← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون الزبون في الأصل: الفاقة التي تزبن أي تدفع حالبها، الوقبى: اسم ماء لبني مازن. الشاعر معجب بفوارس قومه، مملوء غبطة بهم، فهو يفديهم بنفسه وما ملكت يمينه، لأنهم قد صدقوا ظنه فيهم فهم لا يهابون المنايا، ولا يملون لقاءها - وإن اشتدت رحا الحرب الضروس - ولا يضعفون عنها وإن تكررت عليهم أزماناً بعد أزمان. وهم قد حموا ماء الوقبى بضرب قد ألف أشتات المنايا على قوم جاءوا من أماكن شتى. والشاهد قوله: (وإن هم صلوا بالحرب) وقوله: (هم منعوا حمى الوقبى). فالشاعر عندما أراد أن يثبت لقومه دوام البسالة ولو اصطلوا بنيران الحرب في كل حين، لم يقل: وإن صلوا بالحرب، وإنما قال: (وإن هم صلوا) ليؤكد اصطلاءهم بنارها ومباشرتهم لوطيسها. وعندما أراد أن يثبت لهم بطريق آكدوا قوى، أنهم حموا حمى الوقبى لم يقل: منعوا حمى الوقبى، وإنما قال: هم منعوا حمى الوقبى، فقدم المسند إليه على الخبر الفعلي، ليفيد بذلك أنهم قد باشروا هذا العمل العظيم، ولكن بصورة قوية ومؤكدة. ومثله قول بعض بني بولان من طيء (١): نحن حبسنا بني جديلة في ... نار من الحرب جحمة الضرم

стр. 282

نستوقد النبل بالحضيض ونصطا ... د نفوساً بنت على الكرم فالشاعر يفتخر بما فعله قومه ببني جديلة يوم أن ظفروا بهم، فقد حبسوهم في جحيم من نيران الحرب التي أوقدها بنبالهم. وقوله: نستوقد النبل، من الكلام الفصيح الموجز - ما يقول التبريزي - وقوله: نصطاد نفوساً بنت - أي بنيت في لغة طيء - على الكرم، معناه: أنهم لا يصطادون إلا رؤوس الأقوام وأما جدهم - على حد قول الأخنس: "همو يضربون الكبش يبرق بيضه"، وعلى حد قول حسان بن ثابت: "الضاربين الكبش يبرق بيضه". والشاهد في البيتين قوله: (نحن حبسنا بني جديلة) حيث قدم المسند إليه على الخبر الفعلي ليفيد إثبات هذا الحكم للمسند إليه على طريق التأكيد والتقوية، لأن المقام مقام فخر، ويحتاج إلى إثبات هذا الحكم لقومه - وهو: أنهم قد حبسوا بني جديلة في جحيم من نار الحرب - بصورة مؤكدة، وطريقة قوية. وهذا جريبة بن الأشيم الفقعسي يفتخر بفرسان قومه، فيقول (١): فدى لفوارسي المعلمين ... تحت العجاجة، خالي وعم ... هم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أوجههم كالحمم فالشاعر يفدي فوارس قومه المعروفين بالشجاعة تحت العجاج في غمار الحرب، بخاله وعمه، لأنهم قد أدركوا ثأر من قتل منهم، وكشفوا سواة أعدائهم، وأظهروا مخازيهم وألبسوهم عاراً تسود منه الوجوه حتى كأنها الفحم. والشاهد قوله: (هموا كشفوا عيبة العائبين) فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتأكيد هذا الحكم، وهو: أنهم قد كشفوا مخازي أعدائهم، وأظهروا سوءاتهم، لأن المقام مقام فخر وهو يقتضي هذا التأكيد.

стр. 283

ومقام المدح مثل مقام الفخر في حاجته إلى تأكيد الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه، ولهذا فإنك ترى الشعراء - في مدحهم - يعمدون إلى هذا الأسلوب - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - لتأكيد إثبات الصفات التي يمدحون بها. استمع إلى قول المعذل بن عبد الله الليثي يمدح النهس بن ربيعة العتكي وكان النهس يكفل عنه ما يلزمه من المال، فوقع المعذل يوماً، وقبض عليه فأدركه النهس وحمله على فرس وأمره أن ينجو بنفسه وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أن أمدحك، أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال (١): جزى الله فتيان العتيك وإن فات ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا هموا خلطوني بالنفوس وأكرموا ... الصحابة لما حم ما كنت لاقيا هموا يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا طعامهم فوضى قضا في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا ... كأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان تحاسبا فالشاعر يطلب لهؤلاء القوم من الله الجزاء الأوفى، لأنهم أحسنوا إكرامه، وأكرموا صحبته حين ألم به الضرر، ولقى منهم الأمر العظيم، فهم خلطوه بأنفسهم، أي أنزلوه منهم منزلة أنفسهم، وهم فرسان يقتعدون صهوات الخيل الكريمة، ولا يستأثر بعضهم على بعض فيما يأكلون ولا يفعلون قبيحاً، وإذا ما شرب الأبطال كؤوس الموت قليلاً، وجدتهم يقدمون عليه إقدام المسرور به الذي تهلهل وجهه للقائه فرحاً وبشراً.

стр. 284

والشاهد في الأبيات قوله: (هم خلطوني بالنفوس) وقوله: (هم يفرشون اللبد) فقد قدم المسند إليه في كلا الموضعين - على الخبر الفعلي الذي أراد إثباته لهم - وهو أنهم خلطوه بأنفسهم، وأنزلوا منهم منزلة أنفسهم، وأنهم يعتقدون صهوات الخيل الأصيلة - لتأكيد هذا الحكم وتقويته، قضاء لحق المدح لقوم أكرموه إكراماً لا مزيد عليه. وهذه عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها، وتعدد محاسنهما في حياتهما، فتقول (١): لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وابأباهما؟ ! هما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما ... هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما شهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سنا للمدلجين سناهما تقول الشاعر: لقد زعم الناس أنني جزعت على ولدي حق الجزع، وهل يجزع على ولديه حق الجزع من يقول: وابأباهما؟ ! أي بأبي وأمي أفديهما؟ ! لقد كانا غوث من لا غوث له، إذا خاف ضعفاً أو ظلماً دعاهما، فيحسبانه وينصرانه، ولقد كان المجد لباسهما يستأثران به على غيرهما،

стр. 285

فهما شهابان منا، ظهرا قليلاً ثم غابا، وكان ضياؤهما هداية للذين يخترقون حجاب الليل. والشاهد في الأبيات قولها: (هما يلبسان المجد) فقد قدمت المسند إليه - وهو ضمير المثنى: (هما) تقصد ولديها - على الخبر الفعل - وهو يلبسان المجد - لتقوية هذا الخبر وتأكيده، قضاء لحق المدح لولديها اللذين قد فجعت فيهما معاً. والأمر الثاني الذي يفيده تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: هو تخصيص الفعل بالمسند إليه، يعني أن الفعل خاص به لا يتعداه إلى غيره، وذلك إذا دلت قرينة الحال على ذلك: ومثال ذلك أن تقول: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت عنده تريد أن تدعي الإنفراد بذلك، وترد على من زعم أن ذلك قد كان من غيرك أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت، وشفع عنده كما شفعت. ومما هو بين في إفادة التخصيص: قول الله تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ" (١)، أي: لم ينشئكم منها إلا الله تعالى. قوله تعالى: "اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ" (٢)، أي: لا يبسط الرزق إلى الله تعالى. وقوله تعالى: "ومِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ" (٣). ومن المبين - أيضاً - في هذا من فصيح الشعر: قول عبد الرحمن بن الحكم

