← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنه قول بشار بن برد: إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟ ! فليس المراد منه مخاطبا معينا، بل أرسله الشاعر حكمة سائرة. ومنه في النصح والإرشاد قول الشاعر: الجد في الجد، والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل فالشاعر لم يوجه نصحه في قوله (فانصب) إلى مخاطب معين، وإنما جعل الخطاب فيه عاماً ليعم نصحه كل فرد، ويشمل كل عصر. ومنه قول أمير الشعراء، من قصيدته في رثاء مصطفى كامل: المجد والشرف الرفيع صحيفة ... جعلت لها الأخلاق كالعنوان وأحب من طول الحياة بذلة ... قصر يريك تقاصر الأقران دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق، وثوان! فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان! ! وتلك حكم أوردها أمير الشعراء، شفعها بنصيحة في البيت الرابع، مخاطبا بها كل من يتأتى منه الخطاب، بأن يعمل لنفسه قبل الموت ما يرتفع

стр. 212

به شأنها من أعمال الخير التي تذكر بها بعد الموت فالذكرى الطيبة للإنسان بعد موته هي بمثابة عمر ثان له. ومن خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم، لكي تشمل الفائدة وتعم: قول مصنفي الكتب: "علمت أن الأمر كذا وكذا، فاعلم - هداك الله - أنه كذا وكذا" فالخطاب هنا لم يوجه إلى فرد معين، وإنما هو شامل لكل من يقرأ الكتاب. وأما تعريف المسند إليه بإيراده علماً: فإن ذلك يكون لأغراض، منها: إحضاره في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به: وذلك كقولك: "محمد سافر" و"علي حضر". لأنك إذا قلت "محمد" فإن السامع يتصوره في ذهنه، ويتعين لديه وكأنه حاضر أمامه، لأن اسمه الخاص به قد أحضره في ذهنه، فإذا قلت: (سافر) فأسندت إليه السفر، علم السامع ذلك دون تردد منه في شخص من تسند السفر إليه. وهذا الغرض يلحق بما أسلفنا الحديث عنه في التعريف بالضمير، من أنه لا بحث للبلاغيين فيه، لأن دلالة الألفاظ على معانيها الحقيقية بحث لغوي، وليس بحثا بلاغيا فلا شأن للبلاغيين به. ويمثلون لهذا الغرض بقول الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ". ويمثلون له - أيضاً - بقول الحارث بن هشام بن المغيرة، شقيق أبي جهل وهو شاعر مخضرم شهد غزوة بدر مع المشركين، وفر عن أخيه أبي جهل فعيره بذلك حسان بن ثابت في قصيدة يقول فيها - مخاطباً نفسه - (١)

стр. 213

إن كنت تاركة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة، أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة، ولجام فأجابه الحارث بن هشام - وهو مشرك يومئذ - كما يقولون - بهذه الأبيات: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علو فرسي بأشقر مزبد وشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق، والخيل لم تتبدد وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مرصد الله يعلم: لفظه لفظ الخبر، وقصد به القسم واليمين، وأراد بالأشقر المزبد: الدم، وجعله مزبداً، لأنه إذا بدر من الطعنة أزبد، أي علاه زبد، وشممت ريح الموت: أي غلب على ظني أنني إن أقاتل منفرداً سأقتل وواحدا أي منفردا وصددت: أعرضت، وأراد بالأحبة - كما قالوا - أبا جهل ورهطه من آل مكة. فالشاعر يعتذر في الأبيات عن فراره يوم بدر، فيقسم بالله أنه لم يترك قتالهم حتى جرح فرسه وسالت منه الدماء، وغلب على ظنه أنه إن قاتلهم منفرداً مات ولن يضر عدوه حضوره، فرجع عنهم وفيهم أحبته طمعا في أن يأتي يوم يكون فيه العقاب.

стр. 214

والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: (الله يعلم) بصيغة العلم قصدا إلى احضار مدلوله باسمه الخاص به، حتى لا يلتبس بغيره. ويغلب على ظني أن هذه الأبيات قد قالها الحارث بن هشام بعد إسلامه وذلك لأن عبارة: (الله يعلم) عبارة إسلامية لم نعهدها في عبارات المشركين لأنهم لم يكونوا يقسمون بالله تعالى، وإنما كانوا يقسمون باللات والعزى وغيرهما مما كانوا يعبدونه من أصنام، ولأن الضمائر في البيت الأخير لا مرجع لها في الأبيات إلا إلى المسلمين، أي أنه قد ترك قتالهم وأحبته من المسلمين فيهم - طمعاً في أن يجدوا في هذا اليوم الذي كانوا يترقبونه فرصة لعقاب المشركين. ويمثلون لهذا الغرض بقول المتنخل يرثي أخاه عويمرا (١): لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه ولا بألد له نازع ... يعادي أخاه إذا ما نهاه ولكنه هين لين ... كعالية الرمح عرد نساه إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه ألا من ينادي أبا مالك ... أفي أمرنا هو أم في سواه؟ أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه فقد وصف الشاعر أخاه بالقوة في غير تهور، وباللين في غير ضعف، وبالسماحة لإخوانه إذا أوكلوا إليه أمراً قام به، ثم وصفه بكرم الطبع

стр. 215

وأصالته، لأنه إذا افتقر حبس فقره على نفسه، فلا يجعل أحدا يشعر بحاله ولكنه إذا اغتنى أشرك أصحابه في ماله. والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: "أبو مالك" في أول الأبيات وآخرها بصيغة العلم قاصداً بهذا إحضار مدلوله بشخصه باسمه الخاص حتى لا يلتبس بغيره. وقد يكون الغرض من التعريف بالعلمية: تعظيم المسند إليه أو إهانته أو تعظيم غيره أو إهانته، وذلك كما في الألقاب والكني التي تدل على معان محمودة أو مذمومة. فإذا ما أردت تعظيم المسند إليه قلت: أقبل علينا عز الدين - مثلا - وأقبلت نور الهدى. وكأن تقول: حضر أبو الفضل، وجاءت أم السعد. وإذا ما أردت تحقيره قلت: رحل عنا أنف الناقة: وغادرنا صخر، وكأن تقول: جادلنا أبو جهل واستمعنا إلى أم الدواهي. فقد أتيت بالمسند إليه - في الأمثلة السابقة، قاصداً تعظيمه في المثل الأولى، وقاصداً إهانته في المثل الثانية. فإذا ما أردت تعظيم غير المسند إليه، قلت "أبو الفضل رفيقك" وإذا ما أردت إهانته قلت: "أبو لهب صديقك". فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى. وقد تقصد التفاؤل بالمسند إليه أو التطير منه - إذا كان في معناه قبل التسمية به - ما يتفاءل به، أو يتطير منه.

