وإذا كان الخطيب القزويني يقول عن القلب: "وقبله مطلقاً قوم منهم السكاكي، فإن القاضي الجرجاني من هؤلاء القوم الذين قبلوا القلب مطلقاً".
ومما يؤيد وجهة نظرنا هذه: أن القاضي الجرجاني يرد على من يقولون (١) إن قول البحتري:
ملك له في كل يوم كريهة ... إقدام عز، واعتزام مجرب
وقول أبي تمام:
ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار
وقوله:
كهل الأناءة، فتى الشذاة إذا غدا ... الحرب كان الماجد الغطريفا
وقول أبي الطيب:
تدبير ذي حنك بفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا
أصله قول قطري بن الفجاءة:
ثم أثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
بأن معنى بيت قطري بن الفجاءة ضد معنى أبيات البحتري وأبي تمام، وأبي الطيب، اللهم إلا أن نرجع بيت قطري إلى القلب فيقول: "وليس هو
стр. 352
عندي كذلك؛ لأن قطرياً زعم أن إقدامه وبصيرته بصيرة جذع، والقارح أتم سنا من الجذع، وهؤلاء زعموا أن إقدامهم إقدام غر وتجاربهم تجارب كهل محنك، فهو ضد المعنى؛ اللهم إلا أن يقل، إنه قلبه، فلا يبعد ذلك عن الصواب (١).
هكذا يعتبر القاضي الجرجاني قول قطري: "جذع البصيرة. قارح الإقدام، من باب القلب، فكأنه قال: (قارح البصيرة، جذع الإقدام) دون أن يتضمن هذا القلب اعتباراً لطيفاً؛ فلا فائدة من هذا القلب؛ إلا أن يقال - كما قال السكاكي -: "إنه مما يورث الكلام حسناً وملاحة" ويشجع عليه كمال البلاغة، وأمن الالتباس (٢) ".
وهكذا يفتح القاضي الجرجاني البلاغيين باب الخلاف في معنى هذا البيت:
فالخطيب القزويني يورد رأي القاضي الجرجاني - وإن لم يسمه - ويذكر أن المعنى على القلب: قارح البصيرة، جذع الإقدام، على أنه خالي من الضمير في "انصرفت" ولم أصب، بمعنى: لم أجرح.
وذلك لأن الجذوعة، حداثة السن، والقروح: قدمه وتناهيه، فالمناسب وصف الرأي والبصيرة بالقروح، ووصف الإقدام والاقتحام في المعارك بالجذوعة، كما يقال: إقدام غرور، أي مجرب، فليس في هذا القلب اعتبار لطيف، بل إبهام لعكس المقصود.
ويجيب الخطيب القزويني (٣)، على هذا الرأي، بأنه ليس من باب القلب،
стр. 353
لأن قوله: جذع البصيرة، خال من الضمير في (لم أصب) لأنه أقرب، ومعناه: لم ألف، من أصبت الشيء: الفيته ووجدته أي لم ألف بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها، جذع الإقدام، قارح البصيرة، وليس معناه: لم أجرح، لأن ما قبله من الأبيات:
لا يركنن أحد إلى الإقدام ... يوم الوغى متخوفاً خمام
فلقد أراني الرماح دريته ... من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكتاف سرجي أو عناق لجامي
يدل على أنه جرح، وتحدر منه الدم، ولأن فحوى كلامه دالة على أنه جرح ولم يمت إعلاناً بأن الإقدام ليس بعلة للحمام، وحث على ترك الفكر في العواقب، ورفض التحرز خوفاً من المعاطب.
ويرد سعد الدين التفتازاني على الخطيب بأن في قوله بحثاً، لأن قوله: "وقد أصبت) أي: جرحت، يصلح قرينة على أن (لم أصب) بمعنى: لم أجرح، وأما جعله بمعنى: (لم ألف) فلا قرينة عليه، مع ما فيه من قبو النظم، ودلالة الكلام على إثبات الجرح له لا ينافي ذلك، لأنه إذا جعل: _جذع البصيرة) حالاً من (لم أصب) صار المعنى: لم أجرح في هذه الحالة بل جرحت جذع الإقدام، قارح البصيرة.
على أنه لما جعله بمعنى، لم ألف، فالأنسب أن يجعل: جذع البصيرة مفعولاً ثانياً لا حالاً، لأنه أحسن تأدية المقصود.
وأخيراً يرى سعد الدين التفتازاني: أن القول الشافي في معنى بيت قطري، هو قول الإمام المرزوقي ﵀ وهو: أن جذع البصيرة
стр. 354
حال من الضمير في (انصرفت) وجذع البصيرة: عبارة عن أنه على بصيرته التي كان عليها أولاً، لم يعرض لذاته قدم في الاقتحام، ولم يتطرق إليه تقاعد عن الإقدام، وقروح الإقدام: عبارة عن أنه قد طالت ممارسته للحروب؛ وذلك لأنه قال: "المعنى: ثم انصرفت وقد قلت ما أردت من الأعداء، ولم ينالوا ما أرادوا مني، وأنا على بصيرتي الأولى، لم يبد لي قدم في الاقتحام. ولا غلب على التطرق والانحراف، بل قد صار إقدامي في الحروب قارحاً، لطول ممارستي وتكرر مبارزتي (١) "
وقد عد الخطيب القزويني قول أبي تمام في وصف قلم محمد عبد الملك الزيات:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أبد عواسل
من باب القلب، حيث عكس التشبيه للمبالغة (٢).
وأرى الجنى: أي العسل المجنى، اشتارته: أي جنته والأيدي العواسل: العارقة بجنيه.
كان الأصل: أن يشبه مداد القلم بلعاب الأفاعي في قوة التأثير، ولكنه عكس فشبه لعاب الأفاعي بمداد قلمه على سبيل التشبيه للقلوب، المبالغة في شدة تأثيره.
ولكن حمل التشبيه - في بيت أبي تمام - على القلب مخالف لما يراه عبد القاهر فيه، إذ يقول في هذا البيت: إنك إن قدرت في قول أبي تمام:
стр. 355
(لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) أن لعاب الأفاعي مبتدأ، ولعابه: خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه. وأبطلت الصورة التي أرادها فيه.
وذلك لأن غرض الشاعر: أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاغي، ووبارى الجنى، أي أن لعابه سم لأعدائه، وشفاء لأوليائه، فإذا ما كتب في التهديد والوعيد كان كسم الأفاعي، وإذا ما كتب في العطايا والصلات حقق النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يتحقق إذا كان لعابه: مبتدأ، ولعاب الأفاعي خبراً، فأما تقديرك أن يكون، (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و (لعابه) خبراً، فإنه يبطل ذلك، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مراداً في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه لعاب الأفاعي بالمداد، ويشبه كذلك بارى الجنى (١).
стр. 356
التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه
هذا الأسلوب ألحقه ابن الأثير - وقبعه العلوي صاحب الطراز - بالالتفات، ملاحظاً أن الالتفات هو: الانتقال من صيغة - في الكلام إلى صيغة أخرى، كالانتقال من صيغة الماضي إلى صيغة المستقبل أو من صيغة المستقبل إلى صيغة الماضي وهكذا.