стр. 286

ابن هشام، يلوم قومه على مبايعتهم عمر بن عبد العزيز، لما أخذ في رد المظالم، وقسا في ذلك على أهل بيته خاصة: فقل لهشام، والذين تجمعوا ... بدابق: موتوا، لا سلمتم مدى الدهر فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عن مدية وهي لا تدري! عشية بايعتم إماماً مخالفاً ... له شجن بين المدينة والحجر! فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: (فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم) ليفيد بذلك التقديم أنهم هو الذين جنوا على أنفسهم بأيديهم حين بايعوا عمر بن عبد العزيز - في زعمه - وليس عمر بن عبد العزيز هو الذي جنى عليهم برده المظالم. لأن السياق يدل على إفادة التقديم هذا التخصيص، وذلك لأنهم لما أنكروا قسوة عمر بن عبد العزيز في رده المظالم من أهل بيته، أراد الشاعر أن يقول لهم: لا تلوموا هذا الإمام على ما فعل، ولوموا أنفسكم، إذ بايعتموه، فهو لم يظلمكم بما فعل، وإنما أنتم الذين ظلمتم أنفسكم بمبايعته. وقد رد أحد بني مروان على ابن الحكم بن هشام فقاله: لئن كان ما يدعو إليه هو الردى ... فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر فأنت من الريش الذنابي ولم تكن ... من الجزلة الأولى، ولا وسط الشعر ونحن كفيناك الأمور، كما كفى ... أبونا أباك الأمر في سالف الدهر (١٩ - النظم البلاغي)

стр. 287

فقدم هو الآخر المستند إليه على الخبر الفعلي - أيضاً - في قوله: (ونحن نفيناك الأمور) ليفيد بذلك أنهم هم الذين كفوهم هذه الأمور، لا أحد غيرهم، يريد أن يقول: أنكم عاجزون عن كفاية أموركم بأنفسكم، فكيف تعينونا على أمر الخلافة؟ ! وهذا الذي أسلفنا، من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تارة يفيد تقوي الحكم، وتارة أخرى يفيد تخصيص الفعل بالمسند إليه، إنما هو خاص بالجملة التي لم يتقدم فيها على المسند إليه نفي. أما إذا تقدم على المسند إليه نفي فإن عبد القاهر وجمهور البلاغيين يرون أن التقديم في هذه الحالة يفيد التخصيص قطعاً. فإذا قلت: (ما أنا قلت هذا) كنت قد نفيت عنك قولاً ثبت أنه مقول أي تنفي أن تكون أنت القائل له، وإن كان مقولاً لغيرك. وإذا قلت (ما أنا ضربت زيداً) كنت قد نفيت عنك ضرباً قد حدث فعلاً، أي تنفي أن تكون أنت الضارب، وإن كان الضرب قد حدث من غيرك. ولهذا لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا ولا أحد غيري) لأن قولك: (ما أنا قلت) يفيد وقوع القول من غيرك، وقولك (ولا أحد غيري) ينفيه عن غيرك، وهذا تناقض. كما أنه لا يصح أن تقول (ما أنا ضربت زيداً ولا ضربه أحد غيري)، لأن قولك (ما أنا ضربت زيداً) يفيد أن الضرب قد وقع من غيرك فإذا قلت (ولا ضربه أحد غيري) كان هذا تناقضاً وذلك واضح. وإليك من فصيح الشعر ما يوضح لك هذا النمط من القول: لما استبطأ سيف الدولة مدح أبي الطيب المتنبي، تنكر له فقال (١):

стр. 288

أرى ذلك القرب صار أزورارا ... وصار طويل السلام اختصاراً تركتني اليوم في خجلة ... أموت مراراً، وأحيا مراراً أسارقك الحظ مستحييا ... وأزجر في الخيل مهري سراراً وأعلم أني إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذاراً ولكن حمى الشعر إلا القليل ... هم حمى النوم إلا غراراً كفرت مكارمك الباهرات ... إن كان ذلك مني اختصاراً وما أنا أسقمت جسمي به ... وما أنا أضرمت في القلب ناراً فالشاعر يعتذر لممدوحه عن قلة الشعر بما لزمه من الهم الذي أسقم جسمه، وأضرم في قلبه النار، ثم يقول: لست أنا الذي أسقمت جسمي ولست أنا الذي أضرمت في قلبي النار .. فالسقم موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي قد جره إلى نفسه، وإضرام النار في قلبه موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي أضرمها. وقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى من قول العطوي (١):

стр. 289

أتراني أنا وفرت من الهم نصيبي؟ ! أنا أعطيت العيون النجل أسلاب القلوب؟ ! لو إلي الأمر ما أقذيت عيناً برقيب؟ ! يتساءل الشاعر عما إذا كان له نصيب في جلب الهم إلى نفسه، وأنه قد أعطى العيون النجل قلبه سلبا؟ ثم ينفي أن يكون ذلك قد حدث منه، لأنه لو كان الأمر بيديه لما أقذى عينه بالرقياء. وبعد: فقد رأيت مما سردنا لك من أمثلة أو شواهد، أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قد أفاد التخصيص في كل مثال أو شاهد تقدم المسند إليه فيه نفي. وهذا هو رأي الإمام عبد القاهر في مثل هذا الأسلوب. ويبدو أن الأمر ليس على إطلاقه - كما يقول الدكتور أبو موسى - وإنما هو أمر غالب لا لازم، فقد جاء هذا التركيب (١)، في القرآن الكريم من غير أن يكون دالاً على التخصيص، وذلك كما في قوله تعالى: "لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وجُوهِهِمُ النَّارَ ولا عَن ظُهُورِهِمْ ولا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ولا هُمْ يُنظَرُونَ" (٢)، فقوله: "ولا هم ينصرون"، "ولا هم ينظرون" قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي - وهو مسبوق بحرف النفي - ومع هذا فإنه يفيد التقوية فقط لأن التخصيص هنا يعني أن غيرهم ينصر من عذاب الله، وينظر حتى تأتيه الساعة، وذلك لا يكون.

