شدة وإنما يدعون الله فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء علي غير العادة، أم بقيتم مستمرين علي عادة صمتكم.
ومنه قول الله تعالى. . ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (١). فقد عبروا بالجملة الفعلية في قولهم، (أجئتنا) لتفيد التجدد والحدوث، أي أحدث منك مجيء بالحق بعد أن لم تكن كذلك؟ وعبروا بالجملة الاسمية في قولهم، (أنت من اللاعبين) لتفيد الدوام والاستمرار، أي، أم أنت مستمر في لعبك الذي ألفناه منك؟ .
стр. 387
(٣) تعريف المسند
فرق عبد القاهر الجرجانى بين تعريف المسند وتنكيره بأمرين:
أولهما: أنك إذا قلت - مثلا -: (زيد منطلق) كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقاً كان، لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيد ذلك ابتداء.
ولكنك إذا قلت: (زيد المنطلق) كان كلامك مع من عرف أن انطلاقاً كان إما من زيد وإما من عمرو فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره.
والنكته - كما يقول عبد القاهر - هي أنك تثبت في الأول الذي هو: (زيد منطلق) فعلا لم يكن يعلم السامع، أنه كان من أصله وتثبت في الثاني الذي هو: (زيد المنطلق) فعلا قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد فائدته ذلك.
بمعني أن السامع كان قد جوز أن يكون الانطلاق من زيد أو من غيره، فإذا قلت: (زيد المنطلق) صار الذي كان معلوما له علي جهة الجواز معلوماً له علي جهة الوجوب.
فإذا أرادوا أن يؤكدوا هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فعلا بين الجزئين فقالوا: (زيد هو المنطلق)
وثانيهما: أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان علي أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، ولكنك إذا عرفت الخبر لم يجز ذلك.
стр. 388
ومعني هذا: أنك تقول: زيد منطلق وعمرو، تريد: وعمرو منطلق أيضاً.
ولكنك لا تقول: زيد المنطلق وعمرو، لأن المعني مع التعريف علي أنك أردت أن تثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح أن تلثه لعمرو.
ومن الواضح في تمثيل هذا النحو من القول: قولنا: هو القائل ببيت كذا، كقولك: جرير هو القائل.
(وليس لسيفي في العظام بقية) فلو حاولت أن تشرك في هذا الخير غيره، فتقول: جرير هو القائل هذا البيت وفلان، حاولت محالا.
ومن هذا الأصل تنفرع أغراض تعريف المسند:
فقد يكون الغرض من تعريف المسند هو: قصر المسند علي إليه لقصد المبالغة، كقولك: زيد الكريم، وعمرو العالم، فتفيد قصر جنس الكرم علي زيد، وقصر جنس العلم علي عمرو لا تقصد القصر الحقيقي، وأنه لم يتصف أحد بالكريم إلا زيد، ولم يتصف أحد بالعلم إلا عمرو، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالكرم، ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين علي زيد وعمرو قصدا المبالغة، وأنك لم تعتد بهاتين الصفتين في غيرهما.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي بمدح سيف الدولة (١):
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
стр. 389
قاربه من لا يسير مشمرا ... وغني به من لا يغني مغرداً
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
يقول إن الدهر يروي قصائدي، فينشط لسماعها من كان كسولا، ويطرب لسماعها من لم يكن مغنيا، فإذا أنشدك شاعر - في مديحك - شعراً فأعطني، فإن الذي أنشدته شعري يردده المادحون فلا تلتفت إلى شعر غيري، فإنه ليس بشيء
والشاهد هنا قوله: (أنا الصائح المحكي) حيث قصر المسند المعرف "بأل" علي المسند إليه لقصد المبالغة.
ومنه قول مزرد بن ضرار:
فقد علمت فتيان ذبيان أتي ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
أي أنه لا فارس سواء، لأن غيره من الفرسان لا يعتد بهم.
وقد يكون الغرض هو قصر المسند علي المسند إليه حقيقة، وذلك كقولك: علي الشاعر، إذا لم يكن ثمة شاعر سواء، ومثل هذا القول يمكن أن يقال في الأمثلة التي أسلفناها.
وقد يفيد المعنى المقصود بقيد يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه، كأن يقيد بوقت أو حال، وذلك مثل أن تقول: (هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً) فأنت هنا لا تقصر الوفاء مطلقاً علي من تتحدث عنه، ولكنك تقصر جنسا معينا من الوفاء، وهو الذي يأتي في وقت ينعدم فيه الوفاء.
стр. 390
وكأن يقيد بمفعول مخصوص، كما في قول الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفا ... ة، إما مخاضاً وإما عشاراً
فالمعني علي أن الممدوح هو المختص بهبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، أما مطلق الهبة فلله ولغيره، فهناك فرق بين أن يختص بالهبة، وأن يختص بجنس معين من الهبة.
وقد يكون الغرض من تعريف المسند هو تقرير المسند إليه، وأن
ثبوته له أمر ظاهر ومعروف لا يشك فيه أحد، وذلك كما في قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:
إذا قبح البكاء علي قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
فالخنساء لم ترد أن تقصر صفة الحسن علي بكاء خيها، ولكنها أرادت أن تقرر البكاء عليه جنس الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
ومثله قول حسان بن ثابت ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العهد
فقد أراد أن يقرر العبودية لوالد المهجو، وأن يبين أن ذلك الأمر ظاهر معروف لا ينكره أحد.
ولو قال: والدك عبد بتنكير المسند، لما أفاد إلا إثبات العبودية له
ومثله قول الغرزهق يهجو الحجاج بن يوسف الثقفي:
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد إباد
стр. 391
زمان هو العبد المقر بذله ... يراوح أبناء القرى ويغادى
أي: إن بني مروان هم الذين قد رفعوا من قدر الحجاج، ولولاهم لظل علي خسته ووضاعته عبداً من عبيد إباد، أيام أن كان معروفاً بعبوديته مقراً بذلته ومهانته، يعلم صبيان القري في الصباح والمساء، فقد كان الحجاج - كما قالو - معلم صبيان، ملقباً بكليب، وفيه يقول الشاعر:
أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر؟ !
رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر؟ !
وقد يكون الغرض من تعريف المسند هو: الإشارة إلى بلوغ المسند إليه في الصفة حد الكمال او أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن: وذلك ما تجد في قولهم. (هو البطل المحامى) أي: أنه هو البطل الذي بلغ في صفة البطولة حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن.
ومثله ما تجده في قول ابن الرومى:
هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد.
أي: إذا تصورت في ذهنك رجلا يشرك، في معظم أمواله، عفاته وجيرانه، ومعارفه فإنه هو ذلك
الرجل (١)
ومثله ما تجده في قول المجنون، قيس بن الملوح:
أنا الفاحل المهموم والقائم الذي ... يراعي الثريا، والخليون نوم (٢)
أي: إذا تصورت في ذهنك، رجلاً أضناء الوجد وأسقمته الهموم يقوم الليل مشدود البصر إلى النجوم في الوقت الذي يسعد فيه الخليون بالنوم والراحة والمتعة، فأنا ذلك الرجل.
