الثانية: إذا ذكروا الرجال وأداوا وصف أحوالهم، يقول عبد القاهر: "ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ: القطع والاستئناف، يبدءون بذكر الرجل، ويقومون بعض أمره، ثم به عون الكلام الأول، ويستأنفون كلامًا آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ" (١).
ولم يذكر لنا عبد القاهر سر بلاغة الحذف في هذا الموضع أيضًا، ولكننا نقول: إن مثل هذه الحال أن يكون فيها الشاعر مهتمًا بذكر من يمدحه، أو يذمه، يكون اهتمامه كله منصرفًا إليه، ويكون شغله الشاغل، ولهذا فإنه ليس في احتياج إلى ذكره، لأن الحديث عنه فذكره في مثل هذه الحال يكون من العبث، وهذا ما سماه المتأخرون من البلاغيين: الاحتراز عن العبث في ذكره لدلالة القرينة عليه:
يقول سلمة الجعفي يرثى أخاه (٢):
أقول لنفسي - في الخلاء - ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر
ألم تعلمي أن لست ما عشت لاقيا ... أخي إذ أتى من دون أوصاله القبر
وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف يبين كان ميعاده الحشر؟
وهون وجدي أنني سوف أفتدى ... على أثره يومًا وإن نفس العمر
فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي أو تشفى به الجزر
стр. 177
الخلاء: الخلوة، والأوصال المفاصل والبين: الفراق، وهون، خفف، ويقال لك في هذا الأمر نفسه، أي: مهلة، ومنه نفس أي: أطيل: ثوب الداعي: التثويب الدعاء بعد الدعاء فالشاعر يرثي أخاه، فيذكر أنه يلوم نفسه على تجلده قائلًا لها: ألم تعلمي أن لقاء أخي بعد ما ضم أوصاله القبر محال؟ ! لقد كان فراق ليلة واحدة عنه كالموت نفسه، فكيف يكون ميعاد لقائه الحشر؟ ولكنه يرجع ويقول: إن الذي هون من حزني عليه هو أنني سوف ألحق به. وإن طال بي العمر.
ثم استأنف الحديث عن أخيه فذكر أنه كان إذا استغاث به مستغيث أو دعاه داعي الحرب أمضى السيف في الأعداد حتى يؤدي حق الضرب، وتشقى به الإبل لنحره إياها للضيوف، وبنى حديثه عن أخيه. على حذف المبتدأ - كما رأيت -.
ومنه قول عقيل بن علفة بن الحرث (١):
لتفد المنايا حيث شاءت، فإنها ... محللة بعد الفتي ابن عقيل
فتى كان ملاه يحمل بنجوة ... فحل الموالي بعده بميل
طويل نجاد السيف وهم كأنما ... تصول إذا استنجدته بقبيل
لتفد، أي لتصب، ومحللة: أي: مطلقة والنجوة: المكان المرتفع من الأرض والمسيل موضع السيل ونجاد السيف: حمائله، والوهم، القوي والاستنجاد: طلب النجدة، والترة: الثأر، الخيار: الكرام.
يقول الشاعر: لم تبقى صعوبة للمنايا بعد الفتى ابن عقيل، فلتذهب إلى من شاءت.
стр. 178
ثم استأنف الحديث عنه بأنه لم يبق لأحد من أقاربه عز بعده، فتحولوا إلى الذل، وقد كان طويل القامة، قوي البأس، إذا طلبت منه النجدة قام مقام قبيلة لكمال شجاعته.
وقد بنى الاستئناف على حذف المبتدأ - كما رأيت -.
ومنه قول أبي البرج، القاسم بن حنبل المرى في زفر بن أبي هاشم بن مسعود بن سنان (١):
أرى الخلان بعد أبي خبيب ... وحجر، في جنأبهم جفاه
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء
ثم حلوا من الشرف المعلي ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤا
بناة مكارة وأساة كلهم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
الجناب: ناحية القوم: البيض الوجوه: الكرام أهل الجمال والصيادة، استقلال الشمس: ركودها وقت الظهيرة، والعماء للسحاب، والشرف المعلي أراد الشرف الذي هو كالقدح المعلى لأنه أشرف الأقداح وأكثرها حظوظًا وأنصباء، الأسى: الطبيب، والكلم الجرح، والكلب داء يشبه الجنون يعتري الإنسان إذا عضه الكلب والعرب تقول: أن لا دواء أنجع في المصاب بالكلب عن شربه دم ملك.
يقول الشاعر أن أبا خبيب وحجرا من الكرام أهل الجمال والسيادة، وأن نورهم كنور الشمس وقت استوائها، ومع أن النور يحجبه السحاب
стр. 179
إلا أن نورهم لا يحجب، إن منزلتهم في الشرف كمنزلة القدح العلي. لأنه أشرفها، هذا غاية المدح في الشرف والنباهة.
ثم أستأنف الحديث فقال: بناه مكارم، أي هم بناة مكارم.
لأنه لما كان الحديث عنهم والشاعر مهتم كل الاهتمام ببيان مكانتهم عن قبيلتهم كان إعادة ضميرهم من العبث الذي ينبغي أن يترفع عنه الشاعر.
ومنه ما ذكره عبد القاهر - من قول أسيد بن عنقاء الفزاري، وكان من أشد أهل زمانه عارضه؛ ولسانًا، طال عمره ونكبه دهره واختلت حاله فخرج يتنقل لأهله فمر عليه عملية الغزاري فسلم عليه وقال: يا عم: ما أصارك إلى ما أرى؟ قال، بخل مثلك بماله، وصون وجهي عن أموال الناس، قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت لقد غرك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرًا، فبات متمللًا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاه، وصهيل الخيل ولجب الأموال؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا عميلة ساق إليك أمواله، فخرج ابن عنقاء له فقسم ما له شطرين وساهمه عليه فأنشأ يقول:
وآني علي ما بي عميلة فاشتكى ... إلى حاله حالي، أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضمن لم ألم ... على جين لأبدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرًا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سايغ الذيل واتزر ص ١٨٢
стр. 180
غلام رماه الله بالخير مقبلًا ... له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري، وفي وجهه القمر
وإذا قبلت العوراء أغفى؛ كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
فالشاعر يثني على عملية الفزاري؛ فيذكر بأنه قد شكي إليه حاله فواساه؛ ورأى موقفًا من مواقف المجد؛ فأبي إلا أن يكون ماجدًا فتردى ثياب المجد، وأتزر بها.
وأراد أن يستأنف الحديث عنه بذكر أوصاف المجد التي أتسم بها - وكانت زوجته قد قالت له - كما أسلفنا لك: -
لقد غرك غلام - استأنف الحديث عنه فقال غلام رماه الله بالخير؛ أي هو غلام؛ لأن ذكره حينئذ يكون من العبث لدلالة القرائن عليه.
ومنه ما قال موسى بن جابر العنبري - مفتخرًا بخاليه: -
إذا ذكر ابنا العنبرية لم يضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر
هلالان حمالات في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
وابنا العنبرية خالا موسى، والعنبرية أمهما، والعنبر هو: أبو عمرو؛ أبو حي من تميم؛ وأراد بقوله: لم يضق ذراعي: أنه لم يعجز، وقوله: ألقى باسته تقبيح للتولي والأدبار، والشتوة: الجدب أي: هما في الاشتهار كالهلالين ويحملان من المغارم ما لا تستطيع حمله الإبل.
