← Баляга

Баляга · id 151013

النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (433 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واقرأ - إن شئت قول الحماسي: (١) زعم العواذل أن ناقة جندب ... بحقوب خبت عربت زأجمعت كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وجفت نجده قد أظهر المسند إليه فقال (كذب العواذل) وظاهر المقام يقتضي إضماره، بأن يقول: (كذبوا) لتقدم مرجع الضمير في البيت السابق، ولكنه خالف الإضمار إلى الإظهار لاهتمامه بتكذيب العواذل، إظهاراً لحقارتهم.

стр. 317

٧ - الالتفات هو من قولهم، التفت وجهه عنه صرفه، والتفت التفاتاً، والتفت أكثر منه، قال الحماسي (١): تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدها وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا الليث: صفحة العنق، والأخدع: عرق فيها. لما حان فراق الشاعر صار يكثر من الالتفات جهة الحي الذي يضم بين جنباته حبه وهواه، حتى وجد نفسه موجوع الليث والأخدع، لدوام التفاته تحسرا على ما فاته من أحبة وديار، ولكنه عندما يتذكر أوقاته بالحي وما كان بينه وبين أحبته من أسباب الوصال، ينثني على كبده فيقبض عليها خشية تشققها من موضعها شوقاً إلى أحبابها. فقد تلفت الشاعر تلفتاً، أو التفت التفاتاً كثيراً، ولكنه - كما نرى - التفات لغوي، وليس التفاتاً بلاغياً، لأنه لا يعدو أن يكون انصراف وجهه من جهة إلى أخرى، ولهذا وجعت صفحة عنقه. وأم الالتفات البلاغي فلا تظن أن أحداً قد سبق الأصمعي المتوفي سنة ٢١٦ هـ في إطلاق هذه التسمية عليه، فقد قال ابن رشيق: (٢) وحكى

стр. 318

عن إسحق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: وما هي؟ فأنشدني: أتنسى إذ تودعنا سليمي يعود بشامة؟ سقى البشام! ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعاله؟ وأدرك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى ٢٠٨ هـ الالتفات، ولكنه لم يسمه إذ قال في مقدمة كتابه "مجاز القرآن": ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أي بكم، ومن مجاز ما جاء خبراً عن غائب ثم خوطب الشاهد، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وتبعه المبرد المتوفي ٢٨٥ هـ إذ يقول تعليقاً على قول الأعشى: وامتعني على العشا بوليدة فأبت بخير منك باهوذ حامداً فإنه كان يتحدث عنه ثم أقبل عليه يخاطبه، وترك تلك المخاطبة والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد، ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب وساق لذلك أمثلة من القرآن ومن الشعر، ثم قال: وهذا كثير جداً. ولكن أول من عرف الالتفات تعريفاً يكاد يقرب من تعريف المتأخرين هو: عبد الله بن المعتز المتوفي ٢٧٤ هـ فقد قال في تعريفه: "هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك، ومن الالتفات: الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر". ولكنه قد وسع دائرة الالتفات - كما ترى - فجعله شاملاً لشيئين: الأول: ما عرف بالالتفات عن المتأخرين. والثاني: نوع من الاعراض كالذي سماه الأصمعي: التفاتات جرير - وقد أسلفناه لك. (٢١ - النظم البلاغي)

стр. 319

وجاء ضياء الدين بن الأثير المتوفي ٦٣٧ جعله شاملاً لأنواع ثلاثة: الأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. والثاني: الالتفات من المستقبل إلى فعل الأمر ومن الماضي إلى الأمر. والثالث: الالتفات من الماضي إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الماضي. ولكن أبا يعقوب السكاكي المتوفي ٦٢٦ هـ قصره على الانتقال بين التكلم والخطاب والغيبة، فقال: "التكلم والخطاب والغيبة - مطلقاً - بنقل كل واحد منها إلى الآخر" ثم قال: "ويسمى هذا التفاتاً عند علماء المعاني". فلما كان الخطيب القزويني المتوفي ٧٢٩ هـ ذكر أن المشهور عند البلاغين - في تعريف الالتفات -: "التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة - التكلم والخطاب والغيبة - بعد التعبير عنه بطريق آخر منها" وأن هذا التفسير أخص من تفسير السكاكي، لأنه أراد بالفعل، "أن يعبر عنه بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقضي الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها". وسوف نسير في تطبيقنا النصوص الأدبية على ما هو مشهور عند جمهور البلاغين، لأن ما اعتبره السكاكي التفاتاً، إنما هو في حقيقته تجريد، لأن الشاعر - مثلاً في قوله "طحا بك قلب) قد جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع في محله (١).

стр. 320

قيمته البلاغية: ذكر الزمخشري - في كشافه - أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن أسلوب لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد. ولكن ابن الأثير لم يرتض هذا القول، ورفض أن تكون مزية الالتفات قد اقتصرت على هذا المعنى ولهذا فإنه عقب على هذا الرأي بقوله: "وهذا قول فيه ما فيه؛ وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري - مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟ ! والذي عندي في ذلك: أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب؛ غير أنها لا تحد ولا تضبط بضابط، ولكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها". ثم يبدأ بذكر نوع من الفائدة التي يعطيها الالتفات، وهي تعظيم شأن المخاطب فيقول: "فإنا قد (١) رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم يعدد مزايا كثيرة للالتفات على أن الزمخشري ﵀ لم يجعل فائدة الالتفات مقتصرة على تطرية نشاط السامع وإيقاظه؛ بدليل أنه يذكر بإزاء كل التفات - في كشافه - فائدته التي دعت إليه. كقوله - في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ -: "فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب

стр. 321

إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإفكار والتقبيح" (١). ولهذا فإننا نرى أن الالتفات وإن كانت له فوائد جليلة يقتضيها المقام، إلا أنه - أيضاً - يثير انتباه السامع ويجدد نشاطه للإصغاء إلى تلك الفوائد: فيتقبلها في شوق المنتظر، ولهفة المتطلع، فتستقر في قلبه وتتمكن منه فضل تمكن. وإليك صور الالتفات كما تصورها جمهور البلاغيين: الصورة الأولى: الالتفات من التكلم إلى الخطاب ، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الخطاب، فقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ﴿﴾؛ وذلك لما في الالتفات من فائدة تحذيرهم من أنهم راجعون إلى الله تعالى: فكأنه قال: كيف لا تخافون من ترجعون إليه فيحاسبكم على ما قدمتم؟ استمع إلى قول اياس بن الأرت في الرثاء (٢): لوما رأيت الصبح أقبل وجهه ... دعوت أبا أوس فما أن تكلما وحان فراق من أخ لك ناصح ... وكان كثير الشر، للخير قواماً تتابع قرواش بن ليلى وعامر ... وكان السرور يوم ماتا مذمماً

