← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والمغامر: الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها، وخام: جبن، الألد: شديد الخصومة، المداعس: المطاعن. الشاعر يحكي قول زوجته - وهي مذهولة متعجبة من تقاعسه أمام الرحى: أبعلي هذا الذي أراه متقاعساً أمام الرحى؟ ! فيقول لها: لا تعجبي وتبيني أفعالي الحميدة من البأس والنجدة والحمية في غمرة القتال وقد التفت الفوارس من حولي، فأنا الذي أرد القرن فيخر صريعاً لوجهه مطعوناً بسنان ذي حدين: وأقبل على الموت ولا أبالي به، في الوقت الذي يفر فيه المغامر الذي يدخل نفسه وغيره في الشدائد، وأتلقى ما يعتريني من وساوس النفس بالحزم والنظر في عواقب الأمور في الوقت الذي تشتد فيه على غيري، وتكثر أحاديث النفس، وإذا تأخر غيري عن الحرب جبنا تقدمت أنا إليها، ولو لاقيت من شدتها وهولها ما يخاف منه اللجوج المطاعن. وأقسم بأبيك الخير: أنه ما حملني على الطحن بالرحى إلا التواضع لخدمة أضيافي، فلا تأسفي على هذا الفعل مني، فإني لذلك الفارس إذا ركبت الحرب! والشاهد في الأبيات قوله: "أبعلي هذا؟ ! " فإن صاحبته قد عبرت عنه باسم الإشارة للقريب؛ إشارة منها إلى دنو منزلته، والتصاقه بالتراب متقاعساً يطحن بالرحى شأن الخدم والعبيد. ولعلك تلحظ معي أن الاستفهام هنا إنكاري تعجبي، وأنه منصب على بعلها، وأن بعلها قد قدمته لهذا الغرض، فهي تنكر أن يكون بعلها بهذه المثابة، وتتعجب لهذا الصنيع منه ولهذا فإنه قد رد عليها بأقوى ما يكون الرد، فطلب منها ألا تتعجل في الحكم عليه بدنو المنزلة فإن منزلته مرتفعة بفعاله الحميدة في مقارعة الأبطال يوم النزال.

стр. 247

ثم أقسم بأبيها رجل الخير أنه لم يفعل ذلك إلا تواضعاً لخدمة أضيافه، وتلك محمدة لا مذمة، وفضيلة لا نقيصة، وأكد جواب القسم في الأخبار التي تلته بأن، واللام، واسمية الجملة في قوله: "إني لخادم لضيفي" و"إني - إن ركبت - لفارس" و"إني لأشري الحمد". ولعلك تلحظ - أيضاً - أن البيت الأخير تفسير "لسابقه" وتوضيح له، فما تقاعسه أمام الرحى خدمة لأضيافه إلا شراء للحمد ابتغاء ربح يبقى له ذكر عطرا، وهو في الوقت نفسه يجندل خصمه في الحرب خزيان ناعسا. وفي الطباق بين (أشري) و (أترك) ما يزيد المعنى وضوحاً، وجمالا وقوة. وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: هو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير - من أجل تلك الأوصاف - بما ذكر بعد اسم الإشارة. وذلك مثل قول الله تعالى: " هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ"، فالمشار إليه في الآية هم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وبما أنزل على الرسل من قبله، والإيقان بالآخرة. وقد عبر عنهم باسم الإشارة (أولئك) - وإن كان التعبير عنهم بالضمير ممكنا - للتنبيه على أنهم - من أجل تلك الأوصاف - جديرون بالهداية في الدنيا، وبالفلاح في الآخرة. ومما تواتر عليه البلاغيون شاهداً في هذا الباب من النص الشعري،

стр. 248

قول حاتم الطائي: ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما. فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة، إن نالها عد مغنما. إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمماً. يرى رمحه، أو نبله، ومجشه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما. وأحناء عمرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجاً وطرفاً مسوما. فذلك - إن يهلك - فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما. فقد وصف الصعلوك بصفات هي: أنه يصارع الأحداث في عزم يفل ذوائب الدهر، وأنه ذو رغائب عالية، وأهداف سامية، فلا يعد الشبع مغنماً ولا الجوع مغرماً، وأنه يتخير من المكارم أعلاها وأسماها ثم يمضي إليها في عزيمة قوية لا تردد فيها ولا ترجع عنها، وأنه يرى عتاده في الحرب فرساً كريماً مسرجاً ملجماً، ورمحاً أو نبلاً ومجناً وسيفاً قاطعاً ثم أشار إليه "بذلك" لينبه إلى أنه - من أجل تلك الأوصاف - جدير "بأن يذكر بالثناء العاطر إذا مات، وأن يبقى عزيزاً كريماً إذا عاش. ومثله قول عروة بن الورد (١). ولله صعلوك صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور.

стр. 249

[سقطت من المصور]

стр. 250

التعريف بأل: قالوا: إن المسند إليه يؤتى به معروفاً بأل إذا كان بينك وبين مخاطبك عبد به. فإذا تقدم له ذكر صريح، كما في قولك: صنعت في رجل جميلاً، فلم يحفظ الرجل الجميل سميت هذه اللام لام العهد الصريح. ومنه قوله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ"، فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم أعيد ذكرهما باللام، لأنهما معهودين، لتقدم ذكرهما صراحة. وإذا تقدم له ذكر كنائي، كما في قوله تعالى - في شأن أم مريم -: "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، فأتى بالمسند إليه وهو "الذكر" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود، تقدم ذكره كناية في قوله تعالى: - حكاية عن امرأة عمران -: "رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً"، فلفظ ما يعم الذكور والإناث، ولكن التحرير - وهو أن يعتق الولد ليكون وقفاً على خدمة بين المقدس - لم يكن إلا للذكور، ولهذا كان قولها: "مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً" كناية عن الذكر. فإذا تقدم المسند إليه ذكر كنائي كما في الآية الكريمة سميت اللام لام العهد الكنائي. وإذا لم يتقدم للمسند إليه ذكر مطلقاً، لا صريحاً ولا كناية، ولكن المخاطب به عهد، كأن تقول في شأن رجل حاضر معكما: "أنشد الرجل قصيدة عصماء، سميت اللام لام العهد الحضوري. وإذا لم يكن حاضراً سميت اللام لام العهد العلمي.

