← Адаб

Адаб · id 151015

خصائص النظم في «خصائص العربية» لابن جني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (221 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد؛ فتقول: (زيد كالأسد)؛ ثم تريد هذا المعنى بعينه، فتقول: (كأن زيداً الأسد)، فتفيد تشبيهه - أيضاً - بالأسد، إلا أنك تريد في معنى تشبيهه به زيادة، لم تكن في الأول، وهي أن تجعله؛ من فرط شجاعته، وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي! ثم يستنتج عبد القاهر من هذا الفرق، الذي أتى به ابن جنى أيضاً، من قولهم: (زيد كعمرو) و (كأن زيداً عمرو)، أنه ليس إلا بما توحي النظم اللفظ وترتيبه - وهو ما سماه ابن جنى إصلاح اللفظ - حيث قدمت الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع إن. ثم يطلب منا بعد استنتاجه هذا، إن نجعله العبرة في الكلام كله، وأن نروض أنفسنا عليه قائلاً: وإذا لم يكن إلى الشك سبيل، أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله، ورض نفسك على تفهم ذلك، وتتبيعه" واجعل فيها: أنك تزاول منه أمراً، عظيماً، لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره (١). ثم يأتي عبد القاهر بتلك المسألة - أيضاً - في موضع آخر، شاهداً على أنه إذا تغير النظم تغير المعنى، فيقول: فأما إذا تغير النظم، فلابد - حينئذ - من أن يتغير المعنى - على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: (إن زيداً كالأسد، وكأن زيداً الأسد) لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير

стр. 107

النظم فقط، وأما فتحك (أن) عند تقديم الكاف، وكانت مكسورة، فلا اعتداد بها، لأن معنى الكسر باق بحاله (١). ثم يطلق على الفروق التي تجدها بين نظم ونظم، اسم المزايا أو الخصائص، فيذكر أن السبب في أن أحالوا، في أشباه هذه المحاسن التي ذكرها، على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني: بل هي زيادات فيها وخصائص؛ ألا ترى، إن ليست المزية التي تجدها لقولك: (كأن زيداً الأسد) على قولك (زيد كالأسد) شيئاً خارجاً عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه، وفي حكم الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما صورة الخاتم، ويفترقان بخاصية، وشيء، يعلم أنه لا يعمل منفرداً، ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا، اسم المعاني على هذه الخصائص، إذ لا يفترق الحال - حينئذ - بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى، وكيفية له، وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافاً له من حيث هو لفظ" (٢). ٢ - التشبيه البليغ: في استطاعتنا، أن نتبين هذه الصورة، من صور التشبيه - وهي الصورة التي أطلق عليها عبد القاهر: التشبيه على حد المبالغة، وأطلق عليها المتأخرون: مصطلح التشبيه البليغ - من خلال حديث ابن جنى عن

стр. 108

"استخلاص معاني الأوصاف من الأعلام"، فقد قال فيه: ومن ذلك: ما أنشدناه، أبو علي ﵀ من قول الشاعر: أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس على حبي بضؤلان أنشدنيه ﵀ ونحن في دار الملك، وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو: (بعض الأحيان) فخضنا فيه؛ إلى أن برد في اليد، من جهته أنه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف - على هذا - معنى التشبيه أي: أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان. والآخر: أن يكون قد عرف من أبي المنهال، هذا الغناء، والنجدة، فإذا ذكر فكأنه ذكراً، فيصير معناه إلى أنه، كأنه قال: أنا المغنى، في بعض الأحوال، أو: أنا النجد في بعض تلك الأوقات، أفلا ترى، كيف انتزعت من العلم الذي هو (أبو المنهال) معنى الصفة والفعلية؟ ثم قال: رقد مر بهذا الوضع: الطائي الكبير، فأحسن فيه، واستوفى معناه، فقال: فلا تحسبا هنداً، لها الغدر وحدها ... سجيه نفس، كل غانية هند! فقوله: (كل غانية هند) متناه في معناه، وآخذ لأقصى مداه، ألا ترى أنه كأنه قال؛ كل غانية غادرة، أو قاطعة، أو خائنة، أو نحو ذلك؟ ! . ومنه قول الآخر: إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا

стр. 109

أي: إذا شبعوا، تعادوا، وتغادروا، لأن بكراً هكذا فعلها. ثم قال ابن جنى: ونحو من هذا - وإن لم يكن الاسم المقول عليه علماً - قول الآخر: ما أمك اجتاحت المنايا ... كل فؤاد عليك أم! كأنه قال: كل فؤاد عليك حزين أو كئيب، إذ كانت الأم هكذا غالب أمرها لاسيما مع المصيبة وعند نزول الشدة. ومن العلم - أيضاً - قوله: أنا أبو بردة إذ جد الوهل أي: أنا المغنى، والمجدي عند اشتداد الأمر" (١). وهكذا نرى أن ابن جنى كان يسأل أبا علي الفارسي في مسألة نحوية بحتة، تمثلت في البحث عن متعلق للظرف في قوله: (أنا أبو المنهال بعض الأحيان). وأن أبا علي الفارسي قد نكر مع ابن جنى في هذه المسألة إلى أن وجد أبو علي أنه يحتمل تفسيرين: أولهما: أن يكون قصده: أنا مثل أبي المنهال، أي أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان. والآخر: أن يكون قصده: أنا المغنى في بعض الأحوال، وأنا النجد في بعض تلك الأوقات، لأنه قد عرف عن أبي المنهال ذلك الغناء، وتلك النجدة.