стр. 290

وخلاصة رأي عبد القاهر في تحديد دلالة هذا النمط من القول - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - هو أنه يدور غالباً حول أداة النفي: فإن كانت سابقة على المسند إليه - أياً كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً. وإن لم تسبقه أداة نفي - بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً، أو كانت متأخرة عنه، وكان المسند إليه معرفة - ظاهراً، أو ضميراً - احتمل الكلام التخصيص والتقوى، حسبما يقتضيه المقام، وإن كان نكرة، أفاد التخصيص قطعاً، سواء وقعت، بعد نفي أو لا. أما رأي السكاكي: فإنه لا ينظر فيه إلى نفي تقدم أو تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعولي عليه عنده: - في إفادة التخصيص - أن يتحقق شرطان: الأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتغير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلاً في المعنى لا في اللفظ، لأن الفاعل في اللفظ هو: التاء في قمت. والثاني: أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير، أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة: قمت أنا، ثم يقدم المسند إليه، فيقول: أنا قمت. وهذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني فإنه يفيد عنده التخصيص قطعاً، لأن النكرة إذا تقدمت على الخبر الفعلي لابد أن تكون دالة على التخصيص وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ - هكذا قال السكاكي -. وبعد ذلك الاشتراط تعسفاً من السكاكي، لا يتمشى مع الفطر السليمة التي تعودت فهم الأساليب العربية الفصيحة دون جهد أو عناء. وعلى أية حال فإن صفوة القول في هذا الموضوع هو: أن قولك:

стр. 291

(محمد قام) يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند غير السكاكي. وأما قولك: (أنا كتبت) فإنه يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند الجميع. وأما قولك: (ما أنا كتبت) فإنه يفيد التخصيص عند غير السكاكي قطعاً، وعنده احتمالاً. وأما قولك: (أنا ما كتبت) فإنه مثل: (أنا كتبت) عند الجميع. لأن النفي لا يعتبر إلا إذا سبق المسند إليه. وأما قولك: (رجل جاءني) فإنه يفيد التخصيص قطعاً عند الجميع. وثمة كلمتان تقدمان - أبداً - في الأساليب العربية الفصيحة، وهما، "مثل"، و"غير"، وذلك إذا استعملتا كغايتين عما أضيفتا إليه، كما في قولهم: (مثلك يرعى الود) و (غيرك لا يحفظ العهد) على معنى: أنت ترعى الود وأنت تحفظ العهد. من غير أن يقصدوا التعريض بأحد، فهم لا يريدون بمثل، أو غير، غير ما أضيفتا إليه، ولهذا قال أبو الطيب لممدوحه: ولم أقل مثلك أعني به ... سواك، يا فرداً بلا مشابه وإنما يقصدون: إثبات رعاية الود للمخاطب في المثال الأول، وإثبات حفظ العهد له في المثال الثاني عن طريق الكناية. وذلك لأنك إذا قلت: (مثلك يرعى الود) كنت قد أثبت رعاية الود لكل من يماثل المخاطب في صفاته، وإذا ثبتت رعاية الود لكل من يماثله في صفاته، ثبتت له بطريق أولى، لأنه أصل هذه الصفات، وغيره مماثل له فيها. وإذا قلت: (غيرك لا يحفظ العهد) كنت قد نفيت حفظ العهد عن

стр. 292

كل ما عدا المخاطب، وإذا نفيت هذه الصفة عن كل ما عداه، لزم ثبوتها له. ومن شواهدهم على استعمال "مثل" مراداً بها الكناية عما أضيفت إليه، قول أبي الطيب المتنبي يعزي أبا شجاع عضد الدولة في عمته (١): مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه أيما لإبقاء على فضله ... أيما لتسليم إلى ربه ولم أقل مثلك أعني به ... سواك، يا فرداً بلا مشبه صوب لحزن: نزوله. وغربه: مجراه. أيما: بمعنى: إما. يريد أن يقول: إنك قادر على صد تيار الحزن بصبرك وثباتك ورباطة جأشك، وقوة إيمانك، وقادر - أيضاً - على أن تكفكف دمعك وترده عن جريانه إبقاء على فضلك وتسليماً بقضاء ربك. وما قلت مثلك قاصداً سواك، لأنك قد تفردت بصفات الكمال بين أهل زمانك. وقول القبعثري الحجاج بن يوسف الثقفي - على سبيل المغالطة -: "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، أي الفرس الأدهم والفرس الأشهب. لما قاله له الحجاج متوعداً: "لأحملنك على الأدهم" يقصد القيد الحديد. فقوله: "مثل الأمير" يقصد به الأمير نفسه، ولم يقصد التعريض بغيره.

стр. 293

ومن شواهدهم على استعمال "غير" هذا الاستعمال، قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة ويعرض بأصحابه الذين خذلوه وجبنوا في إحدى غزواته (١): غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا، أو حدثوا شجعوا أهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي ما يزع يقول: أنا لا أنخدع بهؤلاء الناس؛ لأنهم إن قاتلوا جبنوا وانهزموا، وإذا حدثوا أظهروا الشجاعة، فشجاعتهم قول لا فعل، ووهم كاذب، وهم أهل حفيظة غير مجربين فإذا جربتهم لم ترهم كذلك، وفي تجربتهم ما يكفك عن مخالطتهم. فالشاعر يقصد أنه لا ينخدع بالناس، دون أن يعرض بآخر ينخدع بهم. ومثله قول أبي تمام: وغيري بأكل المعروف سحتاً ... وتشحب عنده بيض الأيادي يريد: أنه لا يجحد الصنيعة، ولا يتنكر للمعروف، دون أن يعرض بآخر يفعل ذلك. وإنما كانت الكناية أبلغ، لأنها كدعوى الشيء ببينة - كما يقول عبد القاهر - لأن قولك: "فلان كثير الرماد، معناه: فلان جواد، لأنه كثير الرماد.

стр. 294

وكذلك قولك: (مثلك يرعى الود) معناه: أنت ترعى الود، لأن من كان على صفاتك يرعاه. وقولك: (غيرك لا يحفظ العهد) معناه: أنت تحفظ العهد، لأن غير لا يحفظه. ولما كان الغرض من التعبير الكنائي في "مثل"، و"غير" هو إثبات الحكم من طريق أبلغ، وكأن تقديمها مما يعين على تحقيق هذا الغرض - لما علمت من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوية الحكم وتقريره في نفس السامع - كان لهما الصدارة في الكلام أبداً. ولهذا فإنهما لم يردا في استعمالاتهم إلا مقدمين، بل إن عبد القاهر يرى أن استعمالهما مقدمين شيء مركوز في الطباع، وجار في عادة كل قوم، لأنك لو تصفحت الكلام - على حد تعبيره - لوجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل - إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت - وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (١). ويلحقون بهذا الباب: تقديم لفظ العموم على النفي، إذ يفيد عموم النفي "وتأخيره عنه"، فيفيد نفي العموم فمثال الأول: قولك (كل ما كتبته لم أقرأه)، ومثال الثاني: (لم أقرأ كل ما كتبته). فقد أفاد التركيب الأول: عموم النفي، أي أنك لم تقرأ شيئاً مما كتب، وأفاد التركيب الثاني: نفي العموم، أي أنك لم تقرأ كل ما كتب، ولكنك قد قرأت بعضه.