стр. 251

وقد يؤتى بالمسند إليه معرفاً بأل للإشارة بها إلى الحقيقة نفسها. فإذا دخلت اللام على ما يراد به الحقيقة نفسها بغض النظر عما ينطوي تحته من أفراد، سميت اللام لام الحقيقة، وذلك كما في قولك: الرجل خير من المرأة، الحرير أحسن من القطن، الذهب أفضل من الفضة. ومن ذلك قولهم: "أهلك الناس الدينار والدرهم". ومنه قول أبي العلاء المعري: والخل - كالماء - يبدى له ضمائره ... مع الصفاء، ويخفيها مع الكدر فالحكم بالتشبيه هنا على حقيقة الخل لا على خل بعينه. وإذا دخلت اللام على ما يراد به فرد مبهم من أفراد الحقيقة - لقربنة دالة على ذلك - سميت اللام لام العهد الذهني، وذلك كما في قوله تعالى: "وأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ". ومنه قول شمر بن عمرو الحنفي (١): لو كنت في ريمان لست ببارح ... أبداً وسد خصاصة بالطين لي في ذراه مآكل ومشارب ... جاءت إلى مغبتي تبغيني ولقد مررت على اللئيم يسبني ... فمضيت تمت قلت: لا يعنيني غضبان ممتلئاً على أهابه ... إني وربك سخطه يرضيني يا رب نكس إن أتته مشيئتي ... فرح، وخرق إن هلكت حزين ريمان: قصر باليمن، خصاصه: حاجة. الذرى بفتح الذال: ما يكن

стр. 252

من الريح من حائط أو شجر، النكس بكسر النون وسكون الكاف: الرجل الضعيف، أو المقصر عن غاية النجدة والكرم، الخرق: بكسر الخاء: الكريم المتخرق في الكرم أو الفتى الظريف في سماحة ونجد. فالشاعر يقول: لو كنت في قصر ريمان باليمن مقيماً فيه أبداً، قد سدت فروجه وأحكم غلق نوافذه، آكلاً شارباً فيه، لأتتني فيه منيتي تبتغيني. ولقد مررت على اللئيم - وهو يسبني - فلم أحفل به، ولم أهتم بما يقول، وحدثت نفسي قائلاً: مثل هذا اللئيم لا أقيم له وزناً، ولا أعيره اهتماماً، مع أنه قد امتلأ غضباً وحنقاً علي، يكاد يهلك نفسه ويحرق صدره بما يكنه من العداء إن هذا - وربك - هو ما يرضيني ويريح نفسي، ولئن مت ليفرحن الضعيف الحقير، وليحزنن الكريم الأصيل. وإذا دخلت اللام على ما يراد به جميع الأفراد المندرجة تحت الحقيقة، سميت اللام لام الاستغراق سواء أكان الاستغراق حقيقياً، كما في قوله تعالى: "إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الإنسان، أم كان الاستغراق عرفياً، كما في قولك: "امتثل الجند أمر القائد" لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الجند بحسب العرف. أي: جنود بلد القائد فحسب.

стр. 253

التعريف بالإضافة: قالوا: إن التعريف المسند إليه بالإضافة يكون لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخصر منها، وذلك إذا كان المقام يقتضي الإيجاز والاختصار، لفرط السآمة وضيق الصدر لحزن أو ألم. وشاهدهم على ذلك قول جعفر بن علبة الحارثي، وهو سجين بمكة، وكان قد قتل واحداً من بني عقيل فسجن، وجاءه ركب من اليمن - وفيهم محبوبته - فعزم الراكب على الرحيل فقال: هواي مع الراكب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلق ألمت فحيت، ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق ولا أن نفسي يزدهيها وعهدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق ولكن عرتني من هواك ضمانة ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق الركب: ركبان الإبل خاصة، اليمانيون: المنسوبون إلى اليمن، المصعد: المبعد. جنيب: مجنوب مستتبع. الجثمان: البدن. الموثق: المقيد مسراها: مسرى خيالها، ليصح التعجب منه. ألمت: من الإلمام وهو الزيارة. تخشعت: تكلفت الخشوع. أفرق: أخاف. زهوق النفس: ذهابها. يزدهيها: يستخفها. الأخرق: القليل الرفق بالشيء. الضمانة: الزمانة. يقول الشاعر - تحسراً على ما هو فيه من السجن وابتعاد حبيبته -: إن من أهواها مع الركب المسافر إلى اليمن مبتعدة عني وأنا سجين مقيد بمكة، ليس في استطاعتي أن أودعها ولا أن أتزود منها بنظرة واحدة،

стр. 254

وقد زارني خيالها في السجن ليلاً، فعجبت له، كيف استطاع أن يخترق أسوار هذا السجن وبابه مغلق دوني؟ ! لقد زارني خيالها فحياني وودعني، فلما ذهب عني كادت نفسي تذهب بذهابه! ثم التفت إلى محبوبته قائلاً: فلا تحسبي أنني خضعت بعدكم لشيء، ولا أنني أخاف الموت، ولا أن نفسي يستخفها تهديد القوم الذين حبست من أجلهم، ولا أنني ضجرت بالمشي في القيد، فأنا كالعهد بي: شجاع أبي صبور. ولكن عراني من حبك ضعف مزمن شبيه بالذي كنت ألقاه منك وأنا طليق متمتع بنسيم الحرية. والشاهد في الأبيات قوله: (هوي) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لأنها أخصر طريق إلى إحضاره في ذهن السامع لفرط السآمة وضيق صدر الشاعر. وقد أطلق الشاعر الهوى على المهوى مجازاً، أي الذي أهواه. ولعل في التعبير بقوله: (هواي مع الركب) ما يفيد قوة تعلقه بذلك الركب الذي سار وفيه جزء من الشاعر لا ينفك عنه! وكلما سار الركب كلما شد هذا الجثمان المقيد بمكة فزاد من وجده. وفي التعبير "بالجثمان" ما يوحي بأن روحه هي الأخرى قد سارت مع الركب متعلقة بمحبوبته فظل هو بمكة جثماناً بلا روح! وقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه بالإضافة، إغناؤها عن تفصيل متعذر، وذلك كما في قول مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة (١):

стр. 255

بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم - في الجاهلية - أول هم القوم: إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا، وأن أعطوا أطابوا وأجزلوا ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا - في الغائبات - وأجملوا (بنو مطر) هم قوم معن بن زائدة. والغيل: الشجر الكثير الملتف. وخفان: مأسدة قرب الكوفة. الأشبل: أولاد الأسود. بها ليل: كرام. السماكان: نجمان نيران في السماء. فالشاعر يصف قوم معن بأنهم شجعان، كأنهم أسود نجبت أشبالاً، وأن جارهم عزيز المكانة، حتى كأنهم يسكنونه السماء، وأنهم كرام، سادوا في الجاهلية، وأنهم القوم حقاً، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، لأنهم إن قالوا أصابوا كبد الحقيقة، وإن دعوا أجابوا دعوة الداعي، وإن أعطوا أحسنوا العطاء وأجزلوه، وأنهم فاقوا كرام الناس في فعالهم، فلا يستطيع أحد مجاراتهم. والشاهد في الأبيات قوله: (بنو مطر) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لأنها أغنت الشاعر عن تعداد قوم معن واحداً واحداً حتى يصفهم بما ذكره من الصفات، لأن ذلك أمر يتعذر عليه.

стр. 256

وقد لاحظت أن الشاعر قد أكد على أنهم (القوم)، أي الجديرون بإطلاق لفظ القوم عليهم، وكأن غيرهم من الأقوام ليسوا أهلاً لذلك، لأن الصفات التي ذكرها لهم قد ميزتهم عن غيرهم من الناس وجعلت منهم مثلاً عالياً في الفضائل والمفاخر. ولهذا كان من المناسب إضافتهم إلى أبيهم، أصل هذه الفضائل والمفاخر كلها! ومثله قول حسان بن ثابت يمدح الغساسنة قبل الإسلام: لله در عصابة نادمتهم ... يوما يحلق في الزمان الأول يمشون في الحلق المضاعف نسجه ... مشى الجمال إلى الجمال البزل يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل جلق: دمشق، وبزل ناب البعير: شق، البريص: غوطة دمشق كثيرة الماء والشجر. بردى: نهر بسوريا. آل جفنة: ملوك من أهل اليمن كانوا قد استوطنوا الشام، وأراد بقوله: "حول قبر أبيهم" أنهم في مساكن آبائهم ورباعهم التي كانوا قد وروثوها عنهم. فالشاعر يمدح الغساسنة الذين نادمهم قديماً، بأنهم شجعان بواسل، يسقون القادم إليهم من رحيق بردى العذب السلسبيل، وأنهم بها ليل كرام الأحساب، فيهم شمم وإباء. ثم قال: (أولاد جفنه).