стр. 110

وسواء كان المعنى: أنا أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان، أو كان المعنى: أنا المغنى في بعض الأحوال، فإن الأمر لا يعدو أن يكون تشبيهاً على حد المبالغة كما يقول عبد القاهر، أو تشبيهاً بليغاً على حد تعبير المتأخرين. فقوله: (كل غانية هند) يقول ابن جنى في معناها: "كل غانية غادرة، أو قاطعة، أو خائنة، أو نحو ذلك، وهذا مساو لقولنا: كل غانية مثل هند في غدرها، أو قطيعتها، أو خيانتها، وإلا لما أخبر عن كل غانية بأنها هند. وهكذا يقال في: (والناس كلهم بكر إذا شبعوا)، وقوله: (كل فؤاد عليك أم) وقوله: (أنا أبو بردة). فقول ابن جنى في "والناس كلهم بكر إذا شبعوا": أي: إذا شبعوا تعادوا وتغادروا، لأن بكراً هذا فعلها، مساو لقولنا: والناس كلهم إذا شبعوا مثل بكر في تعاديها، وتغادرها، وقوله في: "كل فؤاد عليك أم" أي: كل فؤاد عليك حزين، أو كئيب، مساو لقولنا: كل فؤاد حزين عليك كالأم عند المصيبة، أو نزول الشدة، وقوله في "أنا أبو بردة إذ جد الوهل" أي: أنا المغنى والمجدي عند اشتداد الأمر، مساو لقولنا: أنا مثل أبي بردة في غنائه عند اشتداد الأمر. ويزيد الإمام عبد القاهر هذه النقطة وضوحاً، بأن الاسم إذا كان مجتلباً لإثبات معناه، أو نفيه؛ بأن كان خبراً عن مبتدأ، أو منزلاً منزلة الخبر، بأن كان خبراً لكان، أو مفعولاً ثانياً لباب علمت، ويكون - أيضاً - حالاً، فإنه في هذه الحال يكون إما لإثبات وصف هو مشتق منه لذلك المبتدأ، كالانطلاق في قولك (زيد منطلق) أو لإثبات جنسية هو موضوع لها، كقولك: هذا رجل، فإذا امتنع في قولنا: (زيد أسد)

стр. 111

أن تثبت الجنسية لزيد على الحقيقة كان لإثبات شبه من الجنس له وإذا كان كذلك كان جديراً بتسميته تشبيهاً (١). وقد أفاد الخطيب القزويني من انتزاع معنى الصفة من العلم في أن الاستعارة لا تكون في الأعلام إلا إذا تضمن العلم نوع وصفية لسبب خارج، كتضمن اسم: حاتم الجواد، ومادر البخيل، وما جرى مجراهما (٢). ولا شك أن جهد ابن جنى في هذا الباب كان مبكراً، إذ بين أن العلم إذا اشتهر بصفة أمكن انتزاع معنى الصفة والفعلية منه، كالذي رأيته من (ابي المنهال)، ومن هنا: لم يجز الخطيب استعارة العلم إلا إذا تضمن نوعاً من الوصفية، كما تضمن "حاتم" معنى الجواد، وكما تضمن "مادر" معنى البخيل، وكان مهتدياً في هذا بما قاله ابن جنى في هذا الباب. ٢ - التشبيه المقلوب: وحديث ابن جنى عن التشبيه المقلوب، نستطيع تبيانه من خلال حديثه في باب عقده في "الخصائص" لما أسماه: "غلبة الفروع على الأصول". وقد بين ابن جنى في بداية حديثه عن هذا الباب أنه فصل طريف من فصول العربية؛ تجده في معاني العرب؛ كما تجده في معاني الإعراب؛ وأن الغرض منه إنما هو المبالغة. وقد قصد بمعاني العرب، ما ضمنته العرب شعرها، ونثرها من المعاني،

стр. 112

والأغراض التي تقصدها، أما معاني الإعراب، فإنه قد قصد بها ما يهم النحويين من المعاني الخاصة بإعراب الكلام. أما القسم الأول - وهو الخاص بمعاني العرب - فهو مبحث بلاغي بحت، ولهذا نقله ابن الأثير في المثل السائر، وسماه: الطرد والعكس (١)؛ ولم يزد على ما قاله ابن جنى شيئاً! وأما القسم الثاني - وهو الخاص بمعاني الإعراب، فإنه مبحث نحوي بحت، وليس موضوع بحثنا. وقد ذكر ابن جنى - كما رأيت - أن غلبة الفروع على الأصول - لا يأتي إلا والغرض منه المبالغة. ثم ذكر أن مما جاء فيه للعرب قول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس ثم قال: أفلا ترى ذا الرمة، كيف جعل الأصل فرعاً، والفرع أصلاً؟ وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا: أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، ألا نرى إلى قوله: ليلى قضيب تحته كئيب ... وفي القلاد رشا ربيب وإلى قول ذي الرمة - أيضاً - وهو من أبيات الكتاب-: ترى خلفها نصفاً، قناة قويمة ... ونصفاً نقاً، يرتج، أو يتمرمز

стр. 113

وإلى قول الآخر: خلقت غير خلقة النسوان ... إن قمت فالأعلى قضيب بان وإن توليت فد عصتان ... وكل إذ تفعل العينان وإلى قوله: كد عص النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال ثم قال ابن جنى: وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الضائي الكبير: كم أحرزت قضيب الهندي مصلته ... تهتز من قضب، تهتز في كتب ولله البحتري، فما أعذب، وأظرف، وأدمت قوله: أين الغزال المستعير من النقا ... كفلا، ومن نور الأقاحي مبسما فقلب ذو الرمة العادة، والعرف في هذا، فشبه كثبان الأنقاء، بأعجاز النساء وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع، وهذا المعنى لأعجاز النساء وصار كأنه الأصل فيه، حتى شبه به كثبان الأنقاء. ومثله للطائي الصغير: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها

стр. 114

وآخر من جاء به شاعرنا (ويقصد به المتنبي)؛ فقال: نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال فجعل كونهم جنا أصلاً، وجعل كونهم ناساً فرعاً، وجعل كون مطاياه طيراً، أصلا "وكونها جمالاً فرعاً، فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي أفاد المجاز من الحقيقة ما أفاد. وهذا المعنى هو الذي قصده ابن جنى في بداية هذا الباب من أن العرب إذا شبهت مكنت الشبه بين المشبه، والمشبه به، بإعطاء المشبه به شيئاً من المشبه ثم قال ابن جنى: وعلى نحو من هذا قالوا للناقة. (جمالية) لأنهم. شبهوها بالجمل في شدته، وعلو خلقه، قال الأعشى: جمالية تغتلي بالرداف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا وقال الراعي: على جمالية، كالفحل هملاج وهو كثير، فلما شاع ذلك واطرد، صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا، فشبهوا الجمل بالناقة في ذلك، فقال: وقربوا، كل جمالي عضه ... قريبة ندوته من محمضه فهذا من حملهم الأصل على الفرع، فيما كان الفرع أفاد من الأصل" (١).

стр. 115

فأبو الفتح ابن جنى يذكر أن من عادة العرب أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء فقد شبه الشاعر ليلى بالقضيب، وعجيزتها بالكثيب، في قوله: (ليلى قضيب تحته كثيب)، وشبه ذو الرمة المرأة بالقضيب وعجيزتها بالنقا في قوله: (ترى خلفها نصفا قناة قويمة ونصفاً نقاً) وشبه الآخر المرأة بقضيب اليان وعجيزتها بالدعصتين - قطعتين من الرمل - في قوله: (إن قمت فالأعلى قضيب بأن وإن توليت قد عصتان) وشبه امرؤ القيس عجيزة المرأة بدعص النقا وأحسن الصنعة أبو تمام، فاستعار القضب لقدود النساء واستعار الكتب لأعجازهن! وزاد قول البحتري عذوبة، وظرفاً، ودمائه، إذا ستعار الغزال للمرأة ثم جعل الغزال يستعير هو الآخر من النقا كفلا! ، ويستعير من نور الأقاحي مبسماً! ولكن ذا الرمة قلب تلك العادة، وذلك العرف وعكس التشبيه، فشبه كتبان الأنقاء بأعجاز النساء، وذلك من باب المبالغة، فكأن هذا المعنى قد ثبت لأعجاز النساء، فصار أصلاً تشبه به كثبان الأنقاء. وقد تطور هذا الأمر الذي ابتدعه ذو الرمة - وهو عكس التشبيه، بجعل المشبه به وجعل المشبه به مشبهاً - حتى رأينا البحتري يزيد على هذا العكس، فلم يكتف بجعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً في التشبيه، بل جعل الأصل لا يشبه الفرع إلا في شيء قليل منه! ! ففي طلعة البدر شيء من ملاجة محبوبته، وللقضيب شيء قليل من تثنيها! ! وقد أربى على الجميع أبو الطيب المتنبي، فجعل كونهم جنا، أصلاً، وكونهم ناساً فرعاً، وأن ذلك أمر مفروغ منه مسلم له، ثم جعل كون مطاياه طيراً أصلاً، وكونها جمالاً فرعاً، وأن ذلك - أيضاً - أمر

стр. 116

مفروع منه مسلم به، لأنه شبه الحقيقة - وهي الناس، والجمال - بالمجاز - وهو الجن والطير. وقد أفاد عبد القار الجرجاني من هذا الباب - وهو جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً - إفادة كبيرة، فقد أطال في شرح هذا المعنى الذي جعله فرقاً بين التشبيه، والتمثيل، فذكر أن جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً، إذا استقريت التشبيهات الصريحة، وجدنه يكثر فيها (١)، وليس كذلك التشبيهات التي تأتي على طريق التأول فهم في التشبيهات الصريحة يشبهون الشيء بالشيء في حال، ثم يعطفون على الثاني فيشبهونه بالأول، فترى الشيء مشبهاً مرة، ومشبهاً به مرة أخرى، كتشبيه السيوف بالبروق، والبروق بالسيوف، وتشبيه الدروع بالغدران وعكسه، وتشبيه أنوار الرياض بالنجوم وعكسه، وتشبيه غرة الفرس الأدهم بالنجم والصبح وعكسه، وتشبيه الجواري بالسرو، وعكسه، وتشبيه ثدي الكواعب بالرمان وعكسه وتشبيه الجداول والأنهار بالسيوف، وعكسه، وتشبيه الأسنة بالنجوم وعكسه، وتشبيه الدموع بالطل وعكسه، وتشبيه الشيخ بالفرح وعكسه وتشبيه الظليم في حركة جناحيه بالخباء المقوض وعكسه. ثم بين عبد القاهر ما يمتنع عكس التشبيه فيه، وما يشبه الممتنع، وما يستقيم العكس فيه. ثم ذكر جعل الفرع أصلاً في الصفة للمبالغة، كما في قول محمد بن وهيب: وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح

стр. 117

ثم ذكر جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً في التمثيل، ويكون في تشبيه المحسوس بالمعقول. ثم يطلب منا عبد القاهر - بعد أن عرفنا الطريقة في جعل الفرع أصلاً في التمثيل - أن نرجع لنقابل بينه وبين التشبيه الظاهر، لنعلم أن حاله - في الحقيقة - مخالفة للحال ثم (١). ولا يتركنا الإمام عبد القاهر قبل أن يعطينا - للفرق - مثلاً من طريق المشاهدة وهو: أنك بالتمثيل في حكم من يرى صورة واحدة، إلا أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر، وأما التشبيه الصريح، فإنك ترى صورتين على الحقيقة (٢)! أما ضياء الدين بن الأثير، فقد نقل ما قاله ابن جنى تقريباً، وسماه "الطرد والعكس" وعرفه بأن يجعل المشبه به مشبهاً، والمشه مشبهاً به، ثم قال: وبعضهم يسميه: "غلبة الفروع على الأصول" (٣). ثم عاد فقال وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جنى في كتاب "الخصائص" وأورده هكذا مهملاً، ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه: أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظه "أفعل" أي يشبه بما هو أبين، وأوضح، وبما هو أحسن منه، أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى، وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة، لأن الذي قدمنا ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما

стр. 118

يحسن في عكس المعنى المتعارف. وذلك أن تجعل المشبه به مشبهاً. والمشبه مشبهاً به، ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بتعارف (١). وأبو الفتح ابن جنى، كما رأيت، صاحب الفضل في تنبيه البلاغيين إلى ما أسموه بالتشبيه المقلوب (٢) الذي يؤتي به للمبالغة، في كمال المشبه في وجه الشبه، وعلى الرغم من هذا، فإن ضياء الدين بن الأثير لم يشأ أن يعترف له بذلك الفضل، مع أن ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب لم يتعد ما قاله ابن جنى! على أن العلامة بهاء الدين السبكي يصرح بأن التشبيه المقلوب قد سماه ابن الأثير في كنز البلاغة: غلبة الفروع على الأصول (٣)، وهي نفس تسمية ابن جنى في الخصائص! وقد رأى الخطيب القزويني أن التشبيه المقلوب يعود الغرض من التشبيه فيه على المشبه به، وهو ضربان: أحدهما: إيهام أنه أتم من المشبه في وجه الشبه، كما في قول محمد بن وهيب. وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح والثاني: بيان الاهتمام بالمشبه به، كتشبيه الجائع وجهاً كالبدر في الإشراق والاستداره بالرغيف، ويسمى هذا: إظهار المطلوب. وقد أورد الخطيب ما روى عن الصاحب، من أن قاضى سجستان دخل عليه، فوجده الصاحب متفنناً، فأخذ يمدحه حتى قال: وعالم يعرف بالسجزي

стр. 119

وأشار إلى الندماء، أن ينظموا، على أسلوبه، ففعلوا واحداً بعد واحد إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البين، فقال: أشهى إلى النفس من الخبز فأمر الصاحب: أن تقدم له مائدة (١): ويفهم من هذه القصة أن الشاعر لم يشبه العالم بالخبز، إلا لأنه يريد خبزاً، فأظهر مطلوبه بذلك التشبيه المقلوب، ولهذا سمى الخطيب هذا الغرض: إظهار المطلوب. ٣ - التجريد: لعل أول من عقد للتجريد باباً: هو أبو الفتح ابن جنى "في الخصائص (٢)، ؛ فقد ذكر فيه أنه فصل من فصول العربية طريف، وأن أبا علي الفارسي ﵀ كان مولعاً به؛ ولكنه لم يفرد له باباً. وأنه استطاع أن يستشف معناه من خلال ألفاظ أبي علي؛ وأن معناه - عند أبي علي - هو: "أن العرب قد تعتقد في الشيء من نفسه معنى آخر؛ كأنه حقيقته ومحصوله؛ وقد يجري ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها، وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيداً، لتلقين منه الأسد. ولئن سألته لتسألن منه البحر، فظاهر هذا: أن فيه من نفسه أسداً وبحراً، وهو عينه الأسد، والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، وممتازاً منه. وعلى هذا جاءت مخاطبة الإنسان نفسه حتى كأنها تقاوله أو تخاطبه:

стр. 120

ومن هذا قول الأعشى: ودع هريرة؛ إن الركب مرتجل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟ وهو الرجل نفسه لا غيره". ومنه قراءة من قرأ. "قال أعلم أن الله على كل شيء قدير" (١) ص ١١٩ بصيغة الأمر؛ أي: أعلم أيها الإنسان وهو نفسه الإنسان. ومنه قول الله تعالى. "لهم فيها دار الخلد" (٢)، وهي نفسها: دار الخلد. وقد استعملت الفاء هنا للتجريد؛ وقد تستعمل الباء. كما تقول: لقيت به الأسد، وجاورت به البحر، أي: لقيت بلقائه الأسد، وجاورت بمجاورتي له البحر. ثم مثل بمسئلة الكتاب: أما أبوك تلك أب، أي لك منه أو به، أو بمكانه أب. ثم قال: وأنشدنا - ويبدو أن الذي أنشده هو أبو علي الفارسي -. أقامت بني مروان ظلماً دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل

стр. 121

وعلق عليه بقوله: "وهذا غاية البيان والكشف؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله - سبحانه - ظرف لشيء، ولا متضمن له، فهو إذاً: على حذف م ضاف أي: في عدل الله حكم عدل. ثم قال وأنشدنا (ويقصد أبا علي): بنزوة لص بعدما مر مصعب ... بأشعث، لا يفلى ولا هو يقمل. ومصعب نفسه هو الأشعث: ثم ذكر ابن جنى أمثله لما فيه مخاطبة الإنسان نفسه. ومنها قول الشاعر: يا نفس صبراً؛ كل حي لاق ... وكل اثنين إلى افتراق وقول النابغة الذبياني: قالت له النفس: إني لا أرى طمعاً ... وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد. وقول الآخر: أقول للنفس تأساء وتعزيه ... إحدى بدي أصابتني ولم ترد ويؤخذ من حديث ابن جنى عن التجريد: ما يلي: ١ - أنه أول من عقد للتجريد باباً. ٢ - أنه قد أخذه سماعاً، مشافهة من أبي علي الفارسي؛ بدليل قوله:

стр. 122

(أنشدنا) كذا، وأنشدنا كذا عقب ذكره لما فهمه عن أبي علي من التجريد. ٣ - أن فهم أبي علي الفارسي للتجريد قد لخصه ابن جنى بعبارته هو؛ يقول: "ومعناه: أن العرب قد تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه حقيقته ومحصوله؛ رقد يجري ذلك إلى ألفاظها، لما عقدت عليه معانيها، وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيداً، لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسداً وبحراً، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، وممتازاً منه. وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه؛ حتى كأنها تقاوله، أو تخاطبه، ومنه قول الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟ ٤ - ومن الأمثلة التي ساقها ابن جنى للتجريد، يمكن أن نقسم التجريد - في رأيه - إلى قسمين: القسم الأول: ما تضمن مخاطبة الإنسان لنفسه، كما في قول الأعشى: (وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟ ) وقول الآخر: (أقول للنفس تأساء وتعزية)، وقول غيره: (يا نفس صبراً.) والقسم الثاني: ما لم يتضمن مخاطبة الإنسان لنفسه، كما في قولهم: (لئن لقيت زيداً لتلقين منه الأسد)، (ولئن سألته لتسألن منه البحر)، وكقوله تعالى: "لهم فيها دار الخلد". ٥ - يؤخذ من أمثلة القسم الثاني: أن منه ما يكون قائماً على التشبيه

стр. 123

كالذي في قولهم: (لئن لقيت زيداً ليلقين منه الأسد) وما لا يكون قائماً على التشبيه، ما في الآية الكريمة "لهم فيها دار الخلد". وحديثنا هنا عن التجريد القائم على التشبيه: والإمام عبد القاهر الجرجاني يعد التجريد القائم على التشبيه في عداد التشبيه على حد المبالغة - على حد تعبيره - أو في عداد التشبيه البليغ - على حد تعبير المتأخرين من البلاغيين - وذلك حيث يفرق بين التشبيه والاستعارة، فيقول (١). "وههنا أصل يجب ضبطه، وهو: أن جعل المشبه المشبه به على ضربين: أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً. والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه فتقول: زيد أسد، وزيد هو الأسد، أو تجئ به على وجه يرجع إلى هذا كقولك إن لقيته لقيت به أسداً، وإن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً، أو الأسد، وتضع كلامك له، وأما في الأول فتخرجه مخرج مالا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير. والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب - أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته -: أنه شبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا، ولا يسمى استعارة" وكأن عبد القاهر بهذا، إنما يعدل التجريد القائم على التشبيه مرحلة زادت

стр. 124

فيها المبالغة في التشبيه البليغ، حتى أمكن أن يجرد من المشبه مثله في الصفة التي يريد إثباتها له. ولهذا عرف الخطيب القزويني التجريد بما لا يخرج عن هذا المعنى، وهو "أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة، مبالغة في كمالها فيه (١)، وعده محسنا معنوياً من محسنات البديع، سواء أكان قائماً على التشبيه أم لم يكن قائماً على التشبيه. وأما ابن الأثير: فإنه يتشبه بابن جنى عند ذكره للتجريد، إذ قال ابن جنى - في بداية كلامه عنه: "هذا فصل من فصول العربية طريف حسن، ورأيت أبا علي ﵀ به غرياً معنياً ولم يفرد له باباً، لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة" (٢). فيقول ابن الأثير مجارياً هذه المقدمة لابن جنى: "وهذا اسم كنت سمعته. فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت فسألته عن حقيقته، فقال كذا سمعت! "ولم يزد شيئاً، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام؛ نظري في هذا النوع من الكلام؛ فألقى في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صواباً، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلى ما ذكره أبو علي الفارسي ﵀ الله تعالى، وقد أوردته هاهنا وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه، وكلامي" (٣). ثم عرف التجريد تعريفاً لم يسمع عند غيره من العلماء؛ إذ جعله خاصاً بإخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك"، وبهذا أخرج