стр. 392
ويغلب أن يأتي هذا النوع باسم الموصول (الذي) حيث تقدر في ذهنك شيئاً، ثم تعبر عنه بالذي، كما في قول الشاعر:
أخوك الذي إن تدعه لمسلمة ... يحبك وإن تغضب إلى سيف يغضب
فقد قدرت في ذهنك وتصورت أخا، إن دعوته أجابك وإن غضبت واضطررت إلى حمل السيف غضب وحمل السيف من أجلك ثم عبرت عنه بالذي، ومنه قول الآخر:
أخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت وإن عانيته لان جانبه
أي: أخوك هو الذي إن أتيت بما يرتاب فيه قال لك: أربت: أي افتفت عنك الريبه وإن عاتبته قبل عتابك.
فقد تصورت في ذهنك إنسانا هذه صفته، ثم أحلت السامع عليه، وعبرت عنه بالذي.
هذا: وقد ينكر المسند لأن الغرض هو الإخبار بثبوت المسند إليه من غير إرادة عبد أو تخصيص كما في قولك: علي شاعر، ومحمد خطيب.
وقد يكون الغرض من تنكيره التفخيم والتعظيم وأنه قد بلغ من خطورة الشأن حداً لا يدرك نهايته أو مداه، كما في قول الله تعالي: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ فقد أتي المسند نكرة للدلالة عل كمال هداية الكتاب الكريم وأنها بلغت مبلغاً لا يدرك مداه، ولهذا أكد التفخيم بأن جعل (هدى)
مصدرا مخبرا به عن الكتاب، أي أن الكتاب هو الهداية نفسها.
وقد يكون الغرض من تنكيره التحقير، كما في قوله قيس بن جروة يخاطب عمرو بن هند، وكان قد نقض عهدا بينه وبين طاء: (١)
стр. 393
غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذ هو أمسى حلية من دم الفصد
يقول: لقد غدرت بعهد كنت أنت الذي دعا إليه، وبئس - لعمري - شيمة الغدر بالعهد من شيمة، فقد يترفع عنها أفقر الناس، وأقلهم شأنا، فكيف يغدر بالعهد ملك عظيم كعمرو بن هند؟
والشاهد هنا: تنكير (حلبة) التي وقعت خبرا عن (طعامه) لبيان أنه شيء تافه وحقير.
هذا إلى ما تفيده صيغة " فعلة " الدالة علي المرة من إفادة معنى القلة.
وقد يؤتي بالمسند مقيداً بوصف أو إضافة لتكون الفائدة أتم وأكمل لأن المعنى كلما زاد خصوصا كان أتم فائدة، وذلك كقولك: على غنى بخيل وقولك: عمرو قارئ قصص، فقد أتيت بالمسند النكرة موصوفا في الأول ومضافاً في الثاني لزيادة الفائدة بأن عليا غني ولكنه بخيل، وأن عمرا قارئ ولكنه قارئ قصص فحسب.
ومن تخصيص المسند النكرة بالوصف: قول قيس بن الخطيم - بعد أن أخذ بثأر أبيه وجده (١)
وكنت أمراً لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها.
والبيت من قصيدة يذكر فيها أنه قد أخذ بثأر أبيه وجده، وقد كان قيس أبداً شديد الساعدين فنازع يوما في من فتيان بني ظفر، فقال له ذلك الفتى: "والله لو جعلت شدة ساعديك علي قاتل أبيك وجدك لكان
стр. 394
خيراً لك " فلم يزل من ذلك العهد يطلب بثأرهما حتى ثأر لهما، وفي آخر القصيدة يقول:
ثارت عديا والخطيم فلم أضع ... ولاية أشياخ جعلت إزاءها.
والشاهد في البيت الأول وهو أنه أتي بالمسند نكرة وهو قوله "امرأ" وقد وصفه بقوله: (لا اسمع الدهر سبه) لتخصيصه بالوصف المذكور:
ومن التخصيص بالإضافة قول الشاعر:
حمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق، أو شعاع شموس
стр. 395
(٤) تقديم المسند
قالوا: إن تقديم المسند يكون لتخصيصه بالمسند إليه، أي تقصر المسند إليه علي المسند، وذلك كما تقوم: (مصري أنا) فتقديم المسند هنا قد أفاد قصر المتكلم علي المصرية لا يتعداها إلى الشامية، فيكون قصرا إضافيا، أولا يتعداها إلى غيرها من سائر الصفات فيكون قصرا حقيقياً إدعائياً.
ومنه قول الله تعالي: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي أن دينكم مقصور عليكم لا يتجاوزكم إلي، وديني مقصور علي لا يتجاوزني إليكم فالقصر هنا إضافي في الموضعين.
ومنه قول الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ الغول: ما يتبع شرب خمر من وجع الرأس وثقل الأعضاء وغياب العمل وغير ذلك والمعني: أن خمور الجنة لا غول فيها، بخلاف خمور الدنيا فإن فيها غولا.
والشاهد في الآية الكريمة تقديم المسند وهو (الجار والمجرور) لإفادة تخصيصه بالمسند إليه، وأن اقتضاء الغول خاص بخمور الجنة.
ومما يدل علي إفادة التقديم التخصيص: قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالظرف هنا - وهو المسند - لم يقدم علي المسند إليه فلم يقل: لا فيه، لأنه لو قدم لأوهم التقديم ثبوت الريب في سائر الكتب السماوية بناء علي اختصاص عدم وقوع الريب بالقران الكريم مع أن الريب منتف عنها.
ومنه قول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات:
لك قلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأهوال الكلي والمفاصل
стр. 396
شباة القلم: حده يقول: إنك قد خصصت بقلم له شأن خطير، إذا حدث أسباب من الأمور محزها، وجرت علي أسلته كبريات الأحداث.
ونشاهد في البيت: أن الشاعر قدم المسند في قوله (لك القلم) لإفادة معني التخصيص أي: إن القلم الموصوف بتلك الصفات لك لا لغيرك.
ومن تقديم المسند لإفادة التخصيص قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١).
وقوله تعالي: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿ِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (٣) وقوله تعالي: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤).
وقد ذهب ابن الأثير - وتابعه العلوي - إلى أن التقديم في الآيات السابقة إنما هو لمراعاة الحسن في نظم الكلام بتطابق رؤوس الآي.
ويقيم إبن الأثير الدليل علي أن التقديم في الآيات السابقة لحسن النظم السجعي، بأن التأخير يفسد حسن نظم الكلام، ولا ينكر أن هذه الآيات مفيدة للاختصاص - ويتابعه العلوي أيضاً - ولكن الاختصاص مفهوم من طبيعة المعنى، أي مفهوم من قرائن أخرى غير التقديم.
стр. 397
وكثير من البلاغيين لا يوافقون ابن الأثير علي تفسير الخصائص البلاغية في القران تفسيراً يرجع إلى اللفظ، ولهذا فإنهم يرفضون كلام ابن الأثير وكلام العلوي الذي تابعه في رأيه.
ويري الدكتور محمد ابو موسي: أنه لا تزاحم في الأسرار وأن التقديم في الآيات الكريمة يفيد الفائدتين: فائدة معنوية، وهي الاختصاص، وفائدة لفظية وهي - في تقديره - جزء من التعبير كالمعنى تمامً: وهي الحفاظ علي التنغيم الآخذ، والتوازن الصوتي الذي يشارك مشاركة فعالة في تحريك القلوب وبعث خوافى الإحساس والشعور (١).