стр. 257

فكأن الشاعر بعد أن وصفهم بما وصف من شجاعة، وكرم، وإباء، وطيب أصل، أراد أن يبين معدن هذه الصفات ومنبتها، وأنها جاءت من أصلهم الكريم، لأنهم أولاد جفنة. ومن هنا تدرك سر تعريفهم بالإضافة، فقد اكتسبوا التعظيم من إضافتهم إلى (جفنة) وهذا السر يأتي بعد أن تكون قد عرفت أن الشاعر قد تعذر عليه تعدادهم لوصفهم بتلك الصفات. ومن تعريف المسند إليه بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر قول عبد الله بن جذل في يوم برزه (١): قتلنا مالكا فبكوا عليه ... وهل يغني من الجزع البكاء؟ ! وكرزا قد تركناه صريعاً ... تسيل على ترائبه الدماء فإن تخرج لذاك بنو سليم ... فقد - وأبيهم - غلب العزاء فقد عرف الشاعر المسند إليه هو (بنو سليم) بالإضافة، لأنها أغنته عن تفصيل متعذر. ومثله قول ضرار بن الخطاب الفهري - في يوم عكاظ (٢): وجاءت سليم تهز القنا ... على كل سلهبة ضامر ... وجئنا إليهم على المضمرات ... بأرعن ذي لجب زاخر ... فلما التقينا أذقناهم ... طعانا بسمر القنا العائر ... فقرت سليم ولم يصبروا ... وطارت شعاعاً بنو عامر السلهبة: الفرس الجسيمة. الأرعن: الجيش. اللجب: الصياح. السهم العائر: الذي لا يدري من أين يأتي. شعاعاً: متفرقين.

стр. 258

يقول الشاعر: إن قبيلة سليم قد جاءت متأهبة لقتالنا، فجئناهم بجيش لجب عظيم، فلما التقينا، وأذقناهم طعاننا. فر منا بنو سليم ولم يصبروا على قتالنا، وطار بنو عامر في إثرهم متفرقين. والشاهد في الأبيات قوله: (وطارت شعاعاً بنو عمر)، فقد عرف المسند إليه - وهو بنو عامر - بالإضافة لأنها أغنت الشاعر عن تفصيل متعذر لأفرد هذه القبيلة. ومن تعريف المسند إليه بالإضافة لإغنائها عن تفصيل معتذر: قول قريط بن أنيف، لما أغار عليه الناس من بني العنبر، فاستنجد قومه فلم ينجدوه، فأتى بني مازن فأنجدوه (١): لو كنت من مازن فلم تستبح إبلي ... بنو اللقيط من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خش ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا ... قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا ... لا يسألون أخاهم حين يفديهم ... في الغائبات على ما قال برهانا لكن قومي - وإن كانوا ذوى عدد ... ليسلوا من الشر شيء وإن هانا! الخش: جمع أخش: الصعب الذي لا يلين. والحفيظة: الغضب في الشيء يجب عليك حفظه، واللوثة: الضعف مع اللين. إبداء الشر لناجذيه: مثل بضرب لشدته وصعوبته. والزرافات الجماعات. يندبهم: يدعوهم.

стр. 259

يقول الشاعر: لو كنت من قبيلة مازن لما أغار بنو ذهل على إبلي واستأصلوها أخذاً ونهباً، ولو كان ذاك لقام بنصري قوم صعاب أشداء يدفعون عني ويأخذون بحقي ممن اعتدى علي وظلمني إذا لان ذو الضعف ولم يدفع ضيماً ولم يحم حقيقة، فهم قوم يقومون على المكاره، ويسرعون إلى الشدائد؛ فلا يتكل بعضهم على بعض؛ بل كل يرى أنه حقت عليه الإجابة؛ فيسرعون مجتمعين ومتفرقين؛ فإذا دعاهم داع لنصره على أعدائه أسرعوا إلى الحرب ولم يسألوا عن سببها؛ ولا يتعلون كما يتعلل الجبناء؛ لكن قومي لا يلجون باب الشر - وإن كان هيناً - فهم جبناء. والشاهد في الأبيات قوله: (قومي) حيث عرف المسند إليهم وهم قوم الشاعر؛ بإضافتهم إليه؛ لأن هذه الإضافة قد أغنته عن تفصيل متعذر لقومه. ولعلك تلحظ معي نبرة التحسر التي تنبع من إضافة قوم الشاعر إلى نفسه حيث خذله قومه، ونصره الغرباء! وقد لا يكون التفصيل .. في المسند إليه متعذراً، ولكن يمنع منه خشية الملل والسآمة؛ فيؤتى بالمسند إليه معرفاً بالإضافة لهذا الغرض، وذلك كما في قول الشاعر: قبائلنا سبع؛ وأنتم ثلاثة ... والسبع خير من ثلاث وأكثر فإن تعداد قبائله السبع؛ بأن يقول: قبيلة كذا، وقبيلة كذا، ليس متعذراً، ولكنه يوقع في السآمة والملل (١). وقد ذكر الخطيب قول الحارث بن وعلة الجرمي: قومي هم قتلوا - أميم - أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي

стр. 260

مثالاً للتعريف بالإضافة التي أغنت عن تفصيل مرجوح لجهة. ومعنى أن التفصيل هنا مرجوح لجهة: أنه ليس تفصيلاً متعذراً، ولكن الذي منع من التفصيل أمر آخر رجح الإجمالي على التفصيل. وقد تولى تفسير هذا الأمر العلامة الدسوقي في حاشيته (١)، فقال: "وإغناء الإضافة عن تفصيل تركه أولى لجهة، ككون التفصيل يقتضي ذماً، أو إهانة، أو خوفاً وإن أمكن التفصيل، كقوله: "قومي هم قتلوا - أميم - أخي .. ". والحق ما ذكره الدكتور محمد أبو موسى، من أن هذه الإضافة وراءها معنى أكبر من هذا، لأنها ترشد إلى بشاعة جريمتهم، وترمز إلى ما في قلبه من الأسى، وأن الإضافة هنا إضافة القوم القاتلين إلى النفس الموجوعة بهذا القتل (٢). ويؤيد هذا القول أن ما بعد هذا البيت من أبيات القصيدة يوحي بهذا المعنى، استمع إلى بقية الأبيات (٣): فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي لا تأمنن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم أن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمى ... وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم ... ووطئتنا وطاً على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم

стр. 261

وتركتنا لحماً على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم! فالشعار لم يخف من إبغار صدور قومه عليه، ولكنه يصور لنا مأساته، أو محنته تصويراً صادقاً، بأن الذين قتلوا أخاه هم من قومه، فإذا ما انتقم منهم فكأنه ينتقم من نفسه - لأن الرجل بعشيرته - كما يقولون - وإذا ما ترك الانتقام فقد صفح عن أمر عظيم، ثم قال متوعداً، إياك أن تأمن لمن بدأته بالشتم والإذلال، فقد تحقر الشيء في بدء أمره، ثم لا يلبث أن يزداد قوة واتساعاً في غايته. وقد زعمتم أننا لا حلوم لنا، فإن كان الأمر كما زعمتم، فنبهونا أنتم. وهذا تهكم من الشاعر. ثم وجه حديثه إلى قاتل أخيه بالبيتين الأخرين بأنه قد بالغ في فعلته حتى بأنه لم يبق له شيئاً! وفي معنى البيت الأول يقول أعرابي قتل أخوه ابناً له: أقول للنفس تأسا وتعزية ... إحدى يدين أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي فليست الإضافة في قول الشاعر (قومي) لتعذر تفصيل من قتلوا أخاه، ولا لأنه يخاف من أن يوغر صدورهم عليه، ولكن لأن الإضافة قد أفادت معنى يهز أوتار قلب الشاعر. وهو أن القائل ليس غريباً عنه. وقد تتضمن الإضافة تعظيماً لشأن المضاف إليه، كما في قوله تعالى: "إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" فقد عرف المسند إليه بالإضافة في قوله "عبادي" تعظيماً لشأن المضاف وهو العباد، بأنهم عباد رب الأرباب.

стр. 262

ومنه قول الله تعالى: "وأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ" (١)، فالإضافة إلى الله تعالى لشريف ما بعده لشريف. وقد تتضمن تعظيماً لشأن المضاف إليه: كما تقول: "سيارتي في انتظاري" ففي الإضافة تعظيم لك بأن لك سيارة. ومن هذا القبيل قول أبي فراس الحمداني مفتخراً (٢): إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب جافي ... ما كل ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فبعض شيء كافي وتعاف لي طمع الحريص فتوتي ... ومروءتي، وقناعتي، وعفافي ... ما كثرة الخيل العتاق بزائدي ... شرفاً، ولا عدد العوام الضافي خيل - وإن قلت - كثير نفعها ... بين الصوارم والقنا الرعاف ومكارمي عدد النجوم، ومنزلي ... مأوى الكرام، ومنزل الأضياف فالشاعر يفتخر بعزة نفسه وعلو همته، ولهذا فإنه لا يعير وفرة المال، ولا كثرة السوام اهتماماً، ولكن الذي يهمه، ويعمل من أجله، ويسعى إليه، هو كل ما يزيد من عزة نفسه؛ ويرفع من قدرها، وذلك بكثرة المكارم ووفرة الفضائل، من الفتوى، والمروءة، والقناعة، والعفاف

стр. 263

ولهذا فإنك تراه قد عرف هذه الفضائل بالإضافة إليه تعظيماً لشأنه في قوله: "فتوتي، ومروءتي، وقناعتي، وعفافي، ومكارمي". ولعلك قد لاحظت الفرق بين الإضافة في قوله "منزلي" والإضافة في قوله "منزلي الأضياف"؛ حيث تضمنت الإضافة تعظيماً لشأن المضاف إليه في الأول، ولكنها قد تضمنت تعظيماً لشأن المضاف في الثاني فقد أضاف الشاعر المنزل إلى نفسه تعظيماً لها، بينما أضافه إلى الأضياف تعظيماً للبيت نفسه. وقد تتضمن الإضافة تحقيراً لشأن المضاف، كما في قولك: "أخوا اللص قادم" ففي الإضافة تحقير للمضاف بأن أخاه لص. ومنه قول الله تعالى: "أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ" (١)، فقد عرف المسند إليه بالإضافة تحقيراً لشأن المضاف. وقد تتضمن تحقيراً لشأن المضاف إليه، كما تقول: "ضاربك قادم" فقد تضمنت الإضافة تحقيراً لشأن المضاف إليه بأنه أهين بالضرب. ومما جمع فيه بين تحقير المضاف إليه وتعظيمه: قول جميل عبد الله بن معمر العذري (٢): أبوك حباب، سارق الضيف برده ... وجدي - يا حجاج - فارس شمرا بنو الصالحين الصالحون، ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيراً

стр. 264

فإن تغضبوا من قسمة الله حظكم ... فلله - إذ لم يرضكم - كان أبصرا أراد الشاعر أن يحقر من شأن الحجاج، فأضاف إليه أباه حباباً الذي اشتهر بنقيصة سرقة ثياب الضيف وأن يعظم من شأن نفسه، فأضاف إليه جده الذي اشتهر بالشجاعة وإباء الضيم؛ لأن الأبناء يتبعون آباءهم في الرفعة والضمة، فإن غضب الحجاج وقومه بذلك فليضربوا رءوسهم في الصخر، فتلك حكمة الله، وهو أدرى بخلقه! وقد تتضمن الإضافة اعتباراً لطيفاً، كهذا الذي تجده في قول الشاعر: إذا كوكب الخرقاء لاح بسحره ... سهيل: أذاعت غزلها في القرائب الخرقاء: الحمقاء، وسهيل: بدل من كوكب: نجم يطلع في الشتاء سحراً. فالشاعر يقول: إن المرأة الحمقاء لا تجتهد في إعداد الغزل في وقت الصيف، حتى إذا ما فوجئت بطلوع سهيل في مستهل الشتاء سحراً، وزعت غزلها على قريباتها ليساعدنها فيه. والشاهد في البيت قوله: (كوكب الخرقاء) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لاعتبار لطيف، وهو أن الإهمال أصبح من عادة هذه المرأة التي لا تفيق إلا على رؤية هذا النجم حتى كأنه قد خلق من أجلها، ولهذا أضيف إليها، ويسمون هذه الإضافة لأدنى ملابسه. وقد تتضمن الإضافة: الحث على فعل الشيء، وذلك كأن نقول "محبك على الباب" تريد أو ترفقه، لكي يأذن له بالدخول:

стр. 265

ومن ذلك قول الله تعالى: "لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا ولا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ" (١)، فإنه لما نهى المرأة عن المضارة، أضاف الولد إليها، استعطافاً لها، وحثاً على عدم المضارة، ومثله الإضافة في قوله: "بولده". ٤ - تنكير المسند إليه: النكرة - في أصل وضعها - تدل على الإفراد والنوعية. فإذا قلت: جاءني رجل، كانت النكرة - هنا - صالحة لأن تقصد بها الإفراد: أي أن يكون قد جاءك رجل واحد لا رجلان، وصالحة - أيضاً - لأن تقصد بها: النوعية، أي: أن يكون قد جاءك رجل لا امرأة. والذي يمحض النكرة لواحد من الأمرين: - الإفراد أو النوعية - هو: الوصف، أو دلالة الحال. فمثال ما تمحضت النكرة للإفراد بالوصف: قول الله تعالى: "لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ" (٢). يقول جار الله الزمخشري: "الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به: ألا نرى أنك لو قلت: "إنما هو إله" - ولم تؤكد - لم يحسن؟ وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية؟ !