لما استأنف الحديث عن ابني العنبرية ليذكر أحوالهما في بناء المكرمات لم يشأ أن يعيد ذكرهما لأن الحديث عنهما. والفخر بهما؛ فلو قال: هما هلالان، فذكر ضميرهما، لمكان ذلك عبثًا ينبغي أن يتبرأ عنه الشاعر.
стр. 181
الثالث: ما اعتادوا فيه أن يقولوا - بعد أن يذكروا الرجل: - فتى من صفته كذا وكذا، وأغر من صفته كيت كيت.
وهذه الحال كسابقتها تقتضي من الشاعر ألا يعيد ذكر ما قد سبق ذكره؛ من الرجال أو من النساء، لأنه بصدد الحديث عنه، فكأنه مذكور، ويكون إعادة ذكره عبثًا يتبرأ منه الشاعر.
ومثاله ما ذكره عبد القاهر من قول أبي حزابة الوليد بن حنيفة التميمي:
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا
فتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرًا
ابن ناشرة هو: عبد الله، والحنظلي، نسبة إنى حنظلة بن مالك بن عمرو ابن تميم، والعرف: المعروف وإحسان الصنيعة، والركاب، الرواحل تحمل الطعام إلى الناس.
فالشاعر يرثى ابن ناشرة هذا؛ فيقول: إنه ليس هناك من يقوم مقامه بعد موته، والمعروف قد تولى بعده وأدبر، قم أراد أن يستأنف الحديث عنه بذكر صفاته التي من شأنه أن يتصف بها من أنه حنظلي ما فتئت رواحله تحمل المعروف وتستخدم في النهي عن المنكر.
فاستأنف ذكر صفاته بقوله: فتى حنظلي، أي. هو فتى، فحذف المسند إليه لدلالة القرائن عليه.
ومثله قول عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي) الأسدي في عمرو بن عثمان ابن عفان ﵄:
سأشكر عمرًا إن تراخت منبتي ... أيادي لم تمنن - وإن هي جلت
стр. 182
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا الفعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
لم تمنن: أي لم تقطع بل هي مستمرة على عظمها، وزلت به الفعل، كناية عن سوء الحال.
أراد: هو فتى، فحذف المسند إليه لتقدم ذكره في البيت السابق؛ لأن ذكره يكون عبثًا لدلالة الكلام السابق عليه.
ومثله قول جميل بن عبد الله بن معمر العذرى:
وهل بثينة يا للناس قاضيتي ... ديني وفاعلة خيرًا فأجزيتها؟
ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميمي وأرميها
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريا العظام بلين العيش غاذيها
ترنو: تنظر مع سكون الطرف، والمهاة: البقرة الوحشية؛ وتشبه بها للمرأة، وأقصد فلانًا: طعنه فقتله؛ يقال: أقصد السهم. إذ رمى فأصاب مكانه والهيفاء: الضامرة البطن الرقيقة الخصر والعجزاء: عظيمة العجز، وربا العظام: غضة ناعمة.
وجميل هنا يتمنى أن تصله بثينة، فتقضي بذلك دينًا عليها، فقد ترامت لحاظهما من قبل فأصابت لحاظها قلبه فقتلته.
ولما كان الحديث عن محبوبته التي أقصدت قلبه؛ فقد بدأ له أن يصف مفاتنها التي كانت بواعث شوقه والشاهد هنا قوله: هيفاء أي هي هيفاء، فحذف المسند إليه لدلالة القرينة عليه.
стр. 183
ومثله قول جميل - أيضًا -:
إني عشية رحت - وهي حزينة - ... تشكو إلى صبابة لصبور
وتقول: بت عندي - فدبتك - ليلة ... أشكو إليك فإن ذاك يسير
غراه مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور
مخطوطة المتعصين، مضمرة الحشا ... ربا الروادف خلقها ممكور
غراء: مضيئة الوجه، ومبسام: كثيرة التبسم والضحك، مخطوطة المتنين: أي إن جانبي سلسلة الظهور ليسا ببارزين، والحشا: البطن، وريا الروادف: أي ممتلئة الأعجاز، وممكور، أي: هي مجدولة الخلق.
ومنه قول الأقيشر في ابن عم له موسر، سأله، فمنعه، وقال: كم أعطيتك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطيك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم فشكا. إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته يمضيع
يقول إنه قد طبع على اللؤم، فهو يسرع إلى لطم ابن عمه، ولكنه لا يسرع إلى داعي الكرم، وهو يحرص على متاع الدنيا، ولكنه يضيع آخرته.
والشاهد هنا أنه قال: حريص، أي: هو حريص، لأن المقام قد دل على المسند إليه فحذفه لدلالة الحال عليه.
стр. 184
وعبد القادر بعد أن سرد ما سرد من الأمثلة التي دخلها الحذف، يطلب من قارئه أن يتدبر مواضع الحذف منها، ليعلم صدق ما قاله عن الحذف، وأنه رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد (١).
ثم يأتي بما هو أصدق مما ذكره شهادة، وأدل منها دلالة، وهو قول عبد الله بن الزبير الأسدي - يذكر غريمًا له قد ألح عليه:
عرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل
فدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلم أنني غير فاعل
تثاءب حتى فلت داسع نفسه ... وأخرج أنيابًا له كالمعاول
دسع: قاء ملء الفم، ودسع بقيته: رمى به، والأصل: هو واسع نفسه، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من الجهد يقذف نفسه من جوفه ويخرجها من صدره كما يدسع البعير جرته.
وإنما كان هذا المثال أصدق شاهدًا مما قبله وأدل على بابه، لأن الأمثلة السابقة كان المسند إليه فيها يحذف في أول الأبيات، أما في هذا المثال فالحذف قد جاء في وسط الكلام - كما رأيت -.
وفي هذا دليل على أن مقام الحذف ليس الانتقال من مقطع إلى آخر كما ذهب إليه الدكتور محمد أبو موسى، فقد جاء الحذف هنا في وسط الكلام وفي مقطع واحد - كما ترى -، لأن الشاعر يحكي قصته مع غريمه
стр. 185
الذي عرض عليه أن يأخذ منه بعض ماله من حق قبل أن تشغله الشواغل، بيد أنه تباطأ وتثاقل وتثاءب حتى ظن الشاعر أنه سوف يلقي نفسه من جوفه والذي عندي: هو أن عدم الذكر هنا إنما كان مطلوبًا لدلالة الكلام عليه، فذكره عبث يجب أن يتنزه عنه الشاعر أو الأديب.
الرابعة: أن يكون الكلام قائمًا على أساس حذف المبتدأ أو إبعاده من الخطور بالمال، وذلك بأن يكون المسند محل اهتمام المتكلم، كأن يكون محل نقاش وجدال وأخذ ورد، ثم يأتي غير ما كان يتوقع وحينئذ يطوي ذكر المسند إليه وينسى من الخاطر، لأن الأهم هو ما دار حوله النقاش.
أنظر إلى قول بكر بن النطاح - في جارية كان يحبها وسعى به إليها فمنعوها منه -:
العين تبدى الحب والبغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا
درة ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى
مرت بنا في قرطق أخضر ... يعشق منها بعضها بعضًا
غضبي ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى
كيف أطاعتكم بهجري وقد ... جعلت خدي لها أرضًا؟ !
والمقصود هنا هو قوله: (غضبي) وذلك لأن التقدير: هي غضبي، أو غضبي هي - لا محالة - إلا أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره، وترى الملاحة كيف تذهب إن رمت التكلم به.
أنظر كيف كان غضب درة ورضاها محل اهتمام الشاعر وقت أن سعى إلى أهلها طالبًا يدها وكيف كانت إجابتها على غير ما توقع، إذ غضبت عليه بعد أن جعل خديه لها أرضًا!