стр. 125

نحو قولهم: "لئن لقيت زيداً لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن به البحر"؛ وجعله تشبيهاً مضمر الأداة وهو في هذا ناظر إلى ما قاله الإمام عبد القاهر في الدلائل، إذ جعله تشبيهاً على حد المبالغة والحق أن ابن الأثير لم يسمع عن التجريد إلا من كتاب "الخصائص" لابن جنى، وأن ما وصله عن التجريد مما ذكره أبو علي الفارسي، إنما وصله عن طريق ابن جنى في خصائصه، لأن أبا علي لم يقل ما قاله عن التجريد في كتاب، وإنما أخذه ابن جنى عنه مشافهة كما ذكرت، بدليل قوله: "وأنشدنا كذا" "وأنشدنا كذا"، فقد ذكر الرواة أن ابن جنى صحب أبا علي الفارسي أستاذه أربعين سنة" (١). ومما يدلك على أن ابن الأثير قد نقل ما نسبه إلى أبي علي الفارسي من كتاب الخصائص ما يلي: أولاً: أنه قد نقل قبل ذلك مما أسلفناه لك: ١ - موضوع: قوة اللفظ لقوة المعنى، وذكر أنه نقله عن ابن جنى. ٢ - موضوع غلبة الفروع على الأصول، وسماه الطرد والعكس، وصرح بالنقل عنه. ٣ - أنه نقل الاعتراض الذي أورده ابن جنى على قول الشاعر (ولما قضينا من منى كل حاجة) كما نقل إجابته تقريباً، دون أن يشير إليه. ثانياً: أنه لم يشر إلى ما قاله ابن جنى، ولم يجر له هنا ذكراً ، مع أنه ينقل من كتابه: "الخصائص"، ولو كان الذي وصله عن أبي علي الفارسي

стр. 126

من طريق آخر غير كتاب الخصائص، لذكر ما قاله ابن جنى فيه - أيضاً - إلى جانب ما ذكره من هذا الطريق الآخر؛ لأنه كان بين يديه وهو يؤلف المثل السائر بدليل نقله ما سبق عنه. ثالثاً: أن العبارات التي نسبها ابن الأثير لأبي علي الفارسي، إنما هي نفس عبارات ابن جنى التي نقل بها تصور أبي علي للتجريد، مع التصرف في بعض ألفاظها. وقد أسلفنا لك عبارات ابن جنى التي لخص بها فهم أبي علي للتجريد، ونحن تنقل إليك فيما يلي نص ما قاله ابن الأثير الذي ادعى أنه وصله عن أبي علي الفارسي لتقف على صحة ما ذهبنا إليه من أن ابن الأثير قد نقله من خصائص ابن جنى. يقول ابن الأثير: "وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي ﵀ فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامناً فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها، مجرداً من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلاناً، لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه، أو متميزاً منه ثم قال: وعلى هذا النمط: كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره، كما قال الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟ ... وهو الرجل نفسه، لا غيره (١) ولعلك قد لاحظت أن ابن الأثير قد غير عبارة ابن جنى التي يبين بها معنى التجريد عند أبي علي الفارسي وهي قوله: "إن العرب قد تعتقد في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه حقيقته ومحصوله" (٢)، فجعلها هكذا: "إن

стр. 127

العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامناً فيه كأنه حقيقته ومحصوله" فغير كلمة (في الشيء) إلى كلمة (في الإنسان)، وذلك ليتسنى له الرد على أبي علي الفارسي. رد ابن الأثير على أبي علي الفارسي: يقول ابن الأثير - في رده على أبي علي الفارسي-: "والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول، لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها؟ وأما الأول - وهو: "لئن لقيت فلاناً لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر" فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، فليس داخلاً في التجريد. وأما قوله: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامناً منه كأنه حقيقته ومحصوله فأقول: وغير العرب أيضاً تعتقد ذلك. فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب خاصة، وانفرد باستخراجه أبو علي ﵀! وإن عنى بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال الذي ذكره. فليس الإنسان مختصاً بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات. فالأخلاق إذا مشتركة بين الإنسان وغيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها.

стр. 128

ويخلص ابن الأثير من هذا الرد إلى ما يريده من تخطئة أبي علي الفارسي في كلامه من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارة عن خلقه. والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه (١). الرد على ابن الأثير: ويمكننا أن نرد على ابن الأثير بما يلي: أولاً: أن قوله: "والذي عندي أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول، لأن الثاني هو التجريد" مبنى على أساس غير مسلم به، وهو التعريف الذي افترض صحته ابن الأثير، وهو: إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، وهو تعريف لم يقل به أحد غيره من البلاغيين. ولهذا عرفه الخطيب بقوله: أن ينتزع من أمر ذي صفة، أمر آخر مثله في تل الصفة مبالغة في كما لها فيه (٢)، وبهذا التعريف تدخل كل أنواع التجريد، التي رفض دخولها ابن الأثير. ثانياً: أن قوله في: "لئن لقيت فلاناً لتقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر": إنه تشبيه مضمر الأداة، قد نقله من دلائل الإعجاز" لعبد القاهر إذ جعله تشبيهاً على حد المبالغة (٣)، وأما قوله "إذ يحسن

стр. 129

تقدير أداة التشبيه فيه" فمأخوذ - أيضاً - من أسرار البلاغة لعبد القاهر؛ إذ جعل حسن دخول أداة التشبيه مفرقاً بين ما يرجح أن يكون تشبيهاً، وما يرجح أن يكون استعارة (١). فلما رأى عبد القاهر بعد هذا النوع تشبيهاً على حد المبالغة ظن أنه أخرجه عن التجريد؛ فأخذ عنه هذا الرأي دون أن يشير إليه! ثالثاً: أن أبا علي الفارسي لم يقل: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامناً فيه" فقد غير ابن الأثير - كما أسلفنا لك - عبارة ابن جنى، وهي: "إن العرب قد تعتقد في الشيء من نفسه معنى آخر، كان حقيقته ومحصوله" فجعل قوله "تعتقد أن في الإنسان" بدلاً من قوله "تعتقد في الشيء" ليتسى له الرد الذي أسلفناه؛ فكأنه اصطنع مبرراً للهجوم على أبي علي الفارسي؛ لكي يبدو، وكأنه قد فاقه في علمه! على أن الذي أوحى له بهذا الرد هو ما قاله ابن جنى في نهاية هذا الباب: "وقد دعا تردد هذا الموضع (أي مخاطبة النفس) على الأسماع ومحادثته الأفهام، أن ذهب قوم، إلى أن الإنسان هو معنى متلبس بهذا الهيكل الذي يراه؛ ملاق له، وهذا الظاهر مماس لذلك الباطن، كل جزء منه منطو عليه، ومحيط به" (٢). وهذا القول يعزى إلى الإمام مالك ﵁ وهو في الحقيقة لأتباعه - ففي جوهرة التوحيد: ولا تخض في الروح إذ ما وردا ... نص من الشارع لكن وجدا لمالك هي صورة كالجسد ... فحسبك النص بهذا السند (٣)