стр. 266

فالتنكير في "إلهين" للأفراد، أي لفرد مما يصدق عليه اسم المثنى، لأنه وصف باثنين، وفي (إله) للإفراد - أيضاً - لأنه وصف بواحد. ومثال ما تمحضت النكرة فيه للإفراد بدلالة الحال: قول الله تعالى: "وجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى" (١). فقد أتى بالمسند إليه نكرة لأن الغرض هو إثبات المجيء لرجل واحد من أفراد الرجال. ومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بالوصف: قول الله تعالى: "ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (٢) " فقوله (دابة) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، فجاء قوله تعالى: "في الأرض" وصفاً مبيناً أن القصد هو الجنس لا الإفراد. وكذلك قوله تعالى: (طائر) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، أي: طائر واحد، أو جنس الطائر، فجاء قوله تعالى: "يطير بجناحيه" مبيناً أن القصد - هنا - هو جنس الطائر لا فرد من أفراده. ومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بدلالة الحال: قول الله تعالى: "وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ" (٣). فقد نكر المسند إليه لأن القصد فيه إلى نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن الحق. أي الإعراض عن آيات الله تعالى.

стр. 267

فالمعنى الحقيقي للنكرة هو: الإفراد أو النوعية - كما رأيت مما أسلفنا لك من أمثلة. ولكنها قد تخرج إلى معان أخرى مجازية تفهم من سياق الكلام، كالتعظيم، والتحقير، والتكثير، والتقليل، والنص الأدبي - شعراً كان أو نثراً - زاخر بما يورده الشعراء أو الأدباء من نكرات قصدوا بها معاني تدل عليها سياقات الكلام، ودلالات الأحوال: اقرأ - إن شئت - قول الله تعالى: "ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ" نجد أنه قد نكر المسند إليه لتعظيمه، أي: ولكم في القصاص حياة عظيمة، لأنهم كانوا - في الجاهلية - لا يكتفون بقتل القاتل. بل كانوا يشفعونه بقتل جماعة من عشيرته تشفياً، فيبعثون بذلك ثارات أخرى تقوم من أجلها حروب بين العشيرتين وقد تنضم إلى هؤلاء وأولئك قبائل أخرى تبعث ثارات جديدة، فتكثر القتلى، ويزداد سفك الدماء فكان في القصاص حقن لدماء هؤلاء جميعاً. ولهذا كانت الحياة النابعة من القصاص حياة عظيمة، وأي حياة أعظم من حياة كهذه؟ ! ثم اقرأ قول الله تعالى: "ولَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ (١) " نجد أنه قد نكر المسند إليه - وهو نفحة - لتحقيره، أي نفحة قليلة ضئيلة. واقرأ قول الله تعالى: "إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَناً" تجده قد نكر غير المسند إليه لتحقيره، أي ما نظن بالساعة إلا ظناً ضعيفاً هزيلاً. وهكذا تجد التنكير تارة يفيد تعظيم المسند إليه، وتارة يفيد تحقيره.

стр. 268

فإذا ما استمعت إلى قولهم: " (إن له لا بلا، وإن له لغنما) وجدت تنكير المسند إليه في هذا القول قد أفاد تكثيره، أي، أن له لإبلاء كثيرة، وإن له لغنماً كثيرة. وإذا ما استمعت إلى قولهم: (كلم تتضمن حكماً خير من سفر ينضج هراء) وجدت تنكيره في هذا القول قد أفاد تقليله، أي: عدد قليل من الكلمات. وهكذا - أيضاً - تجد التنكير: تارة يفيد تكثير المسند إليه، وتارة يفيد تقليله: فإذا ما تلوت قول الله تعالى: "وإن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ" وجدت التعظيم والتكثير قد اجتمعا في تنكير المسند إليه - وهو (رسل) - أي: رسل كثيرون، ذوو شأن عظيم. وهذا أبو السمط - وهو مروان بن أبي حفصة - يقول مادحاً: فتى لا يبالي المدلجون بغاره ... إلى بابه أن لا تضيء الكواكب أصم عن الفحشاء حتى كأنه ... - إذا ذكرت في مجلس القوم - غائب ... له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له - عن طالب العرف - حجب فيصف ممدوحه بالكرم، وبالبعد عن كل ما يدنس النفس أو يشينها، ولهذا فإن القادمين إليه ليلاً لا يبالون بأن تضيء الكواكب أو لا تضيء، لأن نيران القرى التي يوقدها ليلاً تهديهم إلى بابه، وإذا ما ذكرت الفحشاء في مجلس القوم، أصم أذنيه عن سماعها، حتى كأنه ليس حاضراً مجلسهم،

стр. 269

فله حاجب يحفظه من كل ما يشين النفس أو يدنسها، ولكنه ليس له حاجب يحجبه عن طالب معروفه فكلمة (حاجب) في شطري البيت الأخير: مسند إليه نكرة، ولكن تنكيرها في الشطر الأول كان لتعظيم المسند إليه، وتنكيرها في الشطر الثاني لتحقيره، وذلك لأنك - بعد أن عرفت غرض الشاعر وهو المدح - تكون قد عرفت - أيضاً: أن الحاجب الذي يحجبه عن كل ما يدنس نفسه أو يشينها، ينبغي أن يكون حاجباً عظيماً، وأن الحاجب المنفي عن طالب معروفه ينبغي أن يكون ضئيلاً رقيقاً، إذ ليس له حاجب ما. وهكذا تجد الشاعر قد جمع - في بيت واحد - بين تعظيم المسند إليه، تحقيره بالتنكير. وقد رأيت كيف تلاعب الشاعر بالألفاظ، فجعل الحاجب تارة مثبتاً، وتارة منفياً لممدوح واحد، مما أثار انتباه المتذوق لشعره، ولكنه بعد أن علم أن الحاجب نوعان: نوع يحجب الصغائر والدنايا؛ ونوع يحجب طالبي العرف، وأنه قد أثبت الأول لممدوحه قوياً متيناً، ونفى الثاني عنه ولو كان ضئيلاً هزيلاً، اطمأن قلبه لهذا التفسير اللطيف، وانبسطت أساريره لهذه المتعة البلاغية. وهذا أبو دؤاد الإيادي - أحد نعات الخيل كما يقول الأصمعي - يصف فرسه فيقول: ولقد اعتدى، يدافع عني ... أحوذي - ذو ميعة، إضريج سلهب، شرجب، كأن رماحا ... حملته، وفي السرأة دموج الأحوذي: الحاذق المشمر للأمور، والسريع فما أخذ به، والميعة: أول الشيء، وميعة الفرس: أول جريه، والإضريح: الفرس الشديد