стр. 186
وأنظر كيف يقول: غضبي، وكأنه لا يكاد يصدق هذا الخبر، ولهذا كان اهتمامه منصبًا على المسند طاويًا ذكر المسند إليه ناسيًا له.
ومن جيد هذا التعبير: قول الآخر - يخاطب امرأته وقد لامته على الجود-:
قالت سمية: قد غويت، بأن رأت ... حقًا تناوب مالنا ووفودًا
غي لعمرك لا أزال أهوده ... ما دام مال عندنا موجودًا
غوى الرجل: منى باب ضرب غيًا: ضل وغاب وانهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد.
والمعنى: ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعا عنك لومي.
فأنت ترى أن الشاعر قد دار بينه وبين زوجته سمية نقاش حول رشده وغيه في تصرفه في مالهما، وأنها قد وصفته - على غير ما توقع - بالغي والضلال، فكان اهتمامه منصبًا على هذه الصفة وهي الغي، فقال: غي، طاويًا ذكر المسند إليه، ناسيًا له.
ذلكم كان تصور عبد القاهر الجرجاني لصور الحذف في المسند إليه، والتي تراءت له من تتبعه لأساليب العرب الفصحاء.
لاحظ تلكم الأحوال السابقة ملاحظة دقيقة، فرأى العرب الفصحاء يحذفون فيها المسند إليه وقارن بين الحذف وعدمه، فتراءى له فضل الحذف واضحًا جليًا، وظهرت له مزيتة رائعة باهرة.
بيد أنه لم يبين لنا سر الحذف في كل موضع كان الحذف فيه أمرًا تقتضيه بلاغة الأساليب.
стр. 187
ولهذا فإن المتأخرين قد قاموا بهذه المهمة خير قيام، فبينوا لنا الأغراض البلاغية لحذف المسند إليه على النحو التالي:
١ - الاحتراز عن العبث في ذكره بناء على الظاهر، الدلالة القرينة عليه: وذلك كقولك لمن يستشرف الهلال: "الهلال والله" أي: هذا الهلال والله، فلو صرحت بذكر المسند إليه لكان ذكره عبثًا في الظاهر، بمعنى أنه لا يظهر له فائدة.
ومنه قولك: "حضر الجلسة" تريد الرئيس، إذا كان هناك قرينة قائمة على أن الرئيس قد حضرها.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: هي نار.
وإنما كان العبث في الظاهر لأن الحقيقة أنه لا عبث في ذكره - وإن قامت عليه القرائن - لأن المسند إليه أعظم ركني الإسناد، لأنه هو المحكوم عليه، فلا يكتفي فيه بالقرينة، بل ينبغي - مع ذلك - أن ينص عليه اهتمامًا بأمره.
٢ - ضيق المقام بسبب مرض أو ضجر، كما في قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم، وحزن طويل
والتقدير: أنا عليل، وحالي سهر دائم.
وقد حذف المسند إليه في شطري البيت لضيق المقام.
ومن الحذف لضيق الصدر، قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾؛ أي: أنا عجوز، فحذفت المسند إليه لما تحسه من ضيق
стр. 188
صدرها عن الإطالة في الكلام بسبب ما أنتابها من العقم، وما لحقها من الكبر.
٣ - اختبار تنبه السامع: أيتنبه إلى المسند إليه - لقيام القرينة الدالة عليه - أم لا يتنبه إلا بالتصريح؟ ، ومثال ذلك أن يحضر إليك رجلان تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر - يعلم بهذه الصلة -: "غادر" تريد: الصديق غادر فتحذف المسند إليه لتختبر ذكاء السامع أيتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف "هو الصديق" بقرينة ذكر "الغدر" إذ هو المناسب لمعنى الصداقة. أم أنه لا يتنبه؟ .
٤ - اختبار مقدار تنبه السامع. ومبلغ ذكائه عند قيام قرينة خفية على المسند إليه، أيتنبه إليه بالقرينة الخفية أم أنه لا يتنبه؟ .
ومثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تجمعك بهما صداقة، غير أن أحدهما أقدم صحبة من الآخر فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: "جدير بالوفاء" تريد: أقدمهما صحبة، ولكنك تترك ذكره حينئذ اختبارًا لمبلغ تنبع السامع أيتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية - وهي أن ذا الوفاء هو ذو الصداقة القديمة دون حادثها، أم أنها لا يتنبه؟
٥ - الحذر من فوات فرصة سانحة: وذلك كأن تقول لصائد متحفز: "غزال"، وكأن تقول لواقف في طريق قطار مسرع - وهو غافل -: "أقبل" تريد: القطار أقبل، فتحذف المسند إليه مخافة أن تفلت فرصة الإفلات من الخطر، فيدهمه القطار.
٦ - إيهام صون المسند إليه عن لسانك تعظما لشأنه، أو صون لسانك عن ذكره احتقارًا لشأنه:
فالأول نحو قولك: "رافع راية التوحيد، مقوض دعائم الشرك" وتقصد النبي ﷺ فتترك ذكره صونًا له عن لسانك تعظيمًا له.
стр. 189
والثاني نحو: قواك: "مخذول مدحور" وتقصد، إبليس اللعين، فتحذفه، صونًا للسانك عن ذكره" احتقارًا له.
٧ - تأتي الإنكار عند الحاجة إليه: ومثال ذلك: أن يحضر إليك جماعة، من بينهم خصم لك فنقول لآخر: "فاجر فاسق" وأنت تقصد هذا الخصم، ولكنك تترك ذكر اسمه، حتى يتسنى لك أن تنكر عند لومه لك على سبه.
٨ - قصد تعين المسند إليه: إما لأن المسند لا يصح إلا للمسند إليه: ومثاله قولك: "عالم الغيب والشهادة" تريد الله ، فتحذفه لتعينه" إذ أن علم الغيب والشهادة خاص به تعالى.
وأما لأن المسند قد بلغ في المسند إليه مرتبة الكمال، ومثال قولك: "عادل في حكومته" وتريد: عمر بن الخطاب ﵁، فتحذفه، لأن صفة العدالة بلغت فيه حد الكمال، وقولك: "أمير الشعراء" وتقصد: شوفي، وذلك لأن إمارة الشعر قد لزمت له بإجمال شعراء عصره لبلوغها فيه حد الكمال.
وإما لأن المسند إليه معهود بين المتكلم والمخاطب، ومثاله: قولك "حضر" تريد شخصًا معينًا معهودًا بينك وبين المخاطب.
٩ - ادعاء تعين المسند إليه، وذلك كقولهم: "هازم الجيوش" كابت الأعداء، يريدون: خالد بن الوليد.
١٠ - قصد المحافظة على الوزن، أو السجع، أو القافية:
فمثال الأول قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا على ولا ليا
أي: لا على شيء، ولا لي، فحذف المسند إليه، وهو لفظ، "شيء" محافظة على وزن البيت.
стр. 190
ومثال الثاني: قولهم: (من كرم أصله، وصل حبله) والتقدير: وصل الناس حبله، ولكنهم حذفوا المسند إليه الأصلي وهو الفاعل، محافظة على السجع.
ومثله قولهم: "من طابت سريرته، حمدت سيرته" والمراد: حمد الناس سيرته، ولكنهم حذفوا المسند إليه محافظة منهم على السجع".
ومثال الثالث قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد - يومًا - أن ترد الودائع
يقصد: أن يرد الناس الودائع، فحذف المسند إليه، محافظة منه على القافية، ولولا ذلك لصارت منصوبة، والقافية في القصيدة كلها مضمومة لا مفتوحة.