стр. 216

فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى. وذلك كقولك - إذا أردت تفاؤلا -: "أتاكم سرور" و"جاءكم بشرى". وكقولك - إذا أردت تطيرا -: "أتاكم حرب" وجاءتكم "البسوس". وقد تقصد التبرك بذكر اسمه أو التلذذ به، وذلك إذا كان المسند إليه مما يتبرك بذكر اسمه أو مما يتلذذ به. فإذا ما أردت التبرك بذكر اسمه قلت: "الله قصدي" و"محمد سندي". وإذا ما أردت التلذذ بذكر اسمه قلت - على لسان قيس بن الملوح -: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟ ! والشاهد قوله: "أم ليلى من البشر"، وكان سياق الحديث أن يقول: أم هي من البشر، بالضمير لأنه قد تقدم مرجعه، ولكنه أراد أن يتلذذ بذكر اسم محبوبته، فأتى بالمسند إليه علماً لهذا الغرض. ومما يؤيد ذلك: أن الشعراء قد يوردون ذكر الأعلام تلذذاً بذكرها، كما في قول أبي الطيب المتنبي، يمدح عضد الدولة أبا شجاع فناخسروا (١). وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته ... يأمرهم فيها، وينهاها أبا شجاع، بفارس، عضد ... الدولة فناخسروا شهنشاها أسامياً لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها!

стр. 217

يقول أبو الفتح ابن جنى: وهذا البيت، على أنه قصير الوزن، قد جمع فيه: كنية الممدوح وبلده، واسمه، ونعته، وسماه بملك الملوك شهنشاه، وهو من أحسن الجمع والمدح. فالشاعر يقول: إنه رأى الملوك قاطبة، وسار في الأرض حتى وجد سيدها الذي بيده مناياهم أبا شجاع، عضد الدولة، فناخسروا، شهنشاها. وهذه الأسماء التي أوردها، لم يذكرها أبو الطيب ليعرف بها الممدوح، فهو أشهر من أن يعرف به، ولكنه ذكر تلك الأسماء للتلذذ بذكرها. وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه بالعلمية: أن يقصد التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار: وذلك كأن يقول القاضي للشاهد: هل أقر علي بأن عليه لعمر وكذا؟ ، فيقول: نعم "أقر علي بكذا"، فيعرف المسند إليه بالعملية ليسجل عليه فلا يستطيع الإنكار. وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه هو: أن تريد الكناية به عن معنى. وذلك إذا كان المسند إليه كناية عن معنى يصلح له قبل جعله علماً. وذلك كأن تقول: "مر بنا أبو لهب" كناية عن كونه جهنميا، وكأن تقول: "قابلني أبو جهل": كناية عن كونه غبيا. وأما تعريف المسند إليه بإيراده اسم موصول، فإنه يكون لأغراض، منها: ألا يكون المخاطب عنده علم بالأحوال المختصة به سوى الصلة، والصلة - كما يقرر النحاة - يجب أن تكون معروفة للمخاطب، لأنها وسيلة تعريف، فلابد من أن تكون معروفة له، وذلك كقولك: الذي كان معنا أمس رجل عالم، وذلك إذا لم يكن لمخاطبك عهد به قبل لقائه.

стр. 218

ويكاد هذا الغرض أن يلحق بما أسلفنا الحديث عنه، من أنه لا بحث للبلاغة فيه، ولا شأن للبلاغيين به، لأنه من دلالة اللفظ على أصل المعنى وحقيقته. وقد يكون التصريح باسم المسند إليه مستهجناً مستقبحاً، فيعدل عن التصريح به إلى التعبير بالموصول، وذلك كقول الفقهاء: "الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء". ومنه قول حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ يخاطب أم المؤمنين عائشة ﵂ ويبرئ نفسه مما نسب إليه في حديث الإفك: فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتوا ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي وقوله - أيضاً -: فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل ومعنى قوله: بلائط: ليس بلازم ولا لاحق، وما حل: ساع بالنميمة. فقد رأيت أن حسان بن ثابت ﵁ قد استهجن ما نسب إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ من حديث الإفك، فلم يصرح به، وإنما قال: "الذي قد زعمتوا" وقال في البيت الثاني: "الذي قد قيل" فعبر عنه بالموصول في الموضعين - كما رأيت -. كما أنك قد رأيت - أيضاً - أن التعبير بالموصول في البيتين قد مكنه من الإشارة إلى ما يريد في كل موضع منهما، فقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الأول إلى أن يشير إلى أن هذا القول باطل، لأنه زعم لا صدق فيه، وذلك ما يوحي به قول حسان: "الذي قد زعمتوا".

стр. 219

وقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الثاني إلى أن يشير إلى أن هذا القول ساقط غير منسوب إلى عاقل يستحق أن يذكر، ولهذا عبر عنه بالبناء للمجهول في لفظة "قيل"، وذلك ما يوحي به قوله: "الذي قد قيل" (١). وقد يكون التعبير بالموصول سبيلا إلى تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك كما تقول لصديق لك: (خانك الذي ائتمنته على أسرارك)، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو بيان مدى خيانة هذا الإنسان، فإذا كان قد اؤتمن على الأسرار، ووضعت فيه الثقة في عدم إذاعتها، ثم أفضى بها، كان بذلك قد وصل إلى منتهى الخيانة. ومن هذا القبيل قول الله تعالى: "ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ"، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو: تقرير نزاهة يوسف ﵇، والتعبير بالموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته امرأة العزيز، أو زليخا، لأنه إذا كان في بيتها وقد واتته فرصة التمكن من نيل ما طلبت منه، ولكنه - مع ذلك - عف وامتنع، كان ذلك غاية في نزاهته ﵇. ومما تلحظه من نكتة التعبير بالموصول هنا: أنه لو قال: وراودته امرأة العزيز. لما كان هذا نصاً في المرأة التي راودته، لجواز أن يكون للعزيز نساء أخريات. ولو قال: وراودته زليخا، لاحتمل الكلام مسمى آخر بهذا الاسم غير امرأة العزيز. وقد يكون تعريف المسند إليه بالموصول سبيلا إلى ذكر معان ذات

стр. 220

أهمية في سياق الكلام، وذلك كما في قول كعب بن زهير، لما جاء عائذاً برسول الله ﷺ (١): نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول فقد أتيت رسول الله معتذراً ... والعذر عند رسول الله مقبول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل والشاهد في قوله: "هداك الذي أعطاك" فلم يقل: هداك ربك، أو هداك الله، ليقول في الصلة ما يناسب حاله، وقد عبر بالصلة عن عطاء الله لنبيه محمد ﷺ وفي هذا تنويه بمكانته عند الله، واعتراف صريح بنبوته، وإشارة إلى ما في القرآن الكريم من مواعظ تدعو إلى العفو والصفح وقبول الإسلام ممن جاء عائذاً. وكما في قول عمر بن أبي ربيعة (٢): أشارت إلينا بالبنان تحية ... فرد عليها مثل ذاك بنان فقالت، وأهل الخيف قد حان منهم ... خفوف وما يبدي المقال لسان نوى غربة قد كنت أيقنت أنها ... - وجدك - فيها عن نواك شطان تعال فزرنا زورة قبل بيننا ... فقد غاب عنا من نخاف جبان فقلت لها: خير اللقاء ببلدة ... من الأرض لا يخشى بها الحدثان