وابن الأثير مغرم بطريقة القاضي الفاضل في الغرام بالسجع - كما هو معروف - ويترسم خطاه لأنه كاتب مثله من كتاب الدواوين، ولهذا فإنك لا تكاد تجد سطرا من كتبه أو خطبه يخلو من السجع، فهو مغرم بالسجع مفتون به، ولهذا فإنك تراه يدافع عن هوايته تلك بكل الوسائل والسبل، فهو يستشهد بالقرآن الكريم، وبالحديث النبوي الشريف، وبكلام الصحابة رضوان الله عليهم علي أن السجع وسيلة مشروعة من وسائل التعبير، ويرد علي المعترضين اعتراضاتهم بلباقة وذكا، ثم هو يشفع ذلك كله بما كتبه من خطب أو تقليدات.
ولهذا فإنه لا يقبل كلام البلاغيين في أن التقديم في الآيات السابقة للتخصيص، ويذكر أنها لحسن النظم السجعي.
ورد الدكتور أبو موسي يتضمن الجمع بين رأي ابن الأثير ورأي من خالفه من البلاغيين.
стр. 398
أي أن التقديم قد أفاد الفائدتين معاً: التخصيص وحسن النظم السجعي.
غير أن الذي نريد أن نناقشه مع ابن الأثير هو: أنه يقول: إن التقديم في الآيات السابقة من أجل حسن النظم السجعى فحسب، بدليل أنه لو أخر لفات هذا النظم السجعى. أما التخصيص فمفهوم من قرائن أخري.
ونحن نقول له: إن التقديم هنا يفيد التخصيص، وأما حسن النظم السجعى فقد جاء تبعاً للمعني. اما قولك بأنه لو أخر لفات هذا النظم السجعى، فننا نقول لك - أيضاً - إنه لو أخر لفسد النظم البلاغى الذي هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم علي حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، وتبعه فوات حسن النظم السجعى، لأن الألفاظ - كما يقول عبد القاهر - خدم المعاني وتابعة لها.
وقد يكون تقديم المسند للتنبيه من أول الأمر علي أنه خبر لا نعت، وذلك كما في قول حسان بن ثابت ﵁ في مدح رسول الله ﷺ :
له همم لا منتهي لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
فإنه لو قال: همم له، لتوهم السامع أن (له) نعت لهمم لأن النكرة تحتاج إلى صفة أكثر من احتياجها إلى الخبر.
وهذا التوهم - وإن كان يزول بمجرد النطق ببقية البيت إلا أن الإسراع بإيقاع المعنى في النفوس لأول وهلة انسب بمقام المدح.
وقد يقدم المسند للتشويق إلى ذكر المسند الآية: كالذي رووه من قول محمد بن وهب في مدح المعتصم بالله العباسي:
стр. 399
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو اسحق والقمر
يحكي أفعاله في كل قائلة ... الغيث والليث، والصمصامة الذكر
وذلك لأنه لما قال ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، اشتاقت النفوس إلي
معرفتهم لأن في المسند ما يشعرهم بأنهم ذوو خطر، لأن الدنيا تشرق ببهجتهم، فلما آتي بالمسند إليه، وقع في النفس موقعاً كريماً.
стр. 400
(٥) تقييد المسند بالشرط
اهتم البلاغيون بتقييد المسند " بأن " و " إذا " لأن لهما خصائص لغوية لها اتصال وثيق بالأغراض البلاغية، ولكثرة مباحنهما الشريفة المهملة في علم النحو - كما يقول صاحب المطول - و"لإن" و"إذا" موضع يشتركان فيه وموضع آخر يختلفان فيه:
أما موضع اشتراكهما: فهو أن كلاً منهما أداة شرط في الاستقبال، أي تعليق حصول مضمون جملة علي حصول مضمون جملة أخري.
فإذا قلت: (إن تحضر إلى أكرمك) أو (إذا تحضر إلى أكرمك) كان حصول إكرامك له في المستقبل معلقاً علي حصول حضوره في المستقبل أيضاً.
ولأن (إن) و (إذا) للشرط في الاستقبال كما أسلفنا - فإنه يشترط في جملتيهما أن تكونا فعليتين استقباليتين:
أما سبب ذلك في جملة الشرط: فلأن المفروض حصول مضمونها في المستقبل، والجملة الاسمية تدل علي الثبوت والدوام، وهما غير الحدوث والاستقبال، ولدلالة الجملة الماضوية علي المضي، وهو نقيض الاستقبال.
وأما سبب ذلك في جملة الجزاء: فهو أن حصول مضمونها معلق علي حصول مضمون جملة الشرط في الاستقبال، فلا يصح - أيضاً - أن تكون جملة أسمية ولا أن تكون جملة ماضوية، لأن الاسمية - كما أسلفنا - تدل علي الثبوت، ويمتنع تعليق الثابت علي حصول ما سيحصل في المستقبل.
علي أن هذا الاستعمال هو الاستعمال الغالب، فقد تستعمل (إن) في غير
стр. 401
الاستقبال، أي في الماضي - لفظاً ومعنى - مع (كان) كما في قول الله تعالى: " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا " إذ الريب قد وقع فعلا في الماضي.
واستعمالها في هذا المعنى مع غير كان قليل، كما في قول أبى العلاء:
فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال
أي إن كان زمن سابق من الدهر قد فوت علي السكنى في وطني، ولم يتيسر لي الإقامة فيه فلا لوم على، لأني ما تركته طواعية، فليطلب ساكنه نفسا، ولينعم به بالا.
وغرضه بذلك إظهار تحسره وتحزنه علي مفارقة أهله ووطنه. والشاهد في البيت قوله: (إن فاتني) حيث استعمل (إن) في الماضي لفظاً ومعنى مع غير (كان) وهذا قليل.
وكما تستعمل (إن) في غير الاستقبال تستعمل (إذا) - في غير الاستقبال - كذلك، كما في قوله تعالي: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وقوله تعالي: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهذا الاستعمال قليل - كما عرفت -.
وإذا لم يكن كل من جملتي الشرط والجزاء فعلية استقبالية، بأن كانتا غير فعليتين، أو غير استقباليتين ولو لفظا، فلا بد لذلك من نكتة بلاغية لأن ظاهر الجمال يقتضي مراعاة المطابقة بين اللفظ والمعنى، ولا يعدل عن هذه الموافقة إلا لنكته وهذه النكته هي:
إظهار غير الحاصل في صورة الحاصل:
стр. 402
ويكون ذلك لأغراض تقتضيه: كأن تكون الدواعي المقتضية لحصوله قوية والأسباب المؤدية إلى حصوله متوافرة والشيء إذا تجمعت أسبابه وتوافرت دواعيه، عد - في عرف البلغاء - حاصلا وعبر عنه بما يبرزه في حدود الحاصل، وذلك كأن تقول: " إن قرأت هذا الكتاب لخصت لك ما فيه " - تقول هذا وقت توافر أسباب القراءة لديك - ولهذا تعبر بالفظ الماضي لقصد إبراز المعنى الذي لم يحصل بعد باللفظ الدال علي المعنى الحاصل بالفعل لقوة أسباب القراءة.
وكالإشارة إلى أن ما هو واقع - لا محالة - كالواقع، وذلك كأن تقول: " إن مت ورثني فلان "
فقد عبرت بلفظ الماضي لإبراز ما لم يحصل في صورة الحاصل فعلا، لأن الموت من شأنه الوقوع، فكأنه قد وقع فعلاً.