١١ - إتباع الاستعمال الوارد - على حذف المسند إليه -، وذلك كما في الأمثال الواردة من قولهم: "رمية من غير رام" يقصدون: "هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، فإذا ما قلنا هذا القول في إنسان قد وفتى من عمله عفو الخاطر، ولكنه ليس أهلًا لمثل هذا التوفيق كان هذا القول مطابقًا لمقتضى حاله.
ومثله: قولهم: "شنشنة أعرفها من أخزم" أي: خي شنشنة.
وهذا المثل عجز بيت قاله أبو أخزم الطائي. وسببه. أن ابنه أخزم كان يؤذيه كثيراً ثم مات في حياة أبيه وترك أولاداً له، فوثبوا على جدهم يومًا وأوسعوه ضربًا فأنشد:
إن بني ضرجوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم
стр. 191
ومن يك ردءًا له يقدم ... شنشنة أعرفها من أخزم.
والمعنى: أن ضربهم إياه خصلة يعرفها من أخزم، فذهب الشطر الأخير مثلًا.
٢ - ذكر المسند إليه:
رأيت مما أسلفنا لك: أن عبد القاهر الجرجاني قد انبهر كثيرًا بمزايا الحذف في المواضع التي أوردها والتي تراءت له من تتبعه للأساليب العربية الخالصة، وتذوقه لمزايا النظم بين التراكيب، وأنه قد اهتم كثيرًا بهذه المزايا. لدرجة أنه قال: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد، ولكنه لم يتكلم عن مزايا الذكر، وهو قيم الحذف في القسمة العقلية.
والمتأخرون من البلاغيين مقدمًا استخلصوا قوانينهم البلاغية من منابعها الحقيقية في كتابيه "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة" لم يجدوا فيهما ما يكمل قسمتهم العقلية عندما تحدثوا عن الحذف كما تحدث عنه عبد القاهر، ما يكمل قسمتهم العقلية عندما تحدثوا عن الحذف كما تحدث عنه عبد القاهر، إذا لم يجدوا قسيم الحذف وهو الذكر، لأنهم قد نظروا إلى البلاغة بمنظار العقل والفكر المنطقي، بينما كان عبد القاهر ينظر إليها بمنظار الذوق والتحليل الأدبي.
لقد كانت مهمة عبد القاهر هي رصد الأساليب العربية للخالصة، للتعرف على أنماطها المختلفة في التعبير، وإبراز مزايا النظم البلاغي بين للتراكيب، بينما وجه المتأخرون مهمتهم في تنظيم ترات عبد القاهر تنظيمًا عقليًا وإن أدى ذلك إلى استغلال عباراتهم في كثير من الأحايين!
ولعل السر في أن عبد القاهر لم يتعرض لموضوع ذكر المسند إليه،
стр. 192
هو أن الذكر هو الأصل، والحذف فرع عن الذكر والأصل الذي لا يتم الكلام بدونه لا بحث للبلاغة فيه.
ومن هنا أخذ البلاغيون - من بعده - أول أغراض ذكر المسند إليه وهو: أنه الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل.
والمنهج الذي رسمه عبد القاهر لنظريته في النظم البلاغي - والذي أسلفناه لك - قد تضمن موضوع الحذف والتكرار. ولم يتعرض لموضوع الذكر. وقد التزم عبد القاهر بمنهجه، فلم يهتم بموضوع الذكر، واهتم بموضوع الحذف.
وأنت إذا ما راجعت نظريته في النظم البلاغي. وجدته يقول فيها: ويتصرف في التعريف والتنكير. والتقديم والتأخير في الكلام كله. وفي الحذف والتكرار؛ والإضمار والإظهار. فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له".
على أن المسند إليه قد يفهم من عبارته التي يقول فيها "رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد، لأن التعبير بقوله (رب) يفيد أنه ليس كل حذف كذلك؛ بل قد يكون الذكر هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد.
وفي رأينا أنه بالإضافة إلى ما تفيد تلك العبارة السالفة الذكر من أن عبد القاهر يقصد أن الذكر قد يطلبه المقام - بالإضافة إلى هذا فإن التكرار الذي أورده عبد القاهر في نظرية النظم هو المقصود بالذكر، ولكنه لم يخصه بفصل في الدلائل يبين فيه مزاياه في نظم الكلام:
وقد بين المتأخرون شيئًا من مزايا - ذكر المسند إليه - وإن كان جل اهتمامهم قد تجلى في بيان مزايا تكراره.
стр. 193
ولهذا فإننا سوف نتناول بالحديث في هذا الموضوع مسألتين:
الأولى: ذكر المسند إليه، والثانية: تكرار المسند إليه:
يقول البلاغيون إن ذكر المسند إليه واجب إذا لم تكن هناك قرينة تدل عليه. من لفظ أو حال، لأنه لا يعرف إلا بها، ولا شأن للبلاغيين به، لأنه لا تمام المعنى الأصلي بدونه.
فإذ ما دلت عليه قرينة من لفظ أو حال، فإنه يجوز ذكره وحذفه، وحينئذ يكون داخلًا في مجال بحث للبلاغيين، لأنهم يبحثون مرجحات الذكر على الحذف، أو مرجحات الحذف على الذكر.
ومرجحات ذكر المسند إليه هي الأغراض التي تدعو إلى ذكره.
والبلاغيون يبدءون حديثهم عن أغراض ذكر المسند إليهم بقولهم: أن يكون ذكر المسند إليه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل. فإذا كنت مع صديق لك تنتظر أن قدوم محمد - مثلًا - ثم رأيته. فقال: "قدم محمد" كنت بذلك قد ذكرت المسند إليه وهو: "محمد" مع قيام قرينة الحال عليه؛ ولو قلت: (قدم) وحذفت المسند إليه لكان ذلك جائزًا - أيضًا - هكذا قالوا:
ولكنك ترى أن قيام القرينة على المسند إليه قد أتى بداع من دواعي الحذف، وهو الاحتراز عن العبث.
ولهذا فإن كونه هو الأصل؛ ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل. ينبغي ألا يشغل البلاغيون به أنفسهم؛ لأنه مما لا يقع تحت طائلة البلاغة.
стр. 194
فإذا ما كانت القرينة ضعيفة غير كاشفة للمسند إليه؛ فإنه يجب ألا يعول عليها لضعفها وضعفها يرجع إلى واحد من أمرين:
الأول: أن تكون القرينة غير واضحة، وذلك كأن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة، حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانيًا لاحتمال غفلة السامع عنه، لطول العهد به:
الثاني: أن يشتبه في أمر القرينة، وذلك كأن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث إلى غيره، فيذكر المسند إليه لئلا يلتبس الأمر على السامع، فلا يعلم المحدث عنه على وجه اليقين، وذلك كأن يكون الحديث عن شوقي ثم يجري الحديث عن شاعر غيره، فإذا ما أردت مدح شوقي حينئذ قلت؛ شوقي نعم الشاعر. وهذا هو المقصود بقولهم "وإما لضعف التعويل على القرينة".
وقد تكون القرينة واضحة بينه كاشفة للمسند إليه، ولكن الأديب أو الشاعر يريد أن ينبه إلى أن السامع غبي لا يفهم المحذوف مع وجود قرائنه الكاشفة الموضحة، فيذكر المسند إليه إشارة إلى هذا الغرض.