стр. 221

نكذب من قد ظن أنا سنلتقي ... ونأمن من في صدره شنآن والشاهد في الأبيات قوله: (فقد غاب عنا من نخاف) حيث عبر عن المسند إليه بالموصول، ولم يصرح باسمه، فلم يقل الواشي، وإنما قال: من نخاف، لأن الخوف من الواشي هو حال المحب الذي يريد وصال حبيبته، ووصفه بالجبن للإشارة غلى أنه وإن كنا نخاف لسانه إلا أنه جبان عند اللقاء. وقد يكون في الموصول تفخيم للمسند إليه وتهويل لأمره، وذلكما تراه في قول الله تعالى: "فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ" أي: أنهم قد غمرهم ماء غزير لا يحيط به وصف ولا يدركه وهم. وكأن تقول: إن فلانا قد عراه من الهم ما عراه، أي أنه قد لحقه من الحزن ما لا يدرك كنهه لخطورة أمره. ومنه قول الشاعر: مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي يصف الشاعر الخمر فيقول: لقد ذهب بسبب شربها قدر عظيم من عقل شاربها، ولم يبقى في الكأس إلا ثمالة تطلب البقية الباقية من عقله. والشاهد هنا قوله: (مضى بها ما مضى) حيث أتى بالمسند إليه اسم موصول لقصد تفخيم ما ذهب من عقل شارب الخمر وأنه أكبر من أن يوصف. وقد يكون في مدلول الصلة ما يشير إلى خطأ وقع من المخاطب أو غيره، فيؤتى بالموصول تنبيهاً له إلى هذا الخطأ.

стр. 222

وذلك مثل قول عبدة بن الطبيب يعظ بنيه لما أسن ورابه بصره (١): لا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع أمثال زيد حين أفسد رهطه ... حتى تشتت أمرهم فتصدعوا إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا القوابل: جمع قابلة، وهي التي تستقبل المولود، ينشع: من النشوع بفتح النون وهو الوجود بفتح الواو يوجر به الصبي أو المريض، وفضلت: زادت. ودمس: ألبس واشتدت ظلمته، حدجوا: وضعوا الحدج على البعير، والحدج بكسر فسكون: مركب من مراكب النساء: تمزع: تمر مراً سريعاً، وزيد: هو ابن مالك الأصغر بن حنظلة بن مالك الأكبر. والشاعر يحذر بنيه من أن يأمنوا قوماً تربوا على العداوة وتأصلت في طبائعهم، وزادت على عقولهم، وأبت أن تنزع من صدورهم، ولهذا فإنهم يسيرون بالنميمة والاحتيال في الشر كما تسهر القنافذ، ومنهم زيد بن مالك الذي أفسد قومه بالسعي بينهم بالنميمة حتى تشتت شملهم، فإن أمرهم بين القبائل، وضعفت شوكتهم بين الناس.

стр. 223

ثم ينبه بنيه إلى أن هؤلاء القوم الذين يظنونهم أصدقاء لهم ويثقون فيهم، إنما هم على غير ما ظنوا، فهم يودون إيذاءهم وإيقاع الشر بهم. والشاهد في الأبيات قوله: "إن الذين ترونهم إخوانكم" حيث عبر عن المسند إليه بالموصول لتنبيه المخاطبين إلى خطئهم، ولو قال: إن قوم فلان يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا، لما كان فيه تنبيها إلى الخطأ. ومما فيه تنبيه "إلى خطأ غير المخاطب قول عروة بن أذينة متغزلا" (١): إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها، وأجلها حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها يقول الشاعر - مخاطباً نفسه - إن الفتاة التي ظنت أنك مللتها مخطئة في ظنها، فقد خلقت لحبك كما أنك قد خلقت لحبها، فهي حسناء تربت في النعيم، فصاغها النعيم بلباقة وحكمة، فأدق منها ما يستحب دقيقه، وأجل منها ما يستحب جليله، ولما منعت تحيتها عني دلالا قلت لصاحبي: ما كان أكثرها لنا حيث كانت مواصلة بالعطف والميل، وما أقلها لنا الساعة إذ قد زهدت فنيا.

стр. 224

فإذا ما حدثتني نفسي بالسلو عنها كان ضميري شفيعا إلى إخراج وساوس السلو من قلبي. فجو الأبيات يوحي برابطة الحب القوية التي لا يمكن انفصامها بين هذين الحبيبين، فقد خلقا من أجل هذا الحب، ولا مفر من الاكتواء بناره؛ وقد صاغها النعيم صياغة تجعل السلو عنها مستحيلا، فحجبها تحيتها ليس صدا أو بعداً؛ وإنما هو دلال وزيادة محبة؛ فحبها في قلبه لا يمكن للوساوس أن تنال منه. والشاهد في البيت الأول حيث قال: (إن التي زعملت فؤادك ملها) فعبر عن المسند إليه بالموصول تنبيها إلى خطأ صاحبته في زعمها أن قلبه قد زهد فيها، وتحول منها إلى غيرها. ولعلك لاحظت أثر هذه النكتة البلاغية فيما تبعها من أبيات؛ فقد جعلت البيت الأول منها بيت القصيد - كما يقولون - لأن البيت الثاني قد جاء تعليلا لحبهما الأزلي في البيت الأول، والثاني أثر من آثار هذا الحب إذ حجبت تحيتها عنه لتزيده شوقا وحنينا وصبوة، والرابع تأكيد لتمكن هذا الحب من قلبه؛ إذ يشفع الضمير إلى الفؤاد لإبعاد وساوس السلو عنه. وقد يكون في مدلول الصلة ما يومئ إلى نوع الخبر، فيؤتى بالمسند إليه موصولا للإيماءة إلى هذا الخبر. وذلك كما في قول الله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً". فمدلول الصلة هو "الإيمان" والعمل الصالح، يشير إلى أن الخبر من نوع الإثابة وحسن الجزاء.

стр. 225

وكما في قوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" (١) فمدلول الصلة وهو "الاستكبار" يشير إلى أن الخبر من نوع العذاب وسوء الجزاء. وهذا الأسلوب - أعني إيماء الصلة إلى نوع الخبر - كثير في كتاب الله تعالى: اقرأ قوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ" (٢). وقوله تعالى: "إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ" (٣). وقوله تعالى: "والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (٤). ولعلك قد لاحظت أن هذا الأسلوب مما يدل فيه أوله على آخره، حتى لتكاد تنطق بالخبر قبل أن ينطق به المتكلم؛ ولعمري: أنه لفن من فنون القول دقيق لا يهتدي إليه إلا ذوو الأذواق السليمة والأحاسيس الرقيقة، والمشاعر المرهفة. غير أن الإيماء إلى نوع الخبر قد لا يكون غرضا للمتكلم، وإنما يكون وسيلة إلى غرض آخر هو التعريض بتعظيم شأن الخبر أو التعريض بتحقيره.