وكالتفاؤل وإظهار الرغبة من المتكلم في وقوعه، فإن طالب الشيء إذا عظمت رغبته فيه كثر تصوره له، ربما تخيله واقعاً، فيعبر عنه بلفظ الماضي كما تخيله، وذلك كما في قولك " إن نجحت في الامتحان
تصدقت بكذا ".
قالو: وعليه قول الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ الأصل: إن يردن ولكنه أثر التعبير بلفظ الماضي، لما عرفت من أن الطالب لشيء يكثر تصوره إياه حتى يخيل إليه غير الواقع واقعا، والقرآن نزل بلغة العرب، فجاء علي طريقتهم في كلامهم، وخاطبهم بما يخاطبون به أنفسهم فآثر صيغة الماضي علي صيغة المضارع لإظهار الرغبة في إرادة التحصن من الفتيات.
والمراد بالفتيات: الإماء وفائدة تعليق النهي عن الإكراه علي إرادة التحصن: هي أن يبشع عند الغاصب الوقوع فيه لكي يتيقظ أنه كان ينبغي
стр. 403
له أن يأنف من هذه الرزيلة وإن لم يكن زاجر شرعى، ووجه التبشيع هو أن مضمون الآية هو النداء بأن أمته خير منه لأنها أثرت التحصن عن الفاحشة وهو يأبى إلا إكراهها. ولو أبرزت مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه - هكذا يقول ابن المغير صاحب كتاب الأنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (١).
وأما موضع اختلافهما: فهو أن الأصل في " إن " أن تستعمل في المعنى الذي يشك المتكلم ويتردد في وقوعه، ولهذا كان الحكم النادر وقوعه موقعاً لها، وغلب دخولها علي المضارع لعدم دلالته علي الوقوع قطعا.
وأما " إذا " فإن الأصل فيها: هو أن تستعمل في المعنى الذي يجزم بوقوعه أو يغلب على رأيه وقوعه ولهذا كان الحكم الكثير الوقوع موضعاً لها وغلب دخولها علي الماضي لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع باعتبار لفظه، وان كان باعتبار معناه استقباليا، لأن "إذا" الشرطية لقلب الماضي إلى المستقبل.
وبما ذكروه شاهداً علي ما أسلفناه لك من موضعي الاتفاق والافتراق قول اله تعالي: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ فمعنى الآية - والله أعلم بمراده - إذا وفاهم منا إحسان قالوا: هذا خير اختصنا الله به لكمال ديننا وصالح أعمالنا، وإن يصابوا بجدب وبلاء تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا: هذا شر لحقنا بسببهم لنقصان دينهم وسوء أعمالهم والشاهد هنا: هو التعبير (بإذا) في جانب الحسنة، و (بإن) في جانب السيئة.
стр. 404
فقد استعملت (إذا) في المعني المجزوم بوقوعه أو المظنون وقوعه - وهو مجيء الحسنة، لأن المراد بها: مطلق الخبر، كالخصب والنماء، وصحة الأبدان، وكثرة الفصل، وغيرها مما هو خير، وربما كان تعريفها (بأل) الجنسية مشيراً إلى هذا المعنى، لأن جنس الحسنة يشمل جموع أنواع الحسنات، فوقوع أي فرد منها مقطوع به عادة لكثرتها، ولهذا جاء التعبير بلفظ الماضي الدال علي الوقوع قطعا في جانب إذا.
وقد استعملت (إن) في المعنى غير المجزوم بوقوعه، وهو مجيء السيئة لأن المراد بها نوع خاص من أنواعها وهو الجدب، والضيق، والنوع الخاص غير محقق الوقوع، لاحتمال وقوع نوع آخر، وربما كان تنكيرها مشيراً إلى هذا المعنى، لأن من معانى التنكير التقليل، وهو مؤذن بعدم الجزم بالوقوع.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فقد عبر في جانب الرحمة (بإذا) وفي جانب السيئة (بإن) مشيراً بذلك إلى أن الله تعالى واسع الرحمة، فياض بالخير لا يريد إلا ما فيه صلاح للناس وإسعادهم، لأن جانب الخير منه
تعالي أقرب إلى التحقق.
ولعلك قد لحظت أن الله تعالي قد عبر بالإذاقة في جانب الرحمة، وبالإصابة في جانب السيئة، وذلك لأن الرحمة، وكل ما هو متعة ولذة إنما يناسبه الإذاقة والإطعام، كما أن السيئة، وكل ما هو ضرر وأذى إنما يناسبه الإصابة والابتلاء.
وللفرق الذي رأيته واضحا بين موضع استعمال (إذا) وموضع استعمال (إن) عابوا علي عبد الرحمن بن حسان قوله يخاطب بعض الولاة بعد أن سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فقضاها:
стр. 405
ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... قولي سواكم غيرها واصطناعها.
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باغها.
إذا هي حنته علي الخير مرة ... عصاها، وإن همت بشر أطاعها.
فقالوا: عبر (بإذا) في موضع (إن) وعبر بأن) في موضع (إذا) ولو عكس لأصاب، لأن الشر من النفس أقرب إلى التحقق من الخير، فكان من المناسب أن يعبر (بإذا) الدالة علي تحقيق الوقوع في جانب الشر، وأن يعبر (بأن) الدالة علي عدم الجزم بالوقوع في جانب الخير، ليتوافق اللفظ والمعنى.
وربما يلتمس لهذا الصنيع من الشعر نكتة لطيفة وهي: أنه أشار (بإذا) إلى معني التحقيق في حث نفس الوالي إياه علي فعل الخير، وهو - مع ذلك - يعصيها، كما أنه أشار إلى معنى توهم نفسه للشر، وهو - مع ذلك - يبادر إليه، وهذا أبلغ في الذم والهجاء.
وقد تخرج (إن) عن أصلها الذي أسلفناه لك، فتستعمل في المعنى المجزوم به لنكتة بلاغية:
وذلك كالتجاهل - إذا اقتضي المقام ذلك - كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ فنفي الولد عن الله تعالى أمر مجزوم به، ولكنه استعمل فيه (إن) التي تفيد الشك والتردد تجاهلا حتى لا يصطدم بالمعاندين، لأنه يريد التنزل معهم، والمساهلة وإرخاء العنان لهم: ليرتب علي كلامه مالا يستطاع نقضه، فتلزمهم الحجة.
стр. 406
ومن التجاهل الذي يقتضيه المقام أن تسأل خادماً عن سيده: هل هو في الدار؟ - وهو يعلم أنه فيها - فيقول متجاهلا خوفا من سيده: (إن كان في الدار أخبرك) فاستعمل (إن) الموضوعة للشك في مقام الجزم بتفي الشرط تجاهلا منه.
وكإجراء الكلام علي سنن حال المخاطب بأن يكون المخاطب غير جازم بوقوع الشرط والمتكلم جازماً بوقوعه، فيجري المتكلم الكلام علي سنن اعتقاد المخاطب، كأن تقول لمن يشك في صدقك: إن صدقت فماذا يكون؟ ، فالمتكلم جازم بصدقه، وكان مقتضي هذا أن يعبر (بإذا) الموضوعة للجزم،
ولكنه استعمل (إن) التي للشك إجراء للكلام علي سنن ما عند المخاطب وكتنزيل المخاطب الذي يعلم بوقوع الشرط، أو بعدم وقوعه منزلة الشاك في وقوعه أو في عدم وقوعه لعدم جريه علي مقتضي علمه.