وذلك كما نقول لمن يسمع القرآن؛ ولكنه لا يحفل به: "القرآن شفاء القلوب"، فتذكر المسند إليه - مع إمكان حذفه لوجود القرينة - وذلك لكي تنبه إلى أن السامع غبي، لا يفهم إلا بالتصريح بالمسند إليه.
وقد تكون القرينة - أيضًا كاشفة موضحة؛ إذا حذف المسند إليه دلت عليه القرينة دلالة واضحة؛ ولكن المتكلم يريد أن يصرح به إظهارًا لتعظيمه وتفخيمه، لأن اللفظ مما يدل على التعظيم، أو إظهارًا لتحقيره والتهوين من شأنه عن شأنه، لأن اللفظ مما يدل على التحقير:
فمثال الأول: قولك "قائد الجيش قادم" ومثال الثاني: اللئيم قادم.
стр. 195
فقد صرحت بالمسند إليه في الأول وهو (قائد الجيش) لأنه رمز القوة تعظيمًا له وتهويلًا للمخاطب وصرحت بالمسند إليه في الثاني وهو (اللئيم) لأنه لفظ يدل على الحقارة والمهانة تحقيرًا له وتهوينًا لشأنه.
وقد تكون القرينة - أيضًا - كاشفة موضحة، إذا حذف المسند إليه دلت عليه القرينة دلالة واضحة، ولكن المتكلم يريد التبرك بذكره، أو التلذذ به:
فمثال ذكر المسند إليه للتبرك قولك: هل قال رسول الله كذا؟ فتذكر المسند إليه وهو، (رسول الله) تيمنًا بذكر اسمه وتبركًا به.
ومثال ذكر المسند إليه للتلذذ به، قولك: (ليلى أقبلت)، و (بثينه سلمت).
وقد يكون الغرض من وراء ذكر المسند إليه - مع دلالة القرينة عليه - هو القصد إلى بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء للسامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه من قلبه ولهذا بحسن إطالة الكلام مع الأحبة:
وذلك كما في قوله تعالى - حكاية لقول موسى ﵇: "هي عصاي" جوابًا عن سؤال تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى؟ " وقد كان يكفي في الجواب أن يقول "عصا" لأن "ما" للسؤال عن الجنس؛ ولكنه ذكر المسند إليه؛ وهو الضمير (هي) حبًا في طالة الكلام في حضرة الذات العلية - وأي مقام هو أدعى إلى بسط الكلام فيه كهذا المقام؟ -؛ ولهذا لم يكثف سيدنا موسى ﵇ بذكر المسند إليه، ولكنه أردف ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى ولعله لم يذكر هذه المآرب طمعًا في أن يسأل عنها، فيجيب، فيتلذذ بالسؤال. والجواب معًا.
стр. 196
وكأن تقابل شخصًا تحبه، فيسألك، ماذا بيدك فتجيبه قائلًا، هذا كتابي: أنيسي في وحدتي، ورفيقي فيغربتي، فلا تكتفي بقولك: "كتاب"؛ لأن السؤال عن جنس ما بيدك، وتذكر المسند إليه رغبة منك في إطالة الحديث معه:
وقد يكون الغرض منه ذكر المسند إليه هو إظهار التعجب منه، لأن الحكم غريب يندر وقوعه، وذلك كقوله - عن إنسان سبق الحديث عنه - فلان يصارع الأسود، أو فلان عبر المحيط.
وقد يكون الغرض من ذكر المسند إليه - مع وجود القرنية الدالة عليه - هو قصد التسجيل على السامع بين يدي القاضي، حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار، وذلك كأن يقول القاضي لمن شاهد واقعة: هل أقر هذا بأن عليه لفلان كذا من المال؟ فيجيب الشاهد: نعم، أقر فلان أمامي بكذا، فيذكر اسمه لئلا يجد المشهود عليه سبيلًا إلى الإنكار، إذا لم يذكر اسمه، بأن يقول للقاضي - مثلًا - عند التسجيل عليه كتابة: إنما فهم الشاهد أنك أشرت إلى غيري فأجاب بما أجاب (١).
* * *
وقد يكون الغرض من ذكر المسند إليه هو: حرص المتكلم على أن يضيف إليه الخبر واضحة ومؤكدة (٢).
стр. 197
ومن ذلك قول عبد الله بن الدمينة الخثعمي (١)، معاتبًا صاحبته أمامة (١):
وأنت التي قطعت قبلي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا، داني الصدود كظوم
فأجابته أمامة - على وزنها ورويها -:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضًا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولًا لا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قمول الوشاة كلوم
الدلج: السير أول الليل، والسرى: سير عامته، والجون: الأسود، والجهلتان: ناحيتا الوادي وجثوم الطائر كالبروك للبعير. وذلك بأن يلصق صدره بالأرض، والحزازة: الوجد الذي يقطع القلب وفرقت الجرح: إذا قشرته ولم يكن تدبرًا، والكليم: الجريح، وأحفظه: أغضبه، والكظيم هو الممسك على ما في نفسه منك على صفح أو غيظ، وأبرزتني للناس: أي كشفت أمري لهم، والكلم: الجرح والشاعر هنا يلوم صاحبته بأنها قطعت قلبه وجدًا، ونكأت جرح قلبه، وكلفته الإدلاج بالسرى، وأغضبت قومه عليه.
وأمامة تجيبه معاتبة هي الأخرى بأنه ألخف وعده لها، وأشمت بها
стр. 198
من كان يلومها فيه، وكشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لسهام قالتهم.
وقد ذكر الشاعر ضمير صاحبته - وهو المسند إليه - في كل بيت، لكي يسند إليهم هذه الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي تقطيع قلبه، وتكليفه الإدلاج بالسرى، وإحفاظ قومه عليه.
كما أن صاحبته هي الأخرى قد ذكرت ضميره في أول الأبيات - لكي تسند إليه تلك الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي أنه أخلف ما وعدها به، وأنه أشمت بها اللوام، وأنه كشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لألسنتهم.
ويبدو أن الشاعر لم يصبر على هجرها فأرسل إليها هذه الأبيات: (١)
وإذا عتبت علي بت كأنني ... بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حدث الزمان وريبه ... وعملي جفائك، إنه لكريم!
يقول: إنني غير محتمل لعتابك، فإذا عتبت علي بت مسلوب الرقاد ساهرا من القلق سهر اللديغ الذي ذهب الألم برقاده، ولقد أردت الصبر عنك فدفعني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديما، وإن هذا الهوى لكريم، لأنه يبقى مع جفائك، ويغير الحدثان فلا يزول! وكان عبد الله ابن الدمينة فتى صبوحاً أيداً، شغفت به أمامة حباً، وقال له:
أيا حسن العينين: أنت قتلتني ... ويا فارس الخيليين أنت شفائيا
стр. 199
وهذا البيت يختلف عن أبيات العتاب السابقة، فالأبيات السابقة يشيع فيها جو اللوم والعتاب القاسي، وإبراز المعاناة في ضيق وإحباط شديدين، ولكن هذا البيت أشيع فيه جو الغزل الرقيق، وعاطفة الحب المشبوبة.
وقد حرصت أمامة على أن تذكر ضمير الشاعر في شطري البيت، لكي تضيف إليه هذين الفعلين في صورة واضحة ومؤكدة، وهما: أنه قتلها حبا بجمال عينيه، وأنه شفاء لها لفروسيته، فجمال عينيه قد شغفها حبا، فتعلقت به، وفروسيته هي الشفاء لهذا الحب، إذ بها يقهر الأعداء فتسعد بوصاله.
ويكثر هذا الأسلوب - وهو ذكر ما تسند إليه الأحداث - في العتاب.