стр. 226

واستمع إلى قول الفرزدق يفاخر جريراً، ويعرض بتعظيم شأن بيته (١): إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول بيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... حكم السماء، فإنه لا ينقل بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل يلجون بيت مجاشع وإذا احتبوا ... برزوا كأنهم الجبال المثل لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم ... أبداً إذا هد الفعال الأفضل من عزهم حجرت كليب بيتها ... زربا كأنهم لديه القمل ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل سمك: رفع. الدعائم: جمع دعامة وهي عمود البيت، أعز: أقوى، المليك: الله ﷻ ، لا ينقل: لا يزول، زرارة ومجاشع ونهشل: أولاد دارم جد عشيرة الفرزدق. الفعال: الفعل الحسن، كليب: قوم جرير، حجرت: دخلت، الزرب: حفيرة تتخذ لحبس الجداء. فالفرزدق يفاخر جريراً - كما رأيت - بأن بيته أرفع من بيت جرير وأشرف؛ لأن الذي بناه هو الذي رفع السماء؛ ولهذا فإنه لن يتحول عنه؛ وهو بيت يضم أمثال زرارة، ومجاشع ونهشل، ممن إذا احتبوا بفنائه ظهروا أمامه كأنهم الجبال الهوائل. ولكن بيت جرير لا يضم مثلهم إذا ما عدت المآثر وحسبت المناقب،

стр. 227

فلقد توارت قبيلة جرير أمام عزهم خجلا وضعة، ودخلت في جحر كأن أفرادها أمامه حشرات قذرة؛ فبيت جرير - في الوهن والذل - كبيت العنكبوت، وقد قال تعالى: "وإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". والشاهد في البيت الأول من هذه الأبيات؛ حيث عبر عن المسند إليه بالموصول؛ لأن فيه إيماء إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع البناء الرفيع؛ ولكن ذلك ليس هو غرض الشاعر، وإنما غرضه أن يتوسل بهذا الإيماء إلى التعريض بتعظيم شأن بيته وتفخيمه، لأنه من صنع من رفع السماء. وقد رأيت أن هذه النكتة البلاغية التي لحظها الشاعر قد جعلت منطلقاً إلى المعاني التي تناولتها الأبيات الأخرى. وقد أنهى الفرزدق قصيدته ببيت فيه شاهد آخر لتلك النكتة البلاغية - أعني جعل الإيماء إلى نوع الخبر وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن الخبر - فقال عن قصيدته هذه: إن التي فقئت بها أبصاركم ... - وهي التي دمغت أباك - الفيصل! فالتعبير عن قصيدته تلك بالموصول الذي تضمنت صلته أنها فقأت أبصارهم، ودمغت أباه فيه إيماء إلى نوع الخبر لأنها إذا كانت قد فقأت أبصارهم ودمغت أباه، فلابد أن لها أثراً قوياً، ولكن الشاعر يقصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شأن الخبر، وهو أن هذه القصيدة فاصلة، لا أثر يبلغ مبلغ أثرها في الفضل بين عز الفرزدق وذلة جرير. ولهذا سميت هذه القصيدة باسم: الفيصل. ومما فيه تعريض بالتهوين من شأن الخبر قولك: إن الذي لا يعرف

стр. 228

الفقه قد صنف فيه، وإن الذي لا يحسن قرض الشعر قد أنشأ قصيدة. وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تعظيم غير الخبر، وذلك كما في قول الله تعالى: "الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ" فالصلة، وهي تكذيبهم شعيباً، قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنه لم يقصد إلى هذا، وإنما قصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شعيب ﵇: وقد يجعل ذريعة إلى تحقيره، كما في قولك: إن الذي يتبع الشيطان خاسر. فالصلة - وهي إتباع الشيطان - قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنك لم تقصد إلى هذا، وإنما قصدت تحقير الشيطان نفسه. وقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تحقيقه - كما يرى السكاكي -، وذلك كما في قول عبدة بن الطبيب - وقد يئس من صاحبته خولة بعد مهاجرتها وحلولها بالكوفة مجاورة أهل المدائن (١) -: هل حبل خولة بعد الهجر موصول؟ ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟ حلت خويلة في دار، مجاورة ... أهل المدائن فيها الديك والفيل

стр. 229

إلى أن قال: وللأحبة أيام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل فعد عنها، ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل فالشاعر يخاطب نفسه قائلا: هل ستصل حبل ودك بصاحبتك خولة بعد انقطاعه؟ أن بعد الدار، وانشغالك بأمور الحياة سوف يلهيانك عنها، وينسيانك ذكراها؟ لقد أقامت خويلة بالكوفة داراً نائية المزار، مجاورة فيها أهل المدائن، وما دامت قد اتخذت من الكوفة محل إقامة، ودار هجرة، فلابد أنها قد أنهت ما بينكما من علاقة، وأودت بما كان بينكما من الود، فعليك أن تنساها، وألا تشغل نفسك بها، فقد مضى زمن الصبا، وأدركك المشيب، ومن الضلالة ذكر الصبابة في زمن المشيب! والشاهد في الأبيات قوله: "إن التي ضربت بيتاً مهاجرة .. " ففي هذه الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع زوال المحبة، وانقطاع حبل المودة؛ لأنها لو كانت باقية على حبه لما هاجرت عنه، ولما بنت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة. ومع ما في الصلة من هذه الإشارة، فإن فيها دليلا على ثبوت الجفاء وتحققه، وإلا فكيف استساغت فراق "عبدة" واتخذت من ذلك البلد الثاني موطن إقامة دائمة؟ ! ولكن الدكتور محمد أبو موسى لم يرتض هذا القول؛ ولم يسلم بأن في هذا البيت إيماء إلى نوع الخبر وزعم أن الخطيب قال والمسند إليه في

стр. 230

البيت ليس فيه إيماء إلاوجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون إيماء إلى بناء نقيضه عليه، بمعنى أن الحرمان من الحبيب أذكى لجذوة الحب إن كانت صادقة (١) وتابعه في هذا وهذا كلام - لعمري - صحيح، إذا كانت صاحبة الشاعر صادقة الود! ولكنها ليست كذلك، لأنها آثرت البعد عن الشاعر، وفضلت الهجرة، والإقامة الدائمة الغائبة عنه. ولهذا فإنه قد يئس من وصل ما انقطع من حبل المودة بينهما، فقال محاولا نسيانها، وطرد هواجس التذكار التي عاودت خاطره: فعد عنها، ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل ولست مع الدكتور محمد أبو موسى في أن الشاعر لم يكن صادق الحب حتى يكون شاهداً في هذا الباب. وذلك لأن الشاعر لو لم يكن صادق الحب لما هاجر لمهاجرة صاحبته - كما يقول الطبري (٢) - ولما عاودته ذكراها في قصيدته هذه. وأما أنه قد حاول نسيانها إذ قال: "فعد عنها ولا تشغلك عن عمل .. " فتلك محاولة منه لا نظن أنه قد أفلح فيها، فقد حاول المجنون نسيان ليلى - وهو امام المحبين - ولكنه لم يفلح في محاولته، إذ قال؟ : فيارب: إذ صيرت ليلى هي المنى ... فزني بعينيها كما زنتها ليا وإلا فبغضها إلي وأهلها ... فإني بليلى قد لقيت الدواهيا!