стр. 270

العدو السلهب من الخيل: ما عظم وطالت عظامه؛ والشرجب، الطويل والفرس الكريم. والسرأة: الظهر. والدموج: الاستحكام. فالشاعر يصف فرسه بالقوة والنشاط والسرعة وطول العظام، واستحكام الظهر. والشاهد - هنا - قوله: (كأن رماحاً) فقد نكر المسند إليه لتعظيمه؛ أي: كأن رماحاً طويلة قوية متينة قد حملت فرسه لطول قوائمه وعلو متنه. وأنظر إلى قول إبراهيم بن العباس الصولي - وقد كان عاملاً على الأهواز في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات واعتقل وأوذى فظن أن هذا الوزير سوف يسامحه لصداقته قبل الوزارة: فلو إذ نبادهر، وأنكر صاحب ... وسلط أعداء، وغاب نصير تكون عن الأهواز دارى بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور وإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير تجد أن الشاعر قد نكر الدهر؛ لأنه أراد به دهراً ذميماً، لا كذلك الدهر الذي عاشه أيام سعادته. ونكر الصاحب - أيضاً - لأنه أراد به صاحباً حقيراً لا يستحق صحبته، ولم يقل وأنكرت صاحباً، لأنه لا يريد أن يسند إليه نفسه نكران الصاحب، ونكر الأعداء: لتحقيرهم، وفي (سلط) دليل على أنهم مسلطون، وأنهم أدوات حقيرة في أيدي غيرهم، وبنى الفعل للمجهول: لأنه لا يريد ذكر من سلطهم إهمالاً له لحقارته؛ ونكر (١٨ - النظم البلاغي)

стр. 271

النصير، لأنه يقصد نصيراً كان يأمله لمثل هذه المحنة؛ فهو النصير القوي الوفي وفي تنكيره (مقادير) و (أمور) ما يدل على أنها مقادير قوية لا يستطيع ردها، وأمور جسام لا يستطيع احتمالها. فقد رأيت أن الشاعر قد جمع - في البيتين الأولين - بين التنكير التحقير، والتنكير التعظيم، والتنكير للنوعية. ثم قرأ - إن شئت - قول السمو آل بن عادياء مفتخراً (١): تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامي العلا وكهول وما ضرنا أن قليل وجارنا ... عزيز؛ وجار الأكثرين ذليل لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع، يرد الطرف وهو كليل رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويلا تجد أن الشاعر قد نكر المسند إليه في قوله (شباب، وكهول) لأنه يريد شباباً عظيماً متطلعاً إلى المعالي، وكهولاً عظيمة سبقتهم إليها، وسنت لهم سبيلها، ومهدت لهم الطريق إليها. ونكر المسند إليه - أيضاً - في قوله (لنا جبل) لأنه يقصد جبلاً هائلاً عظيماً يحمي من يجيره وفي قوله (فرع) لأنها أراد فرعاً طويلاً عظيماً، لا يناله من يحاول السمو إليه.

стр. 272

فتنكير المسند إليه في تلك الأبيات للتعظيم - كما ترى -. وقد يمنع من التعريف مانع فينكر المسند إليه؛ وذلك كما في قول الشاعر: إذا سئمت مهنده يمين ... لطول العهد بدله شمالا فقد نكر اليمين، لأنه لو قال (يمينه) لأسند السآمة - صراحة - إلى يمين ممدوحه، وذلك مما ينافي غرض المدح، وهذا اعتبار لطيف. وقد لا يمنع من التعريف مانع، ولكنه قد يوقف الشاعر عن مواصلة غرضه من وصف المسند إليه، بما شاء من الأوصاف، ولهذا فإنه يجيء به منكراً: استمع إلى قول الشاعر: تناس طلاب العامرية إذا نات ... يا سجح مر قال الضحى قلى الضفر إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلمة سمر تجوب له الظلماء عين؛ كأنها ... زجاجة شرب غير ملآى ولا صفر الأسجج من الإبل: الرقيق المشفر، ومر قال الضحى، أي مسرع السير فيه وهو وقت الحر. والضفر: الحزام، وقلقه من الضمور، وتحورت الحية: تقلبت. والشواة: الجلود. والمثلمة السمر: الأخفاف، وثلمها يكون من السير على الحجارة، أي: إذا مشى ليلاً والأفاعي خارجة من جحورها وأحست به انقبضت جلودها عن طريقه خوفاً من أخفافها. يريد الشاعر أن جمله يهتدي بنور عينيه في ظلمات الليل، ويمكنه بها أن يخرق حجاب الظلمات ويمضي فيها.

стр. 273

[سقطت من المصور]

стр. 274

ولهذا فإنك تجد السكاكي يتقدم الركب المتأخرين في محاولة بيان أسرار العناية بتقديم المسند إليه ولكنهم قلما وجدوا شيئاً لم يذكره عبد القاهر. فقد ذكروا من أسباب تقديم المسند إليه أسباباً ليست كافية - في رأينا - لبيان أسرار تقديم المسند إليه. وذلك لأن منها ما لا صلة له ببلاغة التركيب، لدلالة الكلام فيه على أصل المعنى، كهذا الذي يقولون عنه، إن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، ومنها: ما تكفلت بذكرها أسباب أخرى لذكر المسند إليه، أو لتعريفه، كتعجيل المسرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير، وكإيهام أنه لا يغيب عن الخاطر لأنه يستلذ، أو يتبرك به. والأهم من هذا كله - في هذا الباب - هو الحديث عن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: وقد توضح عبد القاهر أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيد لأمرين: أولهما: تقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع كما هو مقرر في ذهن المتكلم. وثانيهما: تخصيص الفعل بالمسند إليه. وإنما كان تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيداً لتقوية الحكم، لأن مثل هذا التركيب يتكرر فيه الإسناد، لأن المبتدأ - كما هو معروف - يطلب الخبر، فإذا جاء الفعل بعده صرفه إلى نفسه، فثبت له، فإذا كان الفعل متضمناً لضميره، صرفه ذلك الضمير إليه ثانياً، فثبت له مرة أخرى، وبذلك يتكرر الإسناد، فيكتسي الحكم قوة. فقولك: "محمد يعطي الجزيل" مفيد لتقوي الحكم، لأن الفعل فيه قد

стр. 275

أسند مرتين: مرة إلى المسند إليه الظاهر - وهو: محمد - ومرة أخرى إلى ضميره المستتر في الفعل، فكأنك قلت: يعطي محمد الجزيل، يعطي محمد الجزيل، ويتكرر الإسناد بتقوى الحكم ويتقرر في ذهن السامع. هذا ما عليه المتأخرون من البلاغيين، يتقدم ركبهم السكاكي (١) - كما أسلفنا -. وهي علة نحوية - كما نرى - ولا غبار عليها. ولكن عبد القاهر الجرجاني - وهو إمام من أئمة النحو، كما هو إمام البلاغة بلا منازع - لم يذكر هذه العلة - وإن كانت نصب عينيه - ولكنه قد ذكر علة ذوقية أدبية، هي أحرى بالنظر إليها، والاهتمام بتذوقها، لأنها تعتمد رقة الإحساس، وسلامة الذوق، وذكاء البصر بمعرفة أنماط الأساليب في النص الأدبي، معياراً أمثل لبيان أسرار بلاغة التراكيب والعلة الذي ذكرها عبد القاهر سبباً لتقوي الحكم في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هي: أنك إذا ذكرت المسند إليه - هكذا - عارياً من العوامل، تنبه السامع إليه، وتطلع لما سوف تسنده إليه، لأنك لا تذكر الاسم هكذا، إلا إذا كنت قد نويت إسناد شيء إليه. فإذا أسندت الخبر إليه، قبله السامع قبول المتهيئ لسماعه، فاطمأنت نفسه. وتمكن قلبه وعقله فضل تمكن. يقول عبد القاهر: "فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل آكد لإثبات ذلك الفعل له؟ وأن يكون (هما يلبسان المجد) في جعلهما يلبسانه من أن يقال: (يلبسان المجد)؟ فإن ذلك من