وذلك ما تجده في حياتنا اليومية من قولك لصاحبك معاتبا أنت فعلت كذا وكذا، فإذا ما زاد انفعالك بأفعاله قلت: أنت الذي فعل كذا، وأنت الذي فعل كذا، وأنت الذي فعل كذا الخ (١).
كما أنه يكثر في الفخر وتعديد المآثر.
استمع إلى قول عمرو بن كلثوم (٢):
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنه المهلكون إذا أتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
стр. 200
وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا
وأنا الطالبون إذا نقمنا ... وأنا الضاربون إذا ابتلينا
وأنا النازلون بكل ثغر ... يخاف النازلون به المنونا
نجد أن الشاعر قد حرص لي ذكر ضميره لكي يسند إليه تلك الأفعال أو المناقب التي عددها، والتي علمت بها قبائل معد كلها، في صورة واضحة ومؤكدة.
وكما يجيء هذا الأسلوب في تعديد المناقب والمآثر - كما رأيت - يجيء - أيضاً - في تعديد المثالب؛ وذلك ما تجده في حياتك اليومية من أنك إذا أردت أن تشكو شخصاً إلى صاحب له قلت: هو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا.
ويعد هذا الأسلوب - وهو ذكر المسند إليه لكي أسند إليه الأحداث في صورة واضحة ومؤكدة - خاصية من خواص النظم القرآني:
استمع إلى قول الله تعالى: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١) ".
فقد أتى بالمسند إليه مع كل حكم من الأحكام السالفة؛ وهي: كفرهم بالله تعالى، وتعليقهم بالأغلال من أعناقهم، وإلقاؤهم في نار جهنم مخلدين فيها.
وتأمل النظم القرآني بالآية الكريمة تجد أنه قد قسم هذه الأحداث إلى مراحل ثلاث: الأولى: مرحلة الحياة وما فيها من تكليف، والثانية: مرحلة البعث وما فيه من حساب، والثالثة: مرحلة الجزاء وما فيه من عذاب.
стр. 201
ثم تأمل ثانية تجد أن هذه الأحكام قد تدرجت معهم في أحوالهم الثلاثة، وأن كل حكم منها قد ترتب على سابقه؛ فهم قد كلفوا في الدنيا فكفروا؛ ثم بعثوا ليحاسبوا على كفرهم فغللت أعناقهم، ثم ألقي بهم في النار ليخلدوا فيها عقاباً لهم على كفرهم.
(ب) تكرير المسند إليه:
قد يكون لدى الشاعر أو الأديب معان يحرص على إشاعتها في كلامه؛ فيكرر الألفاظ التي تحمل هذه المعاني لتنتشر في كلامه؛ ومن ذلك تكرير المسند إليه:
ويكثر هذا التكرير في أسماء الصواحب لما توحي به هذه الأسماء من معان جميلة، يحرص الشعراء والأدباء على إشاعتها في كلامهم؛ ولما يجدون نحوها من استعذاب لسماعها واستلطاف لترديدها.
يقول ابن رشيق: "ولا يجب للشاعر أن يكرر اسما إلا على جهة التشوق والاستعذاب؛ إذا كان في تغزل أو نسيب (١) ".
يقول مجنون ليلى:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟ !
فكرر ذكر المسند إليه في الشطر الثاني من البيت وهو (ليلى) لقصد التلذذ بسماع اسم محبوبته.
ومنه قول قيس بن ذريح:
стр. 202
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
فقد كرر ذكر المسند إليه في الشطر الثاني من البيت وهو (لبنى) تلذذا بسماعه.
ومنه قول امرئ القيس:
ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدة ... بوادي الخزامى أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى، إذ تريك منضداً ... وحيداً كجيد الريم ليس بمعطال
والشاهد هنا قوله: (وتحسب سلمى) إذ كرر المسند إليه وهو: "سلمى" تلذذاً بسماع اسمها.
ومن ذكر أسماء الصواحب للتلذذ بسماعها. قول أمير الشعراء أحمد شوقي - على لسان المجنون (١): -
ليلى نداء لليلي رن في أذني ... فداء ليلى الليالي الخرد الغيد!
ليلى اسمعي البيد هل مادت بأهلها ... وهل ترنم في المزمار داوود؟ !
ليلى تردد في سمعي وفي خلدي ... كما تردد في الأيك الأغاريد
стр. 203
إذا سمعت اسم ليلى ثبت من خبلي ... وثاب ما صرعت مني العناقيد
ليلى! لعلي مجنون يخيل لي ... لا الأهل نادوا على ليلى ولا نودوا
وكما يكثر أسماء الصواحب تلذذا بسماعها، كذلك يكثر أسماء أماكن اللهو والمرح والمتعة أيام الشباب، لما توحي به هذه الأماكن من ذكريات جميلة يعيش الشاعر على تذكارها، واسترجاع ما كان فيها من لهو ومتعة، ووصال للأحباء: استمع إلى قول مالك بن الريب - وقد شعر بدنو أجله وهو في خراسان:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت للغضا لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضا ماشي الركاب لياليا؟ !
لقد كان في أهل الغضا لودنا الغضا ... مزارا، ولكن الغضا ليس دانيا!
والغضا: شجر في ديار أهله، وأهل الغضا: أهل نجد لكثرته هنالك (١)، والشاعر يقصد مكان الغضا، كما قصده البحتري في قوله:
فسقا الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانحي وضلوعي
والشاهد في الأبيات قوله: (وليت الغضا) وقوله: (لودنا الغضا) وقوله: (ولكن الغضا ليس دانيا).
стр. 204
فقد كرر الشاعر المسند إليه - وهو الغضا - في تلك التراكيب الثلاثة؛ لما يوحي به هذا الاسم من ذكريات عزيزة كانت له في هذا المكان أيام لهوه وشبابه.
وكذلك يكثر تكرير الأسماء إذا جاءت على سبيل المدح، أو على سبيل القدح: وذلك ليتسنى للشاعر أن يسند إليها ما شاء من صفات المدح إذا كان مادحا، أو صفات الذم إذا كان هاجيا.
فمن تكرير المسند إليه لإشاعة صفات المدح قول الخنساء، تعدد محاسن أخيها صخر:
وإن صخرا لمولانا وسيدنا ... وإن صخرا - إذا نشتو - لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه على في رأسه نار
فقد كررت الشاعرة اسم (صخر) وو مسند إليه؛ لكي تشيع في كلامها معاني العظمة والشرف والمهابة، لأنها تعدد محاسنه ومآثره ومناقبه بعد موته.
يقول ابن رشيق: "وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة، ونشوة الفرحة التي يجدها المتفجع (١) ".
ومما تكرر فيه اسم الممدوح لإشاعة معناه - من غيرها باب المسند إليه - قوله أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتثني الفيض عن هادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟ !
стр. 205
كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
ومن تكرير الأسماء إذا جاءت على سبيل الهجاء: قول جرير في سدوس:
أخلاي الكرام سوى سدوس ... ومالي في سدوس من خليل
إذا أنزلت رحلك في سدوس ... فقد أنزلت منزلة الذليل
وقد علمت سدوس أن فيها ... منار اللؤم واضحة السبيل
فما أعطت سدوس من كثير ... ولا حامت سدوس عن قليل
فالشاعر يهجو قبيلة (سدوس) فينفي الكرم عن أفرادها جميعا، فهو لم يخالل واحدا منهم، لأن أخلاءه كرام، وهم ليسوا بهذه المثابة، ثم يلتفت إلى المخاطب وإلى كل من يسمع شعره هذا قائلا: إذا ما اضطررت إلى النزول بهذه القبيلة فإنك تكون قد نزلت منزلة الذلة والمهانة، لأن أهلها قد جبلوا ذلك، وهم جميعاً يعلمون هذا فلا هم أعطوا عن كثرة، فهم بخلاء، ولا هم دافعوا عن القليل، فهم جبناء.