وذكر البلاغيون أن نكتة التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: هي التنبيه على تحقق الوقوع، وأن ما هو للوقوع كالواقع، وأن نكتة التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل: هي استحضار الصورة العجيبة، وذلك لقصد المبالغة في كلا التعبيرين، فهو من قبيل الاستعارة التبعية:
وهذا التصرف وإن كان من وظيفة "البيان" إلا أنه من المعاني من حيث إن الداهي إليه: التنبيه على تحقق الوقوع في الأول، واستحضار الحال الماضية في الثاني.
فمن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾.
وقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
стр. 357
وقول الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾.
فأنت ترى أن المعنى في كل ذلك: يوم ينفخ، ويصعق، ونحشر، ويفزع، وينادي، فجعل المتوقع الذي لابد من وقوعه، والذي لا محالة من مجيئه كالواقع الآن.
على أن ثمة نكتة أخرى لهذا التعبير الذي يصور لك ما سيحدث بصورة الحاصل: فالآيات الكريمة تصور لنا مشاهد يوم القيامة، وتنقلها لنا كأنها حاصلة الآن، ولا ريب أن نقل هذه المشاهد بهذه الصور يجعلنا نتخيل أننا قد بعثنا في يوم القيامة ووقفنا أمام الله تعالى للحساب فرأينا هذه الصور المروعة لقلوب الكافرين وذلك مما يلقي الروع في قلوب الجاحدين فيرجعون إلى الله تعالى، ويسكب الخشوع في قلوب المؤمنين فيزدادون به إيماناً، ولا يحيدون عن طريق الحق، وإن أمعن الشيطان في إغوائهم.
ومما هو من هذا القسم بسبيل: التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو اسم المفعول المنكتة السابقة، وهي: التنبيه على تحقق الوقوع.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.
لم يقل وإن الدين لبقع، والدين: هو الجزاء، ولم يقل: ذلك يوم يجمع له الناس، لأن كلا منهما واقع لا محالة، فكأنه قد وقع.
ومن التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ كان مقتضى الظاهر أن يقال: فأثارت، لأن الإثارة وقعت فعلاً، ولكنه عبر عنها بلفظ المضارع، فاصداً بذلك استحضار صورتها في الخيال وكأنها واثعة عياناً، لما فيها من الدلالة على القدرة الباهرة التي تثير السحاب مسخراً بين السماء والأرض.
стр. 358
ومنه قول تأيط شرا:
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان
بأني قد لقيت الغول تهوى ... بسيب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانا تضو أرض ... أخو سفر فخلى لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفى بمصقول يماني
فاضربها بلا دهش فخرت ... صريعاً لليدين والجران
فالشاعر يزعم أنه قد لقى الغول في سفره وقد جاءت نحوه فحاول إبعادها عن طريقه ولكنها أمضت في اقترابها منه، فضربها بسيفه فصرعها.
بيد أنه لم يقل فضربتها، وإنما قال "فاضربها" فعبر عن الضرب في الماضي بالضرب في الحال؛ مستخدماً صيغة المضارع مكان صيغة الماضي، ليصور لقومة الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يقدم لهم صورتها أو يطلب منهم مشاهدتها تعجباً من جزاءته على كل هول، وثباته عند كل شدة.
стр. 359
الفصل الرابع
أحوال المسند
١ - حذفه.
٢ - ذكره.
٣ - تعريفه.
٤ - تقديمه.
٥ - تقييده بالشرط.
١ - حذف المسند:
أسلفنا لك - عند الحديث على حذف المسند إليه -: أن من أسباب قوة العبارة: أن تأتي موجزة محكمة التركيب، محذوفاً منها ما قامت القرائن على وجوده مقدراً، لأن ذكره حينئذ مما يؤدي إلى ثقل العبارة بما يمكن الاستغناء عنه، كما أنه يؤدي إلى إطالة العبارة وترهلها، والبلاغة الإيجاز - كما يقولون -.
ونحن لا نرى بأساً من إعادتها، حيث الحديث عن حذف المسند؛ لأن هذا القول مما ينطبق على حذف المسند، والسند إليه كليهما.
وقد عبر البلاغيون عن حذف المسند إليه بالحذف، وعن حذف المسند بالترك لنكتة لطيفة، وهي: أن المسند إليه أقوم ركن في الكلام وأعظمه، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسند، فحيث لم يذكر لفظاً، فكأنه أتى به - لفرط الاحتياج إليه، ثم سقط لغرض، بخلاف المسند، فإنه ليس بهذه المثابة في الاحتياج، فيجوز أن يترك ولا يؤتي به لغرض (١).
стр. 360
على أن أغراض حذف المسند لا يمكن حصرها، لأنها تتنوع بتنوع مقتضيات الأحوال، وهذه لا يمكن حصرها أو تحديدها.
ولكننا نسوق إليك أمثلة من حذف المسند، لتتبين منها أسرار حذفه في كل منها، لتكون لك مصابيح هداية في طريق تتبع أنماط الأساليب التي وردت محذوفة المسند.
فمن ذلك قول ضابي بن الحارث البرجمي، وهو في سجن عثمان ﵁ (١):
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
فلا تجز عن قيار من حبس ليلة ... قضية ما يقضى لنا فنؤوب
وما عاجلان الطير تدني من الفتى ... رشاداً، ولا عن رئيهن يخيب
ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... والقلب من مخشاتهن وجيب
فلا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على غائبات الدهر حين تنوب
وفي الشك تفريط، وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقاً ولا أخا ... إذا لم تعد الشيء وهو يريب
стр. 361
فالشاعر يشكو ما يعانيه هو وجمله: قيار من ألم الغربة بالمدينة، فقد حن في نفسه، وآلمه أن يرى نفسه غريب الدار، بعيد المزار، غائباً عن الأهل والوطن، في الوقت الذي يرى فيه غيره - من أهل المدينة - ينعم باجتماع شمله بأهله ووطنه، ولهذا فإنه يستشعر الصبر ويأخذ قياراً به - أيضاً - لأن ما يلقاه الأحياء، إنما هو قضاء الله وقدره، والناس يفزعون من النوائب قبل حلولها، وإذا وطنوا أنفسهم عليها لم يجدوا لها ذلك الخوف والفزع، ولا خير في الظن وإنما هو اليقين والحزم، وغفران زلة الصديق مما يستسقيه ويحفظه.
ويبدو أن الأبيات من قصيدة طويلة يعاقب فيها صديقاً من أهل المدينة لم يزره في حبسه. ولكن لم يعثر منها إلا على هذه الأبيات، لأنك تجد أولى هذه الأبيات معطوفاً على ما قبلها من أبيات أخرى.
ولئن كان محقق النص لم يأت في أولى بيت منها بحرف الغطف فإن هذا البيت لا يصلح بدونه إذ ينكسر وزنه. لأن القصيدة من بحر الطويل الذي أول تفصيلة منه (فعولن).
ولأن البيت الأخير دليل على أنه يعاتب صديقاً.