стр. 231

ولئن كان عبدة بن الطبيب قد رأى في البعد حلا لمعضلته في الحب؛ فقد رأى المجنون أن البين أجدى من القرب إذا كنت في القرب مروعاً بقدر من تحب (١): علام نخاف البين، والبين نافع ... إذا كان قرب الدار ليس بنافع إذا لم تزل ممن تحب مروعاً ... بغدر؛ فإن البين ليس برائع ولاحظ عبارته: "والبين نافع" وقوله: "ليس برائع" أي ليس بمخيف. وعلى أية حال: فإن محاولة الشاعر نسيان صاحبته خولة، ليست دليلا على عدم صدقه في الحب؛ لأنها لا تعدو أن تكون محاولة لصرف النفس عن لواعج التذكار؛ ولكن نار الحب تظل كامنة بالقلب وقد حاول قيس ابن الملوح نسيان ليلى؛ فدعا الله أن يبغضها إليه؛ فهل أفلح في محاولته؟ . وصحيح أن البعد لا يشفي من الحب، ولكن القرب - أيضاً - لا يشفي منه، إذا كانت الصاحبة ليست بذات ود. يقول قيس بن الملوح من قصيدة له، وقد رويت الأبيات نفسها - في حماسة أبي تمام - لابن الدمينة: وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأى يشفي من الوجد بكل تداوينا، فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود!

стр. 232

على أن صاحبة عبدة ليست صادقة الود - كما أسلفنا - فكيف يجعل بعدها دليلا على تأجج حبها؟ ! إن بعد خولة لا يعد دليلا على تأجج حبها إلا إذا كانت قد أرغمت على المهاجرة إرغاماً، أما وقد هاجرت بنفسها طائعة مختارة، وأقامت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة، فإن ذلك يعد دليلا قوياً على أنها ليست صادقة في حبها، وأنها قد أنهت ما بينهما من الود. ولو أن الشاعر قال: "إن التي أرغمت على المهاجرة" لكان في هذه الصلة إيماء إلى بناء نقيض الخبر، ولكان عليه أن يقول في الخبر: "قد زاد حبها اشتعالا" - إذا ساعده الوزن، وواتته القافية، ولكن الشاعر قال: "وإن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند"، فكان عليه أن يقول في الخبر: "غالت ودها غول". ولهذا فإنه كان على الدكتور محمد أبو موسى أن يقول: ويبدو أن صاحبة الشاعر لم تكن صادقة الود، ولهذا فإن ضربها بيتاً في دار هجرتها بالكوفة دليل على أن ودها قد اغتالته - حقاً - غول! ويكون ملحظ السكاكي ملحظاً ذكياً حقاً! على أن عبارة الخطيب القزويني، لا يفهم منها ما فهمه الدكتور أبو موسى، فعبارته هي: "قال السكاكي: وربما جعل (أي الإيماء إلى وجه بناء الخبر) ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول وربما جعل ذريعة إلى التنبه للمخاطب على خطأ، كقوله: إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا وفيه نظر: إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر

стр. 233

فرق، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟ والمسند إليه في البيت الثاني ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه (١). وتأمل عبارة الخطيب: "والمسند إليه في البيت الثاني" والبيت الثاني هو قول الشاعر: إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا ولهذا فإن العلامة السبكي قد علق على اعتراض الخطيب بقوله: "وهو اعتراض فاسد، فإن السكاكي إنما استشهد به على ما قصد فيه التنبيه على الخطأ، ولم يجعل الأول ذريعة للثاني، بل هما كلامان منفصلان، ثم إن قوله: لا يبعد أن يكون فيه إيماء عجيب. فإن فيه التصريح بذلك قطعاً" (٢). والتصريح ببناء النقيض، الذي يقصده السبكي هو: قول الشاعر: "يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا" فإن هذا الخبر نقيض الصلة التي هي: "ترونهم إخوانكم". هذا: وقد يقصد بالموصول - كما يقول سعد الدين التفتازاني - الحث على التعظيم، أو التحقير أو الترحم، أو نحو ذلك، كقولنا: جاءك الذي أكرمك، أو أهانك، أو الذي سبى أولاده ونهب أمواله: وقد يكون للتهكم كما في "يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون". ثم قال: "ولطائف هذا الباب لا تكاد تضبط" (٣).

стр. 234

التعريف باسم الإشارة: قال البلاغيون: إن من أغراض تعريف المسند إليه باسم الإشارة: تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة إليه حساً. والسر في أن تمييز المسند إليه أكمل تمييز لا يتم إلا باسم الإشارة، هو: أنك إذا أشرت إلى شيء، فكأن هذا الشيء - وإن كان معنى من المعاني - موجود أمامك فعلا، ولهذا فإنك تشير إليه إذ لا يشار إلا إلى موجود، وبإشارتك إليه دون غيره، تكون قد ميزته عن غيره مما لم تشر إليه مما هو موجود معه، بخلاف العلم - مثلا - فإنك إذا قلت: "محمد" - مثلا - فإن هذا الاسم وإن كان قد وضع لذات معينة، فإن ثمة مسميات أخرى بهذا الاسم، فلا يتم تمييز المسند إليه أكمل تمييز. قال في مواهب الفتاح: "واسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضراً حسياً مع كون السامع رائياً أو نزل بتلك المنزلة، أقوى من العلم المشترك في الحالة الراهنة". واسم الإشارة للمفرد المذكر (ذا) وقد يوصل بهاء التنبيه - وهو الأكثر - فيقال: (هذا طارق) وقد يخلو منها - وهو الأقل - فيقال: (ذا طارق). وقد عاب القاضي الجرجاني على ابن الطيب كثرة استعماله لذا - بدون هاء التنبيه - لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف (١).