стр. 130

المعاني المجازية للاستفهام جاءت المعاني المجازية للاستفهام على لسان ابن جنى في خصائصه من خلال الأبواب التي عقدها لدراسة اللغة؛ ومن هذه الأبواب: ١ - باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول، ما لم يدع داع إلى الترك والتحول، وعلى هذا فإن الاستفهام الذي جاء به، إذا كان قد خرج عن معناه؛ فإنما ذلك لداع دعا إليه، وهو ما يسمى عند البلاغيين بالأغراض والمقاصد (١). ٢ - باب في التفسير على المعنى دون اللفظ؛ ومعنى هذا أن اللفظ قد يكون في صورته استفهاماً، ولكن معناه قد يخرج إلى الخبر، وهو موضع - كما يقول ابن جنى - قد اتعب كثيراً من الناس، واستهواهم، ودعاهم إلى سوء الرأي والاعتقاد، تعلقهم بظواهر هذه الأمان دون أن يبحثوا عن سر معانيها، ومعاقد أغراضها (٢). ٣ - باب في نقض الأوضاع، إذ ضامها طارئ عليها، ومن ذلك: لفظ الاستفهام، إذا انضم إليه معنى التعجب صار خبراً؛ ولفظ الواجب إذا لحقته همزة التقرير عاد نفياً، وإذا لحقه لفظ النفي عاد إيجاباً أما تلك المعاني المجازية، التي جاءت على لسان ابن جنى للاستفهام؛ في كما يلي ١ - التحقيق: فأما (هل): فقد أخرجت عن بابها، وهو الاستفهام، إلى معنى

стр. 131

(قد) وهو: التحقيق، وذلك نحو قول الله تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً (١)؟ " قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك. ويرى العلامة ابن جنى أن هل يمكن أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها، من الاستفهام، فكأنه قال - والله أعلم - هل أتى على الإنسان هذا؟ فلابد في جوابه من نعم؟ ملفوظا بها أو مقدرة أي: فكما أن ذلك كذلك، فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يفخر بما فتح له. وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه بالله هل سألتني فأعطيتك؟ ! أم هل زرتني فأكرمتك؟ ! أي: فكما أن ذلك كذلك فيجب أن تعرف حقي عليك، وإحساني إليك. ويؤكد هذا المعنى عندك: قول الله تعالى: "إنا خلقاً الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل" فعدد الله تعالى عليه أباديه وألطافه. وهذا المعنى الذي يقول به ابن جنى قريب من معنى التقرير، لأن الله تعالى، إنما أتى بالكلام على صيغة الاستفهام لأنه يعلم أن الإجابة لابد أن تكون بنعم وكأنه تعالى، أراد أن يقر الإنسان بحقه عليه، وإحسانه إليه. ومن ذلك (٢): قول الله تعالى: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ " (٣) فقد قالوا: معناه: قد امتلأت، وهو - كما يقول ابن جنى - تفسير على المعنى دون اللفظ، وهل مبقاة على استفهامها

стр. 132

وذلك كقولك للرجل - لا تشك في ضعفه عن الأمر - هل ضعفت عنه؟ وللإنسان - يحب الحياة - هل تحب الحياة؟ أي: فكما تحبها، فليكن حفظك لها، وكما ضعفت عن هذا الأمر، فلا تتعرض لمثله، مما تضعف عنه، وكأن الاستفهام، إنما دخل هذا الموضع، ليتبع الجواب عنه، بأن يقال: نعم، فيحتج عليه باعترافه، فيجعل ذلك طريقاً إلى وعظه، أو تبكيته. من معنى التقرير، لأن الوعظ، والتبكيت إنما يكونان لمن أقر بخطئه. والدليل على ذلك قول ابن جنى بعد هذا الكلام مباشرة: ولو لم يعترف في ظاهر الأمر به، لم يقو توقيفه عليه، وتحذيره من مثله، قوته إذا اعترف به، لأن الاحتجاج على المعترف أقوى منه على المنكر، أو المتوقف. ثم يقول: فكذلك قوله سبحانه هل امتلأت؟ فكأنها قالت: لا، فقبل لها: بالغي في إحراق المنكر لذلك، فيكون هذا خطاباً في اللفظ لجهنم، وفي المعنى للكفار. وكذلك جواب هذا من قولها: هل من مزيد؟ أي: أتعلم يا ربنا أن عندي مزيداً؟ فجواب هذا منه - عز اسمه - لا، أي: فكما تعلم أن لا مزيد، فحسبي ما عندي. فعلى هذا قالوا - في تفسيره - قد امتلأت، فتقول: ما من مزيد (١).

