الاستعارة، والمجاز المرسل، وإما أن يكون في حكم يجري على

стр. 167

الكلمة، - لا في الكلمة نفسها - وهو المجاز العقلي - أو المجاز الحكمي -. ولهذا فإننا نراه يعطي المجاز العقلي ما أعطاه المجاز اللغوي من الحكم بأن كلًا منهما يفخم به المعنى، ويشرف به اللفظ، وتحدث فيه النباهة. يقول عبد القاهر: "وأعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك: من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى، وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله ههنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال المعنى وموقعه في قوله: "فنام ليلى وتجلى همي، كحاله موقعه إذا أنت تركت المجاز، وقلت: فنمت في ليلي وتجلى همي، كما لم يكن الحال في قولك: رأيت أسدًا، كالحال في "رأيت رجلًا كالأسد". ومن الذي يخفي عليه مكان العلو وموضع المزية وسورة الفرقان بين قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وبين أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم. وإن أردت أن تزداد للأمر تبينًا، فانظر إلى بيت الفرزدق: يحمي - إذا اخترط السيوف - نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة، وقال: نحمي - إذا خترط السيوف - نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل ص ١٧٠، ثم أسير حالك هل ترى مما كنت تراه شيئًا؟ . فكل من المجاز اللغوي والمجاز العقلي يفخم به المعنى، ويشرف به اللفظ، وتحدث به النباهة - كما رأيت -. وكذلك نرى عبد القاهر يقسم المجاز العقلي إلى العامي المبتذل، والخاصي الذي لا يكمل له كل أحد، تمامًا كما قسم الاستعارة إلى العامية، والخاصية، ويجعلهما قربنين في هنا الأمر الذي تشعر معه بإيراد المعنى الواحد

стр. 168

بطرق مختلفة، كما هو الشأن في علم البيان وكيف لا يدخل في علم البيان الذي يختص بتصوير المعنى أو بالتصوير البياني الذي به يصبح الشاعر أو الأديب في عالم الخيال، وينسج منه صورًا تمتع الذهن وتلهب العواطف وتثير الوجدان؟ وعبد القادر يقول: "وهذا الضرب من المجاز - على حدته - كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المغلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طريق البيان" (١). بلاغة المجاز العقلي وأثره في التعبير: حاول الإمام عبد القاهر الجرجاني - وهو يكتب أسرار البلاغة - أن يفصح لنا عن سر بلاغة المجاز العقلي، فتوصل في بحثه هذا إلى حقيقة هامة في حقائق المجاز العقلي، وهذه الحقيقة هي أن المجاز العقلي إنما هو إثبات للفعل مع دليله (٢). ولكنه - وهو يكتب دلائل الإعجاز - قد تكشفت له حقائق أخرى عن بلاغة المجاز العقلي وأثره في اتساع فنون القول، فأجمل ذلك في عبارته التي يقول فيها: "وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المغلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبًا من الإفهام (٣).

стр. 169

وسوف نحاول أن نفصل لك شيئًا من هذا الذي أجمله عبد القاهر فنقول: إن أسرار بلاغة المجاز العقلي - كما تصورها الإمام عبد القاهر - تتمثل فيما يلي: ١ - سعة الخيال: وذلك لأن كل صورة من صور المجاز العقلي تثير في النفس خيالًا طريفًا متمثلًا في صدور الأفعال من غير فاعليها؛ ومثال ذلك: أن تتخيل التجارة نفسها تربح وتخسر؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾؛ وكأن تتخيل الضرب نفسه يحمي النساء؛ كما في قول الفرزدق، (يحمي إذا أخترط السيوف - أساءنا ضرب) وكأن تخيل النهار يصوم والليل يقوم في قولهم: "نهاره صائم وليلة قائم"، وكأن تتخيل الإبل إقبالًا وإدبارًا: في قول الخنساء: ترتع مارنعت حتى إذا أدكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار وهكذا. ٢ - المبالغة: وذلك لأنك إذا قلت: (رضيت عيشته) فإنك تكون قد بالغت في وصف الرجل بالرضا، حتى إن هذا الرضا قد زاد حتى عم العيشة نفسها، فاتصفت به وإذا قلت: (صام نهاره، وقام ليله) كنت قد بالغت في وصف الرجل بالصيام حتى إن هذا الصيام قد عم النهار نفسه، فاتصف به وكنت - أيضًا - قد بالغت في وصف الرجل بالقيام حتى إن هذا القيام قد عم الليل نفسه فاتصف به. وإن قلت (يجرى النهر) كنت قد بالغت في وصف الماء بالجريان حتى عم الجريان النهر بضفافه ومائه وكل ما يحتويه، وليس الماء وحده، أي أنك قد بالغت، فجعلت النهر بحملته ماء يجري.