والشاهد في الأبيات قوله: (فإني وقيار بها لغريب) فلفظ البيت خبر، ولكن معناه التحسر على الغربة والتوجع من الكربة، وقد حذف فيه المسند إلى "قيار"، وكان أصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية، لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث واضح، ولأن نفسه تؤثر الإيجاز لما هي فيه من ضيق وحزن وضجر والسر في تقديم (قيار) على خير إن - كما يقول العلامة سعد الدين التفتازاني - قصد التسوية بينه وبين جمله في التحسر على الغتراب، وكأنه أثر في غير ذي العقل أيضاً.
стр. 362
وبيان ذلك: أنه لو قيل: (إني لغريب وقيار) لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولاً أقوى؛ فقدمه ليتأتى الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر؛ تنبيهاً على أن قياراً مع أنه ليس من ذوي العقول قد تساوى مع العقلاء في استحقاق الإخبار عنه بالاغتراب قصداً إلى التحسر (١).
وقال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي (٢):
يا مال؛ والسيد المعمم قد ... يبطره بعد رأيه السرف
يا مال؛ والحق إن قنعت به ... فالحق فيه لأمرنا نصف
خالفت في الرأي كل ذي فجر ... والحق يا مال غير ما تصف
لا يرفع العبد فوق سنته ... والحق يوفى به ويعترف
إن بجيراً مولى لقومكم ... يا مال والحق عنده فقفوا
أوتيت فيه الوفاء معترفا ... بالحق فيه لكم فلا تكفوا\
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف.
وكان من خير هذه الأبيات: أنه كان لمالك بن العجلان مولى يقال له بجير؛ وكان قد جلس مع قوم من الأوس، ففضل مالكاً عليهم فقتلوه، فلما علم مالك بذلك طلب إليهم أن يعطوه القاتل ليقتص منه فأبوا، وطلبوا منه أن يأخذ فيه دية العبد فأبى إلا أن يأخذ فيه دية الحر فأبوا ورأوا في ذلك شططاً؛ فقامت الحرب بين الأوس والخزرج، ثم احتكموا إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، فقال هذا
الشعر (٣).
стр. 363
فالشاعر يقول هذا الشعر لمالك بن العجلان بعد أن ضاقت به الحيل في سبيل الوصول إلى رضا مالك بقبول دية العبد، ولهذا فإنه آثر الإيجاز.
والشاهد في هذه الأبيات قوله: (نحن بما عندنا رأفت بما عند راض) حيث حذف المسند إلى "نحن" وأصله: (نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض) إيثاراً للإيجاز والاختصار لعدم تقبل المخاطب لرأيه، ولعدم رغبته في إطالة الحديث معه، يدلك على هذا: أنه لا ينطق باسمه كلاماً ولكنه يرخمه فيقول: بإمال، بدلاً من أن يقول: يا ملك.
وقد جاء ترخيم مالك - في قراءة علي وابن مسعود ﵄: "ونادوا يا مال، ليقض علينا ربك" لأن أهل النار يومئذ في ضيق شديد فهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه (١).
وقال أبو الطيب المتقي من قصيدة يمدح بها شجاع بن محمد الطائي المنيجي (٢):
إن إلى سفكت دمى يجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد.
قالت: - وقد رأت أصفر أرى - من به؟
وتنهدت؛ فأجبتها: المتنهد!
يعنى: إن الفتاة التي نظرت إلى فقتلتني بنظرتها، لم تدر أنها قد باءت بإثمي، وأن دمى في عنقها؛ ولما رأت تغير وجهي واصفراره قالت من قتل؟ أو من فعل به هذا الذي أراه؟ ثم تنهدت؛ فأجبتها عن سؤالها:
المتنهد المطالب به، أو الفاعل بي هذا.
والشاهد هنا: قوله: "المتنهد" حيث حذف منه المسند لضيق صدره
стр. 364
بما ألم به من ألم الهوى والتقدير: المتنهد هو المطالب به والمسئول عنه أو التقدير: فعل به المتنهد.
ومن أغراض حذف المسند: إتباع الاستعمال الوارد، كأن تقول - لمن قال لك: إن القوم إلب عليك فهل لك أحد؟ -: "إن محمداً وإن علياً" أي: إن لي محمداً، وإن لي عليا، وذلك لأن الاستعمال الوارد هو: حذف الخبر عند تكرار "إن" وتعدد اسمها، وذلك كما في قول الأعشى:
إن محلاً، وإن مرتحلاً ... وإن في السفر إذ مضوا مهلاً
أي إن لنا في الدنيا حلولاً، وإن لنا عنها إلى الآخرة ارتحالاً، والسفر: الرفاق قد توغلوا في المضي لا رجوع لهم، ونحن على إثرهم عن قريب.
ومن حذف المسند لإتباع الاستعمال الوارد: قول الله تعالي: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي" فقد حذف هنا: المسند إلى ضمير المخاطبين، وذلك لأن "أنتم" فاعل لفعل محذوف دل عليه المذكور، لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال.
ومنه قول حاتم الطائي: "لو ذات سوار لطمتني" فقد روى الأصمعي أن حاتماً هو ببلاد عنزة فناداه أسير لهم أن يطلقه ولم يكن مع حاتم شيء يساومهم به، فقال: أطلقوه واجعلوا يدي في القيد، مكانه، ففعلوا، ثم جاءته امرأة أمة ببعير ليفصده فقام فنحره، فلطمته، فقال لها ذلك.
المعنى: لو أن التي لطمتني أحدى الجرائر لآخذتها.
ومنه قول المتلمس يعاتب خاله الحارث بن التوءم اليشكرى؟ :
فلو غير أخوالي أرادوا نقيضي ... جعلت لهم فوق العرائين ميسما.
وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما.
стр. 365
العرانين: جمع عرنين، وهو الأنف كله، أو ما صلب منه، والميمم العلامة.
يقول: لو أن الإساءة قد أتت من غير أخوالي لانتقمت لنفسي منهم وأذللتهم وجعلتهم عبرة بين الناس، ولكن الإساءة قد أتت من أخوالي، فهم أهلي وعشيرتي، وليس لي إليهم من سبيل، لأني إذا ما انتقمت منهم كنت كمن يقطع بكفه كفه الأخرى.
والشاهد هنا: حذف المسند إلى "غير" في قوله: (ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي) والأصل فلو أراد غير أخوالي أرادوا نقيصني، وإنما حذف المسند هنا إتباعاً للاستعمال الوارد، لأن "لو" عندهم لا تدخل إلا على الأفعال.
ومنه قول الله تعالي: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي" وتقديره: لو تملكون تملكون مكراً، للتأكيد، ولكن حذف الفعل الأول المسند إلى ضمير المخاطبين لدلالة الفعل الثاني عليه فانفصل الضمير.
قال الزمخشري: "هذا ما يقتضيه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو: أن "أنتم تملكون" فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ ونحوه قول حاتم: "لو ذات سوار لطمتني"
قول المتلمس:
ولو غير إخواني ... أرادوا نقيصتي (١).
وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر.