وذلك كأن تقول لمن يؤذي والده: (إن كان أباك فلا تؤذه) فالمخاطب جازم بوقوع الشرط أي أنه أبوه، ومقتضي ذلك: أن يعبر له (بإذا) الموضوعة للجزم والتحقق، لكنه لما رآه يؤذي أباه وذلك أمر منكر نزله منزلة الشك في أبوته، فعبر (بأن) الموضوعة للشك إجراء للكلام معه على سنن حالة تنزيلا.
وكأن تقول لمن يكذب في قوله: (إن كان تقوله صدقا فلا تخشي بأسا) فالمخاطب جازم بعدم وقوع الشرط أي بأنه غير صادق، وكان مقتضاه أن يعبر له (بإذا) لكن حين رآه المتكلم يكذب نزله منزلة الشاك في صدق ما يقول، فعبر (بإن) إجراء للكلام علي سنن حاله تنزيلا.
وكالتغليب - أي تغليب المشكوك في اتصافه بالشرط علي المجزوم بإنصافه به، وذلك كما إذا كان الاجتهاد قطعي الحصول من (محمد) وغير قطعي الحصول من (علي) فتقول لهما:
стр. 407
(أن اجتهدتما كافأتكما) فقد استعملت (أن) في المجزوم به وهو اجتهاد (محمد) وكان الأصل أن يستعمل فيه (إذا) لدلالتها على القطع، وذلك لتغليب من لم يقطع باجتهاده على من تحقق منه الاجتهاد.
وكما تستعمل (أن) في مقام الجزم لنكت بلاغية - كما أسلفنا - تستعمل (إذا) في مقام الشك لنكته بلاغية كذلك، وذلك كأن تقول في شأن فتى مقتر: (إذا تصدق فلان بكذا من المال كان خيراً له) فما لا شك فيه أن تصدق البخيل أمر مشكوك فيه، ولكنك استعملت (إذا) على خلاف الأصل فيها لنكته بلاغية: وهي الإشعار بأن التصدق منه - مع سعة ذات اليد - لا ينبغي أن يشك فيه، غير أن استعمال (إذا) في مقام الشك نادر، بخلاف استعمال (أن) في مقام الجزم - كما رأيت -.
стр. 408
الفصل الخامس
أحوال متعلقات الفعل
١ - حذف المفعول:
٢ - تقديمه على الفعل
٣ - تقديم بعض المعمولات على بعض
أولا: حذف المفعول:
أعجب عبد القاهر الجرجاني - كما أسلفنا لك - بالحذف إعجاباً كبيراً حتى قال: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد!
ثم قال: وأما المفعول به، فإن اللطائف فيه أكثر، وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر، ذلك لأن أغراض الناس تختلف - في ذكر الأفعال المتعدية -، فهم يذكرونها تارة، ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتفت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا الذكر المفعولين، وحينئذ يكون الفعل المتعدي كغير المتعدي، ومثاله: قولهم: فلان يحل ويعقد، ويأمر، وينهي ويضر وينفع، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أي: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ وقوله: "وأنه هو أضحك وأبكى"، وأنه هو أمات وأحيا"، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي: هو الذي منه الأحياء والإماتة، والإغناء والاقناء وتارة أخرى يكون للفعل مفعول مقصود، غير أنه يحذف لفظا لدليل يدل عليه (١).
стр. 409
وجاء المتأخرون فوضحوا كلام عبد القاهر على النحو التالي:
قال الخطيب - في مقدمة حديثه عن حذف المفعول -: حال الفعل مع المفعول، كحالة مع الفاعل؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عديته إلى المفعول، كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما، فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه.
أما إذا أريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه، أو على من وقع فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو: وقع ضرب أو: وجد، أو: نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد (١).
والفعل المعتدي إذا اسند إلى الفاعل ولم يذكر له مفعول، كان الغرض من ذلك هو أحد أمرين:
أولهما: أن يكون الغرض هو مجرد إسناد الفعل إلى الفاعل، دون النظر إلى المفعول، وحينئذ يكون الفعل المعتدى بمنزلة الفعل اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يفهم السامع أن الغرض هو: الإخبار بوقوع الفعل باعتبار تعلقه بالمفعول، لا مجرد إفادة نسبته إلى الفاعل الذي هو المقصود، ألا ترى أنك إذا قلت: "هو يعطي الدنانير": كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه أو أنه يعطيها خصوصاً دون غيرها، وكان غرضك - على الجملة - بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء نفسه (٢).؟
стр. 410
وهذا الفعل المنزل منزلة اللازم ضربان:
أحدهما: أن يذكر الفعل، ولا ينوي له في النفس مفعول أصلاً، لأن الغرض هو: إثبات الفعل في نفسه أو نفيه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ .
فالفعل متعد قطعا إلى مفعول، إذ الأصل: هل يستوي الذين يعلمون الدين والذين لا يعلمونه؟ فحذف المفعول المذكور، ونزل الفعل منزلة اللازم، وصار المراد من الفعل حقيقته، والمعنى، هل يستوي الذين وجدت فيهم حقيقة العلم والذين لم توجد عندهم حقيقته؟
فالغرض - إذن - هو ففي المساواة بين من هم من أهل العلم؟ ، ومن هم ليسوا من أهله، مبالغة في ذمهم بالجهل بالدين، وأن الذين لا علم لهم به كأن لا علم عندهم أصلاً.
والآية الكريمة - وإن كان أسلوبها إنشائي وموضوعنا في الأساليب الخبرية - فإنه يمكننا أن تمثل بقول الله تعالى: ، "وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا" وينحو قولهم: (فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى) وقولهم: (فلان يضر وينفع، ويعطى ويمنع) ففي كل هذه الأمثلة لا تعرض لحديث المفعول، لأن الغرض هو إثبات الفعل في حد ذاته.
وثانيهما: أن يذكر الفعل، وينوي له في النفس مفعول خاص قد علم موضعه من سبق ذكر أو قرينة حال ولكنك تنسيه نفسك وتخيل أنك لم تقصد إلا إلى ذات الفعل قاصدا بذلك المبالغة فيه، وهو ذلك كما في قول البحتري، يمدح المعتز بالله الخليفة العباسي، ويعرض بأخيه المستعين بالله، وكان ينازعه الخلافة:
شجو حساده، وغيظ عداه ... أن يزي مبصر، ويسمع واع
стр. 411
أي: ليس في الوجود ما يرى ويسمع الا آثاره المحمودة، فإذا أبصر مبصر، لا يرى إلا محاسنه، وإذا سمع سامع لا يسمع إلا محاسنه، فغيظ عداه أن يقع إبصار أو سمع، لأنه لا يقع إلا على محاسنه.
فالفعلان: "يرى" و "يسمع" من الأفعال المتعدية، فالمعنى - لا محالة - أن يرى مبصر آثاره، ويسمع واع أخباره - ولكنهما هنا، نزلا منزلة اللازم، لأن المقصود هو: مجرد إثبات الرؤية والسماع للفاعل دون النظر إلى تعلقهما بمفعول خاص، وذلك ليتسنى له أن يشعر الناس بأن محاسن الممدوح وفضائله قد بلغت من الوضوح والشهرة حداً لا تخفى عنده على ذي بصر أو سمع، بحيث يكفي في إدراكها مجرد أن يكون ذو بصر، وذو سمع، فيعلم الرائي والسامع أنه لا يليق لمقام الخلافة سواه، فلا يجد أعداؤه وحساده إلى منازعته سبيلا، فحساده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا ذو بصر وسمع ليخفى استحقاقه للإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته.