стр. 322

هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة؛ فكان الصبر أبقى وأكرما يقول: لقد فاديت أبا أوس لأنبهه كعادتي لما أنبلج الصبح فلم يجبني، فقد حان فراق من أخ ناصح لك، كان عند الغضب ناشر كثير، ولكنه كان عند الرضا كأنه ولد مع الخير. وقد تلى موت قرواش موت عامر، فبدل السرور يوم ماتا بالغم، وأصبح مذمماً لموت مثل هؤلاء الشرفاء، ولقد هممت بأن لا أطعم بعدهم أبداً زهداً في هذه الحياة، ولكنني وجدت الصبر من الكرم، والاقتداء بالناس في الصبر عند المصائب أبقى للذكر الجميل. وقد رأيت أن الشاعر عندما كان يصف حاله قبل موت صاحبه أجرى الحديث على طريق التكلم، لأنه أنسب بحاله؛ كأنه يبث شكواه إلى من يسمعه، ولكنه لما فوجئ بموت صاحبه التفت إلى نفسه فجرد منها شخصاً يخاطبه، كأنه ينعي إليه أخاً ناصحاً، شجاعاً، خيراً. ولكنه بعد أن تتابعت عليه الخطوب بموت صاحب، بعد صاحب ووطن نفسه على تحملها انكفأ على نفسه وأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه. الصورة الثانية: الالتفات من التكلم إلى الغيبة وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم، فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الغيبة فقال: ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وكان مقتضى الظاهر

стр. 323

أن يقول: "من رحمتي" وذلك لما في الالتفات من فائدة اقتضاها المقام، وذلك أنه أجرى الحديث أولاً على طريق التكلم لأن الله تعالى أراد أن يغمر عباده الذين أسرفوا على أنفسهم في المعاصي ثم ندموا على ما قدمت أيديهم، بعطفه وأن يسيل عليهم رداء الأمان فأضافهم إليه سبحانه، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ تعظيماً لاسمه سبحانه، وإشعاراً للمخاطبين بما يحمله هذا الاسم من عظمة، فيطمئنوا إلى رحمته، لأن أخص صفات الله تعالى هي الرحمة. واستمع إلى قول الغطمش (١): إذا مت فأبكي يا علي وأعولي ... على هالك جلد أجل وأوجع وأغشوا إذا ما مال مثل غنائه ... ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع سيفرح إن مات الغطمش عصبة ... إذا فاء من رهط الغطمش رضع فيا فرحة ما يفرحن عدونا ... إذا ما جرت فوقي أما لبس بلقع لما كانت حياته تناسب التكلم، وموته يناسب الغيبة، أعطى كلا من الحالين ما يناسبه حيث كان حياً أجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا مت) وحيث قدر موته، أجرى الحديث على طريق الغيبة فقال: (على هالك) ولم يقل على، لأنه يوهم السامع أنه يتحدث عن بطل جلد موته

стр. 324

أجل الأشياء، وأوجعها، ولهذا قال: (وأغفوا إذا ما مال مثل غنائه) أي إذا ما مات فحاولوا أن تنفعوا نفعه، وأن تسدوا مسده، ثم قال: (ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع) ولم يقل: ما كان يمنع - مع أنه مقتضى ظاهر الحال -، لأن ما كان يمنعه، أي يحميه، إنما كان يمنعه في حال حياته فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق التكلم، ولهذا فإنه قد التفت مرة أخرى فأجرى الحديث على طريق الغيبة على تقدير موته فقال: (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع)، لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما يزال حياً، فلا يفرحوا. واستمع - أيضاً - إلى قول عبدة بن الطبيب، من قصيدة يوصى فيها بغيه، لما أحس بدنو أجله (١): ولقد علمت بأن قصري حفرة ... غبراه، يحملني إليها شرجع فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والأقربون إلى ثم تصدعوا وتركت في غبراه يكره وردها ... تسغى على الريح حين أودع فإذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً له قلب حديد أصمع قصرى: آخر أمري، الشرجع خشب يشد بعضه إلى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى، الشجو: الحزن، تصدعوا تفرقوا، الأصمع: الحديد المجتمع ليس بمنتشر. يقول: ولقد علمت بأن آخر أمري حفرة يحملني إليها نمش، فتبكي بناتي وزوجتي حزناً، ويبكي الأقربون إلى، ثم يتفرقون، وأترك في حفرة

стр. 325

غبراء فاحلة يكره ورودها، تهب على الريح فيها حاملة رمالاً، فإذا مت فافتقدوا عميداً مثلي. وقد رأيت أنه قد أجرى الحديث في الأبيات الثلاثة الأولى، والشطر الأول من البيت الرابع على طريق التكلم لأنه يتحدث عن نفسه متحسراً على ما يقع له من تركة في حفرة غبراء تسفي عليه الريح، ويكاء بناته، وزوجته، وأقربائه. ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: (فابعثوا رجلاً له قلب حديد أصمع) لأنه افترض موته، وموته يناسب غيبته، فأوهم أنه يحدثهم عن رجل لا يعرفونه، وأخذ يعدد لهم صفاته، من القوة، والصلابة، و؟ ؟ ص ٣٢٨. ثم استمع إن شئت إلى قول حماس بن ثامل (١): ومستنبح في لج ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل وقلت له: أقبل، فإنك راشد ... وإن على الناري الندى وابن ثامل لج الليل: معظم ظلمته، والمشبوبة، النار المضطرمة، والصمد: المكان المرتفع. يعني: رب مستنج في ظلام الليل دعوته للضيافة بما أوقدت له من النار في المكان العالي المقابل لوجهته فتكون دليلاً له، وبشرته بقدومه علي، وأريته استبشاري به وانتظاري إياه. وقد رأيت أنه أجرى الحديث على التكلم، لأنه يفتخر بكرمه، وقرأه للضيف، والفخر يناسبه الحديث عن النفس، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة، فقال: "وابن ثامل" أي ذلك الرجل المعروف بحبه للكرم، وشغفه بقرى الضيف، فكأن الضيف إذا ما سمع اسمه عرفه فاطمأن إلى الكرم، وضمن القرى.

стр. 326

الصورة الثالثة: الالتفات من الخطاب إلى التكلم: ويمثلون لها بقول علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس (١): طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب يكلفني ليلى، وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب يقول: لقد أضربك قلب هائم يحب الحسان، في الوقت الذي آذنت فيه شمس الشباب بالمغيب؛ وهو مع ذلك لا يفتأ بطالبتي بوصل ليلى، في وقت عز فيه وصالها، وحالت صروف الزمان دونه، فقد التفت الشاعر من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم في (يكلفني). والسر في هذا الالتفات: أنه بعد أن جرد من نفسه شخصاً يخاطبه ويحدثه عما فعل به القلب يشغفه بالحسان بعد انصرام الشباب واقتراب المشيب، أحس بما ينوه به من تكليف القلب له وصل ليلى في وقت عز وصالها، وحالت غوازل الأيام دونها؛ فالتفت إلى نفسه فأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه، مما ينوه به. ودونك قول مرة بن محكان التميمي السعدي (٢) في القرى: يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا

стр. 327

في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلماتها الطنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة، ... حتى يلف على خيشومه الذنبا ماذا ترين؟ : أقد فيهم لأرحلنا ... في جانب البيت؟ أم نبني لهم قبا؟ لمرمل الزاد، معنى بحاجته، ... من كان يكره ذما، أو بقى حسبا وقمت مستبطنا سيفي فأعرض لي ... مثل المجادل كوم بركت عصبا فصادف السيف منها ساق متلية ... جلس فصادف منه ساقها عطبا زيافة بنت زياف مذكرة ... لمانعوها لراعي سرحنا اقتحبا الشاعر يأمر زوجته بأن تضم إليها رحال القوم وأسلحتهم حفظاً لها، لأنهم نزلوا عنده فهم في أمان لا يحتاجون إلى السلاح؛ فقد نزلوا عنده في ليلة شديدة البرد والظلمة؛ فهو يصف تلك الحالة، ويشاور زوجته كيف يكرم القوم أينزلهم في منازله، أم يتخذ لهم قببا؛ وماذا ترى لمرملين يهتم بحاجتهم من يتقي الذم، أو يحمي الحسب. وقد قام مستبطناً سيفه لينحر ما يريد من الإبل فظهر له منها فوق مثل القصور في ضخامتها وعظم سقامها، فعرقب منها ناقة من أعظم النوق وأقواها، وقد بكى الراعي عليها حسن أخبروه بنحرها لأنها من خيار المال عنده.

стр. 328

وقد رأيت الشاعر قد أجرى الحديث على خطاب زوجته في الأبيات الخمسة الأولى؛ ولكنه التفت في البيت السادس فأجرى الحديث على طريق التكلم. وذلك لأنه في الحالة الأولى كان يصف ما صنعه من مناداته لربة البيت، بأن تضم إليها رحال القوم وقربهم، ومشاورتها كيف يكرم القوم النازلين، والخطاب أنسب بهذه الحال. ولكنه في الحالة الأخرى جعل يفتخر بما صنعه ليلة نزولهم ضيفاناً عليه والحديث عن النفس أنسب بحال الفخر. الصورة الرابعة: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١)؛ ففي الآية الكريمة التفات من الخطاب في "كنتم" إلى الغيبة في "بهم"، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: "وجرين بكم". وذلك لأن المخاطبين هم الذين إذا أنجاهم الله من الغرق يبغون في الأرض بغير الحق، فناسب أن ينقل الحديث إلى الغيبة إعراضاً عنهم، وتشهيراً لهم، ودعوة لغيرهم أن يأخذوا من قصتهم عظة وعبرة: ولأنهم لما كانوا "في الفلك" كانوا في مقام الشهود والوجود، فناسب المقام خطابهم، فلما جرت بهم الريع، وذهبوا بعيداً عن مقام الخطاب ناسب حالهم طريق الغيبة.

стр. 329

ومنه قول عبد الله بن عتمة الضبي (١) - في مقتل بسطام بن قيس وقد قتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان بن عتمة مجاوراً في بني شبيان فخاف على نفسه منهم فرثاه بأبيات منها: لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول أفاتته بنو زيد بن عمرو ... ولا يوفى ببسطام قتيل وخر على الألاءة، لم يوسد ... كان جبينه سيف صقيل المرباع: ربع الغنيمة؛ وكان يأخذه رئيس القوم من الغنائم - وهذه عادتهم في الجاهلية، والصفايا: ما يختاره الرئيس لنفسه من خيار الغنيمة، والنشيطة: ما أصابه الجيش وهو في الطريق، والفضول: ما فضل من الغنيمة فلم ينقسم، الألاءة: شجرة معروفة عندهم. والمعنى: أن هذا المفقود قد كانت له إمارة تامة على أصحابه، وكان ممتازاً بينهم بما ذكر، وأن بني زيد قد أضاعوا دمه - وهو الذي لا يكافئ دمه دم قتيل ما - وأن من إضاعتهم إياه: أن تركوه حتى سقط على شجرة الألاءة، فلم يوسدوا رأسه وجيشه بعد أن قتل، كأنه السيف الصقيل إضاءة، وذلك من سمات الشجعان. وقد رأيت أن الشاعر كان يخاطبه بقوله: ولك المرباع منها، "وحكمك" ثم التفت عن مخاطبته إلى الحديث عنه على طريق الغيبة؛ فقال: "أفاتته بنو زيد بن عمرو" الخ. وذلك لأن الحديث - أولاً - كان عن حياة بسطام حيث كانت إمارته على أصحابه وتميزه عليهم فنزله منزلة المخاطب إجلالاً له وتعظيماً، لأن

стр. 330

حياته تناسب خطابه؛ فلما كان الحديث عن إضاعة دمه بعد موته تناسب أن يتحدث عنه حديثه عن الغائب، كأنه يحكي قصة بطل عظيم كان جديراً بألا يترك دمه هجراً؛ فهو يروي لسامعيه قصته العجيبة. الصورة الخامسة: الالتفات من الغيبة إلى التكلم ؛ ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ (١)، فقد التفت من الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه. وذلك لأن سوق السحاب إلى بلد ميت فيحيا، أمر لا يقدر عليه غير مقسم الأرزاق ، لأن ذلك نوع من قسمة الأرزاق؛ حيث يسوقها سبحانه إلى من يشاء من عباده فتناسب أن يسند السوق إلى ذاته العلية. فالالتفات هنا تنبيه إلى أن قسمة الأرزاق أمر تكفل به سبحانه، ولم يتركه لأحد من خلقه. ومنه قول حاتم الطائي (٢): وعاذلة هبت بليل تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها أعاذل: إن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيمة لومها

стр. 331

وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها ومن يبتدء ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها والمعنى: رب لائمة اجتهدت في عذلي كأنها رأت إنفاق المال ظلماً لها. ثم التفت إليها قائلاً. يا عاذلة: إن جودي لا يهلكني، وإن النفس البخيلة بما عندها من المال لا يجلدها لؤمها في الدنيا وإن أخلاق الكريم لا تزال تذكر وهو مغيب في قبره بالية عظامه؛ ومن يبتدع ما ليس من خلقه وطبيعته لابد من أن يأتي عليه يوم يتركه فيه ويرجع إلى أخلاقه. وقد رأيت أن الشاعر قد تحدث عن زوجته حديثه عن الغائبة في قوله: "وعاذلة هبت تلوم" وقوله: "أضيمها" ثم التفت إلى خطابها فقال: "أعاذل". وذلك لأنها لما كانت لائمة له على جوده - والجود من طبيعته - كانت جديرة بأن يعرض عنها، ويتحدث عنها حديثه عن الغائبة عنه. ولكنه لما انتقل إلى مقطع آخر من مقاطع المعنى وهو تنبيه زوجته إلى الخطأ في تفكيرها، وإرشادها إلى التفكير السليم في فهم الثمرة الحقيقية التي يجنيها الكريم من شجرة الجود، ناسب هذا المعنى خطابها، لأن التنبيه والإرشاد لا يكون إلا حيث يكون المستفيد بهما حاضراً مخاطباً. ومنه قول قراد بن غوية (١): ألا ليث شعري ما يقولن مخارق ... إذا جاوب الهام المصيح هامتي