стр. 366
ومن حذف المسند قول الله تعالي: "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً؟ " أي: كمن لم يزين له سوء عمله؟ والمعني: أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما كمن لم يزين له سوء عمله؟ فكأن النبي ﷺ لما قيل له ذلك قال: لا فقيل: "إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" أو المعني: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة "فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء".
وقيل: المعني: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف لدلالة "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات".
ومعنى تزين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة يستوجب بها خذلان الله تعلى، فيهم في الضلال، ويعتنق الهوى، فيرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويندرج تحت قول أبى نواس:
أسقن حتى تراني ... حسناً عندي القبيح
وإذا خذل الله الممعنين في الضلال فإن على الرسول أن لا يعبأ بهم، ولا يلقى بالاً لهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم، لأن الله تعالي خذلهم وتخلى عنهم (١).
وإذا كان النبي ﷺ حزيناً على أولئك الذين أمعنوا في الضلال والكفر والعصيان من قومه، والله سبحانه وتعالي ينهاه من أن يحزن وتذهب نفسه عليهم حسرات، كان أسلوب الإيجاز في هذا المقام مما يقتضيه الحال.
ومما هو محتمل لحذف المسند إليه: قول الله تعالي: "بل سولت لكم
стр. 367
أنفسكم فصبر "جميل" وقوله تعالي: سورة أنزلناها وفرضناها" وقوله تعالي: "وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل: لا تقسموا طاعة معروفة".
فالآية الأولى: يمكن أن تكون من حذف المسند فيكون التقدير: فصبر "جميل" أجمل، وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير، فأمري صبر "جميل".
والآية الثانية يمكن أن تكون من حذف المسند، فيكون التقدير: فيما أو حينا إليك سورة أنزلناها وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير: هذه سورة أنزلناها.
والآية الثالثة: يمكن أن تكون من حذف المسند فيكون التقدير: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الإيمان الكاذبة، وأن تكون من حذف المسند إليه ويكون التقدير: الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا برقاب: كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهرة، لا إيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعة معروفة بأنها بالقول دون العمل.
وعلى أية حال فإن سر الحذف فيما يحتمل فيما يحتمل فيه حذف المسند أو المسند إليه، هو تكثير الفائدة، وذلك بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين.
وسواء كان المحذوف هو المسند، أو كان هو المسند إليه فإنه لابد للحذف من قرينة حالية أو مقالية دالة على المحذوف، وإلا لكان الحذف مخلاً بالمعني، وذلك ما يأباه الذوق العربي، ويمجه الإحساس البلاغي: ومن قرائن حذف المسند: وقوع الكلام جواباً عن سؤال مذكور، أو مقدر:
стр. 368
فمن وقوع الكلام جواباً عن سؤال مذكور: قول الله تعالي: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١)﴾، : فقوله: "الله" جواب عن سؤال مذكور في الكلام هو قوله ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ؟ ﴾ وقد حذف المسند في الجواب والأصل: خلقهن الله.
ومنه قوله تعالي: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ " (٢)، فقوله: "الله" جواب - أيضاً - عن سؤال مذكور في الكلام، هو قوله: ﴿مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدِ مَوْتِهَا؟ ﴾ وقد حذف المسند - أيضاً - في الجواب؛ والأصل: نزله الله، وأحيا به الأرض.
ومن وقوع الكلام جواباً عن سؤال مقدر قول الله تعالي في قراءة عن قرأ - ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ رِجَالٌ﴾ بهناء "يسبح" للمجهول، فكأنه بعد أن قال. يسبح له فيها بِالْغُدُوِّ والآصَالِ قيل. من يسبحه؟ فقال: رجال.
ومنه قول الحرب بن ضرار بن نهشل يرني أخاه يزيد بن نهشل:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
المختبط من جاء يطلب المعروف من غير آصرة، والعار اثح: الشدائد.
يقول إن أخاه كان عوناً للضعفاء والمظلومين، ومقصداً لآمال المحتاجين والمكروبين، فليبكه هؤلاء جميعاً، وحق لهم أن يبكوا، فقد ذهبت بذهابه صفات الكرم، وماتت بموته محامد الشيم.
стр. 369
والشاهد هنا: قوله: "ضارع لخصومة" حيث حذف المسند إلى "ضارع" والتقدير: "يبكيه ضارع" لأنه واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: "من يبكيه؟ ".
وذلك لأنه لما قال: "ليبك يزيد" ببناء الفعل للمجهول وقع فيه إبهام، فكأن سائلاً سأل: من يبكيه؟ فقال: ضارع لخصومة، أي: يبكيه ضارع لخصومة، ونحتبط مما تطيح الطوائح.
وهذا البيت - وإن كان قريب المعني من قول لبيد في رثاء النعمان بن المنذر (١):
ليبك على النعمان شرب وقينة ... ومختبطات كالسعالي أرامل
أي. ليبكة الأرامل والضعيفات من طالبات معروفة، فقد حرموا بموته نعيم الحياة، ولذيذ العيش ولتبكة الأرامل والضعيفات من طالبات معروفة فقد حرمن بموته المعين على نواثب الدهر.
إلا أن بيت الحرث بن ضرار بن نهشل قد بني فيه "ليبك" للمجهول، فأسند الفعل إلى نائب الفاعل، وهو "يزيد" بينما بيت لبيد قد بني فيه "ليبك" للمعلوم وأسند الفعل إلى فاعله ولهذا فإن بيت الحرث فيه حذف المسند، بينما بيت لبيد لبس فيه حذف للمسند.
وكان لضيع الحرث بن ضرار من مزايا النظم البلاغي ما رآه البلاغيون مجملاً فيما يلي:
стр. 370
أولاً: تكرار الإسناد: وذلك أن إسناد الفعل المبني للمجهول إلى نائب الفاعل يوحي بأن له فاعلاً ينبغي أن يسند إليه، وهذا هو الإسناد الأول.
ولما كان "ضارع" فاعلاً لفعل مقدر تقديره: "يبكيه ضارع" فقد جاء الإسناد الثاني.
ولا ريب أن التركيب الذي اشتمل على إسنادين أقوى وأكد مما اشتمل على إسناد واحد.
ثانياً: التفصيل بعد الإجمال، وذلك لأنه لما قال "لبيك يزيد" فأسند الفعل إلى نائب الفاعل قد أبهم الفاعل، ولكنه لما قال "ضارع" وكان التقدير "يبكيه ضارع" قد نص على ذلك الفاعل، ولهذا يكون الشاعر قد أجمل ذكر الفاعل أولاً ثم فصله ثانياً.
ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام أو التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس لما هو مركوز في الطباع من أن إبهام الشيء أو إجماله مما يشوق إلى إيضاحه وتفصيله.
ثالثاً: أن نائب الفاعل هنا - وهو "يزيد" هو المقصود من المرئية، لأنها إنما قيلت من أجله، لتعداد مناقبه، وبيان مآثره، فناسب أن يطوي ذكر الباكي ويذكر المبكي عليه وهو "يزيد" ويصير عمدة في الكلام، ولو لم يسلك به الشاعر هذا الصنيع لصار "يزيد" فضلة لا عمدة في الكلام، ولأصبح الاهتمام موجهاً إلى الباكي لا إلى المبكي عليه، وذلك مما لا يناسب مقام الرثاء، ولا يتفق وغرض الشاعر.