стр. 295

ومن شواهد التركيب الأول قول إبراهيم بن كنيف النبهاني يعزي بعض قومه (١): تعز فإن الصبر بالحر أحمل ... وليس على ريب الزمان معول فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً ... لحادثة، أو كان يغني التذلل لكان التعزي عند كل مصيبة ... ونائبة بالحر أولى وأجمل فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل؟ ! يقول: تصبر - يا أخي - فإن الصبر أجمل بالحر وأليق به، ولا تعول على أحداث الزمان، فلو كان الجزع عند الحوادث يغني، أو كان التخشع يجدي، لمكان الصبر أجدر بالحر وأولى، فكيف يجزع الإنسان وهو يعلم أن كل واحد من الناس لن يعدو حمامه؟ ! وما لامرئ تحول عما قضى الله؟ ! والشاهد في الأبيات قوله: (وكل ليس يعدو حمامه) حيث خرجت كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي ومثله قول دعبل: فو الله ما أدرى بأي سهامها ... رمتني، وكل عندنا ليس بالمكدي أبا لجيد، أم مجرى الوشاح، وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد المكدي: الذي يحفر ولا يجد ماء، يريد أن كل سهامها لا يخطئ المرمى. ومن البين في هذا: ما جاء - في حديث ذي اليدين - عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي،

стр. 296

في الحضر وسلم بعد ركعتين، فقام ذو اليدين وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "كل ذلك لم يكن" فقال ذو اليدين بعض ذلك قد كان". فقول النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن" أفاد عموم النفي، لأن لفظ كل قد خرج عن حيز النفي، فالمعنى: لم يكن شيء منهما: لا القصر ولا النسيان، ولو قال: لم يكن كل ذلك لكان المعنى أنه قد كان بعضه. على أن لفظ (كل) قد يقع قبل النفي، ولكنه معمول الفعل الواقع بعد النفي وذلك كأن تقول: (كل الدراهم لم أنفق، وكل الشعر لم أحفظ) بنصب كل، لأنه مفعول به للفعل بعده، فلا يتعدى نفس المعنى الذي يفيده قولك: لم أنفق كل الدراهم، ولم أحفظ كل الشعر. أما إذا رفعت كلا وأخرجتها عن حيز الفعل بعدها، أفاد التركيب عموم النفي. ولهذا جاء قول أبي النجم العجلي: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كله لم أصنع برفع كل، لأنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ما ادعته عليه، ولو نصب لكانت كل داخلة في حيز النفي، وأفادت نفي العموم. ومن شواهد التركيب الثاني - وهو ما يفيد نفي العموم -: قول أبي الطيب المتنبي يمدح كافوراً الإخشيدي من قصيدة أولها: بم التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم، ولا كاس، ولا سكن! ! أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن! !

стр. 297

ثم يقول: ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن والمعنى: أن المرء لا يدرك كل ما يتمناه، وإنما يدرك بعضه فحسب. وقول أبي العتاهية: ما كل رأى الفتى يدعو إلى رشد ... فإن بدا لك رأي مشكل فقف يعني: ليس كل رأي الفتى يدعو إلى الرشد، وإنما بعضه هو الذي يدعو إليه. ومنه قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد: وأعلم ما كل الرجال مشيع ... وما كل أسياف الرجال حسام والمشيع: هو الشجاع المتهور الذي كأنه يشيع قلبه. فقوله: (ما كل الرجال مشيع) يعني به: أنه ليس كل الرجال شجعاناً، وهذا يفيد أن بعضهم شجاع. وقوله: (وما كل أسياف الرجال حسام) يعني به أنه ليست كل السيوف قواطع، وهذا يفيد أن بعضها قاطع. ومن هذا القبيل قول العارف بالله عبد الرحيم البرعي - في التشوق إلى أحبابه (١): دعتني أضاليل المنى غير مرة ... فما كدت بعد الظاعنين أجيب

стр. 298

وأطعمني حكم الهوى أن يعيد لي ... طلوع شموس لم يشبه غروب فما عاضني بالأبلق الفرد عائض ... ولا شاقني بعد الكثيب كثيب وهيهات! ، ما كل المنازل رامة ... ولا كل بيضاء الجبين عروب وكم من سمي ليس مثل سميه ... وإن كان يدعى باسمه فيجيب الظاعنون: الراحلون. الأبلق الفرد: قصر السموءل بن عادياء اليهودي بأرض تيماء، قال الأعشى: بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حسين وجار غير ختار والكثيب من الرمل: المجتمع منه، ورامة: اسم موضع بالبادية، والعروب من النساء بوزن عروس: المتحببة إلى زوجها. يقول الشاعر: نادتني الأماني الكاذبة مراراً بعد رحيل أحبابي فلم أجبها، وأطمعني سلطان الهوى أن يطلع لي شموساً تضيء حياتي بعد رحيل أحبتي، فما عوضني عن منزلهم مغزل، ولا شاقني بعد موطنهم موطن؛ وهيهات أن يعوضني منهم شيء، فما كل المنازل رامة، ولا كل جميلة محببة إلى زوجها - وهذا بيت أرسله مثلاً لفقدان ما لا يعوض - وكم من سمي لا يكون مثل سميه في خلقه وخلقه، وإن كنت تدعوه باسم سميه فيجيبك؛ - وهذا - أيضاً - مثل. والشاهد في الأبيات قوله: (ما كل المنازل رامة) وقوله: (ولا كل بيضاء الجبين عروب).

стр. 299

فقد أدخل الشاعر كلا في حيز؟ ؟ ص ٣٠٢ - في شطري البيت - فأفاد التركيب ففي العموم، وهذا يعني أن بعض المنازل؟ ؟ ص ٣٠٢، وأن بعض بيضاوات الجبين حروب، وهذا واضح. وهذا التركيب الذي قد رأيت أنه قد أفاد نفي العموم، ليس على إطلاقه، فقد استدرك العلامة سعد الدين التفتازاني على عبد القاهر شواهد من فصيح الكلام تقدم فيها النفي على لفظ العموم، ومع ذلك فإنها لم تفد نفي العموم، وإنما أفادت عموم النفي: ومن هذه الشواهد قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣). فهي - إذن - قاعدة أغلبية، وإلا لزم عليها أن الله تعالى يحب بعض المختالين، ويحب بعض الكفار وألزم عليها، الأمر بإطاعة بعض الحلافين المهانين، وذلك ما لا يشك في بطلانه. ومما شذ عن هذه القاعدة - أيضاً - قول بعض الأعراب: فما كل كلب نابح يستفزني ... ولا كل ما طن الذباب أراع إذ المعنى: أنه لا يستفزه نباح الكلب، ولا يراع من طنين الذباب.

стр. 300

إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر موضوعات هذا الفصل - وإن لم تكن كلها من باب المسند إليه - إلا أن ثمة إطاراً يجمعها كلها، وهو: أنها قد أخرجت كلها على خلاف مقتضى ظاهر الحال. ومعنى هذا: أن يكون ظاهر الحال يقتضي مجيء الكلام على صورة معينة، ليخالف المتكلم هذا الظاهر، ويجيء به على صورة أخرى لأغراض بلاغية يراعيها في كلامه. وقد عدوا من هذا الباب: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه، لأن فيه مخالفة من إظهار إلى إضمار، ومن إضمار إلى إظهار، والالتفات: لأن فيه مخالفة من خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب، وهكذا، وأسلوب الحكيم: لأن فيه مخالفة ما يقر به السامع، أو ما يتطلبه السائل. والقلب: لأن فيه مخالفة بوضع بعض أجزاء الكلام مكان بعض. والتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي والعكس: لأن فيه مخالفة التعبير عن الفعل بغير صيغته. وهكذا ترى أنهم جمعوا هذه الموضوعات الخمسة في إطار واحد، وهو أنها كلها قد أخرجت على خلاف ما يقتضيه ظاهر الحال. وإليك تفصيلها موضوعاً موضوعاً: أولاً: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه: أما وضع المضمر موضع المظهر: فله صورتان: الصورة الأولى: صورة أسلوب المدح أو الذم بنعم أو بئس. أو ما دل على معنيهما، لأن في الإضمار إيضاحاً بعد إبهام، أو تفصيلاً بعد إجمال،