стр. 332

ودليت في زوراء يسقى ترابها ... على طويلاً في ذراها إقامتي وقالوا: ألا لا يبعدن اختياله ... وصولته إذا القروم تسامت وما البعد إلا إن يكون مغيباً ... عن الناس متى نجدتي وقسامتي الهام: جمع هامة وهي الصدى: ما يكون من عظام الموتى على زعمهم ودليت: أنزلت. والزوراء: الحفرة المعوجة. وأراد بها اللحد، ويسفى: إهالة التراب عليه، والقروم: الفحول، وتسامت: تنازلت وتفاخرت، والقسامة: الحسن. يقول: ليتني أعلم ما يقول مخارق بعد موتي عندما تجيب هامتي الهام التي يصاح بها، وأنزلت في حفرة معوجة يهال ترابها على مدة إقامتي في أهاليها طول الأمد، ودعوا لي بعدم البعد وهل البعد إلا هذا وقد فقدوا شجاعتي ونجدتي، وغاب عنهم شخصي؟ ! والشاهد في هذه الأبيات: أن الشاعر قد عبر عن نفسه بضمير الغائب في قوله (لا يبعدن اختياله وصولته) ثم التفت فعبر عن نفسه بضمير المتكلم في قوله: (نجدتي وقسامتي). وذلك لأن العبارة الأولى تقال بعد موته، فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق الغيبة، والنجدة وحسن الوجه من الصفات التي يفتخر بها، فناسب أن يضيفها إلى نفسه، والفخر يناسبه الحديث عن النفس على طريق التكلم. ولعلك على ذكر مما أسلفنا لك من قول الغطمش:

стр. 333

سيفرح إن مات الغطمش عصبة ... إذا فاء من رهط الغطمش رضع فيا فرحة ما يفرحن عدونا ... إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع حيث أجرى الحديث عن نفسه على طريق الغيبة مقدراً موته، فقال (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت، ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم، فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع). وذلك لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما زال حياً فلا يفرحوا. الصورة السادسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب: ويمثلون لها بقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد التفت في الآية الكريمة من الغيبة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وذلك لأنه بدأ الحديث عن الله تعالى معظماً لشأنه معدداً لصفات عظمته التي توجب العبادة له وحده، فلما حان وقت عبادته خاطبه خطاب الحاضر الذي لا يغيب عنه طرفة عين. وقد قالوا في هذه الآية - أيضاً - إن المعاني السابقة من حمد الله تعالى والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعالمين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال نحو الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة" (١). وإليك قول السلكة أم السليك تبكي ولدها بعد أن علمت بقتله (٢)

стр. 334

طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك! أليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك؟ ! أمريض لم تعد ... أم عدو ختلك؟ ، أم قولي بك ما ... غال في الدهر السلك؟ ! والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك. أي شيء حسن ... لفتى لم يك لك؟ ! كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك! طال ما قد قلت من ... غير كد املك! إن أمراً فادحاً ... عن جوابي شغلك سأعزي النفس إذ ... لم تجب من سألك. ليث قلبي ساعة ... صبره عنك ملك! ليت نفسي قدمت ... المنايا بدلك! ! تقول أم السليم عن ولدها، إنه خرج طائفاً يطلب النجاة من الفقر فمات، ولكنها التفت إليه مناجية باكية: ليتني أعلم سبب موتك؟ أصدك المرض عن العودة أم عرض لك عدو فقتلك، أم أصابك من الحوادث ما خطفك خطفة الجل؟ والمنايا للفتى بالمرصاد وأينما ذهب، ولئن كنت قد فقدتك، فلقد حزت كل خصلة، فلا توجد لأحد مزية إلا وهي لك؛ وإذا مادنا الأجل فإن كل شيء يقتل، وكثيراً ما قلت مقصدك بلا تعب، إن الذي شغلك عن جوابي أمر عظيم، وسأسلي النفس بالصبر إذ صار جوابك مستحيلاً، وأتمنى أن يملك قلبي الصبر عنك ساعة، أو أن نفسي هي الهالكة دونك. (٢٢ - النظم البلاغي)

стр. 335

فالشاعرة - وقد هالها الخبر بقتل ابنها - تبث من كانوا حولها مصابها الجلل، وتعجبهم من غريب أمر ابنها الذي ذهب يطلب النجاة من الهلاك فصادفه الهلاك، وتلك حال تقتضي منها أن تخبر عنه بضمير الغائب ولكنها التفت إليه مخاطبة له، كأنه يسمعها - وإن لم يكن معها - ومناجية له، ومقضية له بما يعتمل في صدرها وما يعتصر قلبها من الحزن والألم، وتلك حال أخرى تقتضي منها أن تخاطبه مخاطبة الحاضر الذي لا يغيب عن خاطرها. وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي: (١) مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس ختى غيبته الصفائح فأصبح في لحد من الأرض ميتاً ... وكانت به - حيا - تضيق الصحائح سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك متى ما تجن الجوانح! فما أنا من رزه وإن جل جازع ... ولا يسرون بعد موتك فادح كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد - إلا عليك - النوائح لئن حسنت فيك المرائي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح الصفائح: أحجار عراض تغطى بها القبور، والصحائح: جمع صحح المكان المتسع المستوي، والجوانح: الضلوع؛ وسميت بذلك لأن فيها ميلاً

стр. 336

يقول: مات ابن سعيد بعد أن خلد جميل الذكر في المشارق والمغارب يمدحه فيها المادحون، وما كنت أعلم قدر مكارمه وعطاياه إلا بعد أن مات وظهر البؤس على من كانوا مغمودين بنعمه؛ فأصبح في جزء صغير من الأرض بعد موته، مع أن فيافيها كانت لضيق بما له من إحسان وإنعام في حياته. سأديم البكاء عليك ما فاضت دموعي، فإن تذهب فيكفيك ما تكنه ضلوعي من اللوعة والأسى، فإن مصيبتي فيك عظيمة فلست جازعاً لما يصيبني بعدها، ولا فارحاً بما أنال من مسرات، كأنه لم يمت أحد سواك من قبلك ولا من بعدك، فلا يجد الإنسان سلوة به عنك، وكأن اللوائح لا تنوح إلا عليلا لغظم المصيبة فيك. ولئن كنت ترثر اليوم رثاء جميلاً، فيا طالما مدحت من قبل مدحاً جميلاً. فالشاعر ينعي إلى المشرقين ابن سعيد: ذلك الفتى الذي كثرت مكارمه وتعددت عطاياه، مشيداً بذكره متحسراً على فقده، فناسب أن يتحدث عنه بضمير الغائب. ولكنه لما التفت إليه مخاطباً له باكياً متولها على فراقه جازعاً عليه، كأنه لشدة حرصه على ألا يفارقه ما زال أمامه، يحدثه فيسمع منه، ولا يغيب عن ناظريه. وقال سليمي بن ربيعة من بني السيد بن ضبة عندما فارقته زوجته تماضر عاتبة عليه استهلاك ماله وتعريض نفسه للمعاطب (١): حلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا، وأهلك باللوى قاحلة، وكأن في العينين حب قرنفل ... أو سنبلاً كحلت به؟ ؟ ؟ ص ٣٣٩