стр. 170

٣ - تفخم العبارة: وذلك كما في قولك: (كرم محمد أصلًا) و (طاب على نفسًا) و (نبل الرجل خلقًا). فقد وصفت محمدًا بالكرم، وجعلته شاملًا له، ولكنك ميزت هذا الكرم بقولك (أصلًا) فظهر ما تعنيه بكرمه، وهو: كرم أصله. وفي هذا القول من الفخامة والتأنق في العبارة ما ليس في قولك: كرم أصل محمد. ومثل هذا يقال في: طاب على نفسًا، ونبل الرجل خلقًا. ومنه قوله الله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فقد وصف الرأس بالاشتعال وجعله شاملًا للرأس كلها، ثم ميز هذا الاشتعال بكون (شيبًا). وفيه من الفخامة، والتأنق في العبارة ما ليس في قولك: واشتغل شيب الرأس. والفرق بين الإتيان - في العبارة - بالمجاز العقلي، وبين الإتيان بها على حقيقتها العقلية، وهو ما سماه عبد القاهر: مكان؟ ؟ ص ١٧٣، وموضع المزية، وسورة الفرقان، والذي فرق فيه بين قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وبين أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم، وفرق فيه بين قول الفرزدق: يحمي - إذا اخترط السيوف - نساءنا ... ضرب نطير له السواعد أرعل وبين قوله: (نحمي - إذا أخترط السيوف - نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل) قائلًا: أنظر إلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم أرجع إلى الذي هو الحقيقة، ثم أسير حالك: هل ترى مما كنت تراه شيئًا؟ .

стр. 171

٤ - تأكيد العلاقة بين الفاعل المجازي والفاعل الحقيقي ، وذلك كما تجد من تأكيد السببية في قولهم: (جمعتهم الطاعة وفرقتهم المعصية) فإن هذا الأسلوب أدل على أهمية الطاعة وسببيتها في بقاء القوم مجتمعين، وأدل - كذلك - على بيان أثر المعصية وسببيتها في تفريق شملهم من قولنا: اجتمع شملهم بسبب طاعتهم وتفرق جمعهم بسبب معصيتهم. ومثل ذلك قولهم: "أذل الحرص أعناق الرجال" فإن ذلك تأكيد لسببية الحرص في إذلال الرجال، وأبلغ - في ذم الحرص- من قولك: أذل الله الرجال بسبب الحرص (١). ٥ - التركيز في اختيار العلاقة ، وذلك أنك إذا قلت: (يجري النهر) فإنك بذلك تصور جريان الماء داخل النهر وفي حيزه، وليس في مكان آخر. وإذا قلت: (رضيت عيشته) فإنك تكون قد جعلت الرضا إنما هو بالعيشة لا بغيرها ... وهكذا. ٦ - الإيجاز: وذلك لأنك إذا قلت: كسى الأمير الكعبة، كان هذا القول أوجز من قولك: كسى العمال الكعبة بإذن من الأمير (٢): ٧ - إثبات الفعل بدليله . وذلك ما ذكره عبد القاهر - في الأسرار - وملخصه: أن الإسناد إلى الفاعل المجازي، تأكيد لصدور الفعل من الفاعل الحقيقي، وذلك لأنه إذا صح أن يقع الفعل من الفاعل المجازي - وهو فرع - فإن حدوثه من الأصل أكد. يقول عبد القاهر: "والغكته ص ١٧٤: أن المجاز لم يكن مجازًا لأنه إثبات

стр. 172

الفعل لغير مستحقه بل لأنه قد أثبت لما لا يستحق وردًا له إلى ما يستحق. وأنه ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق، يتضمن الإثبات للأصل الذي هو المستحق" (١). ولما كان أسلوب المجاز - في القرآن الكريم - مما أنكره قوم، وآمن به آخرون، فقد نبه عبد القاهر الجرجاني، إلى كثرة وروده في القرآن الكريم، وتبعه في ذلك جمهور البلاغيين. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فإن إسناد زيادة الإيمان إلى الآيات مجاز، من إسناد الفعل إلى سببه، لأن الزيادة فعل الله تعالى والآيات سبب فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فإن فيه إسناد التذبيح إلى فرعون، وهو سبب آمر والمذبح - في الحقيقة - هم أعوانه. ومنه قوله تعالى: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ فإن فيه إسناد نزع اللباس عن آدم وحواه لإبليس مجازًا، وهو في الحقيقة لله ، لأن إبليس سبب بوسوسته ومقاسمته أنه لهما من الفاصحين في أكل الشجرة، وأكل الشجرة سبب نزع اللباس، وسبب السبب سبب. ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ نسب جعل الولدان شيبًا - جميع أشيب - إلى اليوم مجازًا، لأن الضمير في يجعل له من إسناد الفعل إلى زمانه، والجعل في الحقيقة لله تعالى. أي: كيف تتقون يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم؟ ! ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، فإن فيه إسناد الإخراج إلى الأرض مجازًا، والإخراج - في الحقيقة - لله تعالى، من إسناد الفعل إلى مكانه.