стр. 276

أجل إنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوى إسناده إليه، وإذا كان كذلك فإذا قلت: عبد الله، فقد أشعرت قلبه بذلك، أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت، مثلاً -: قام، أو قلت: خرج أو قلت: قدم، فقد علم ما حثت به، وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له المطمئن إليه، وذلك - لا محالة - أشد لثبوته، وأنفى الشبهة، وأمنع الشك، وأدخل في التحقيق (١). وجملة الأمر: أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلاً، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والأحكام". ولم ينس عبد القاهر أن ينبه إلى أن الذي نبهه إلى تلك العلة الذوقية، هو سيبويه - في الكتاب - فقال: وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبنى الفعل الذي كان ناصباً له عليه، وعدى إلى ضميره فشغل به، كقولنا: في "ضربت عبد الله": عبد الله ضربته، وإنما قلت: عبد الله، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ورفعته بالابتداء (٢). وقد كانت هذه العلة النقدية الأدبية بين يدي السكاكي - وهو يختصر ما قاله عبد القاهر في هذا الموضوع - في دلائل الإعجاز - ولكنه أعرض صفحاً عنها، وتعلق بتلك العلة النحوية - كما رأيت -، لأنه كان ينظر إلى البلاغة بمنظار العقل والمتعقل، بينما كان الإمام عبد القاهر ينظر إليها بمنظار الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف.

стр. 277

وقد ذكر عبد القاهر: أنه مما يؤيد القول بأن هذا الأسلوب - أعنى تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - مفيد لتقوية الحكم: إننا إذا تأملنا، وجدنا هذا الضرب من القول، يجيء في كل مقام يحتاج إلى تأكيد الخبر وتقويته، ومنه: (أ) ما سبق فيه إنكار منكر، كأن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي. وكقول الناس. (هو يعلم ذاك وإن أنكر) و (هو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه). وكقوله تعالى: "ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ" وذلك لأن الكاذب - ولاسيما في الدين - لا يعترف بأنه كاذب. (ب) ما اعترض فيه شك، كأن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فتقول: (أنا أعلم ولكني أداريه). (ج) في تكذيب مدع، كما في قوله تعالى: "وإذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ". وذلك لأن قولهم: آمنا، دعوى منهم بأنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالمقام مقام تكذيب. (د) فيما القياس في مثله ألا يكون، كما في قوله تعالى: "واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ"، وذلك لأن عبادتهم لها تقتضي ألا تكون مخلوقة. (هـ) فيما يستغرب من الأمر. وذلك كأن تقول (ألا تعجب من فلان يدعى العظيم، وهو يعيا باليسير؟ ! يزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء)؟ !

стр. 278

(و) في الوعد والضمان: كقولك: (أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر)، وذلك لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في تمام الوعد والوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد. (ي) في المدح كقولك: (أنت تعطي الجزيل) (أنت تقرى في المحل) (أنت تجود حين لا يجود أحد). (ز) في الفخر، كما في قوله طرفة بن العبد: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب منها ينتقر والجفلى، الدعوة العامة إلى الطعام، والنقرى: الدعوة الخاصة إليه، والآداب: الداعي إلى الطفام من أدب يأدب مأدبة، والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي الذين يأدبون المآدب منالا لا ينتقون الضيوف، وإنما عون إليها دعوة عامة. كما يشهد لعبد القاهر - أيضاً - أنه إذا كان إذا كان النعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج - مثلاً - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: (قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: (هو قد خرج) وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه وكذلك إذا علم السامع من حا الرجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع - ولم يشك في أنه يركب، كان خبرك فيه أن تقوم: (قد ركب). وإليك نماذج من فصيح القول، تبين لك قيمة هذا الأسلوب في تقوية الحكم: اقرأ قول الأخنس بن شهاب - مفتخراً بفواس قبيلته (١)

стр. 279

فوارسها من تغلب بنة وائل ... حماة كماة، ليس فيهم أشائب هم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فتضارب فلله قوم مثل قومي عصابة ... إذا اجتمعت عند الملوك العصائب أرى كل قوم قاربو قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب الكماة: الفوارس. الأشائب: الأخلاط. الكبش: رئيس القوم. يبرق بيضه: يقصد أنه عليه درع لامعة. والسبائب: الطرق. قاربوا قيد فحلهم: قصروه. السارب: الذاهب في الأرض. فالشاعر يصف قومه بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ففرسان خيلهم من أبناء القبيلة، ليس فيهم غرباء لأنهم لا يحتاجون إلى غيرهم، وهم أدرى الناس بضرب الأعداء، فهم لا يضربون إلا الرئيس المدجج بسلاحه فيسيلون دماءه على وجهه أنهاراً. وإذا ما قصرت سيوفهم عن نيل أعدائهم وصلوها بخطواتهم فقاتلوهم وهم قوم إذا ما اجتمعوا مع غيرهم عند الملوك تميزوا عليهم وفاقوهم في مناقبهم ومفاخرهم. وهم - لعزهم وهيبتهم - لا يقيدون فحل إبلهم، ولكنهم يتركونه يرعى حيثما شاء، لأنه لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه خوفاً منهم وإجلالاً لهم، ولكن غيرهم من الناس يقيدون فحل إبلهم خوفاً من الأعداء، وعلماً عن المغيرين.

стр. 280

فالمقام - كما ترى - مقام افتخار بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ولهذا كان من المناسب تقوية الأحكام التي أراد الشاعر إثباتها لقومه، وبخاصة ما يتصل منها بتلك الصفات، ولهذا قال: (هم يضربون الكبش) مؤكداً هذا الحكم الذي يتصل بقوة قومه وشجاعتهم، بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي. وجاء قوله: (ونحن خلعنا قيده) مؤكداً هذا الحكم - أيضاً - بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قضاء لحق الفخر، لأن هذا الحكم مما يتصل بمنعة قومه وهيبتهم. ولعلك قد لاحظت أنه قد عبر عن المسند في قوله: (يبرق بيضه) بالفعل استحضاراً للصورة التي يكون عليها رئيس الأعداء وهم يضربونه، أي: والحال أنه قام السلاح، مستعد للحرب، ومع ذلك فإن قومه يضربونه فيسيلون دماءه على وجهه طرائق مختلفة، وذلك دليل شجاعتهم، وبرهان تفوقهم على أعدائهم. ولكنه عبر عن المسند في قوله، (فهو سارب) باسم الفاعل للدلالة على استمرار هذه الحال من فحلهم، أي أن ذلك دأب فحلهم أبداً منذ وجدوا على أرضهم، فهم أعزة أقوياء منذ كانوا، وليس ذلك بجديد عليهم. وهذا أبو الغول الطهوي، يفتخر بفوارس قومه فيقول (١): فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحا الحرب الزبون ... ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... سلموا بالحرب حيناً بعد حين