стр. 301

وفي ذلك تأكيد المعنى في ذهن السامع، وتقوية له، بإيراده مرة مبهماً أو مجملاً، ومرة أخرى موضحاً أو مفصلاً. ومثال ذلك قولك: نعم بطلاً خالد، وبئس صاحباً إبليس، فالمسند إليه ضمير مستتر في نعم وبئس، مع أنه لم يتقدم له مرجع يرجع إليه، لأنهم اشترطوا للإضمار: أن يتقدم الضمير مرجع لفظاً، أو معنى، أو رقية، أو تدل عليه قرينة، ولا مرجع الضمير هنا، ولا دلت عليه قرينة، ولهذا كان المقام - في الظاهر - للإظهار، بأن يقال: نعم البطل خالد، وبئس الصاحب إبليس، ويكون البطل فاعلاً ظاهراً لنعم، والصاحب فاعلاً ظاهراً لبئس، ولكنهم خالفوا الإظهار إلى الإضمار، لما في الإضمار من فضل تأكيد المعنى وتقويته، لأنك تورد المعنى فيه مكرراً، فمرة مبهماً أو مجملاً، ومرة أخرى موضحاً، أو مفصلاً. هذا كله إذا كان المخصوص بالمدح أو الذم مبتدأ محذوف الخبر، أو خبراً محذوف المبتدأ: أي: خالد الممدوح، وإبليس المذموم، أ: هو خالد، وهو إبليس. أما إذا جعلنا المخصوص مبتدأ، والجملة قبله خبراً عنه، فلا شاهد فيه، لأن الضمير حينئذ يكون راجعاً - في أرجح الأقوال - إلى المخصوص بالمدح أو الذم، وهو - وإن تأخر لفظاً - متقدم رقبة، لأنه مبتدأ. والصورة الثانية: ضمير الشأن أو القصة: ولا يأتي الكلام مبقياً عليهما إلا إذا كان المعنى الذي توارى خلفهما من المعاني المهمة لدى المتكلم، والتي يحسن تهيئة النفوس لتلقيها. ومن المعاني الجليلة التي توارت خلف ضمير الشأن قول الله تعالى:

стр. 302

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فقد ذكر ضمير الشأن (هو) وفسره بالجملة التي بعده وهي: (الله أحد). وواضح أن هذا المعنى هو الذي قامت على سره الأكوان، فليس هناك معنى هو أجدر منه بالاهتمام. ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فقوله: (فإنها) ضمير القصة، وقد فسره بقوله: ﴿لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وفي هذا الإضمار تهيئة للنفوس لتلقي هذا المعنى الجليل، وهو تفسير موقف العقول المنكرة من الأدلة الواضحة. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢) فالهاء من (أنه) ضمير الشأن، وقد هيأ هذا الإضمار للنفوس تلقي هذا الأمر الجليل وهو أن مخالفة الله تعالى مآل صاحبها الإحراق بنار جهنم والعياذ بالله، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وأمثلة هذا اللون من التعبير - في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى. وإليك من فصيح الشعر طائفة يميزها هذا الأسلوب في أغراض شتى: قال الحريث بن زيد - وكان قد قتل رجلاً يدعي أبا سفيان في ابن عم له يدعى أوس بن خالد، وهرب إلى الشام - (٣): ألا بكر الناهي بأوس بن خالد ... أخي الشقوة الغبراء والزمن المحل

стр. 303

فإن يقتلوا بالغدر أوسا فإنني ... تركت أبا سفيان ملتزم الرحل فلا تجزعي يا أم أوس فإنه ... نصيب المنايا كل حاف وذي فعل الشتوة الغبراء: الأرض اليابسة لتي تهب فيها الريح فتثير الغبار، والمحل: الجدب. ملتزم الرحل: ملتزم السرج. أم أوس: بنت القتيل. يقول: لقد بادر الناعي وأخبر بموت أوس بن خالد الذي كان ملجأ القوم عند الجدب وانقطاع المطر فإن كانوا قد قتلوا أوساً غدراً، فلقد تركت لهم أبا سفيان صريعاً فوق فرسه، فلا يشتد حزنك يا أم أوس على أبيك، فالموت حتم على جميع الناس غنيهم وفقيرهم. والشاهد قوله: (فإنه) حيث أتى بضمير الشأن مفسراً بالجملة - التي بعده وهو (تصيب المنايا كل حاف وذي نعل) ولا شك أن في هذا الإضمار ما يجعل المتلقي يتطلع إلى البحث عن مرجع الضمير يؤول إليه، ويهيئه لكي يتلقى هذا الخبر المهم، وهو أن المنايا لا تفرق بين الأغنياء والفقراء. وقال عويف القوافي الفزاوي، في عبينة بن أسماء، لما حبسه الحجاج وقيده - وكانت بين عويف وعبينة خصومات من قبل (١): لما أتاني عن عبينة، أنه ... أمسى عليه تظاهر الأقياد خلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد يقول: على الرغم مما كان بيننا من خصومات، فإنني عندما علمت بأنه أضحى مثقلاً بقيوده، ذهب ما كان في صدري، وعطفت عليه، فإن المصائب تذهب العداوات.

стр. 304

والشاهد قوله: (إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد) حيث أتى بضمير الشأن، مفسراً بالجملة بعده وهي: قوله: (عند الشدائد تذهب الأحقاد) وفي هذا الإضمار ما يهيئ السامع لتلقي هذا الخبر المهم، وهو: أن الشدائد تذهب الأحقاد وتصفي النفوس. وقال طرفة بن العبد - في ابن عم كان مبغضاً له - (١): وأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزري الوجوه بليل وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وأن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل شمال عرية: ريح باردة تأتي من ناحية الشمال. تزري الوجوه: تقبضها. بليل: باردة معها ندى. غير قرة: غير باردة. تذاءب: من التذاؤب وهو مجيء الريح من كل جانب. مرزغ: مطر يأتي بالرزغة، أي الوحل الغليل. ومسيل: مطر يأتي بالسيل. يقول: إنك على أقاربك - في الأذى - كالريح الباردة التي تتغير منها الوجوه وتتقلص منها الشفاه، ولكنك على الأباعد سمح كريم. ويقيني: أن الإنسان قامع لمولاه: فإن كان عزيزاً كان مثله عزيزاً، وإن كان ذليلاً كان مثله ذليلاً، وأن الإنسان إذا لم يكن له عقل يحفظ به سره ظهرت عيوبه على فلتات لسانه. والشاهد قوله: (إنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل) حيث أتى بضمير الشأن مفسراً بالجملة الشرطية بعده.