رابعاً: أن الشاعر لما قال: لبيك يزيده فاسند الفعل إلى نائب الفاعل كان الكلام بذلك قد تم وليس محتاجاً إلى فاعل ليتم به، ولكنه لما ذكر
стр. 371
الفاعل بعد ذلك فقال: "ضارع" كان محيطه كالغنيمة غير المتوقعة، وذلك أشهي عند النفس وأحلى عندها موقعاً.
ولكنه لو بني الفعل للفاعل. فقال: "ليبك يزيد" بنصب "يزيد" لأصبح الفاعل مترقباً ذكره. لأنه لابد لل××× من فاعل، فلا يكون موقعه في النفس عند مجينه - ذلك الموقع الذي أسلفنا.
وعن حذف المسند الذي قربلته وقوع الكلام جواباً عن سؤال مقدر قوله الله تعالي: "وجعلوا لله شركاء الجن" في أحد الأقوال الواردة فيه.
قالوا: فإن جعل "لله شركاء" مفعولين لجعلوا، فقوله. "الجن" يحتمل وجهين:
الوجه الأول: - وهو رأي الإمام عبد القاهر - أن يكون منصوباً بفعل محذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل. من جعلوا لله شركاء؟ لقيل. الجن، أي. جعلوا الجن ويدخل اتخاذ الشريك من غير الجن - في الإنكار - دخول اتخاذه من الجن في هذا الإنكار.
والوجه الثاني: -وهو رأي الإمام الزمخشري - أن ينصب "الجن" بدلاً من شركاه وبذلك يفيد التركيب إنكار الشريك مطلقاً - كما أسلفنا -.
وإن جعل "لله" لغواً كان قوله: "شركاء الجن" مفعولين قدم ثانيهما على أولهما.
أي: وجعلوا الجن شركاء لله، وفائدة التقديم حينئذ. استعظام أن يتخذ لله شريك، سواء أكان ملكاً أو جنباً، أو غيرهما، ولهذا قدم "لله" على الشركاء.
стр. 372
ولو لم يبين الكلام على التقديم وقيل، وجعلوا الجن شركاء لله لما أفاد الكلام إلا إنكار جعل الجن
شركاء (١).
ومن حذف المسند لوقوعه في جواب سؤال مقدر باب "نعم، وبئس".
وذلك كما تقول. "نعم الرجل محمد" على رأي من يجعل المخصوص مبتدأ خبره محذوف، أي محمد الممدوح، فحذف المسند إلى محمد لوقوعه جواباً عن سؤال مقدر، وكأن سائلاً سأل. من الممدوح، فأجيب: محمد
стр. 373
(٢) ذكر المسند
أسلقنا لك أن المنهج الذي رسمه عبد القاهر لنظر بته في النظم البلاغي قد تضمن موضوع الحذف والتكرار، ولم يتعرض لموضوع الذكر، وأنه قد التزم بهذا فلم يهتم بموضوع الذكر واهتم بموضوع الحذف، لأن الذكر هو الأصل والحذف فرع عنه، والأصل الذي لا يتم الكلام بدونه لا يحث البلاغة ليه، وأن المتأخر بن قد استنبطوا من هذا التصرف غرضاً من أغراض الذكر، وهو: أنه الأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك الأصل.
وبهذا يكون موضوع الذكر مفهوماً عند عبد القاهر من كونه هو الأصل، أما التكرار فقد ذكره منهجاً ولم يأت به تطبيقاً، ولكنه اهتم بإيراد المسند فعلاً أو اسماً.
وبهذا ينحصر بحثنا هنا في موضوعات ثلاثة هي: ذكر المسند، وتكرار، وإيراده أسماً أو فعلاً.
أولاً: ذكر المسند:
قالوا: إن المسند يذكر لنفس الدواعي التي اقتضت ذكر المسند إليه.
وذلك كسكونه هو الأصل ولا مقتضي العدول عن ذلك الأصل، كقولك ابتداء: أكثم بن صيفي خطيب العرب في الجاهلية.
وكالاحتياط لضعف التعويل على القرينة، كقولك في جوانب من قال: من أكرم العرب في الجاهلية وأشجعهم؟ -: عنترة أشجعهم، وحاتم أجودهم، لأنك لو قلت: عنترة وحاتم وحذف المسند إلى كل منهما لاحتمل أن تكون قد أردت: عنترة أكرمهم، وحاتم أشجعهم، فذكرت المسند إلى كل منهما حتى يتعين المخاطب.
стр. 374
وكالتعريض بغبارة السامع، كقولنا: "محمد نبينا" في جواب من سأل: من نبيكم؟ تعرضاً بغبارة من سأل هذا السؤال وأنه لو كان له تمييز لم يسأل عن بني هو أظهر من يتوهم خفاؤه، فيجاب يذكر أجزاء الجملة إعلاماً بأن مثل هذا لا يكفي معه إلا التنصيص، لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
ولذلك يذكر المسند لزيادة تقريره في نفس السامع وتثبيته في ذهنه، لأنه مما يتعلق به الغرض وذلك كما في قول الله تعالي: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقوان خلقهن العزيز العلمي (١)، فلو حذف المسند لدل السؤال عليه، ولكنه ذكر المسند وهو: (خلق) لزيادة تقرير خلق السموات والأرض.
وقد ذكر العلامة السعد هذه الآية الكريمة مثالاً لذكر المسند احتياطاً لضعف التعويل على القرينة ولكن رد عليه يقول الله تعالي: " ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (٢)﴾ إذ السائل هنا هو السائل هناك والمسئول هنا هو المسئول هناك، فكيف يضعف التعويل على القربنة في أحدهما دون الآخر؟ !
والحق انا لمسند قد ذكر في الآية الأولى لزيادة تقرير خلق السموات والأرض وتثبيته في نفوس المشركين ولكنه حذف في الثانية إثباراً للإيجاز والاختصار اعتماداً على مجيئه في جواب سؤال محقق لأنه لو لم يحذف لقيل: خلق الله السموات والأرض، وسخر الله الشمس والقمر، لأنه لو قيل في الجوانب: خلقن الله، لم يشمل تسخير الشمس والقمر، ولو قيل: سخرهما الله"
стр. 375
لم يشمل خلق السموات والأرض ولهذا كان في الإيجاز يحذف الشد مندوحة عن هذه الإطالة.
ولعل أهم غرض من أغراض ذكر المسند إليه هو التقرير والإيضاح كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - لأن الأغراض التي أسلفناها ربما كانت ضيقة المجال، كالتنبيه على غبارة السامع الذي ينحصر غالباً في مقامات الخطاب، وربما كان بعضها محدود القيمة، ككونه والأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك الأصل.
والمعاني الأدبية لا يكفي فيها ما يكفي في الحالات الخطابية من مجرد الإفهام، وإنما هي محتاجة فوق ذلك إلى مزيد من التقرير والتأكيد حتى تؤثر في النفس وتداخل القلب وتتعمق في الشعور، وذلك غاية الكلام البليغ (١).