стр. 173

الفصل الثالث أحوال المسند إليه (١) حذفه. (٢) ذكره. (٣) تعريفه. (٤) تنكيره. (٥) تقديمه. (٦) وضع المظهر موضع المضمر وعكسه. (٧) الالتفات. (٨) الأسلوب الحكيم. (٩) القلب. (١٠) التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه. (١) حذف المسند إليه: إن من أسباب قوة العبارة: أن تأتي موجزة محكمة التركيب؛ محذوفًا منها ما قامت القرائن على وجوده مقدرًا، لأن ذكره حينئذ مما يؤدي إلى ثقل العبارة بما يمكن الاستغناء عنه كما أنه يؤدي إلى إطالتها وترهلها، والبلاغة الإيجاز - كما يقولون -. على أن السامع لا يستهويه من الكلام ما جاء مكشوفًا ظاهرًا، لأنه لا يشد له انتباهًا ولا يثير في نفسه تساؤلًا؛ كما أن مثل هذا القول يتضمن إساءة الظن بذكائه، ومقدرته على التقاط المعاني بالإشارة الدالة، واللمحة الموحية. ولهذا: نوه عبد القادر الجرجاني بشأن الحذف، فقال: "هو باب" دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك

стр. 174

أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأثم ما تكون بيانًا إذا لم تبن". وقد وجد عبد القاهر الجرجاني بحسه الأدبي، وذوقه البلاغي، وتتبعه لأساليب الغرب الفصحاء أن أحوالًا أربعة تطلبت منهم حذف المبتدأ. الأولى: إذا ذكروا الديار والمنازل، فإنهم يضمرون المبتدأ وكأنهم بذلك إنما يعتمدون على أن المقام قد دعا إلى هذا الحذف وألح عليه، وذلك لأن ذكر الديار والمنازل مما يثير في النفوس ذكريات محببة إليها، فيزداد تعلقها بهذه الأماكن ونمتلئ بأسمائها، فتكون مائلة أمامها، وكأنها مذكورة غير محذوفة. ومن ذلك ما ذكره عبد القاهر لصاحب الكتاب: اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكفونة الطلل ربع قواه، أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل فواه: لا أنيس به، وأذاع بمتاعه: ذهب به، والمعصرات: السحاب، والحيران. الساري. وهو المزن، والخضل: الكثير، والمراد: أن السحاب أنزلت ماءها بكثرة حتى ذهبت به وطمسته، وكذلك المزن الكثير الماء. قال: أراد: ذاك ربع قواه، أو هو ربع. فالشاعر قد اعتاده ذكر صاحبته ليلى، وقد حرك أشجانه، وأثار لو أهج قلبه ذلك الطلل الباقي من ديارها، وأراد أن يتحدث عن هذا الطلل، وأن يسند إليه قوله ربع قواه، فلم يشأ أن يعيد ذكره، لأنه ملء سمعه وبصره، وكأنه ماثل أمامه، مذكور لديه. ومما ذكره لصاحب الكتاب أيضًا: قول عمر بن أبي ربيعة: هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا؟ ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا؟