стр. 337

زعمت تماضر أنني إما أمت ... بعدد أبينوها الأصاغر خلني تربت يداك، وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسرى وحين تعلني؟ ! رجلاً إذا ما النائبات غشينه ... أكفي لمعضلة، وإن هي جلت؟ ! غربة: دار بعيدة، وفلج: واد في طريق البصرة، واللوى والحلة: موضعان. والقرنفل والسنبل: من أخلاط الأدوية التي تحرق العين. وأببنوها: تصغير أبناء، والخلة: الحاجة. المعضلة: الداهية، وجلت: عظمت. يقول: إن تماضر نزلت بدار بعيدة فاستقرت وتوطنت في فلج وأهلي باللوى والحلة فانهلت دموعي حزناً على فراقها وكأن في عيني أخلاط القرنفل والسنبل. ولقد زعمت أن أبناءها الأصاغر يقومون مقامي بعد موتي وتكتفي بهم عني ثم التفت إليها قائلاً: تربت بداك يا تماضر: وهل رأيت لقومه رجلاً مثلي يكثر العطاء في حالتي عسره ويسره حتى تعلقي رجاءك فيه؟ وهل تجدين رجلاً مثلي عن غشيان النوائب يكون أقوى مني دفعاً لها؟ فقد رأيت أن الشار بدأ حديثه عن زوجته تماضر على طريق الغيبة في قوله: (حلت تماضر) وقوله: (زعمت تماضر) وقوله: (أببنوها) ثم التفت إليها مخاطباً لها بقوله: (تربت يداك). وذلك لأنه عندما بدأ حديثه عن تماضر كانت قد دخلت فأصبحت بعيدة عنه فناسب أن يتحدث عنها بضمير الغائبة، ولكنه لما ذكر أنها بعيدة عنه بعداً أحزنه وأفاض دموع عينيه دل ذلك على شدة تعلقه بها وأن خيالها لا يفارقه

стр. 338

فنناسب أن يتحدث إليها ويخاطبها معاتباً لها وكأنها حاضرة بين يديه لم تغب عنه طرفة عين! على أن الاستشهاد بالأبيات في موضع الالتفات يجب أن يؤخذ بمزيد من الحيطة - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - وبخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام وعهد بني أمية، وذلك لأن ترتيب الأبيات - وهو أساس الاستشهاد - قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات وتحقيق مواقع بعضها من بعض، وإلا كان النظر ضرباً من العبث (١).

стр. 339

(٨) أسلوب الحكيم من صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: ما يسميه عبد القاهر الجرجاني مغالظه (١). ويسميه السكاكي أسلوب الحكيم، وعرفه الخطيب بأنه: تلقي المخاطب بغير ما يترقب، يحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيهاً له على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهاً له على أنه الأولى بحاله أو المهم له. ففيه قسمان: أولهما: تلقي المخاطب بغير ما يترقب. وثانيهما: تلقي السائل بغير ما يتطلب. والمغالظة: من قولهم: إياك والمكابرة والمغالظة، ونهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات، وهي المسائل التي يغالظ بها (٢). والحكيم: من الحكمة، أي الذي يجري في كلامه على طريقة الحكماء. ويبدو أن القسم الأول من هذا الأسلوب فيه مغالظة - كما يقول عبد القاهر -، لأن حمل كلام المخاطب على خلاف مراده مغالظة واضحة، كما أن القسم الثاني منه فيه حكمة، لأن فيه جرياً على طريقة الحكماء في الإرشاد والنصح والتنبيه إلى ما هو الأحسن والأفضل والأجدى. ويمثلون للأول بقول القبعثري الحجاج - وقد كان القبعثري جالساً في بستان مع جماعة من إخوانه في زمن الخصوم، أي العنب الأخضر، فذكر بعضهم الحجاج، فقال القبعثري: المهم سو وجهه، واقطع عنقه، واسقني

стр. 340

من دمه، فبلغ ذلك الحجاج، فقال له: أأنت قلت ذلك؟ فقال نعم ولكني أردت العنب الحضرم، ولم أردك، فقال له: لأحملنك على الأدهم، فقال القبعثري: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فقال له الحجاج: ويلك، إنه لحديد، فقال: إن يكن حديداً خير من أن يكون بليداً، فقال الحجاج لأعوانه: احملوه، فلما حملوه قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين" فقال: اطرحوه على الأرض، فلما طرحوه قال: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم" فصفح عنه الحجاج. وقد رأيت أن القبعثري قد سحر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته، حتى قيل: إنه أحسن إليه. والقبعثري: من رؤساء العرب وفصائحهم، وكان من جملة الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي كرم الله وجهه (١). فقد أورد الحجاج لفظين كل منهما صالح لمعنيين وهما: (الأدهم) و (حديد): فالأدهم صالح لأن يكون بمعنى الفرس الأدهم، أي الأسود، وصالح لأن يكون بمعنى: القيد، لأن فيه دهمة. والحديد: صالح لأن يكون وصفاً للفرس، أي فيه حدة، وصالح لأن يكون بمعنى معدن الحديد، وقد أراد الحجاج من كل منهما معنى غير الذي يقصده القبعثري، لأن مقصد الحجاج فسره على ذل القيد، ومقصد القبعثري: إكرام الحجاج له بحمله على فرس أدهم. فكل منهما قد حمل اللفظ الذي احتمل معنيين على خلاف مراد الآخر، لأن الحجاج يريد معاقبة القبعثري على جزيرة شتمه، وعلى جزيرة خروجه على حجمه، وكلا الجزيرتين جدير بأن يقيد القبعثري ليوضع في سجن الحجاج!

стр. 341

ولكن القبعثري قد تلطف إلى الحجاج فسل سخيمته، بأن أبرز وعيده - بالحمل على القيد - في معرض الوعد - بالحمل على الفرس الأدهم، والفرس الأشهب، منبهاً له إلى أن من كان مثله في السلطان وبسطة اليد جدير بأن يجزل العطاء لا أن يقيد ويسجن. والعلامة السبكي (١) يقول في هذا القسم: إنه قريب من تجاهل العارف، أو هو منه بزيادة إشارة إلى سفه رأي المخاطب، كما أنه - أيضاً - قريب من القول بالموجب، ولهذا خلط بعض العلماء بين أمثلة القول بالموجب، وأمثلة المغالطة. هذا: وفي قول الحجاج تورية، لأنه أطلق لفظين يحمل كل منهما معنيين: أحدهما قريب، والآخر بعيد وأراد البعيد في كل منهما بقرينة الحالية، وهو نظير قول الشاعر: حملناهم طرا على الدهم بعد ما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا بيد أن محل الشاهد هنا إنما هو قول القبعثري: "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، وقوله: "لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً" لا قول الحجاج: لأحملنك على الأدهم". وقد سمى ابن الأثير وتبعه العلوي صاحب الطراز التورية باسم "المغالطة المعنوية" وعرفها بأن تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ" (٢). ولكننا لا نرى في إرادة المعنيين مغالطة، كما أننا لا نرى في إرادة معنى واحد مغالطة، ما دام المتكلم لم يحمل كلام المخاطب على خلاف مراده.