وأنت تشعر معي بأن الشاعر قد حرص على تكرير اسم قبيلة (سدوس) هذا، لكي يمرغ هذه القبيلة في أوحال هجائه، وهو يشعر في قرارة نفسه بمهانة هذه القبيلة وذلتها وكأن اسمها أصبح - في نظره - مبعث الحقارة، ومنبع المهانة.
والشاهد في هذه الأبيات قوله. (فما أعطت سدوس) وقوله: (ولا حامت سدوس) حيث كرر المسند إليه في الأبيات لهجائه.
стр. 206
٣ - تعريف المسند إليه:
وإنما هو تعريف المسند إليه على تنكيره، لأن التعريف فيه هو الأصل، والتنكير هو الفرع والأصل مقدم على الفرع.
وإنما كان التعريف في المسند إليه هو الأصل، لأنه - كما قالوا - محكوم عليه، والحكم على المجهول ليس مفيدا.
وقدموا تعريف المسند إليه بالإضمار على تعريفه بسائر أنواع المعارف لأن الضمير عند النحويين هو أعرف المعارف.
ودلالة الضمير على التكلم؛ أو الخطاب؛ أو الغيبة بحث نحوي - وليس بحثا بلاغيا.
ولكن الذي يهم البلاغيين منه: هو أن تخرج الضمائر عن معانيها الحقيقية إلى معان أخرى مجازية؛ لأنها هي التي يراعيها البلغاء في كلامهم.
ولهذا فإننا سوف نثبتها هنا لنتبين بعد ذلك - على هدي من معرفة حقائق معانيها - كيفية خروج الأساليب عن معانيها الحقيقية؛ إلى معانيها المجازية.
وذلك لأن النظم البلاغي - وإن كان هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - إلا أن ذلك التتبع مشروط بكونه على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام - كما يقول عبد القاهر الجرجاني.
يكون المسند إليه ضميراً إذا كان المقام للتكلم؛ أو للخطاب؛ أو للغيبة.
فإذا كان المتكلم يتحدث عن نفسه فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المتكلم
стр. 207
وهو، (أنا) وذلك كما في قول النبي ﷺ "أنا انبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
يصف شعره بالشهرة والذيوع، إلى درجة نفذ معها إلى بصيرة الأعمى، وسريرة الأصم.
وإذا كان المتكلم يخاطب إنساناً أمامه، فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المخاطب (أنت)، وذلك كما في قول أمامة الخنعمية تخاطب عبد الله ابن الدمينة.
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وإذا كان المتكلم يتحدث عن غائب جاء ذكره في كلامه، أو كان في حكم المذكور، لقرينة فإنه ينبغي أن يأتي بضمير الغائب (هو) كما في قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة (١):
لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الضرب في العدا
وأن يكذب الأرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
ورب مريد ضره ضر نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى
ومستكبر لم يعرف الله ساعة ... رأى سيفه في كفه فتشهدا
стр. 208
هو البحر غص فيه إذا كان راكداً ... على الدر، واحذره إذا كان مزبداً
يقول: إن كل إنسان له في حياته ما تعود عليه من عادات، وعادات سيف الدولة هي ضرب أعدائه وأن يكذب الأعداء فيما يرجفون به من قصوره عنهم، بهزيمته لهم، ويبيت سعيداً بتحرشهم به، لأنه يبيت ظافراً بهم.
ورب قاصد ضره عاد الضر عليه، ورب قائد جيش هدى الجيش إليه، فأسلمه إلى حتفه، فصار غنيمة له، ومتكبر عن الإيمان بالله رأى سيفه في كفه فآمن وأتى بالشهادتين.
فأته مسالما، ولا تأته محارباً، فإنه كالبحر، يسلم الغائص فيه على الدر إذا كان ساكناً، ويحذره إذا كان هائجا مزبداً.
والشاهد في الأبيات قوله (هو البحر) حيث أتى بالمسند إليه ضمير غيبة لأن المقام له لتقدم ذكره في قوله: (وعادات سيف الدولة الضرب في العدا)
ومثال ما هو في حكم المذكر لقرينة: قول الله تعالى: "وإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ" فمرجع الضمير في الآية هو: الرجوع بقرينة قوله: "فارجعوا".
ومنه قول الله تعالى: "ولأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ"، فمرجع الضمير في قوله «مما ترك» هو الميت، لأن قرينة الحال دلت عليه لأن الكلام مسوق لبيان الإرث.
ومما يتصل ببحثنا هذا، قولهم: "وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يترك إلى غير معين ليعم الخطاب كل مخاطب".
وتلك - لعمري - شهادة ضمنية منهم بأن أصل وضع الضمير - سواء أكان للخطاب، أو للتكلم، أو للغيبة - إنما هو حقيقة لا يتم الكلام بدونا، وأن الخروج عن هذه الحقيقة هو الذي ينبغي أن يبحثه البلاغي.
стр. 209
فأصل الخطاب أن يكون لمعين - كما قالوا -، فإذا قلت لشخص أمامك: إن أكرمتني أكرمتك كان خطابك موجها إليه وحده لا يتعداه إلى غيره.
ولكنك قد تعدل عن هذا التعيين في الخطاب إلى العموم فيه، فلا توجه خطابك إلى مخاطب معين، ولكن توجهه إلى كل من يتأتى منه الخطاب، كأن تقول: "فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك" فلا تريد مخاطباً معيناً، ولكنك تقصد: أنه إن أكرمه أي إنسان أهانه، وإن أحسن إليه أي إنسان أساء إليه ومعنى ذلك: أن سوء معاملته لا يختص بشخص دون آخر.
وهذا الخروج عن التعيين إلى العموم في الخطاب قد يكون الغرض منه هو التشهير بمن تتحدث عنه، لأنك تريد أن يفتضح أمره أمام الناس جميعا.
ومن شواهد البلاغين في هذا: قول الله تعالى: "ولَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ (١) ".
فالخطاب في الآية الكريمة لم يوجه إلى مخاطب معين، وإنما هو خطاب عام شامل لكل من تتأتى منه الرؤية.
والمقصود بذلك هو: تفظيع حالهم، وتهويل ما وصلت إليه من الشناعة، وأنها قد تناهت في الظهور والافتضاح أمام أهل المحشر إلى درجة يمتنع معها خفاؤها، فلا تختص بها رؤية راء دون راء، ومن ثم فإن هذا الخطاب لا يختص به مخاطب دون مخاطب، بل إن كل من تتأتى منه الرؤية له مدخل في هذا الخطاب (٢).
стр. 210
ومن ذلك قول جرير في بني تيم (١):
ويقضى الأمر حين تغيب "تيم" ... ولا يستأذنون وهم شهود
فإنك لو رأيت عبيد "تيم" ... و"تيماً" قلت: أيهم العبيد؟ !
فالشاعر يهجو قبيلة "تيم" بأنهم قوم محتقرون، وليس لهممن الأمر شيء، فلا هم ينتظرون لأمر، وهم غائبون، ولا هم يستأذنون فيه وهم حاضرون، فشأنهم شأن العبيد، فلو رأيتهم وعبيدهم لما استطعت أن تفرق بينهم لحقارتهم جميعاً.