ثانياً: تكرار المسند:
إذا كان ذكر المسند يقرر المعني في النفس ويثبته، فإن تكريره مما يعين على زيادة تقريره، وتثبيته، بل إنه ليبلغ به للغاية في هذا التقرير والتثبيت، ولهذا يعمد القرآن الكريم - في مواطن كثيرة منه - إلى أسلوب التكرار، ليوثق المعاني في النفوس، ويثبتها في الأذهان: ويمكنها من العقول:
وسورة الرحمن خير شاهد على هذا، فيعد كل نعمة من نعمه تعالي يرهفها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أي ليس هناك من النعم التي أسبغها الله على الثقلين ما يمكن أن يكذب.
ومنه قول الله تعالي: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ، ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
стр. 376
مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ﴾ ثم كرر لهم هذا الطلب ليؤكده عندهم ويقرره في نفوسهم.
ومنه ما ورد أن النبي ﷺ قال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني ينكحوا ابنتهم عليا، فلا آذن ثم لا آذن، إلا أن يطلق على ابنتي وينكح ابنتهم (١) " فقوله: لا آذن ثم لا آذن من التكرير الذي هو أشد موقعاً من الإيجاز، لانصباب العناية إلى فأكيد القول في منع على ﵁ من التزوج بابنه أبي جهل بن هشام.
وإذا تعمق معني من المعاني في نفس الشاعر، فإنه يتأثر به تأثراً بالغاً ويحاول أن يهيئه إلى غيره مكرراً، ليتأصل في نفوس سامعيه، وليتمكن من قلوبهم، كما تمكن من قلبه، وكما تأصل في نفسه بل إنه ليحاول الإكثار من تكريره، وكأنها الدندنة التي استراح إليها لبث لو أعجبه وأحزانه:
استمع إلى قول المهلهل بن ربيعة في رثاه أخيه كليب (٢).
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذ خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلاً من كليب ... فداة بلابل الأمر الكبير
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا هبت رياح الزمهرير
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب ... إذا علنت نجيات الأمور
стр. 377
ولهذا السبب - أيضاً - رأينا الحارث بن عباد وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً، عندما أرسل إلى المهلهل يقول له: إن كنت قتلت بجيراً بكليب (يقصد بجيراً ابنه) فقد طابت نفسي بذلك، فأرسل إليه المهلهل. إنما قتلته بشسع أهل كليب! ، فغضب الحارث ودعا بفرسه - وكانت
تسمي النعامة - فجزفا صيتها، وهلب ذنبها، ثم قال:
قربا مربط النعامة منى ... لفحت حرب وائل عن حيال.
قربا مربط النعامة منى ... ليس قولي يراد لكن فغالى.
قربا مربط النعامة منى ... جد نوح النساء بالإعوال.
وظل يكرر قوله: (قربا مربط النعامة منى) حتى كررها سبع عشرة مرة في القصيدة.
وطلب البكاء معني من المعاني التي استقرت في نفس الخنساء، ولهذا فإنها قد نثرته دموعا كليمة بللت بها أرجاء ديوانها حزنا علي أخيها صخر:
استمع إليها تكرار طلب البكاء:
أعيني جود ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندي؟ !
ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتي السيدا؟ !
وذلك لأن الناس قد أجمعوا - كما يقول أبو هلال - علي أن البكاء
يطفئ الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزبل شدة الوجد.
стр. 378
وقد ذكر أبو هلال - أيضاً - أن أبا بكر بن عياش قال: كنت وأنا شاب إذا أصابتني مصيبة لا أبكي، فيحترق جوفى، فرأيت أعرابياً بالكناس علي ناقة له والناس حوله وهو ينشد:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... ببرقة حزوى فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو ينفي نجي البلابل
فسألت عن الأعرابي، فقيل: هو ذو الرمة، فكنت بعد ذلك إذا أصابتني مصيبة بكيت فاستشفيت، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما أبصره (١)!
ولهذا قال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا.
ومن تكرير المسند في الهجاء تهكماً: قول البرج بن مسهر الطائي - وكان قد فارق قومه مراغما لهم وجاور كلبا فلم يحمد جوارهم، ففارقهم ذا مالهم: (٢)
فنعم الحي كلب غير أنا ... رأينا في جوارهم هنات.
ونعم الحي كلب غير أنا ... رزئنا من بنين ومن بنات.
стр. 379
ثالثاً: إيراد المسند فعلا أو اسما:
الفرق بين إثبات المعني عن طريق الاسم، وإثباته عن طريق الفعل فرق لطيف ودقيق تمس الحاجة في علم البلاغة إليه - كما يقول الإمام عبد القاهر -.
وهذا الفرق هو: أنك إذا عبرت عن معني بطريق الاسم، فقلت - مثلا - (زيد منطلق) كنت قد أفدت انطلاقاً ثابتاً، ولكنك إذا قلت: (زيد منطلق) كنت قد أفدت انطلاقا يتجدد، فصيغة الاسم تدل علي الثبوت من غير تجدد، وصيغة الفعل تدل علي الحدوث والتجدد.
فقولك: زيد منطلق مثل قولك: زيد طويل، من حيث دلالته علي أنه طويل دون أن يشعر بتجدد الطول وحدوثه، وقولك زيد ينطلق، مثل قولك: زيد يطول، من حيث دلالته علي حدوث الطول وتجدده.
ويظهر هذا الفرق واضحاً في قولك: الورد أحمر، وقولك: الوجه يحمر من الخجل، فقولك: (أحمر) أفاد أن الحمرة صفة ثابتة في الورد لا تحدث ولا تتجدد.
وقولك (يحمر) أفاد أن الوجه يتحول إلى الحمرة شيئاً فشيئا، فالحمرة فيه تحدث وتتجدد وإذا اتضح لك هذا الفرق بين التعبير عن المعني بالاسم، والتعبير عنه بالفعل، عرفت أن التعبير عن المعني بالاسم له مقام يقتضيه، والتعبير عنه بالفعل له، أيضاً، مقام يقتضيه.
استمع إلى قول النضر بن جؤبة يتمدح بالكرم: (١)
стр. 380
فإن الغدر قد أمسي وأضحي ... مقيما بين خبت إلى المسات
الهنات: الأمور المنكرة، ورزئنا: بمعني فجعنا، وخبت والمسات: ما آن لكلب،
فالشاعر يهجو بني كلب متهكما بهم مكررا تهكمه بهم وهو (فنعم الحي كلب! ) لأنه رأي في جوارهم أموراً منكرة، ورزئ في بنيه وبناته، ولهذا فإنه يؤكد أن الغدر قد أقام عندهم صباح مساء، فليسوا من الوفاء في شيء.
وفي ذكر الأطلال والديار نجد تكرير المسند في قول امراء القيس، بعد أن خاطب الطلل وحياه تحية الجاهليين، ثم رجع عنها مستبعدا أن ينعم الطلل وقد طال عهده بفراق أحبته:
وتحسب سلمي لا تزال تري طلا ... من الوحش أو بيضا بميثاء محلال.