стр. 342

ولكن المغالطة - حقاً - إنما هي في هذا القسم من أسلوب الحكيم. وإن كانت مغالطة لفظية، لأن اللفظ هو الذي أعلن عليها لأن القبعثري - كما أسلفنا لك - قد استغل إفادة اللفظ لمعنيين، فاختار منهما ما يناسب حاله. ومن هذا القسم أيضاً: قول الشاعر: أتت تشتكي عندي مزاولة القرى ... -وقد رأت الضيفان ينحون منزلي - فقلت - كأني ما سمعت كلامها - ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي فالشاعر يذكر أن زوجته أقبلت عليه تلزمه على كثرة قراه عندما رأت الضيفان يقبلون عليه ويتجهون إلى منزله، فحول شكواها من كثرة القرى إلى شكواها من قلته، مدعياً أنه لم يسمع حقيقة ما تقول، وقال لها: هؤلاء القادمون هم الضيوف، فأسرعي بإعداد القرى لهم، لينبهها بذلك إلى ما هو الجدير بها، وهو أن تقبل على ما يكسبها الحمد، وبقاء الذكر، لا أن تقبل على ما يوجب الذم، وجلب النقيصة. ويمثلون القسم الثاني - وهو إجابة السائل بغير ما يتطلب - بقوله الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وذلك لأنهم سألوا عن بيان ما ينفقونه، فأجيبوا ببيان من ينفقون عليهم، لتنبيههم إلى ما هو أهم من سؤالهم هذا، وهو أن يسألوا عن أوجه الإنفاق حتى يقع في موقعه الصحيح، ليتم به النفع، ويتحقق الهدف من شرعيته. وفيه - أيضاً - حث لهم على الإسراع بإخراج أموالهم للإنفاق،

стр. 343

لأنه قدر أنهم قد أخرجوها، فهم لا يسألون عما ينفقون، بل يسألون عن الجهات التي ينفقون فيها، وذلك لأنه رأى تباطؤهم في الإنفاق متعللين بأنهم لا يعرفون ماذا ينفقون! وقد روى أن معاذ بن جبل، وربيعة بن غانم الأنصاري قالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ. فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. فقد سألوا عن سبب تطور الهلال من الصغر إلى الكبر ثم إلى الصغر، فأجيبوا ببيان الفائدة من ذلك تنبيهاً لهم إلى أن الأهم لهم من سؤالهم هذا، هو أن يسألوا عن فائدة الأهلة لا عن أسباب تطور أشكالها. وذلك لأن انتفاعهم ببيان فائدتها أكبر من انتفاعهم ببيان سببها، والقوم يومئذ ليسوا على درجة من النضج الفكري تؤهلهم لاستيعاب العلوم التي تكشف أسرار الكون وخفاياه.

стр. 344

٩ - القلب مما جعله البلاغيون من خروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: القلب، وقالوا في تعريفه: هو: "أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه". وهو ضربان: أحدهما: ما يكون الداعي إلى اعتباره من جهة اللفظ، بأن تتوقف صحة اللفظ عليه، ويكون المعنى قابعاً للفظ، وذلك كما إذا وقع ماهر في موقع المبتدأ نكرة، وما هو في موقع الخبر معرفة، كما في قول القطابي عمرو بن سليم الثعلبي من قصيدة يمدح بها زفر بن حارث الكلابي، وقد كان أسيراً له فأطلقه وأعطاه ماله وزاده مائة من الإبل (١): قفى قبل التفرق يا ضياعا ... ولا بك موقف منك الوداعا قضى وافدي أسيرك إن قومي ... وقومك لا أرى لهم اجتماعا ومنها قوله: اكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرقاعا؟ والألف من (ضباعا) للإطلاق، وهو مرخم، ضباعة، اسم بنت صغيرة للمدوح. والشاهد هنا قوله (ولا بك موقف منك الوداعا) فإن أصله: ولا بك

стр. 345

موقف الوداع موقفاً منك، والداعي إلى هذا القلب إنما هو: صحة اللفظ، لأنه لا يصح الاخبار بالمعرفة عن النكرة. والثاني: ما يكون الداعي إليه من جهة المعنى، لتوقف صحته عليه، ويكون اللفظ تابعاً، وذلك نحو قولهم: "عرضت الناقة على الحوض، والمعنى: عرضت الحوض على الناقة، وذلك لأن المعروض عليه ههنا ليس له إدراك يميل به إلى المعروض، أو يرغب عنه، لأنه يشترط في المعروض عليه أن يكون ذا شعور واختيار، لكي يقبل على المعروض، أو يعرض عنه. والسر في هذا القلب: أن الحوض لما كان ثابتاً لا يمكن نقله إلى الناقة لعرضه عليها، وكان العربي يأتي بالناقة إلى الحوض لترتوي منه، صارت الناقة كأنها معروضة على الحوض، فصارت الناقة معروضة، والحوض معروضاً عليه، فقلب الكلام لهذا المعنى. وأنت تحس من هذا التعبير أنه ينقل لك صورة صادقة لحياة العربي، الذي يأتي بناقته إلى الحوض لترتوي منه، ولو قال: عرضت الحوض على الناقة، لخلا تعبيره، من صدق التجربة وحقيقة المعاناة. قيمته البلاغية: للبلاغيين في القلب آراء ثلاثة: الرأي الأول: القبول - مطلقاً - سواء تضمن اعتباراً لطيفاً، أم لم يتضمن اعتباراً لطيفاً، لأن قلب الكلام يدعو إن التنبيه إلى الأصل، وذلك مما يورث الكلام ملاحة وظرفاً. وهذا الرأي هو رأي السكاكي ومن تبعه. والرأي الثاني: رفضه - مطلقاً - لأن القلب عكس المطلوب،

стр. 346

ونقيض المقصود، وحمل ما ورد منه على التقديم والتأخير. والرأي الثالث: هو أن القلب إن تضمن اعتباراً لطيفاً قبل (١) وإن لم يتضن اعتباراً لطيفاً رفض. وهذا الرأي هو رأي جمهور البلاغيين: فأما ما تضمن اعتباراً لطيفاً: فمثاله قول رؤبة بن العجاج: ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه ومهمه: أي: مفازه، مغبرة: أي مملوءة بالغبرة، أرجاؤه: أي أنحاؤه. قالوا: إن المعنى: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، وفي القلب هنا من المبالغة ما ليس في تركه، لإشعاره بأن لون السماء قد بلغ من الغبرة إلى حيث يشبه به لون الأرض في لغبرة وأما ما لم يتضمن اعتباراً لطيفاً، فمثاله: قول القطامي يصف ناقته بالسمن (٢): فلما أن مضت ثنتان عنها ... وصارت حفة يعلو الجذاعا وقلنا مهلوا لثنيتيها ... لكي تزداد للسعر اطلاعا عرفنا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها إن تباعا فلما أن جرى سمن عليها ... كما طيفت بالفدن السياعا أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تستطاعا فالشاعر يقول: إن ناقته هذه لما مضى من عمرها سنتان، وصارت