стр. 235

غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعاً يليق بها، فاكتسبت قبولا. فاستعمال (ذا) بمفردها أمر لا يستطيعه إلا من له دراية برياضة التراكيب. قد يقتضي المقام تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لكي تسند إليه الخبر قوياً متمكناً، وذلك لأن ظهور المسند إليه ووضوحه في ذهن السامع مما يعين على قوة إسناد الخبر إليه. واستمع إلى قول ابن الرومي - يمدح أبا الصقر الشيباني -: هذا أبو الصقر، فرداً في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم فقد أراد الشاعر أن يخبر عن الممدوح بأنه أشهر من نار على علم، يتفرده في كل حسن معنوي، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي حيث الحرية والبعد عن سلطة الحكام، فقال: هذا يميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر بأنه "أبو الصقر" - أي الذي يعرفه كل الناس لتفرده في محاسنه، وأنه "من نسل شيبان" الذين يسكنون البوادي، ويعشقون الحرية، فكان من قوة الخبر ما قد رأيت. ولما لم يكرم الزبرقان بن بدر وفادة الحطيئة، تحول عنه إلى بغيض بن عامر، فقال من قصيدة له في مدحه (١): وإن التي نكبتها عن معاشر ... غضاب علي أن صددت كما صدوا أتت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العد فإن الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانو إليه ومن ودوا

стр. 236

يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد أقلوا عليهم - لا أبا لأبيكم - ... من اللؤم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا حسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وإن قال مولاهم على جل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا وإن غاب عن لأي بغيض كفتهم ... نواشئ لم تطرر شواربهم بعد نكبتها: أي نحبتها؛ والمعاشر: قوم الزبرقام بن بدر والمولى: ابن العم أو الجار أو الحليف على جل حادث: أي عند الخطب العظيم، لأي: عشيرة بغيض بن عامر. نواشئ: فتيان القبيلة؛ لم تطرر شواربهم لم تظهر. يقول الشاعر: إن المدحة التي نحيتها عن قوم غضبوا علي؛ لأنني صددت عنهم كما صدوا عني، قد جاءت آل شماس بن لأي فجاءهم بها ذكر المكارم وظهور المفاخر؛ وهم لذلك أهل، فالشقي من يعادونه والسعيد من يصادقونه لأنهم إذا رضوا تعاملوا مع الناس بعقول ذات أناة وتؤدة، وإذا غضبوا كانوا أهل حفيظة وعجلة؛ فلا تلوموهم - لا أبالكم - وإلا فسدوا مكانهم إن استطعتم، فهؤلاء قوم يحسنون عمل المكارم، فإن بنوا مكرمة أحسنوا بناءها، وإن عقدوا العزيمة أوثقوها، وإن صمموا على الحرب شدوا على الأعداء، وإن أنعم عليهم أثابوا على النعمة، وإن أنعموا على غيرهم لم يكدروا النعمة بالمن ولم يكدروا من

стр. 237

أعطوه بطلب الجزاء، وإن استغاث بهم المولى في شأن أضر به، وايتشارهم فيه، أمدوه بالرأي السديد، والقول الرشيد، وإن غاب بغيض عن قبيلته سد مسده فتيان مرد لم تظهر لهم شوارب. والشاهد في الأبيات قوله: "أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى" حيث عرف المسند إليه، وهو: "آل شماس بن لأي، قوم بغيض بن عامر" ليسند إليهم الخبر الموصوف بتلك الصفات التي ذكرها قويا متمكنا. واستمع إلى قول بعض الشعراء يمدح حاتما الطائي: وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر أومأ إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري تأمل: نظر الشيء مستبيناً له متسربل سربال ليل: غطته ظلمات الليل، أومأ: أشار، الكوماء: الناقة العظيمة السنام. يقول الشاعر: إن حاتما إذا رأى في ظلمات الليل ضيفاً، أشار إلى الناقة العظيمة السنام قائلا لها: هذا القادم إلينا ضيف طارق، لا كنت إن لم تكوني له طعاما! . فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة ليميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر متمكنا قويا، وهو أنه ضيف طارق وجب قراه. وتأمل أنت قوله: "متسربل سربال ليل أغبر" تجده يتحدث عن طروق الضيف ليلا، لأن الضيف - كما قالوا - أكثر طروقاً بالليل،

стр. 238

فناسب أن بقول في أول البيت: "وإذا تأمل شخص ضيف مقبل" لأنه إذا أقبل الضيف وقد أسدل الليل ستاره الداكن على الكون، فإنه ليس في استطاعة إنسان أن يميز شخص المقبل عليه إلا بعد تأمل. ولهذا فإننا لسنا مع العلامة السبكي في أن في قول الشاعر نقصاً أدبياً، وأنه كان عليه أن يقول: تخيل، أو توهم، لما أسلفته لك منذ قليل: واستمع إلى قول الآخر: ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد! تجد الشاعر قد أشار إلى العير ليميزه عن الوتد بقوله: (هذا) ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو: أنه مربوط برمته على الذلة والمهانة، ثم أشار إلى الوتد بقوله (ذا) ليميزه عن العير أكمل تمييز، ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو أنه يشق فلا يرثي لحاله إنسان! وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان: ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني، فقال: حج الفرزدق بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال: من هذا الأب الذي تبرق أسارير وجهه كأنه مرأة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟

стр. 239

فقالوا: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال الفرزدق (١). هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خبر عباد الله كلهم، ... هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا وليس قولك: من هذا؟ بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ... يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم ... بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع، في عرنينه شمم ... يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ... الله شرفه قدما، وعظمه ... جرى بذاك له في وجهه القلم ... أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا، أو له نعم؟ ! ... من يشكر الله يشكر أوليه ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الاسم

стр. 240

فقد عرض الفرزدق بغباوة هشام بن عبد الملك بتكراره المسند إليه معرفا باسم الإشارة في الأبيات الثلاثة الأولى إذ قال: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) (هذا ابن خير عباد الله كلهم) (هذا التقى النقي الطاهر العلم) (هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله)، فكأن هشاماً غبي لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان، ولهذا فإنه قد عرف المسند إليه باسم الإشارة (هذا) ولم يكتف بهذا، ولكنه كرر اسم الإشارة، لينبه إلى أن غباوة هشام قد زادت حتى أصبح لا يفهم المحسوسات التي يشار إليها إلا إذا تأكدت بالتكرار. وتأمل المجاز العقلي في قوله: "تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم، تجد أن معرفه علي بن الحسين قد زادت حتى شملت الأماكن، فعرفته هي الأخرى، فكيف يجهله هشام بن عبد الملك؟ . ثم تأمل هذا العدد الهائل من أسماء الإشارة في قوله: "مكارم هذا" "لأوليه هذا" (أولية ذا) "من بيت هذا" فإنك تشتم منه رائحة السخرية اللاذعة التي فاضت بها شاعرية الفرزدق دون شعور من القارئ بملل، لأن كل إشارة منها قد وقعت في موقعها فزادت من قوة الأسلوب، وأبانت مقدرة الشاعر على رياضة التراكيب، والأخذ بعنان الكلام في توجيه الأساليب. وقد أسلفنا لك: أن القاضي الجرجاني قد عاب على أبي الطيب المتنبي كثرة استعماله "لذا" التي هي للإشارة بدون هاء التنبيه، لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعا يليق بها فاكتست قبولا. ولعلك قد لاحظت معي أن الشاعر هنا لم يستعمل (ذا) مجردة إلا في موضع واحد هو قوله:

стр. 241

(من يعرف الله يعرف أولية ذا) وكان من الممكن أن يقول: (أوليته) ويسلم له - مع هذا - وزن البيت. ولكنه آثر (ذا) لما أسلفت لك من أنه قد آثر الإشارة المكررة سخرية من هشام بن عبد الملك الذي تجاهل من يعرفه المسلمون جميعاً يومئذ. ولهذا فإن (ذا) هنا قد وقعت في موقعها الذي أراده لها الشاعر، فزادت من قوة الأسلوب ورصانته. والقاضي الجرجاني لم ينكر استعمال اسم الإشارة مطلقاً - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - في صنعة الشعر، وإنما أنكر - فقط (ذا) بدون هاء التنبيه؛ لأن استعمالها بدون الهاء لا يقدر عليه إلا أديب حصيف عارف برياضة التراكيب. وكان من أثر التعريض بغباوة هشام بن عبد الملك الذي نشأ عن تعريف علي بن الحسين بهذا الفيض من الإشارات التي أشاعت روح السخرية في القصيدة كلها من هشام بن عبد الملك، أن غضب هشام، فأمر بحبس الفرزدق بين مكة والمدينة، فقال الفرزدق: أتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها؟ ! يقلب رأساً لم يكن رأس سيد ... وعيناً له حولاء باد عيوبها؟ ! فلما بلغ شعره هشاماً عفا عنه وأطلقه (١).

стр. 242

ودلالة اسم الإشارة على القريب في نحو: هذا زيد، وعلى البعيد في نحو: ذلك عمرو، وعلى المتوسط بين القرب والبعد في نحو، ذاك بشر، دلالة لغوية لا شأن للبلاغيين بها. ولكن لها استعمالات مجازية تلقي على الكلام ظلالا من القرب أو البعد، هي من شأن البلاغيين وموضع اهتمامهم، وللأديب البصير بمسالك الكلام ودروبه في مجالها مراتع خصبة، ومنابع عذبة، يستطيع - في ظلالها - ترويض القرب أو البعد ليكون طوع قلمه ورهن إشارته، فتارة يكون مجالا للتعظيم - إن شاء - وتارة أخرى يكون مجالا للتحقير - إن شاء - أيضاً! وللبلاغيين في ذلك فلسفة لا تخرج عن دائرة الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف فإن قصدوا بالقرب التعظيم؛ فذلك لأن المحبوب ما يكون مخالطاً للنفس حاضرا في الذهن لا يغيب عن الخاطر، فتعظيمه - إذن - يناسبه القرب المكاني. وإذا قصدوا به التحقير: كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير - عادة - لا يمتنع على الناس، بل يكون قريب الوصول إليه، سهل التناول مبتذلا، دائماً بين أيديهم وأرجلهم، فتحقيره يناسبه القرب المكاني. وإذا قصدوا بالبعد التعظيم: كان السر - في هذه الدلالة - أن العظيم - عادة - يتأبى على الناس وينأى عنهم لعزته ورفعة شأنه، فتعظيمه حينئذ يناسبه البعد المكاني. وإذا قصدوا به التحقير كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير شأنه ألا يلتفت إليه ولا يعرض للخاطر لنفرة النفوس منه، فتحقيره حينئذ يناسبه البعد المكاني.

стр. 243

فقول الله تعالى: "إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه وهو القرآن الكريم - بالقرب تنزيلا لقربه من النفس منزلة قرب المسافة، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقاً لهذا الغرض. وقول الله تعالى: - حكاية عن امرأة العزيز - رداً على أولئك النسوة اللائي لمنها في يوسف ﵇: "فذلكن الذي لمتنني فيه" قد قصد فيه تعظيم يوسف ﵇، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للبعيد فقال "فذلكن" ولم يقل: "فهذا" - مع أنه كان حاضراً معهن في المجلس رفعاً لمنزلته في الحسن البالغ حد الكمال، وتمهيداً لإبداء العذر في افتتانها به. وقوله تعالى: "ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه - وهو الكتاب - فعبر عنه باسم الإشارة للبعيد، رفعا لمنزلته، وتعظيما لشأنه. وقوله تعالى: "فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ" قد قصد فيه تحقير المسند إليه - وهو الذي يدع اليتيم - بالبعد تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب، منزلة بعد المسافة. واستمع إلى قول الله تعالى: "فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ" تجد أنه قد عبر عن المسند إليه - في الآية الأولى - وهم الذين ثقلت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد تعظيماً لشأنهم، وبعد منازلهم. وأنه قد عبر عن المسند إليه - أيضاً - في الآية الثانية - وهم الذين

стр. 244

خفت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد - أيضاً - ولكن لبعدهم عن الرشد، وإقصائهم عن منازل الفائزين. واستمع إلى قول الفرزدق - يهجو جريراً -: أولئك آبائي، فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا - يا جرير - المجامع تجده قد عبر عن المسند إليه - وهم آباؤه - باسم الإشارة الموضوع للبعيد، إشارة منه إلى بعد منزلتهم من أن يتطاول إليها مثل جرير فيأتي بمثلهم. وقوله: فجئني بمثلهم: أمر تعجيز: أي لا تقدر - يا جرير - أن تأتي بمثلهمفي مناقبهم، إذا جمعتنا مجامع الافتخار والإنشاد يوماً ما (١). ولهذا فإن جريراً لم يستطع أن يجيء بمثل آباء الفرزدق، لضعة نسية، ولكنه رد عليه بقوله (٢): أتجعل - يابن القين - أولاد دارم ... كشيبان؟ شلت من يديك الأصابع وأين محل المجد إلا عليهم ... وأين الندى إلا لهم والدسائع فما رحلت شيبان إلا رأيتها ... إماما وإلا سائر الناس تابع لهم يوم ذي قار، أناخوا فضاربوا ... كتائب كسرى حين طار الوشائع وما راح فيها يشكري ولا غدا ... لذهل وتيم الله رأس مشايع

стр. 245

واستمع إلى قول الهذلول بن كعب العنبري - وكان قد تزوج امرأة من بني بهدلة - فرأته يوماً يطحن للأضياف، فضربت صدرها وقالت: أهذا زوجي؟ ! فبلغه ذلك فقال (١): تقول - وصكت نحرها بيمينها - ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ ! فقلت لها: لا تعجبي، وتبيني ... فعالي إذا التفت علاى الفوارس ألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين نائس؟ ! وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري ... خلوف المنايا حين فر المغامس؟ وأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس؟ إذا خام أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حمياها الألد المداعس لعمر أبيك الخير: إني بخادم ... لضيفي، وإني إن ركبت لفارس وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان تاعس! ! صكت: ضربت، المتقاعس: الذي دخل ظهره وخرج صدره. الفعال بالفتح: الفعل الحسن الذي يحمد عليه صاحبه. القرن: المكافئ لك، الردع: الدفع ومعنى يركب ردعه: أي يخر صريعاً لوجهه وفيه سنان ذو غرارين: أي مطعون بسنان ذي حدين، ونائس: مضطرب، الأوق: الثقل، الامتراء: الحلب، والخلوف: جم خلف، وهو ضرع الناقة، وامترى خلوف المنايا: كناية عن إقباله على الموت وعدم مبالاته به،