стр. 305

وقد نبه الإضمار المخاطب لتلقي الخبر المهم بعده، وهو أن عز المرء بعز مولاه، وذله بذله. وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية تبكي زوجها - وقد تمثلت بهذا فاطمة الزهراء، أو عائشة أم المؤمنين ﵄ يوم وفاة رسول الله ﷺ (١): يا عين بكى عند كل صباح ... جودى بأربعة على الجراح قد كنت لي جبلاً ألوذ بظله ... فتركتني غرضاً بأجرد ضاح قد كنت ذات حمية ما عدت لي ... أمشي البران وكنت أنت جناحي فاليوم أخضع الذليل وأنفى ... منه، وأرفع ظالمي بالراح وأغض من بصري وأعلم أنه ... قد بان حد فوارس ورماحي بكى: أكثري من البكاء. بأربعة: تقصد مجاري الدمع إلى العين. تقول: يا عيني: أكثر البكاء كل صباح على الجراح، واستنزلي الدموع الكثيرة عليه. قد كنت لي ملجأ أعتصم به، والآن تركتني غرضاً لسهام الأيام، وكنت في حياتك صاحبة عزة، أقطع الفلاة الواسعة وحيدة، لا أرهب أحداً يعترضني، إذ كنت قوتي وحصني، فأصبحت اليوم ذليلة خائفة ممن أرادني بسوء؛ ليس لي ما أدفع به ظالمي إلا كفى، وأعرض عن فالتي بسوء، لعلمي أن الذي كان حامي ذماري وحد رماحي قد انفصل عني. والشاهد في الأبيات قولها: (أنه قد بان حد فوارسي ورماحي) فإن

стр. 306

الشاعرة قد أتت بضمير الشأن لتنبه السامع إلى الخبر الذي ستوضحه بعده لأهميته، وهو أنه قد انفصل عنها من كان بمثابة فوارسها ورماحها. وهذا يزيد بن الحكم الثقفي، يعظ ابنه بدراً (١). يا بدر - والأمثال بضـ ... ربها لذي اللب الحكيم دم الخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم؟ واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم وأعلم بأن الضيف ير ... ما سوف يحمد أو يلوم والناس مبتنيان محـ ... مود البناية أو ذميم وأعلم بني، فإنه ... بالعلم ينتفع العليم يقول الشاعر لابنه: يا بدر - والأمثال لا تضرب إلا لذوي العقول الناضجة - إذا اخترت أحداً لصداقتك، فكن له خير صاحب، فإن الذي لا دوام لوده لا خير فيه، وعليك أن تعرف حق جارك، فإنه لا يعرف الحق إلا الكريم وأحسن إلى الضيف وقم بواجباته، فإنه سوف يجلب لك حمداً: أن أحسنت إليه وذماً إن قصرت في حقه، والناس صنفان: منهم من يحمد، ومنهم من يذم، وذلك موقوف على أخلاقهم وأحوالهم. والشاهد في الأبيات قوله: (فإنه بالعلم ينتفع العليم) حيث أتى بضمير الشأن، ليفيه به المتلقي إلى أن الخبر الذي يأتي بعده مفسراً، من الأخبار الجليلة، وهو أن العلم ينفع صاحبه.

стр. 307

وقال عبد الله بن الدمينة متغزلاً (١): أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... قوهم صيف من سعاد ومربسع أخادع عن أطلالها القلب؛ إنه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع عهدت بها وحشا عليها برافع ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع يقول الشاعر: كيف لا يصحو القلب إلا وقد تعرض له خيال سعاد في المصيف والمربع؟ إنني أموه على عيني في رؤية الأطلال. لأنها إذا عرفتها بكت، لقد كنت ألقى بها أيام عمرانها سرباً من الحبيبات يخرجن في البراقع أما اليوم فإنني أرى بها سرباً من البقر الوحشي لم يتبرقع. فالشاعر يعاقب نفسه على شغل قلبه بسعاد، ويذكر تجلده في تناسبها، ويشكو عينيه أنها تبكي كلما رأت آثار ظك الأطلال. والشاهد في الأبيات قوله: (إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع) حيث أتى بضمير الشأن منبهاً به إلى ما يفسر بعده من خير يثير كواهن الشوق في قلبه، وهو أنه كلما عرفت عينه الأطلال سالت دموعها. ثانياً: وضع المظهر موضع المضمر: والمظهر الذي يوضع موضع المضمر: إما أن يكون اسم إشارة، وإما أن يكون غيره، كأن يكون علماً، أو معرفاً باللام، أو بالإضافة أو نحو ذلك.

стр. 308

فإذا كان اسم إشارة فإن أغراضه قد سبق ذكر أغلبها ضمن أغراض تعريف المسند إليه باسم الإشارة. ومن هذه الأغراض: كمال العناية بتمييز المسند إليه لاختصاصه بأمر عجيب: ومن ذلك قول ابن الراوندي: كم عاقل عاقل أعبث مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم التحرير زنديقاً والشاهد في البيتين قوله: (هذا الذي) فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة، وكان ظاهر الحال يقتضي أن يعبر عنه بالضمير، فيقال: (هما) وذلك لتقدم مرجعه، وهو ما أفاده البيت الأول، من حرمان العاقل، وإعطاء الجاهل، ولكنه عدل عن الضمير إلى اسم الإشارة - كما رأيت - لكمال العناية بتمييزه، لاختصاصه بحكم بديع، وذلك لأن هذا الأمر لما كان قد خرج عن المألوف المتعارف، اختص بحكم بديع، وهو، ترك العقول حائرة، وجعل العالم الذكي مزعزع الإيمان ملحداً، ولهذا كان جديراً بأن يميز أكمل تمييز، ليشار إليه، ويسند إليه هذا الحكم. ومن هذه الأغراض: التهكم بالسامع: كأن يسأل بصير عن شيء، فيجيبه آخر مشيراً إلى شيء. ومنها: التنبيه على كمال بلادة السامع، وأنه لا يدرك غير المحس بحاسة البصر، أو على كمال فطنته، وأن غير المحس عنده بمثابة المحس. ومنها: ادعاء كمال ظهور المسند إليه حتى إن العقول قد صار في درجة المحسوس بالبصر.

стр. 309

وإذا كان المظهر - الذي يوضع موضع المضمر - غير اسم الإشارة، فإن ذلك يكون لأغراض من أهمها: (١) أن يقصد تمكين المسند إليه في ذهن السامع، لأن المقام يقتضي اعتناء بشأنه. ومن الاعتناء بشأنه أن لا ينوب عنه ضمير. لأن الضمير - وإن جاز أن ينوب عنه - لا يغني غناء الاسم الظاهر، لما يتضمنه الاسم من معنى له وقع عند المتلقى أو المتذوق - في رأي الشاعر أو الأديب: ففي إظهار الاسم مكان إضماره بيان لعظم أمر ما، شرفاً أو خسة، جودة أو رداءة. والشاهد على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لم يقل (هو الصمد) - وإن كان ظاهر الحال يقتضي الإضمار لتقدم المرجع - ولكنه قال: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فوضع المظهر موضع المضمر، لأن المقام يقتضي الاعتناء بتمكين لفظ الجلالة من النفوس، وعلى هذا الأسلوب جرى القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، حيث يريد تربية المهابة في نفوس المؤمنين. قال في الأقصى القريب (١): "ويكون ذلك لبيان عظم أمر ما كالجودة والرداءة، والشرف والضعة، فمن ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ قال - إن إبراهيم - ولم يقل: إنه، لشرف إبراهيم ﵇ والزيادة في تشريفه بما نسب إليه. وأما ما جاء منه الذم فنحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ

стр. 310

وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: (له) - وقد سبق ذكرهم في من المبهم، واسم كان المضمر فيها ذماً لهم بالكفر، وتبينا أن عدو الله وملائكته ورسله لا يكون إلا كافراً. وفي هذه الآية؛ إظهار اسم الله لعظمه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ بعد ضميره في ملائكته ورسله. ومن شواهد وضع المظهر موضع المضمر، لأن الغرض هو تمكين المسند إليه في ذهن السامع اعتناء بشأنه: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لم يقل: (هو الصمد) - وإن كان ظاهر الحال يقتضي الإضمار لتقدم المرجع - ولكنه قال: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فوضع المظهر موضع المضمر، لأن المقام يقتضي الاعتناء بتمكين لفظ الجلالة في النفوس. وعلى هذا الأسلوب جرى القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، حيث يريد قربية المهابة في نفوس المؤمنين. ولهذا يرجع الإمام عبد القاهر الجرجاني السر في الإظهار في موضع الإضمار إلى أن للتصريح فضلاً على الكناية والتعريض، ولأنهما لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف، ثم يذكر أزمن البين الجلي في هذا المعنى بيت الحماسة: شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان وقول النابغة: نفس عصام سودت عصاماً ... وعلمته السكر والإقداما ثم قال: "لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعاً

стр. 311

في النفس وباعثاً للأربحية لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته شيء منه؟ ؟ ص ٣١٤" (١). ودونك طائفة من فصيح الشعر تؤيد هذا المعنى وتؤكده: إقرأ - إن شئت قول الفند الزماني - في حرب اليسوس - وكان بنو بكر بن وائل قد بعثوا إلى بني حنيفة يستصرخونهم فأمدوهم به وبقومه (٢): صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم اخوان عسى الأيام أن يرجعـ ... ن قوماً كالذي كانوا فلما صرح الدر ... وأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان يقول: أعرضنا عن هؤلاء القوم المتحاربين، لأن بينهم رحماً وقرابة، فعسى أن تردهم الأيام إلى ما كانوا عليه من التوافق والتواد، لأنهم إخوان فلما أبوا أن يدعوا الظلم ولم يبق إلا أن نقاتلهم، كما قاتلونا؛ جازيناهم بفعلهم السيئ كما ابتدؤنا به، فمشينا إليهم مشية الأسد أصبح غضبان متلهفاً إلى فريسة. والشاهد في الأبيات قوله: (والليث غضبان). فقد أتى بالمسند إليه اسماً ظاهراً - وهو الليث - وكان ظاهر المقام يقتضي أن يأتي به ضميراً فيقول: (وهو غضبان) لتقدم مرجع الضمير - ولكنه عدل عن الإضمار إلى الإظهار، ليتمكن الاسم في ذهن السامع، لأن المقام - وهو الحرب - يقتضي الاعتناء به، لأن في لفظ المسند إليه - وهو الليث - ما يشعر بالتفخيم والتهويل.

стр. 312

واقرأ قول الفضل بن الأخضر بن هبيرة الضبي: (١) ألا أيها ذا النابح السيد إنني ... على فأيها مستبسل من ورائها دع السيد، إن السيد كانت قبيلة ... تقاتل يوم الروع دون نسائها يقول: أيها المتعرض لبني السيد، ينبحها كما ينبح الكلب السحاب: إنني مدافع عنها وإن كنت على بعد منها، دعها فإنها قبيلة تمنع حريمها؛ ويسلمون أنفسهم يوم الحروب ولا يسلمون نساءهم بل يدافعون عن حقيقتهم. والشاهد هنا. قوله: (إن السيد) فقد أتى بالمسند إليه مظهراً، وكان ظاهر المقام أن يأتي به مضمراً - لتقدم مرجع الضمير - بأن يقول: (إنها) ولكنه آثر الإتيان بالمسند إليه - وهو السيد - اسماً ظاهراً ليتمكن هذا الاسم في نفوس سامعه، لأن المقام يقتضي منه الاعتناء بهذه القبيلة التي يدافع عنها، وإن كان على بعد منها. ومن الإظهار في موضع الإضمار - وإن كان من غير باب المسند إليه قول عبد الله بن عتمة الضبي من حماسية له (٢): إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب

стр. 313

وإن أبيتم فأنا معسر أنف ... لا نطعم الخف إن السم مشروب فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروب الدرع المحقبة: المشدودة في الحقيبة، والسيف مقروب: أي مغمد في قرابه. والعير: هو الحمار. يقول الشاعر: إن لنا فيه في الخير، فإن أردتم المسالمة وحقن الدماء، أعطيناكم الحق في حال السلم واحتقاب الدروع وإغماد السيوف، وإن أبيتم إلا الحرب فإنا ذوو حمية، وعزة نفس، تصبر نفوسنا على شرب السم، ولا تصبر على أن يتعالى علينا غيرنا، فكف عن التعرض لنا، والدخول في حريمنا فإنك إن لم تفعل ذلك ذممت عاقبة أمرك، وضاق بك المتسع. والشاهد في الأبيات قوله: (نعط الحق) وقوله: (وقيد العير). فقد أتى بالمفعول في الموضع الأول اسماً ظاهراً - وهو الحق - وكان ظاهر المقام يقتضي أن يؤتي به ضميراً، لتقدم مرجعه؛ ولكنه آثر الإظهار على الإضمار، لما في لفظ (الحق) من معنى يحرص الشاعر على تمكينه في نفوس مخاطبيه، وهو أنهم يحرصون على إعطاء الحق لمن يستحقه. وأتى بالمضاف إليه في الموضع الثاني اسماً ظاهراً - أيضاً - وهو العير - وكان ظاهر المقام لإضماره لتقدم مرجعه، ولكنه آثر الإظهار على الإضمار لما في لفظ (العير) من معنى يحرص الشاعر على تمكينه في نفوس مخاطبيه وهو أن عيرهم يقيد ويرد إليهم مكروباً، إن حاولوا الزج به ليرتع في أرضهم.

стр. 314

وقد ضرب الحمار مثلاً للأذى، أي كف أذاك عنا. ومنه قول الحماسي (١): مرا على أهل الفضا، إن بالفضا ... رقارق لازرق العيون ولا رمداً الفضا: موضع بنجد، والرقارق: النساء النواعم، والرمد: جمع رمداء. والمعنى: يا صاحبي مرا على أهل الفضا، إن به نساء في مقتبل الشباب السن يزرق العيون ولا رمدا، بل هن كحل سود العيون. والشاهد قوله: (إن بالفضا) وقد كان ظاهر المقام يقتضي أن يضمر فيقول: (إن به) لتقدم مرجع الضمير، ولكنه آثر الإتيان بالاسم الظاهر، لما فيه من معنى يتعلق به الشاعر، ويثير في نفسه ذكريات حبيبة إلى قلبه. ولعلك قد لاحظت معي ما في هذا البيت من خلل في وزنه، لأنه من بحر الطويل الذي أول تفصيلة منه هي: (فعولن) أي تبدأ هذه التفعيلة بمتحركهن فساكن؛ يعني وقد يجموع - كما يقول العروضيون - ولكنك تجد البيت مبدوءاً بمتحرك فساكن؛ يعني سبب خفيف - كما يقول العروضيون أيضاً -. ولهذا فإننا نرجح أن يكون البيت مبدوءاً بواو العطف ولكون الأصل ومرا على أهل الفضاء، ولكنها سقطت من الناسخ، وكان على أبي تمام أن