стр. 175

دار لمروة إذا أهلي وأهلهم ... بالكانسية ترعى اللهو والغزلا والجفن، القراب، والصيقل: السيف المصقول، والخلل بالكسر: واحدها: خلة، وهي تطلق على جفن السيف المغطى بالجلد، وتطلق على بطانة يغشى لها متن السيف، وهي المرادة هنا. فالشاعر قد استأنف كلا ما جديدًا في البيت الثاني عن تلك الديار التي لم يبق منها إلا رسمها ليبين مدى تعلق قلبه بها فهي دار محبوبته مروة، وقد كان أهله، وأهلها هناك بالكافية يتجاوزان تجاورًا هيأ لهما أسباب اللقاء، ومتعة الحياة والصبا. قال عبد القاهر: كما يضمرون المبتدأ فيرفعون، فقد يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب أيضًا - وهو لذي الرمه غيلان بن عقبه -: ديارمية، إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب أنشده بنصب "ديار" على إضمار فعل كأنه قال: أذكر ديارمية. ومن حذفهم المبتدأ لاستئنافهم ذكر الديار والمنازل قول امرئ القيس: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن إلا سعيد، مخلد ... قليل الهموم، ما بينت بأوجال وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال فالشاعر قد حيا الطلل البالي الذي له في قلبه ذكريات قديمة تعلق بها قلبه وامتلأ بها وجدانه بقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي، ولكنه استبعد أن ينعم هذا الطلل بعد أن رحل عنه أهله، وأصبح في حالة تدعو إلى الشجن والحزن، ثم استأنف الحديث عن هذا الطلل فذكر أنه ديار محبوبته سلمى بذي خال وأنه توالت عليه أمطار غزيرة أزللت معالمه، وقد بني أسلوبه في هذا الاستئناف على حذف المسند إليه.

стр. 176

الثانية: إذا ذكروا الرجال وأداوا وصف أحوالهم، يقول عبد القاهر: "ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ: القطع والاستئناف، يبدءون بذكر الرجل، ويقومون بعض أمره، ثم به عون الكلام الأول، ويستأنفون كلامًا آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ" (١). ولم يذكر لنا عبد القاهر سر بلاغة الحذف في هذا الموضع أيضًا، ولكننا نقول: إن مثل هذه الحال أن يكون فيها الشاعر مهتمًا بذكر من يمدحه، أو يذمه، يكون اهتمامه كله منصرفًا إليه، ويكون شغله الشاغل، ولهذا فإنه ليس في احتياج إلى ذكره، لأن الحديث عنه فذكره في مثل هذه الحال يكون من العبث، وهذا ما سماه المتأخرون من البلاغيين: الاحتراز عن العبث في ذكره لدلالة القرينة عليه: يقول سلمة الجعفي يرثى أخاه (٢): أقول لنفسي - في الخلاء - ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر ألم تعلمي أن لست ما عشت لاقيا ... أخي إذ أتى من دون أوصاله القبر وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف يبين كان ميعاده الحشر؟ وهون وجدي أنني سوف أفتدى ... على أثره يومًا وإن نفس العمر فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي أو تشفى به الجزر

стр. 177

الخلاء: الخلوة، والأوصال المفاصل والبين: الفراق، وهون، خفف، ويقال لك في هذا الأمر نفسه، أي: مهلة، ومنه نفس أي: أطيل: ثوب الداعي: التثويب الدعاء بعد الدعاء فالشاعر يرثي أخاه، فيذكر أنه يلوم نفسه على تجلده قائلًا لها: ألم تعلمي أن لقاء أخي بعد ما ضم أوصاله القبر محال؟ ! لقد كان فراق ليلة واحدة عنه كالموت نفسه، فكيف يكون ميعاد لقائه الحشر؟ ولكنه يرجع ويقول: إن الذي هون من حزني عليه هو أنني سوف ألحق به. وإن طال بي العمر. ثم استأنف الحديث عن أخيه فذكر أنه كان إذا استغاث به مستغيث أو دعاه داعي الحرب أمضى السيف في الأعداد حتى يؤدي حق الضرب، وتشقى به الإبل لنحره إياها للضيوف، وبنى حديثه عن أخيه. على حذف المبتدأ - كما رأيت -. ومنه قول عقيل بن علفة بن الحرث (١): لتفد المنايا حيث شاءت، فإنها ... محللة بعد الفتي ابن عقيل فتى كان ملاه يحمل بنجوة ... فحل الموالي بعده بميل طويل نجاد السيف وهم كأنما ... تصول إذا استنجدته بقبيل لتفد، أي لتصب، ومحللة: أي: مطلقة والنجوة: المكان المرتفع من الأرض والمسيل موضع السيل ونجاد السيف: حمائله، والوهم، القوي والاستنجاد: طلب النجدة، والترة: الثأر، الخيار: الكرام. يقول الشاعر: لم تبقى صعوبة للمنايا بعد الفتى ابن عقيل، فلتذهب إلى من شاءت.