стр. 246

والمغامر: الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها، وخام: جبن، الألد: شديد الخصومة، المداعس: المطاعن. الشاعر يحكي قول زوجته - وهي مذهولة متعجبة من تقاعسه أمام الرحى: أبعلي هذا الذي أراه متقاعساً أمام الرحى؟ ! فيقول لها: لا تعجبي وتبيني أفعالي الحميدة من البأس والنجدة والحمية في غمرة القتال وقد التفت الفوارس من حولي، فأنا الذي أرد القرن فيخر صريعاً لوجهه مطعوناً بسنان ذي حدين: وأقبل على الموت ولا أبالي به، في الوقت الذي يفر فيه المغامر الذي يدخل نفسه وغيره في الشدائد، وأتلقى ما يعتريني من وساوس النفس بالحزم والنظر في عواقب الأمور في الوقت الذي تشتد فيه على غيري، وتكثر أحاديث النفس، وإذا تأخر غيري عن الحرب جبنا تقدمت أنا إليها، ولو لاقيت من شدتها وهولها ما يخاف منه اللجوج المطاعن. وأقسم بأبيك الخير: أنه ما حملني على الطحن بالرحى إلا التواضع لخدمة أضيافي، فلا تأسفي على هذا الفعل مني، فإني لذلك الفارس إذا ركبت الحرب! والشاهد في الأبيات قوله: "أبعلي هذا؟ ! " فإن صاحبته قد عبرت عنه باسم الإشارة للقريب؛ إشارة منها إلى دنو منزلته، والتصاقه بالتراب متقاعساً يطحن بالرحى شأن الخدم والعبيد. ولعلك تلحظ معي أن الاستفهام هنا إنكاري تعجبي، وأنه منصب على بعلها، وأن بعلها قد قدمته لهذا الغرض، فهي تنكر أن يكون بعلها بهذه المثابة، وتتعجب لهذا الصنيع منه ولهذا فإنه قد رد عليها بأقوى ما يكون الرد، فطلب منها ألا تتعجل في الحكم عليه بدنو المنزلة فإن منزلته مرتفعة بفعاله الحميدة في مقارعة الأبطال يوم النزال.

стр. 247

ثم أقسم بأبيها رجل الخير أنه لم يفعل ذلك إلا تواضعاً لخدمة أضيافه، وتلك محمدة لا مذمة، وفضيلة لا نقيصة، وأكد جواب القسم في الأخبار التي تلته بأن، واللام، واسمية الجملة في قوله: "إني لخادم لضيفي" و"إني - إن ركبت - لفارس" و"إني لأشري الحمد". ولعلك تلحظ - أيضاً - أن البيت الأخير تفسير "لسابقه" وتوضيح له، فما تقاعسه أمام الرحى خدمة لأضيافه إلا شراء للحمد ابتغاء ربح يبقى له ذكر عطرا، وهو في الوقت نفسه يجندل خصمه في الحرب خزيان ناعسا. وفي الطباق بين (أشري) و (أترك) ما يزيد المعنى وضوحاً، وجمالا وقوة. وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: هو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير - من أجل تلك الأوصاف - بما ذكر بعد اسم الإشارة. وذلك مثل قول الله تعالى: " هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ"، فالمشار إليه في الآية هم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وبما أنزل على الرسل من قبله، والإيقان بالآخرة. وقد عبر عنهم باسم الإشارة (أولئك) - وإن كان التعبير عنهم بالضمير ممكنا - للتنبيه على أنهم - من أجل تلك الأوصاف - جديرون بالهداية في الدنيا، وبالفلاح في الآخرة. ومما تواتر عليه البلاغيون شاهداً في هذا الباب من النص الشعري،

стр. 248

قول حاتم الطائي: ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما. فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة، إن نالها عد مغنما. إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمماً. يرى رمحه، أو نبله، ومجشه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما. وأحناء عمرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجاً وطرفاً مسوما. فذلك - إن يهلك - فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما. فقد وصف الصعلوك بصفات هي: أنه يصارع الأحداث في عزم يفل ذوائب الدهر، وأنه ذو رغائب عالية، وأهداف سامية، فلا يعد الشبع مغنماً ولا الجوع مغرماً، وأنه يتخير من المكارم أعلاها وأسماها ثم يمضي إليها في عزيمة قوية لا تردد فيها ولا ترجع عنها، وأنه يرى عتاده في الحرب فرساً كريماً مسرجاً ملجماً، ورمحاً أو نبلاً ومجناً وسيفاً قاطعاً ثم أشار إليه "بذلك" لينبه إلى أنه - من أجل تلك الأوصاف - جدير "بأن يذكر بالثناء العاطر إذا مات، وأن يبقى عزيزاً كريماً إذا عاش. ومثله قول عروة بن الورد (١). ولله صعلوك صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور.

стр. 249

[سقطت من المصور]

стр. 250

التعريف بأل: قالوا: إن المسند إليه يؤتى به معروفاً بأل إذا كان بينك وبين مخاطبك عبد به. فإذا تقدم له ذكر صريح، كما في قولك: صنعت في رجل جميلاً، فلم يحفظ الرجل الجميل سميت هذه اللام لام العهد الصريح. ومنه قوله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"، فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم أعيد ذكرهما باللام، لأنهما معهودين، لتقدم ذكرهما صراحة. وإذا تقدم له ذكر كنائي، كما في قوله تعالى - في شأن أم مريم -: "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، فأتى بالمسند إليه وهو "الذكر" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود، تقدم ذكره كناية في قوله تعالى: - حكاية عن امرأة عمران -: "رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً"، فلفظ ما يعم الذكور والإناث، ولكن التحرير - وهو أن يعتق الولد ليكون وقفاً على خدمة بين المقدس - لم يكن إلا للذكور، ولهذا كان قولها: "مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً" كناية عن الذكر. فإذا تقدم المسند إليه ذكر كنائي كما في الآية الكريمة سميت اللام لام العهد الكنائي. وإذا لم يتقدم للمسند إليه ذكر مطلقاً، لا صريحاً ولا كناية، ولكن المخاطب به عهد، كأن تقول في شأن رجل حاضر معكما: "أنشد الرجل قصيدة عصماء، سميت اللام لام العهد الحضوري. وإذا لم يكن حاضراً سميت اللام لام العهد العلمي.
следующие страницы →