ولا يخفى على من له بصرير ياضة التراكيب أن هذا الغلو في المدح يفقد عند ذكر المفعول، أو تقديره.
ومنه قول عمرو بن معذ يكرب الزبيدي (١).
لحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب، هارشت فاز بأرت
فلم تغن جرم نهدها إذ تلاقينا ... ولكن جرماً في اللقاء أبذعرت
ظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وقرت
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرت
لحا الله جرماً: أي قبحهم ولعنهم على المجاز، وذرت الشمس: بدأ قرنها أول: للطلوع، والشارق: الشمس، ونصب وجوه كلاب على الذم.
стр. 412
والمهارشة: المواثبة، أز بأرت أي: تهيأت للقتال. أبذعرت: تفرقت وجرم ونهد: قبيلتان، درية: أي عرضة، أجرت: الإجراء، شق لسان الفصيل لئلا يرضع أمه، ويجعل فيد عويد.
وكان من خبر هذه الأبيات: أن قبيلة جرم قتلت رجلا من بني الحرث فارتحلت جرم، فتحولوا إلى بني زبيد قوم عمرو، فجاءت بنو الحرث يطلبون بدم صاحبهم، فعبأ عمرو جرماً لبني نهد، وتعبأ هو وقومه لبني الحرث فكرهت جرم دماء بني نهد، ففرت وانهزمت بنو زبيد، فلا مهم عمرو.
والشاهد في البيت الأخير، ومعناه، لو أن قومي أبلغوا في الحرب بلاء حسنا لمدحتهم وذكرت بلاءهم، ولكنهم قصروا فأجروا لساني فما انطلق بمدحهم.
فقوله: (أجرت) فعل متعد والمعنى: أجرتني، ولكنه نزل منزلة اللازم قصدا إلى إثبات الفعل للفاعل، أي: إثبات الإجرار للرماح، دون نظر إلى تعلقه بمفعول، لأنه يريد أن يقول: أنه كان منها ما من شأنه أن يجر كل لسان ويخرسه عن النطق بمدحهم والإشادة بهم.
ولو أنه ذكر المفعول فقال: "أجرتني" لما أمكن أن يتأول على هذا المعنى، لجواز أن يوجد مثل ذلك في قوم آخرين فلا يجرح مشاعرهم.
ومنه قول طفيل الغنوى:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبو أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لافته من الملت
هموا خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
стр. 413
فالشاعر يرجو لبنى جعفر حسن الجزاء: لأنهم أقالوا عثرته حين زلت قدمه، وقد احتملوا في سبيل ذلك عنتا شديداً لا تحتمله أم لأبنها، وقد مزجوه بأرواحهم وآووه في غرف أورثته الدفء والظل.
والشاهد هنا قوله: "أدفأت"، "أظلت" حيث نزل الفعل المتعدي منزلة اللازم قاصدا بذلك التوفر على إثبات الفعل للفاعل دون نظر إلى التعلق بمفعول، ليكون أن الشأن في مثل هذه الحجرات أن تدفئ وتظل كل من آوى إليها مبالغة.
ولا يخفى على من له ذوق بلاغي أنه لو ذكر لمفعول، لاختفى هذا المعنى اللطيف.
وهذا التفسير - وهو أن يحذف المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل، ليكون المعنى: أن الفعل من شأنه وطبيعته أن يثبت للفاعل - هو ما رآه الإمام عبد القاهر.
ولكن الخطيب قد رأى أن المفعول إنما حذف هنا ليكون الفعل مطلقا عن التقييد بالمفعول كناية عنه مقيداً بمفعول خاص، بادعاء الملازمة بينهما.
فقد جعل مطلق الرؤية - في بيت البحتري - كناية عن رؤية آثار الممدوح، كما جعل مطلق السماع كناية عن سماع إخباره، إذ يلزم من إثبات الرؤية، أو السماع على جهة الإطلاق: رؤية آثاره وسماع أخباره وهكذا يقال في الأمثلة التالية.
والثاني: أن يقصد تعلق الفعل بمفعول وأن يراعى في الكلام ويلتفت إليه، وحينئذ يجب تقدير هذا المفعول بحسب القرينة الدالة، إن عاما فعام وإن، خاطا فخاص، يعي إذا كان المدلول عليه بالقرينة عاما فاللفظ المقدر
стр. 414
عام "وذلك نحو قول الله تعالى: "والله يدعو إلى دار السلام" فالدعوة إلى الجنة عامة، ولهذا كان اللفظ المقدر عاما، أي: كل حد، وإذا كان اللفظ المدلول عليه بالقرينة خاصا فاللفظ المقدر خاص كذلك، وذلك نحو قول عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا أرى مني" تقصد: العورة.
فإذا ما وجب تقدير المفعول تعين أنه مقصود وأنه إنما حذف لغرض بلاغي.
ومن هنا تعلم أن حذفه مشروط بشرطين: وجود القرينة الدالة، والغرض الموجب للحذف.
فمن الأغراض الموجبة للحذف: البيان بعد الإبهام:
وبناء الكلام على الإيضاح بعد الإبهام من أبرز المزايا البلاغية في صياغة العبارة وأمسها بطبائع النفس فقد فطر الله الناس على التعلق بما يجهلون مما يلوح لهم منه طرف من العلم والانكشاف، أما مالا يلوح منه هذا الطرف فإن الناس في غفلة عنه، والأسلوب المختار هو الذي يهتدي إلى فطرة هذه النفس ويأتيها من جهتها، وحينئذ يمتلك زمامها وتسلس له قيادها (١).
فمن الإيضاح بعد الإبهام: فعل المشينة إذا وقع شرطاً، ولم يكن تعلقه بالمفعول المحذوف غريبا وكفعل المشيئة كل ما في معناه كالإرادة والمحبة:
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فمفعول فعل المشيئة محذوف تقديره: ولو شاء هدايتكم لهداكم.
стр. 415
ونكتة الحذف هنا هي: البيان بعد الإيهام، لأنه لما قيل: ولو شاء، علم أن هناك شيئا تعلقت به المشيئة لكنه مبهم؛ فلما جيء بجواب الشرط، وضح ذلك الشيء وعلم أنه الهداية.
فكل من الشرط والجواب قد دل على المفعول، بيد أن الشرط دل عليه إجمالا، والجواب دل عليه تفصيلا، ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام أوقع في النفس؛ لأن السامع حين يسمع قوله: "ولو شاء" تتحرك نفسه في شوق إلى ما تعلقت به المشيئة، فإذا جاء بعد ذلك جاء والنفس في ولع ولهف ترقب قدومه، فلا يلبث أن يقع منها موقع الماء القراح من ذي الغلة الصادي.
ومن هذا القبيل قول البحتري:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده
العقيق والزرود بفتح الزاي: موضعان ببلاد نجد
أي: لو شئت عيادة بلاد نجد عدتها.
ومنه قول البحتري - أيضا -:
يا يوسف بن أبي سعيد والغنى ... للمغمد العزمات غير مساعد.
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما، ولم تهدم مآثر خالد.