وقد رأيت أنه لم يوجه خطابه - في البيت الثاني - إلى مخاطب معين بقوله: (رأيت) وقوله: (قلت) وإنما جعله خطابا عاماً، يشمل كل من تتأتى منه الرؤية، وكل من يتأتى منه القول، ليشهر بهم، ويفضح أمرهم بين الناس.
ويكثر هذا الأسلوب - أعني خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم - في الحكم والنصائح وذلك لتكون الفائدة عامة شاملة، لا تقتصر على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم ولا على جيل دون جيل.
ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي (٢):
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
والشاهد هو البيت الأول، فهو حكمة سائرة كما ترى - ولهذا فإنه لم يوجه الخطاب فيه إلى معين، ليظل حكمة تتوارثها الأجيال.
стр. 211
ومنه قول بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟ !
فليس المراد منه مخاطبا معينا، بل أرسله الشاعر حكمة سائرة.
ومنه في النصح والإرشاد قول الشاعر:
الجد في الجد، والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
فالشاعر لم يوجه نصحه في قوله (فانصب) إلى مخاطب معين، وإنما جعل الخطاب فيه عاماً ليعم نصحه كل فرد، ويشمل كل عصر.
ومنه قول أمير الشعراء، من قصيدته في رثاء مصطفى كامل:
المجد والشرف الرفيع صحيفة ... جعلت لها الأخلاق كالعنوان
وأحب من طول الحياة بذلة ... قصر يريك تقاصر الأقران
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق، وثوان!
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان! !
وتلك حكم أوردها أمير الشعراء، شفعها بنصيحة في البيت الرابع، مخاطبا بها كل من يتأتى منه الخطاب، بأن يعمل لنفسه قبل الموت ما يرتفع
стр. 212
به شأنها من أعمال الخير التي تذكر بها بعد الموت فالذكرى الطيبة للإنسان بعد موته هي بمثابة عمر ثان له.
ومن خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم، لكي تشمل الفائدة وتعم: قول مصنفي الكتب:
"علمت أن الأمر كذا وكذا، فاعلم - هداك الله - أنه كذا وكذا" فالخطاب هنا لم يوجه إلى فرد معين، وإنما هو شامل لكل من يقرأ الكتاب.
وأما تعريف المسند إليه بإيراده علماً: فإن ذلك يكون لأغراض، منها: إحضاره في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به: وذلك كقولك: "محمد سافر" و"علي حضر".
لأنك إذا قلت "محمد" فإن السامع يتصوره في ذهنه، ويتعين لديه وكأنه حاضر أمامه، لأن اسمه الخاص به قد أحضره في ذهنه، فإذا قلت: (سافر) فأسندت إليه السفر، علم السامع ذلك دون تردد منه في شخص من تسند السفر إليه.
وهذا الغرض يلحق بما أسلفنا الحديث عنه في التعريف بالضمير، من أنه لا بحث للبلاغيين فيه، لأن دلالة الألفاظ على معانيها الحقيقية بحث لغوي، وليس بحثا بلاغيا فلا شأن للبلاغيين به.
ويمثلون لهذا الغرض بقول الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ".
ويمثلون له - أيضاً - بقول الحارث بن هشام بن المغيرة، شقيق أبي جهل وهو شاعر مخضرم شهد غزوة بدر مع المشركين، وفر عن أخيه أبي جهل فعيره بذلك حسان بن ثابت في قصيدة يقول فيها - مخاطباً نفسه - (١)
стр. 213
إن كنت تاركة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة، أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة، ولجام
فأجابه الحارث بن هشام - وهو مشرك يومئذ - كما يقولون - بهذه الأبيات:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علو فرسي بأشقر مزبد
وشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق، والخيل لم تتبدد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مرصد
الله يعلم: لفظه لفظ الخبر، وقصد به القسم واليمين، وأراد بالأشقر المزبد: الدم، وجعله مزبداً، لأنه إذا بدر من الطعنة أزبد، أي علاه زبد، وشممت ريح الموت: أي غلب على ظني أنني إن أقاتل منفرداً سأقتل وواحدا أي منفردا وصددت: أعرضت، وأراد بالأحبة - كما قالوا - أبا جهل ورهطه من آل مكة.
فالشاعر يعتذر في الأبيات عن فراره يوم بدر، فيقسم بالله أنه لم يترك قتالهم حتى جرح فرسه وسالت منه الدماء، وغلب على ظنه أنه إن قاتلهم منفرداً مات ولن يضر عدوه حضوره، فرجع عنهم وفيهم أحبته طمعا في أن يأتي يوم يكون فيه العقاب.
стр. 214
والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: (الله يعلم) بصيغة العلم قصدا إلى احضار مدلوله باسمه الخاص به، حتى لا يلتبس بغيره.
ويغلب على ظني أن هذه الأبيات قد قالها الحارث بن هشام بعد إسلامه وذلك لأن عبارة: (الله يعلم) عبارة إسلامية لم نعهدها في عبارات المشركين لأنهم لم يكونوا يقسمون بالله تعالى، وإنما كانوا يقسمون باللات والعزى وغيرهما مما كانوا يعبدونه من أصنام، ولأن الضمائر في البيت الأخير لا مرجع لها في الأبيات إلا إلى المسلمين، أي أنه قد ترك قتالهم وأحبته من المسلمين فيهم - طمعاً في أن يجدوا في هذا اليوم الذي كانوا يترقبونه فرصة لعقاب المشركين.
ويمثلون لهذا الغرض بقول المتنخل يرثي أخاه عويمرا (١):
لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه
ولا بألد له نازع ... يعادي أخاه إذا ما نهاه
ولكنه هين لين ... كعالية الرمح عرد نساه
إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
ألا من ينادي أبا مالك ... أفي أمرنا هو أم في سواه؟
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
فقد وصف الشاعر أخاه بالقوة في غير تهور، وباللين في غير ضعف، وبالسماحة لإخوانه إذا أوكلوا إليه أمراً قام به، ثم وصفه بكرم الطبع
стр. 215
وأصالته، لأنه إذا افتقر حبس فقره على نفسه، فلا يجعل أحدا يشعر بحاله ولكنه إذا اغتنى أشرك أصحابه في ماله.
والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: "أبو مالك" في أول الأبيات وآخرها بصيغة العلم قاصداً بهذا إحضار مدلوله بشخصه باسمه الخاص حتى لا يلتبس بغيره.
وقد يكون الغرض من التعريف بالعلمية: تعظيم المسند إليه أو إهانته أو تعظيم غيره أو إهانته، وذلك كما في الألقاب والكني التي تدل على معان محمودة أو مذمومة.
فإذا ما أردت تعظيم المسند إليه قلت: أقبل علينا عز الدين - مثلا - وأقبلت نور الهدى.
وكأن تقول: حضر أبو الفضل، وجاءت أم السعد.
وإذا ما أردت تحقيره قلت: رحل عنا أنف الناقة: وغادرنا صخر، وكأن تقول: جادلنا أبو جهل واستمعنا إلى أم الدواهي.
فقد أتيت بالمسند إليه - في الأمثلة السابقة، قاصداً تعظيمه في المثل الأولى، وقاصداً إهانته في المثل الثانية.
فإذا ما أردت تعظيم غير المسند إليه، قلت "أبو الفضل رفيقك" وإذا ما أردت إهانته قلت: "أبو لهب صديقك".
فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى.
وقد تقصد التفاؤل بالمسند إليه أو التطير منه - إذا كان في معناه قبل التسمية به - ما يتفاءل به، أو يتطير منه.