стр. 281

هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون الزبون في الأصل: الفاقة التي تزبن أي تدفع حالبها، الوقبى: اسم ماء لبني مازن. الشاعر معجب بفوارس قومه، مملوء غبطة بهم، فهو يفديهم بنفسه وما ملكت يمينه، لأنهم قد صدقوا ظنه فيهم فهم لا يهابون المنايا، ولا يملون لقاءها - وإن اشتدت رحا الحرب الضروس - ولا يضعفون عنها وإن تكررت عليهم أزماناً بعد أزمان. وهم قد حموا ماء الوقبى بضرب قد ألف أشتات المنايا على قوم جاءوا من أماكن شتى. والشاهد قوله: (وإن هم صلوا بالحرب) وقوله: (هم منعوا حمى الوقبى). فالشاعر عندما أراد أن يثبت لقومه دوام البسالة ولو اصطلوا بنيران الحرب في كل حين، لم يقل: وإن صلوا بالحرب، وإنما قال: (وإن هم صلوا) ليؤكد اصطلاءهم بنارها ومباشرتهم لوطيسها. وعندما أراد أن يثبت لهم بطريق آكدوا قوى، أنهم حموا حمى الوقبى لم يقل: منعوا حمى الوقبى، وإنما قال: هم منعوا حمى الوقبى، فقدم المسند إليه على الخبر الفعلي، ليفيد بذلك أنهم قد باشروا هذا العمل العظيم، ولكن بصورة قوية ومؤكدة. ومثله قول بعض بني بولان من طيء (١): نحن حبسنا بني جديلة في ... نار من الحرب جحمة الضرم

стр. 282

نستوقد النبل بالحضيض ونصطا ... د نفوساً بنت على الكرم فالشاعر يفتخر بما فعله قومه ببني جديلة يوم أن ظفروا بهم، فقد حبسوهم في جحيم من نيران الحرب التي أوقدها بنبالهم. وقوله: نستوقد النبل، من الكلام الفصيح الموجز - ما يقول التبريزي - وقوله: نصطاد نفوساً بنت - أي بنيت في لغة طيء - على الكرم، معناه: أنهم لا يصطادون إلا رؤوس الأقوام وأما جدهم - على حد قول الأخنس: "همو يضربون الكبش يبرق بيضه"، وعلى حد قول حسان بن ثابت: "الضاربين الكبش يبرق بيضه". والشاهد في البيتين قوله: (نحن حبسنا بني جديلة) حيث قدم المسند إليه على الخبر الفعلي ليفيد إثبات هذا الحكم للمسند إليه على طريق التأكيد والتقوية، لأن المقام مقام فخر، ويحتاج إلى إثبات هذا الحكم لقومه - وهو: أنهم قد حبسوا بني جديلة في جحيم من نار الحرب - بصورة مؤكدة، وطريقة قوية. وهذا جريبة بن الأشيم الفقعسي يفتخر بفرسان قومه، فيقول (١): فدى لفوارسي المعلمين ... تحت العجاجة، خالي وعم ... هم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أوجههم كالحمم فالشاعر يفدي فوارس قومه المعروفين بالشجاعة تحت العجاج في غمار الحرب، بخاله وعمه، لأنهم قد أدركوا ثأر من قتل منهم، وكشفوا سواة أعدائهم، وأظهروا مخازيهم وألبسوهم عاراً تسود منه الوجوه حتى كأنها الفحم. والشاهد قوله: (هموا كشفوا عيبة العائبين) فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتأكيد هذا الحكم، وهو: أنهم قد كشفوا مخازي أعدائهم، وأظهروا سوءاتهم، لأن المقام مقام فخر وهو يقتضي هذا التأكيد.

стр. 283

ومقام المدح مثل مقام الفخر في حاجته إلى تأكيد الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه، ولهذا فإنك ترى الشعراء - في مدحهم - يعمدون إلى هذا الأسلوب - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - لتأكيد إثبات الصفات التي يمدحون بها. استمع إلى قول المعذل بن عبد الله الليثي يمدح النهس بن ربيعة العتكي وكان النهس يكفل عنه ما يلزمه من المال، فوقع المعذل يوماً، وقبض عليه فأدركه النهس وحمله على فرس وأمره أن ينجو بنفسه وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أن أمدحك، أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال (١): جزى الله فتيان العتيك وإن فات ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا هموا خلطوني بالنفوس وأكرموا ... الصحابة لما حم ما كنت لاقيا هموا يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا طعامهم فوضى قضا في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا ... كأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان تحاسبا فالشاعر يطلب لهؤلاء القوم من الله الجزاء الأوفى، لأنهم أحسنوا إكرامه، وأكرموا صحبته حين ألم به الضرر، ولقى منهم الأمر العظيم، فهم خلطوه بأنفسهم، أي أنزلوه منهم منزلة أنفسهم، وهم فرسان يقتعدون صهوات الخيل الكريمة، ولا يستأثر بعضهم على بعض فيما يأكلون ولا يفعلون قبيحاً، وإذا ما شرب الأبطال كؤوس الموت قليلاً، وجدتهم يقدمون عليه إقدام المسرور به الذي تهلهل وجهه للقائه فرحاً وبشراً.

стр. 284

والشاهد في الأبيات قوله: (هم خلطوني بالنفوس) وقوله: (هم يفرشون اللبد) فقد قدم المسند إليه في كلا الموضعين - على الخبر الفعلي الذي أراد إثباته لهم - وهو أنهم خلطوه بأنفسهم، وأنزلوا منهم منزلة أنفسهم، وأنهم يعتقدون صهوات الخيل الأصيلة - لتأكيد هذا الحكم وتقويته، قضاء لحق المدح لقوم أكرموه إكراماً لا مزيد عليه. وهذه عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها، وتعدد محاسنهما في حياتهما، فتقول (١): لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وابأباهما؟ ! هما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما ... هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سنا للمدلجين سناهما تقول الشاعر: لقد زعم الناس أنني جزعت على ولدي حق الجزع، وهل يجزع على ولديه حق الجزع من يقول: وابأباهما؟ ! أي بأبي وأمي أفديهما؟ ! لقد كانا غوث من لا غوث له، إذا خاف ضعفاً أو ظلماً دعاهما، فيحسبانه وينصرانه، ولقد كان المجد لباسهما يستأثران به على غيرهما،

стр. 285

فهما شهابان منا، ظهرا قليلاً ثم غابا، وكان ضياؤهما هداية للذين يخترقون حجاب الليل. والشاهد في الأبيات قولها: (هما يلبسان المجد) فقد قدمت المسند إليه - وهو ضمير المثنى: (هما) تقصد ولديها - على الخبر الفعل - وهو يلبسان المجد - لتقوية هذا الخبر وتأكيده، قضاء لحق المدح لولديها اللذين قد فجعت فيهما معاً. والأمر الثاني الذي يفيده تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: هو تخصيص الفعل بالمسند إليه، يعني أن الفعل خاص به لا يتعداه إلى غيره، وذلك إذا دلت قرينة الحال على ذلك: ومثال ذلك أن تقول: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت عنده تريد أن تدعي الإنفراد بذلك، وترد على من زعم أن ذلك قد كان من غيرك أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت، وشفع عنده كما شفعت. ومما هو بين في إفادة التخصيص: قول الله تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ" (١)، أي: لم ينشئكم منها إلا الله تعالى. قوله تعالى: "اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ" (٢)، أي: لا يبسط الرزق إلى الله تعالى. وقوله تعالى: "ومِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ" (٣). ومن المبين - أيضاً - في هذا من فصيح الشعر: قول عبد الرحمن بن الحكم
следующие страницы →