أي: لو شئت عدم إفساد سماحة حاتم لم "تفسدها"، لكنه حذف مفعول المشيئة، فتحركت النفس لتعرف حقيقة مشيئة هذا الرجل
стр. 416
ذي العزمات، فأدركها الشاعر ببيان هذه المشيئة، فارتاحت النفس لوقوعها منها هذا الموقع الجميل.
قال الإمام عبد القاهر معلقا على قول البحتري: "فليس يخفي انك لو رجعت إلى ما هو أصله فقلت: لو شئت أن تفسد سماحة حاتم لم تفسدها صرت إلى كلام غيث، وإلى شيء يمجه السامع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبدأ، لطفا ونبلا، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك: وأنت إذا قلت: لو شئت، علم السامع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبدا، لطفا ونبلا، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك: وأنت إذا قلت: لو شئت، علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أن هينا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء (١).
ومن حذف مفعول المشيئة: قول حميد بن مالك:
إذا شئت غنتنى بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلمليما
مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دفا الصيف وإنجاب الربيع فأنجما
أجزاع: جمع جزع بالكسر وجزع الوادي جين تجزعه أي تقطعه، وقيل: منقطعه، وقيل: جانبه ومتقطعه، وبيشة: واد بطريق اليمامة، والرزق: أكثبة، وفي القاموس: ونال فالدهشاء.
وتثليث: موضع، وقيل: لمم واد عظيم، ويلملم: مبقات أهل اليمن.
стр. 417
ومنه قول البحتري في مدح الفتح بن خاقان؛ من قصيدته التي يذكر فيها مبارزته للأسد، ومطلعها:
أجندك ما ينفك يسرى لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الروض يجلبه الصبا.
يقول منها:
غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا.
إذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تنقض ربربا.
الليث المخدر: المقيم في عرينه، والصرمة: جماعة من الإبل، وعقائل السرب قطيع الظباء، ويطلق على النساء والرب: القطيع من بقر الوحش، وغاداه: باكره، وغدا عليه: مثله، يريد هنا: البكور إلى الصيد، على أنك تلحظ مما سبق من أمثلة أن المفعول المحذوف فيها دائماً هو: مصدر فعل الجواب.
فإن كان في تعلق فعل المشيئة بالمفعول غرابة لم يستحسن حذف المفعول لأن الجواب لا يدل عليه لغرابة موضعه، وينبغي ذكره ليتقرر في ذهن السامع ويأنس به.
أنظر إلى قول أبي الهنام الخزاعي، يرثي ابنه الهندام، من قصيدة مطلعها:
قضى وطراً منها الحبيب المودع ... وجل الذي لا يستطاع فيدفع.
стр. 418
ومنها يقول:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وبعد البيت قوله:
وأعددته ذخرا لكل ملة ... وسهم الزرايا بالذخائر مولع
وأني وإن أظهرت منى جلادة ... وصانعت أعداء عليه لموجع
والشاهد قوله: ﴿ولو شئت أن أبكي دما لبكيته﴾ حيث صرح بمفعول المشيئة وهو (أن أبكى دما) لأنه من الغرابة بمكان أن يريد الإنسان بكاء الدم، ولهذا صرح به - وإن كان الجواب دالا عليه - ليتقرر في ذهن السامع، فتأنس النفس إليه.
ومن هذا القبيل: قوله تعالى: " لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ" لأنه من الغرابة بمكان أن يتخذ رب العالمين ولدا.
وقد يذكر الشاعر مفعول المشيئة وهو غير مستغرب، وذلك لأن الواقع بعده لا يدل عليه، لأنه ليس من نوعه:
ومما جاء على هذه الطريقة قول أبي الحسن علي بن أحمد الجوهري، أحد شعراء الصاحب بن عباد:
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكى بكيت تفكرا
الشاعر يريد أن يبالغ في فنائه ونحوله، حتى إنه لم تبق فيه مادة سوى التفكير، فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه هو بكاء الدمع، وأراد بالبكاء الثاني: بكاء التفكير، ولهذا فإنه لا يصلح للبكاء الثاني بياناً للبكاء الأول لمباينته له.
стр. 419
فذكر مفعول المشيئة في البيت إنما هو لعدم قيام الدليل عليه، وذلك لأنه لو حذف فقبل: (لو شئت بكيت تفكرا) لم يوجد ما يدل عليه، وأوهم أن المراد بكاء التفكر، مع أن المراد هو: بكاء الدمع.
ومن الأغراض الموجبة لحذف المفعول: دفع توهم السامع - في أول الأمر - إرادة غير المراد، كما في قول البحتري تمدح أبا صقر الشيباني:
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
فالشاعر يذكر فضل أبي صقر عليه، من دفعه عنه عاديات الزمن، وحادثات الأيام، فيقول: (حززن إلى العظم) كناية عن بلوغها الغاية في الشدة، فحذف المفعول - كما ترى - ولو ذكره فقال: (حززن اللحم) لجاز أن يدور في خلد السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم، ولم يصل إلى العظم، وهو غير مراد، ولكن المراد أن الحز جاوز اللحم إلى العظم، ودفعاً لهذا التوهم حذف المفعول ليدل الكلام على المقصود من أول الأمر.
يقول الإمام عبد القاهر: (الأصل - لا محالة - حززن اللحم إلى العظم إلا أن بحثه به محذوفاً، وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير مزية عجيبة، وفائدة جليلة، وذلك أن من حذف الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعاً يمنعه من أن يتوهم في بدء الأمر شيئاً غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم، لجاز أن يوقع في وهم السامع قبل أن يجيء إلى قوله (إلى العظم) أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم، فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم).
стр. 420
ومن أغراض حذف المفعول. إيراد ذكره ثانياً بحيث يعمل الفعل في صريح لفظه لا في ضميره العائد عليه إظهاراً لكمال العناية بوقوع الفعل عليه، كالذي تراه من قول أبي عبادة البحتري في مدح المعتز بالله:
قد طلبنا فلم نجد لك في السوء ... دد، والمجد والمكارم مثلا.
لم يزل حقك المقدم يمحو ... باطل المستعار حتى اضمحلا
أي أننا أعياناً البحث عن مثيل لك، دون أن نعثر على هذا المثيل، فلا نظير لك، لأن شمس حقك أزالت باطل غيرك.
والشاهد هنا: قولة: (قد طلبنا) حيث حذف مفعوله، لأن الأصل: قد طلبنا لك، ولكنه حذف لإيقاع الفعل المنفي على صريح لفظه - كما جاء عليه البيت -، ولو أنه ذكر المفعول فقال: طلبنا لك مثلا، لناسب أن يقول بعد ذلك: فلم نحدده، لأن المقام حينئذ يكون للضمير لتقدم مرجعه، فيفوت المقصود وهو: إيقاع الفعل المنفي على صريح لفظ المفعول الدال صراحة على عدم وجود المثل، وذلك أنسب بمقام المدح.
إذ لو سلط الفعل على ضميره - والضمير يصح أن يعود على شخص آخر غير الممدوح - لما كان نصا صريحاً في نفس المثل عنه.
على أنه يمكن أن يكون الغرض من حذف المفعول في البيت المذكور هو: التحرج من مواجهة الممدوح بطلب مثل له مبالغة في التأدب معه تعظيما له.
كما أنه يمكن أن يكون الغرض هو: البيان بعد الإبهام، لن المطلوب أبهم أولا، ثم بين أنه المثل، ولهذا أثر حميد في النفس.