стр. 347

حقة، أي صارت بنت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، وقال: تمهلوا إلى أن يقوى خفها، لكي يزداد سعرها رأى ماذا يقول البصراء فيها، فأقسم أن تباع، فلما سمنت وظهر السمن واضحاً عليها، كما طينت الفدن، أي القصر بالسياع، أي الطين المخلوط بالتين، أمر الرجال ليأخذوها وهو يظن أنه لن يستطيع أحد اقتيادها. والشاهد في هذه الأبيات قوله: (كما طينت بالفدن السياعا)، حيث قلب الكلام وكان حقه أن يقول: كما طينت الفدن بالسياع. وليس في هذا القلب أي اعتبار لطيف. تلكم هي ملامح القلب عند البلاغيين. وتعالوا بنا إلى جولة طريفة مع النقاد الذين اتخذوا من القلب معياراً نقدياً، لتكونوا على ذكر من تطبيقهم لهذا المعيار النقدي البلاغي: ذكر القاضي الجرجاني - في وساطته بين المتنبي وخصومه. أن العلماء قد عابوا على أبي الطيب قوله: وهذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت: كيف يموت من لا يعشق؟ ! فقالوا: صعوبة العشق وشدته على أهله لا توجب ألا يموت من لا يعشق فيعجب منه، وإنما يقتضي أن كل من يعشق يموت، وكأنه أراد: كيف لا يموت من يعشق؟ ! فذهب عن مراده (١). وهنا يورد القاضي الجرجاني رأيين لمن يحتجون لأبي الطيب:

стр. 348

لقد قال قوم. إنه خرج مخرج القلب. فقالوا: وهو كثير في شعر العرب، ومنه قول الأعشى: وكل كميت كأن السليـ ... ط في حيث وارى الأديم الشعارا يريد: حيث وارى الشعار الأديم، فقلب الكلام. وكقول الأخطل: مثن القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران إن بلغت سوءاتهم هجر يريد: بلغت سوءاتهم هجر. وقال الثماخ: منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... ليا كما عصب العلياء بالعود أراد: كما عصب العود بالعليا. وقال آخر. أسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشية رهقا أراد: كما أسلم رهق وحشية. وقال آخر: كان الزناء فريضة الرجم أراد: كأن الرجم فريضة الزنا. ومثل هذا كثير. وقال قوم: إن الكلام جاء على طريقته، غير محتمل الحمل على

стр. 349

القلب، وإنما المراد: كيف تكون المنية غير العشق؟ أي: أن الأمر للتفرد في النفوس أنه أعلى مراتب الشدة هو الموت، وإني لما ذهب العشق فعرفت شدته، عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق؟ ! وكيف يجوز ألا تعم علنه فتستولي على الناس حتى تكون مناياهم منه، وهلاك جميعهم منه؟ ولعل هذا الرأي الأخير هو أعدل الرأيين، وأجدرهما بالاعتبار. وأحقهما بالقبول، فما أرى أصحاب الرأي الأول إلا قد أزروا بشاعرية أبي الطيب وقالوا من موهبته - وإن كانوا يحاولون الدفاع عنه: ذلك لأننا قد عرفنا من قبل آراء البلاغيين في القلب واستقرارهم على أنه إن تضمن اعتباراً لطيفاً فإنه يكون مقبولاً. وإن لم يتضمن هذا الاعتبار فإنه يكون مرفوضاً، وحمل بيت أبي الطيب على القلب لا يجعله متضمناً أي اعتبار لطيف، إذ لو كان قد أراد: كيف لا يموت من يعشق، فأي فائدة من قلبه إلى: كيف يموت من لا يعشق؟ ! ، فعلى قولهم: يكون بيت أبي الطيب مردوداً مرفوضاً، لأن العدول عن مقتضى الظاهر من غير؟ ؟ ؟ ص ٣٥٢ تقتضيه خروج عن تطبيق الكلام لمقتضى الحال، (١)، وخصوصاً: ما يتضمن من الكلام ما يوهم عكس المقصود "فيكون أدخل في الرد (٢) - كما في بيت أبي الطيب على رأيهم -! ولا يشفع لأصحاب هذا الرأي: إيرادهم أبياتاً للأعمى، والأخطل، والشماخ، وغيرهم، قد تضمن كل بيت منها قلباً، لأنه لم يتضمن اعتباراً لطيفاً في أي بيت منها، فأي اعتبار لطيف في القلب من قول الأعشى

стр. 350

"وارى الشعار الأديم" إلى قوله: "وارى الأديم الشعار" ومن قول الأخطل: "إن بلغت سوءاتهم هجر" إلى قوله: إن بلغت هجر سوءاتهم" ومن قول الشماخ: كما عصب العود بالعلياء" إلى قوله: "كما عصب العلياء بالعود" ومن قول آخر: "أسلم رهق وحشية إلى قوله: "أسلم وحشية رهقا" ومن قول الآخر: "كان الرجم فريضة الزنا، إلى قوله: "كان الزنا فريضة الرجم"؟ ! كما أنه لا يشفع لهم قولهم، أنه كثير في شعر العرب، لأننا - وإن سلفنا بكثرته في شعر العرب - لا نسلم بأن كل قلب جاء في شعرهم يكون مقبولاً؛ فالبلاغيون لا يقبلون منه إلا ما تضمن اعتباراً لطيفاً - كما أسلفنا - وحتى الأبيات التي استشهدوا بها، لم يتضمن أي قلب منها اعتباراً لطيفاً، ولم يأتوا بشاهد واحد يتضمن ذلك الاعتبار. ولم لا يكون المعنى: إنني كنت أعذل أهل العشق جهلاً به، وبقيمته في جعل الحياة جميلة؛ لأنني لم أكن قد ذقت حلاوته، فلما ذقتها عرفت أنه لا قيمة لحياة إنسان يعيش بدون عشق، حتى عجبت لمن تنقضي حياته ويموت دون أن يعشق! وربما يرشح لهذا المعنى: التعبير بقوله: "ذقته" وعليه فلا يكون في بيت أبي الطيب قلب. والمهم: أن القاضي الجرجاني قد أورد رأي من يخالفونهم، والذين يقولون بأن الكلام جار على طريقته وغير محتاج إلى القلب، فكأنه بذلك يوافق هؤلاء وأولائك على ما يقولون! وكان حريا به أن يناقش أولئك القائلين يحمل بيت أبي الطيب على القلب، لأنه لا فائدة من حمله عليه كما قلنا - ولأنهم أوردوا شواهد القلب لم يتضمن أي بيت منها أي اعتبار لطيف. (٢٣ - النظم البلاغي)