وتحسب سلمي لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أو عال
فقد كرر "تحسب" لأن فيه معني سيطر علي مشاعره، وهو أنه يعيش حلما جميلا رأي فيه سلمي بهذا المكان ولكنه لم يلبث أن أدرك أن هذا الحلم وهم لا حقيقة له، فقد فنيت ديارها، وتبدلت طللا دارسا.
стр. 381
قالت طريفة: ما تبقي دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهما ... ظلت إلى طرق الخيرات تستبق
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
حتى يصير إلى نذل يخلده ... يكاد من صره إياه يتمزق
فالشاعر يفخر بأن دراهمه لا تبقي، لأنه ينفقها في طرق الخير، والدرهم الذي يأتيه لا يبقي إلا ربما يمر بصرته مرور الكرام، حتى يأتي إلى نذل يبقيه بقاء الدهر، لأنه لا ينفقه بل يصره حتى يكاد أن يتمزق من صره إياه.
والشاهد هنا قوله: (وهو منطلق) حيث عبر بمنطلق للأشعار بان انطلاق الدراهم من الصرة أمر ثابت لا يتجدد وأن الدراهم ليس لها استقرار في الصرة، مبالغة في المدح بالكرم.
ولو قال: (وهو ينطلق) لأفاد أن الانطلاق يتجدد، ومعني هذا أنهم يمسكون الدراهم زمانا ثم ينفقونها.
ومنه قول الله تعالي: " وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ " فالمعني علي أن الكلب علي هيئة ثابتة هي بسط الذراعين بفناء الكهف، ولو قال: وكلبهم يبسط زراعيه، لكان المعني أن الكلب يتجدد منه بسط الذراعين شيئاً
стр. 382
فشيئاً، وليس مراداً، وإنما المراد أن أصحاب الكهف ظلوا علي هيئتهم الثابتة وصورتهم الجامدة التي توحي بالجلال والرهبة أزماناً طويلة "لو اطلعت عليهم لو ليت منهم قراراً ولمئت منهم رعباً".
واستمع إلى قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلي ضوء نار في يفاع تحرق
تثب لمقرورين يصطليانها ... وبات علي النار الندي والمحلف.
فقد قال: (في يفاع تحرق، أي تتحرق) واليفاع المكان المرتفع، أي أن النار في مكان عال تتحرق، ولو قال متحرقه، لآفاد أن النار متحرقة فقط دون أن يحدث التحرق منها ويتجدد شيئاً فشيئاً وليس ذلك غرض الشاعر، إذ الشاعر يقصد أن الغار في يفاع تتحرق أي يحث التحرق منها ويتجدد شيئاً فشيئاً، لأن المحلق قد بات بجوارها يجدد اشتعالها، ويعلي لهبها، لتهدي إليه أضياف الليل.
وقول طريف بن تميم:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثو إلى عريفهم يتوسم.
فتوسموني إنني أنا ذلكم ... شاكي سلاحي في الحوادث معلم.
تحبي الأغر وفوق جادي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم
حولي أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بينى خصم
стр. 383
وعكاظ: سوق بين نخلة والطائف كانت تقام في مستهل ذي القعدة، وتستمر عشرين يوماً تجتمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون أي: يتفاخرون ويتناشدون، وكان فرسان العرب إذا حضروا عكاظ وأمن بعضهم من بعض لكون عكاظ في شهر حرام تقنعوا حتى لا يعرفوا، وذكر عن طريف هذا أنه كان من الشجعان وكان يتقنع كما يتقنعون، فاتفق له أنه وافي عكاظ وكان طريف قبل ذلك قد قتل شراحيل الشيباني، فقال حصيصة ابن شراحيل: أروني طريفاً، فأروه إياه، فجعل حصيصة كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف، فقال له: مالك تنظر إلى مرة بعد مرة؟
فقال له حصيصة اتو سمك لأعرفك فلله علي إن لقيتك في حرب لأقتلنك أو لتقتلني، فقال طريف هذه الأبيات
والشاهد هنا قوله: (يتوسم) حيث عبر بالفعل، لأنه أراد أنه يصدر منه التوسم، أي يتفرس الوجوه طالباً له، لأن له جناية في كل قوم، لأن المعني علي توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا، وتصفح منه الوجوه واحداً بعد واحد، ولو قال: بعثوا إلى عريفهم متوسما لم يفد ذلك.
علي أن إفادة الاسم الثبوت من أصل وضعه، كما أن إفادة الفعل التجدد من أصل وضعه - أيضاً - ولكن الاسم قد يفيد الدوام والاستمرار مع الثبوت، كما أن الفعل قد يفيدهما - أيضاً - مع التجدد
والحدوث، ولكن ذلك رهن بمعونة القرائن، كأن يكون المقام مقام مدح - كما أسلفنا -
* * *
وقد يقيد الفعل بأحد المفاعيل ونحوها لتربية الفائدة وتكشيرها:
فإذا قلت: فلان حفظ، ولم تكن زدت علي نسبة الحفظ إليه شيئاً،
стр. 384
ولكنك إذا زدت مفعولا، فقلت (صحيح البخاري) زادت الفائده، وهى أن الحفظ كان لحديث البخاري، فإذا قلت: بالمدينة - مثلا - زادت الفائدة، وهى: أن حفظ الحديث كان بالمدينة، فإذا قلت: أمام الروضة الشريفة، زادت الفائدة، وهي أن حفظ الحديث بالمدينة كان أمام ذلك
المكان.
وهكذا: كلما زدت قيدا زادت الفائدة.
وقد لا يقيد الفعل بشيء مما ذكر لمانع يحول دون تربية الفائدة: كخوف فوات الفرصة، أو إرادة عدم إطلاع الحاضرين علي زمان الفعل أو مكانه، أو مفعوله، أو عدم العلم بالمقيدات.
* * *
قالوا: يؤتي بالمسند جملة لواحد من أمرين:
الأمر الأول نقوي الحكم، لأن المقام يقتضي تقويته، ومعني تقوية الحكم، أن المبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا ما جاء ما يصلح أن يسند إليه صرفه المبتدأ إلى نفسه مثبت له ثم إذا كان متضمنا لضمير المبتدأ صرفه ذلك الضمير إلى المبتدأ ثانياً، فيكتسي الحكم قوة لتكرر الإسناد، كما في قولك: (محمد يحب القراءة) فحب القراءة يطلبها كل من محمد وضميره، وفي هذا تكرار لإسناد الفعل المذكور، والتكرار أساس التقوي.
الأمر الثاني: كون المسند سببياً: ومعناه - كما فسره السكاكي - أن يكون المسند جملة علقت علي مبتدأ بعائد لا يكون مسنداً إليه في هذه الجملة كما في قولك: علي أخوه كريم ومحمد عطفت عليه، وإبراهيم صاحبته، وعصام طالعت كتبا في مكتبته.