стр. 178

ثم استأنف الحديث عنه بأنه لم يبق لأحد من أقاربه عز بعده، فتحولوا إلى الذل، وقد كان طويل القامة، قوي البأس، إذا طلبت منه النجدة قام مقام قبيلة لكمال شجاعته. وقد بنى الاستئناف على حذف المبتدأ - كما رأيت -. ومنه قول أبي البرج، القاسم بن حنبل المرى في زفر بن أبي هاشم بن مسعود بن سنان (١): أرى الخلان بعد أبي خبيب ... وحجر، في جنأبهم جفاه من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء ثم حلوا من الشرف المعلي ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤا بناة مكارة وأساة كلهم ... دماؤهم من الكلب الشفاء الجناب: ناحية القوم: البيض الوجوه: الكرام أهل الجمال والصيادة، استقلال الشمس: ركودها وقت الظهيرة، والعماء للسحاب، والشرف المعلي أراد الشرف الذي هو كالقدح المعلى لأنه أشرف الأقداح وأكثرها حظوظًا وأنصباء، الأسى: الطبيب، والكلم الجرح، والكلب داء يشبه الجنون يعتري الإنسان إذا عضه الكلب والعرب تقول: أن لا دواء أنجع في المصاب بالكلب عن شربه دم ملك. يقول الشاعر أن أبا خبيب وحجرا من الكرام أهل الجمال والسيادة، وأن نورهم كنور الشمس وقت استوائها، ومع أن النور يحجبه السحاب

стр. 179

إلا أن نورهم لا يحجب، إن منزلتهم في الشرف كمنزلة القدح العلي. لأنه أشرفها، هذا غاية المدح في الشرف والنباهة. ثم أستأنف الحديث فقال: بناه مكارم، أي هم بناة مكارم. لأنه لما كان الحديث عنهم والشاعر مهتم كل الاهتمام ببيان مكانتهم عن قبيلتهم كان إعادة ضميرهم من العبث الذي ينبغي أن يترفع عنه الشاعر. ومنه ما ذكره عبد القاهر - من قول أسيد بن عنقاء الفزاري، وكان من أشد أهل زمانه عارضه؛ ولسانًا، طال عمره ونكبه دهره واختلت حاله فخرج يتنقل لأهله فمر عليه عملية الغزاري فسلم عليه وقال: يا عم: ما أصارك إلى ما أرى؟ قال، بخل مثلك بماله، وصون وجهي عن أموال الناس، قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت لقد غرك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرًا، فبات متمللًا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاه، وصهيل الخيل ولجب الأموال؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا عميلة ساق إليك أمواله، فخرج ابن عنقاء له فقسم ما له شطرين وساهمه عليه فأنشأ يقول: وآني علي ما بي عميلة فاشتكى ... إلى حاله حالي، أسر كما جهر دعاني فآساني ولو ضمن لم ألم ... على جين لأبدو يرجى ولا حضر فقلت له خيرًا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سايغ الذيل واتزر ص ١٨٢

стр. 180

غلام رماه الله بالخير مقبلًا ... له سيمياء لا تشق على البصر كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري، وفي وجهه القمر وإذا قبلت العوراء أغفى؛ كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر فالشاعر يثني على عملية الفزاري؛ فيذكر بأنه قد شكي إليه حاله فواساه؛ ورأى موقفًا من مواقف المجد؛ فأبي إلا أن يكون ماجدًا فتردى ثياب المجد، وأتزر بها. وأراد أن يستأنف الحديث عنه بذكر أوصاف المجد التي أتسم بها - وكانت زوجته قد قالت له - كما أسلفنا لك: - لقد غرك غلام - استأنف الحديث عنه فقال غلام رماه الله بالخير؛ أي هو غلام؛ لأن ذكره حينئذ يكون من العبث لدلالة القرائن عليه. ومنه ما قال موسى بن جابر العنبري - مفتخرًا بخاليه: - إذا ذكر ابنا العنبرية لم يضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر هلالان حمالات في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر وابنا العنبرية خالا موسى، والعنبرية أمهما، والعنبر هو: أبو عمرو؛ أبو حي من تميم؛ وأراد بقوله: لم يضق ذراعي: أنه لم يعجز، وقوله: ألقى باسته تقبيح للتولي والأدبار، والشتوة: الجدب أي: هما في الاشتهار كالهلالين ويحملان من المغارم ما لا تستطيع حمله الإبل. لما استأنف الحديث عن ابني العنبرية ليذكر أحوالهما في بناء المكرمات لم يشأ أن يعيد ذكرهما لأن الحديث عنهما. والفخر بهما؛ فلو قال: هما هلالان، فذكر ضميرهما، لمكان ذلك عبثًا ينبغي أن يتبرأ عنه الشاعر.
следующие страницы →