стр. 351

وإذا كان الخطيب القزويني يقول عن القلب: "وقبله مطلقاً قوم منهم السكاكي، فإن القاضي الجرجاني من هؤلاء القوم الذين قبلوا القلب مطلقاً". ومما يؤيد وجهة نظرنا هذه: أن القاضي الجرجاني يرد على من يقولون (١) إن قول البحتري: ملك له في كل يوم كريهة ... إقدام عز، واعتزام مجرب وقول أبي تمام: ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار وقوله: كهل الأناءة، فتى الشذاة إذا غدا ... الحرب كان الماجد الغطريفا وقول أبي الطيب: تدبير ذي حنك بفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا أصله قول قطري بن الفجاءة: ثم أثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام بأن معنى بيت قطري بن الفجاءة ضد معنى أبيات البحتري وأبي تمام، وأبي الطيب، اللهم إلا أن نرجع بيت قطري إلى القلب فيقول: "وليس هو

стр. 352

عندي كذلك؛ لأن قطرياً زعم أن إقدامه وبصيرته بصيرة جذع، والقارح أتم سنا من الجذع، وهؤلاء زعموا أن إقدامهم إقدام غر وتجاربهم تجارب كهل محنك، فهو ضد المعنى؛ اللهم إلا أن يقل، إنه قلبه، فلا يبعد ذلك عن الصواب (١). هكذا يعتبر القاضي الجرجاني قول قطري: "جذع البصيرة. قارح الإقدام، من باب القلب، فكأنه قال: (قارح البصيرة، جذع الإقدام) دون أن يتضمن هذا القلب اعتباراً لطيفاً؛ فلا فائدة من هذا القلب؛ إلا أن يقال - كما قال السكاكي -: "إنه مما يورث الكلام حسناً وملاحة" ويشجع عليه كمال البلاغة، وأمن الالتباس (٢) ". وهكذا يفتح القاضي الجرجاني البلاغيين باب الخلاف في معنى هذا البيت: فالخطيب القزويني يورد رأي القاضي الجرجاني - وإن لم يسمه - ويذكر أن المعنى على القلب: قارح البصيرة، جذع الإقدام، على أنه خالي من الضمير في "انصرفت" ولم أصب، بمعنى: لم أجرح. وذلك لأن الجذوعة، حداثة السن، والقروح: قدمه وتناهيه، فالمناسب وصف الرأي والبصيرة بالقروح، ووصف الإقدام والاقتحام في المعارك بالجذوعة، كما يقال: إقدام غرور، أي مجرب، فليس في هذا القلب اعتبار لطيف، بل إبهام لعكس المقصود. ويجيب الخطيب القزويني (٣)، على هذا الرأي، بأنه ليس من باب القلب،

стр. 353

لأن قوله: جذع البصيرة، خال من الضمير في (لم أصب) لأنه أقرب، ومعناه: لم ألف، من أصبت الشيء: الفيته ووجدته أي لم ألف بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها، جذع الإقدام، قارح البصيرة، وليس معناه: لم أجرح، لأن ما قبله من الأبيات: لا يركنن أحد إلى الإقدام ... يوم الوغى متخوفاً خمام فلقد أراني الرماح دريته ... من عن يميني مرة وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكتاف سرجي أو عناق لجامي يدل على أنه جرح، وتحدر منه الدم، ولأن فحوى كلامه دالة على أنه جرح ولم يمت إعلاناً بأن الإقدام ليس بعلة للحمام، وحث على ترك الفكر في العواقب، ورفض التحرز خوفاً من المعاطب. ويرد سعد الدين التفتازاني على الخطيب بأن في قوله بحثاً، لأن قوله: "وقد أصبت) أي: جرحت، يصلح قرينة على أن (لم أصب) بمعنى: لم أجرح، وأما جعله بمعنى: (لم ألف) فلا قرينة عليه، مع ما فيه من قبو النظم، ودلالة الكلام على إثبات الجرح له لا ينافي ذلك، لأنه إذا جعل: _جذع البصيرة) حالاً من (لم أصب) صار المعنى: لم أجرح في هذه الحالة بل جرحت جذع الإقدام، قارح البصيرة. على أنه لما جعله بمعنى، لم ألف، فالأنسب أن يجعل: جذع البصيرة مفعولاً ثانياً لا حالاً، لأنه أحسن تأدية المقصود. وأخيراً يرى سعد الدين التفتازاني: أن القول الشافي في معنى بيت قطري، هو قول الإمام المرزوقي ﵀ وهو: أن جذع البصيرة

стр. 354

حال من الضمير في (انصرفت) وجذع البصيرة: عبارة عن أنه على بصيرته التي كان عليها أولاً، لم يعرض لذاته قدم في الاقتحام، ولم يتطرق إليه تقاعد عن الإقدام، وقروح الإقدام: عبارة عن أنه قد طالت ممارسته للحروب؛ وذلك لأنه قال: "المعنى: ثم انصرفت وقد قلت ما أردت من الأعداء، ولم ينالوا ما أرادوا مني، وأنا على بصيرتي الأولى، لم يبد لي قدم في الاقتحام. ولا غلب على التطرق والانحراف، بل قد صار إقدامي في الحروب قارحاً، لطول ممارستي وتكرر مبارزتي (١) " وقد عد الخطيب القزويني قول أبي تمام في وصف قلم محمد عبد الملك الزيات: لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أبد عواسل من باب القلب، حيث عكس التشبيه للمبالغة (٢). وأرى الجنى: أي العسل المجنى، اشتارته: أي جنته والأيدي العواسل: العارقة بجنيه. كان الأصل: أن يشبه مداد القلم بلعاب الأفاعي في قوة التأثير، ولكنه عكس فشبه لعاب الأفاعي بمداد قلمه على سبيل التشبيه للقلوب، المبالغة في شدة تأثيره. ولكن حمل التشبيه - في بيت أبي تمام - على القلب مخالف لما يراه عبد القاهر فيه، إذ يقول في هذا البيت: إنك إن قدرت في قول أبي تمام:

стр. 355

(لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) أن لعاب الأفاعي مبتدأ، ولعابه: خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه. وأبطلت الصورة التي أرادها فيه. وذلك لأن غرض الشاعر: أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاغي، ووبارى الجنى، أي أن لعابه سم لأعدائه، وشفاء لأوليائه، فإذا ما كتب في التهديد والوعيد كان كسم الأفاعي، وإذا ما كتب في العطايا والصلات حقق النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يتحقق إذا كان لعابه: مبتدأ، ولعاب الأفاعي خبراً، فأما تقديرك أن يكون، (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و (لعابه) خبراً، فإنه يبطل ذلك، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مراداً في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه لعاب الأفاعي بالمداد، ويشبه كذلك بارى الجنى (١).
следующие страницы →