ومن أغراض حذف المفعول: قصد التعميم في المفعول مع الاختصار:
стр. 421
وذلك كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أي: كل أحد. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، أي جميع الكلفين.
ومنها: استهجان التصريح بالمفعول، كما في قول عائشة ﵂: (ما رأيت منه ولا رأي مني) يريد. العورة.
ومنها: رعاية الفاصلة في النثر، أو مراعاة الوزن في النظم:
أما الأول: فكما في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما قلاك خدي المفعول محافظة على الروي، حتى يتوافق مع ما قبله وما بعده.
ويمكن أن يكون الغرض من الحذف في الآية الكريمة هو: ترك مواجهته ﷺ بإيقاع لفظ (قلى) الذي معناه: أبغض على ضميره حتى ولو كان منفياً.
وأما الثاني: فكما في قول الشاعر:
بناها فأعلى والقنا يقرع؟ ؟ ؟ ؟ ... وموج المنايا حولها متلاطم.
يقصد: فأعلاها، ولكنه حذف المفعول محافظاً على وزن البيت.
ومنها: قصد الاختصار المجرد عن أي اعتبار، وذلك كما في قولهم: أصغيت إليه؛ أي: أذني، وأغضبت عنه، أي: بصري، فحذف المفعول في المثالين لمجرد الاختصار.
ومنه قول الله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني ذاتك.
وقد أورد السكاكي ما حذف المفعول فيه لمجرد الاختصار: قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ
стр. 422
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا﴾ والتقدير، يسقون مواشيهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمها.
والحق ما ذهب إليه عبد القاهر وهو أن الحذف فيها التوفر على إثبات الفعل الفاعل، ليكون المعنى، أنه كان من الناس سقي، ومن المرأتين ذود، لأن الذي أثار إشفاق موسى ﵇ على هاتين المرأتين حتى دفعه إلى أن يسقي لهما: هو ما رآه من معاناتهما الذود عن موارد الماء حين اشتدت حركة السقي من أولئك الرعاء، أما كون المسقي، أو المذود غنماً أو إبلاً فخارج عن الغرض، لأنه لم يبذل لهما المعونة من أجل نوع المسقي أو المذود. بل من أجل ما رآه من معاناة المرأتين مشاق الذود توقيا الزحام:
وثمة أغراض أخرى تقتضي حذف المفعول، كإخفائه عن السامعين خوفاً عليه، أو التمكن من إنكاره إن مست الحاجة إلى ذلك، أو إيهام صونه عن اللسان أو صون اللسان عنه، وهكذا.
стр. 423
تقديم المفعول على الفعل
الأصل في الفعل أن يتقدم على معموله، وقد يقدم معمول الفعل عليه لإفادة التخصص:
ومعنى التخصيص هنا: هو قصر الفعل على معموله بحيث لا يتعداه إلى غيره؛ كما في قوله الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نعبد غيرك ولا نستعين به.
وكما تقول: عليا أكرمت؛ لإفادة قصر الإكرام على "على".
ومن منا يعلم أنه لا يصح أن تقول: (ما محمداً لقيت ولا غيره) في مقام الرد على من أعتقد أنك لقيت محمداً -؛ لأن تقديم المفعول يفيد وقوع اللقاء على غير محمد، تحقيقاً لمعني الاختصاص، وقولك: ولا غيره ينفي وقوح اللقاء على غير محمد، فيكون منطوق "ولا غيره"، مناقضاً لمفهوم (ما محمداً لقيت) وهذا باطل، والصحيح أن يقال: (ما محمداً لقيت) بدون عطف.
كما أنه لا يجوز أن تقول (ما عمراً أهنت لكن أكرمته) - في مقام الرد على من أعتقد أنك أهنت عمراً.
ذلك لأن القديم المفعول يفيد أنك أهت غير عمرو، وأنه لا خلاف في وقوع الفعل قضاءً لحق الاختصاص، والعطف بلكن يفيد أن الخلاف في وقوع الفعل، وفي هذا تدافع، فالنزاع في متعلق الفعل المذكور، هل هو عمرو أو غيره، وليس النزاع في الفعل نفسه هل هو الإكرام أو الإهانة، فالصواب حينئذٍ أو يقال: (لكن بكراً).
يقول عبد القاهر في الفرق بين تقديم الفعل وتقديم المفعول: "إذا
стр. 424
قلت: " (ما ضربت زيداً) فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات وتركته مبهماً محتملاً، وإذا قلت: (ما زيداً ضربت) فقدمت المفعول كان المعني على أن ضرباً وقم منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنقيت أن يكون إباء، فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيداً ولا أحداً من الناس) وليس لك في الوجه الثاني، فلو قلت: (ما زيداً ضربت ولا أحداً من الناس) كان فاسداً على ما مضى في الفاعل.
وما ينبغي أن تعلمه: أنه يصح لك أن تقول: (ما ضربت زيداً ولكني أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل ضده، ولا يصح أن تقول: (ما زيداً ضربات ولكني أكرمته) وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك فالواجب - إذن - أن تقول: (ما زيداً ضربت، ولكن عمراً).
وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعني على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر؛ وإذا قلت: (ما بهذا أمرت) كنت قد أمرته بشيء دون غيره (١) ".
فشل المفعول -في أن تقدمه على الفعل يفيد التخصيص - سائر المعمولات، كالجار والمجرور، والظرف، والحال، وغيرها.
وذلك كقولك: (في المسجد صليت) و (تحت الشجرة جلست) و (مبحراً حججت) وهكذا
стр. 425
على أن إفادة تقديم المفعول ونحوه على الفعل للتخصيص، إنما تكون إذا لم يشتغل الفعل بضمير الاسم السابق. فإذا اشتغل الفعل بالعمل في ضمير الاسم. احتمل الكلام التخصيص والتأكيد حسب تقدير الفعل المحذوف، كما تقول: (محمد أكرمته) فلفظ "محمداً" مفعول بفعل محذوف بفسره المذكور.
فإن قدر الفعل المحذوف قبل المفعول، لم يفد الكلام التخصيص وإن قدر الفعل المحذوف بعد المفعول أفاد التخصيص.
والذوق والاستقراء يشهدان بأن التخصيص لازم -في غالب الأمر - لتقديم المفعول ونحوه وإذا أفاد التقديم التخصيص -كما هو الغالب - أفاد معه اهتماماً بالمقدم، لأنه ما قدم إلا للاعتناء بأمره، والاهتمام بشأنه.
لهذا قدم متعلق الجار والمجرور مؤخراً في قوله. "بسم الله" على معني، بسم الله أفعل كذا ليفيد التقديم -مع التخصيص - الاهتمام بأمر المقدم.
لأن المشركين كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم اهتماما بأمرها فيقولون: باسم اللات باسم العزى باسم الهبل الأعلى، ونحو ذلك، قصد بتقديم الاسم الكريم تخصيصه بالابتداء، رداً عليهم، كما قصد به -أيضاً - أن يكون عنواناً على الاهتمام به تحدياً لهم فإذا كان الكفار قد تصدوا بقولهم باسم اللات، أن يقولوا: باسم اللات لا باسم غيرها، كان القصر في قوله.: "بسم الله"، قصر قلب.
وإذا كانوا أصدوا أن يقولوا: باسم اللات لتقربنا إلى الله زلفى كان القصر في "بسم الله"، قصر إفراد نفياً للشركة التي زعموها.