стр. 315

يجيء بما قبل هذا البيت، حتى لا يبدأ بواو العطف، ولكن ربما كانت الذاكرة قد خانته: ومنه قول الصمة بن عبد الله بن طفيل (١): حننت إلى ربا ونفسك باعدت ... مزارك من ربا وشعباكما معاً فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... ونجزع، إن داعي الصباية أسمعا قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا بنفسي تلك الأرض ما أطيب الثرى ... وما أحسن المصطاف والمتربعا! الشاعر كان قد ترك نجداً راحلاً إلى الشام، بعد أن رفض أبوه أن يدفع مهراً لمحبوبته "ربا" ولما طال مقامه بالشام قال هذه الأبيات في الحنين إلى "ربا" وإلى "نجد". ولذلك فإنك تراه مهتماً بإظهار هذين الاسمين، وكان يمكنه أن يضمرهما لتقدم مرجعيهما فقال: "ونفسك باعدت مزارك من ربا"، ولم يقل: (ونفسم باعدت مزارك منها لتعلقه) الشديد بهذا الاسم الذي يحلو له أن يردده، ويتلذذ بسماعه. وقال: (وقل لنجد عندنا أن يودعا) ولم يقل: (وقل له أن يودعا) لأن هذا الاسم عنده معنى يميل إليه. ويثير كوامن شوقه، ولواعج حبه.

стр. 316

واقرأ - إن شئت قول الحماسي: (١) زعم العواذل أن ناقة جندب ... بحقوب خبت عربت زأجمعت كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وجفت نجده قد أظهر المسند إليه فقال (كذب العواذل) وظاهر المقام يقتضي إضماره، بأن يقول: (كذبوا) لتقدم مرجع الضمير في البيت السابق، ولكنه خالف الإضمار إلى الإظهار لاهتمامه بتكذيب العواذل، إظهاراً لحقارتهم.

стр. 317

٧ - الالتفات هو من قولهم، التفت وجهه عنه صرفه، والتفت التفاتاً، والتفت أكثر منه، قال الحماسي (١): تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدها وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا الليث: صفحة العنق، والأخدع: عرق فيها. لما حان فراق الشاعر صار يكثر من الالتفات جهة الحي الذي يضم بين جنباته حبه وهواه، حتى وجد نفسه موجوع الليث والأخدع، لدوام التفاته تحسرا على ما فاته من أحبة وديار، ولكنه عندما يتذكر أوقاته بالحي وما كان بينه وبين أحبته من أسباب الوصال، ينثني على كبده فيقبض عليها خشية تشققها من موضعها شوقاً إلى أحبابها. فقد تلفت الشاعر تلفتاً، أو التفت التفاتاً كثيراً، ولكنه - كما نرى - التفات لغوي، وليس التفاتاً بلاغياً، لأنه لا يعدو أن يكون انصراف وجهه من جهة إلى أخرى، ولهذا وجعت صفحة عنقه. وأم الالتفات البلاغي فلا تظن أن أحداً قد سبق الأصمعي المتوفي سنة ٢١٦ هـ في إطلاق هذه التسمية عليه، فقد قال ابن رشيق: (٢) وحكى

стр. 318

عن إسحق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: وما هي؟ فأنشدني: أتنسى إذ تودعنا سليمي يعود بشامة؟ سقى البشام! ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعاله؟ وأدرك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى ٢٠٨ هـ الالتفات، ولكنه لم يسمه إذ قال في مقدمة كتابه "مجاز القرآن": ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أي بكم، ومن مجاز ما جاء خبراً عن غائب ثم خوطب الشاهد، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وتبعه المبرد المتوفي ٢٨٥ هـ إذ يقول تعليقاً على قول الأعشى: وامتعني على العشا بوليدة فأبت بخير منك باهوذ حامداً فإنه كان يتحدث عنه ثم أقبل عليه يخاطبه، وترك تلك المخاطبة والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد، ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب وساق لذلك أمثلة من القرآن ومن الشعر، ثم قال: وهذا كثير جداً. ولكن أول من عرف الالتفات تعريفاً يكاد يقرب من تعريف المتأخرين هو: عبد الله بن المعتز المتوفي ٢٧٤ هـ فقد قال في تعريفه: "هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك، ومن الالتفات: الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر". ولكنه قد وسع دائرة الالتفات - كما ترى - فجعله شاملاً لشيئين: الأول: ما عرف بالالتفات عن المتأخرين. والثاني: نوع من الاعراض كالذي سماه الأصمعي: التفاتات جرير - وقد أسلفناه لك. (٢١ - النظم البلاغي)

стр. 319

وجاء ضياء الدين بن الأثير المتوفي ٦٣٧ جعله شاملاً لأنواع ثلاثة: الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. والثاني: الالتفات من المستقبل إلى فعل الأمر ومن الماضي إلى الأمر. والثالث: الالتفات من الماضي إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الماضي. ولكن أبا يعقوب السكاكي المتوفي ٦٢٦ هـ قصره على الانتقال بين التكلم والخطاب والغيبة، فقال: "التكلم والخطاب والغيبة - مطلقاً - بنقل كل واحد منها إلى الآخر" ثم قال: "ويسمى هذا التفاتاً عند علماء المعاني". فلما كان الخطيب القزويني المتوفي ٧٢٩ هـ ذكر أن المشهور عند البلاغين - في تعريف الالتفات -: "التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة - التكلم والخطاب والغيبة - بعد التعبير عنه بطريق آخر منها" وأن هذا التفسير أخص من تفسير السكاكي، لأنه أراد بالفعل، "أن يعبر عنه بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقضي الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها". وسوف نسير في تطبيقنا النصوص الأدبية على ما هو مشهور عند جمهور البلاغين، لأن ما اعتبره السكاكي التفاتاً، إنما هو في حقيقته تجريد، لأن الشاعر - مثلاً في قوله "طحا بك قلب) قد جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع في محله (١).

стр. 320

قيمته البلاغية: ذكر الزمخشري - في كشافه - أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن أسلوب لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد. ولكن ابن الأثير لم يرتض هذا القول، ورفض أن تكون مزية الالتفات قد اقتصرت على هذا المعنى ولهذا فإنه عقب على هذا الرأي بقوله: "وهذا قول فيه ما فيه؛ وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري - مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟ ! والذي عندي في ذلك: أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب؛ غير أنها لا تحد ولا تضبط بضابط، ولكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها". ثم يبدأ بذكر نوع من الفائدة التي يعطيها الالتفات، وهي تعظيم شأن المخاطب فيقول: "فإنا قد (١) رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم يعدد مزايا كثيرة للالتفات على أن الزمخشري ﵀ لم يجعل فائدة الالتفات مقتصرة على تطرية نشاط السامع وإيقاظه؛ بدليل أنه يذكر بإزاء كل التفات - في كشافه - فائدته التي دعت إليه. كقوله - في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ -: "فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب
следующие страницы →