стр. 385
فالغرض من مجيء المسند جملة فعلية هو إفادة التقوي، لأن كون المسند سبباً مما يقوي الحكم - أيضاً - لأنك في قولك: (محمد عطفت عليه) عندما قلت: محمد، تطلب الخير، فعندما أسندت إليه عطفك عليه تمكن الخبر من النفس، ولما كان في الخير ضمير عائد علي المبتدأ كان ذلك عقوباً للربط بين طرفي الجملة.
وإذا كان الفرق بين التعبير عن المعني بصيغة الاسم، والتعبير عنه بصيغة الفعل هو أن الأول يفيد الثبوت، والثاني يفيد التجدد، فإن هذا الفرق موجود بين التعبير بالجملة الاسمية، والتعبير بالجملة الفعلية.
أنظر إلى قول الله تعالي. . ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (١)﴾.
فقد عبروا في خطاب المؤمنين بالجملة الفعلية (آمنا) أي حدث الإيمان بعد أن لم يكن، ولكنهم في خطاب إخوانهم عبروا بالجملة الاسمية (إنا معكم) أي ثابتون مستمرون علي ما كنا عليه من الكفر.
وأنظر إلى قول اله تعالي ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (٢)﴾.
فقد جاءت الجملة الأولى (أدعوتموهم) فعلية، والجملة الثانية: (أنتم صامتون) أسمية، لتفيد الأولى التجدد والحدوث والثانية: الدوام والاستمرار، وعلي هذا فالمعني، سواء عليكم أن تحدثوا دعاءهم، أو أن تستمروا علي صمتكم.
وكان الوثنيون من عادتهم أنهم لا يدعون هذه الأصنام إذا نزلت بهم
стр. 386
شدة وإنما يدعون الله فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء علي غير العادة، أم بقيتم مستمرين علي عادة صمتكم.
ومنه قول الله تعالى. . ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (١). فقد عبروا بالجملة الفعلية في قولهم، (أجئتنا) لتفيد التجدد والحدوث، أي أحدث منك مجيء بالحق بعد أن لم تكن كذلك؟ وعبروا بالجملة الاسمية في قولهم، (أنت من اللاعبين) لتفيد الدوام والاستمرار، أي، أم أنت مستمر في لعبك الذي ألفناه منك؟ .
стр. 387
(٣) تعريف المسند
فرق عبد القاهر الجرجانى بين تعريف المسند وتنكيره بأمرين:
أولهما: أنك إذا قلت - مثلا -: (زيد منطلق) كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقاً كان، لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيد ذلك ابتداء.
ولكنك إذا قلت: (زيد المنطلق) كان كلامك مع من عرف أن انطلاقاً كان إما من زيد وإما من عمرو فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره.
والنكته - كما يقول عبد القاهر - هي أنك تثبت في الأول الذي هو: (زيد منطلق) فعلا لم يكن يعلم السامع، أنه كان من أصله وتثبت في الثاني الذي هو: (زيد المنطلق) فعلا قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد فائدته ذلك.
بمعني أن السامع كان قد جوز أن يكون الانطلاق من زيد أو من غيره، فإذا قلت: (زيد المنطلق) صار الذي كان معلوما له علي جهة الجواز معلوماً له علي جهة الوجوب.
فإذا أرادوا أن يؤكدوا هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فعلا بين الجزئين فقالوا: (زيد هو المنطلق)
وثانيهما: أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان علي أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، ولكنك إذا عرفت الخبر لم يجز ذلك.
стр. 388
ومعني هذا: أنك تقول: زيد منطلق وعمرو، تريد: وعمرو منطلق أيضاً.
ولكنك لا تقول: زيد المنطلق وعمرو، لأن المعني مع التعريف علي أنك أردت أن تثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح أن تلثه لعمرو.
ومن الواضح في تمثيل هذا النحو من القول: قولنا: هو القائل ببيت كذا، كقولك: جرير هو القائل.
(وليس لسيفي في العظام بقية) فلو حاولت أن تشرك في هذا الخير غيره، فتقول: جرير هو القائل هذا البيت وفلان، حاولت محالا.
ومن هذا الأصل تنفرع أغراض تعريف المسند:
فقد يكون الغرض من تعريف المسند هو: قصر المسند علي إليه لقصد المبالغة، كقولك: زيد الكريم، وعمرو العالم، فتفيد قصر جنس الكرم علي زيد، وقصر جنس العلم علي عمرو لا تقصد القصر الحقيقي، وأنه لم يتصف أحد بالكريم إلا زيد، ولم يتصف أحد بالعلم إلا عمرو، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالكرم، ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين علي زيد وعمرو قصدا المبالغة، وأنك لم تعتد بهاتين الصفتين في غيرهما.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي بمدح سيف الدولة (١):
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
стр. 389
قاربه من لا يسير مشمرا ... وغني به من لا يغني مغرداً
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
يقول إن الدهر يروي قصائدي، فينشط لسماعها من كان كسولا، ويطرب لسماعها من لم يكن مغنيا، فإذا أنشدك شاعر - في مديحك - شعراً فأعطني، فإن الذي أنشدته شعري يردده المادحون فلا تلتفت إلى شعر غيري، فإنه ليس بشيء
والشاهد هنا قوله: (أنا الصائح المحكي) حيث قصر المسند المعرف "بأل" علي المسند إليه لقصد المبالغة.
ومنه قول مزرد بن ضرار:
فقد علمت فتيان ذبيان أتي ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
أي أنه لا فارس سواء، لأن غيره من الفرسان لا يعتد بهم.
وقد يكون الغرض هو قصر المسند علي المسند إليه حقيقة، وذلك كقولك: علي الشاعر، إذا لم يكن ثمة شاعر سواء، ومثل هذا القول يمكن أن يقال في الأمثلة التي أسلفناها.
وقد يفيد المعنى المقصود بقيد يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه، كأن يقيد بوقت أو حال، وذلك مثل أن تقول: (هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً) فأنت هنا لا تقصر الوفاء مطلقاً علي من تتحدث عنه، ولكنك تقصر جنسا معينا من الوفاء، وهو الذي يأتي في وقت ينعدم فيه الوفاء.
стр. 390
وكأن يقيد بمفعول مخصوص، كما في قول الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفا ... ة، إما مخاضاً وإما عشاراً
فالمعني علي أن الممدوح هو المختص بهبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، أما مطلق الهبة فلله ولغيره، فهناك فرق بين أن يختص بالهبة، وأن يختص بجنس معين من الهبة.
وقد يكون الغرض من تعريف المسند هو تقرير المسند إليه، وأن
ثبوته له أمر ظاهر ومعروف لا يشك فيه أحد، وذلك كما في قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
إذا قبح البكاء علي قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
فالخنساء لم ترد أن تقصر صفة الحسن علي بكاء خيها، ولكنها أرادت أن تقرر البكاء عليه جنس الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
ومثله قول حسان بن ثابت ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العهد
فقد أراد أن يقرر العبودية لوالد المهجو، وأن يبين أن ذلك الأمر ظاهر معروف لا ينكره أحد.
ولو قال: والدك عبد بتنكير المسند، لما أفاد إلا إثبات العبودية له
ومثله قول الغرزهق يهجو الحجاج بن يوسف الثقفي:
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد إباد