стр. 133

وهكذا تجد أن (هل) - هنا - على الرأي الأول بمعنى (قد) أي: التحقيق، وعلى رأي ابن جنى، يكون معناها قريباً من معنى التقرير. وقد تدخل همزة الاستفهام على (هل) فتخرجها عن معنى الاستفهام، إلى الخبر، وتكون - حينئذ - بمعنى (قد)، أي للتحقيق، لأنها، لو بقيت على الاستفهام، لا امتنع ملاقاتها لهمزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد، وذلك كقول زيد الخيل الطائي في إغارته على بني يربوع (١). سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم؟ ! أي: سائل هؤلاء الفوارس عن شجاعتنا، فقد رأوا شجاعتنا بذلك المكان! ٢ - التقرير: قد تخرج الهمزة عن معنى الاستفهام إلى معنى التقرير، والتقرير ضرب من الخبر، وذلك ضد الاستفهام. وهمزة التقرير إذا دخلت على النفي صار إثباتاً، وإذا دخلت على الإثبات صار نفياً. فمن دخولها على النفي الذي صار إثباتاً: قول جرير (٢):

стр. 134

ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟ ! أي: أنتم كذلك ومن دخولها على الإثبات الذي صار نفياً: قول الله تعالى: "آلله أذن لكم (١) "؛ أي: لم يأذن لكم: وقول الله تعالى وأأنت قلت للناس (٢) " أي: لم تقل للناس اتخذوني، وأمي ألهين من دون الله. ولو كانت الهمزة هنا، استفهاماً محصناً؛ لأقرت الإثبات على إثباته" والتقى على نفيه: ولكنها إذا دخلت على الإثبات نفته، وإذا دخلت على النفي نفته؛ ونفى النفي إثبات. ويستدل ابن جنى على صحة معنى التناكر في همزة التقرير - أي دخولها على النفي فيصير إثباتاً، وعلى الإثبات فيصير نفياً - أنها أخلصت للإنكار؛ في نحو قولهم - ق جواب: ضربت عمر: أعمراه! ؛ أي أن من يقول هذا إنما يقوله إنكاراً لضرب عمر: ٣ - الإنكار: ويستدل ابن جنى، في موضع آخر من كتابه الخصائص (٣)، أن الهمزة تفيد الإنكار ويمثل لذلك بقول الله تعالى: "أأنت قلت للناس"؛ أي: ما قلت لهم، وقوله تعالى: " آلله أذن لكم"، أي: لم يأذن لكم. لأنها دخلت على الموجب هنا، فعاد نفياً. وبقول الله تعالى: "ألست بربكم؟ ! " أي: أنا كذلك؛ وقول جرير: "ألستم خير من ركب المطايا؟ ! "

стр. 135

أي: أنتم كذلك: لأنها لحقت لفظ النفي - في الآية للكريمة وفي البيت - فعاد إيجابا ثم يوضح معنى الإنكار هنا بأنه إنما كان الإنكار كذلك، لأن منكر الشيء إنما غرضه أن يجيله، على عكسه، وضده، ولهذا استحال به الإيجاب وهكذا تجد أن ابن جنى قد جعل همزة الاستفهام - في موضع من كتابه - للتقرير، وجعلها - في موضع آخر - للإنكار، والأمثلة واحدة في الموضعين وهو محقق في الموضعين! فقد بين لنا عبد القاهر، كيف أن التقرير، والإنكار يجتمعان في مثال واحد، وذلك إذ يقول بعد أن أورد أمثلة للاستفهام التقريري مع تقديم المسند إليه: وأعلم أن الهمزة - فيما ذكرنا - تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه، ومن الأمثلة التي أشار إليها عبد القاهر بذلك القول قوله تعالى - حكاية عن قول نروذ - وأأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (١) ". ولهذا يقول الخطيب: إن من مجيء الهزة للإنكار، نحو قوله تعالى "أليس الله بكاف عبده؟ ! " وقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأتدى العالمين بطون راح؟ ! أي: ألله كاف عبده، وأنتم خير من ركب المطايا، لأن نفي النفي إثبات ثم قال: وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي: للتقرير بما

стр. 136

دخله النفي (١). ويرتب على هذا، العلامة الدسوقي (٢). أنه يصح أن يقال: إن الهمزة فيه للتقرير، كما يصح أن يقال: إنها للإنكار، ومثله قول الله تعالى "ألم نشرح لك صدرك؟ ! " و"ألم يجدك يتيما فآوى؟ ! ، فقد يقال: إن الهمزة للإنكار. وقد يقال: إنها للتقريرن وكلاهما حسن. ٤ - تجاهل العارف: يذكر ابن جنى أن أوصاف الشعراء، في غزلهم، إذا جاءت على طريق الشك كانت أعذب للفظ، وأقرب إلى تقبل القول فمذهبهم في الغزل ونحوه: أن يظهروا شكا، وتخالجا، ليظهروا قوة الشبه، استجكام الشبهه، ولا يقطعوا قطع اليقين ألبته، فينسبوا بذلك إلى الإفراط، وغلو الاشتطاط، وإن كانوا هم ومن بحضرتهم، ومن يقرا من بعد أشعارهم، يعلمون أن لا حيرة هناك ولا شبهة، ولن كذا خرج الكلام على الإحاطة بمحصول الحال (٣)، ولهذا قال ذو الرمة أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم؟ ! وهذا مما لا يشك أحد، في أن كلامه ههنا قد خرج مخرج الشك، لما فيه من عذوبته، وظرف مذهبه. ومنه قول الأخير: أقول لظبي يرتعي وسط روضة ... أأنت أحو ليلي؟ فقال يقال!

стр. 137

وهذا الأسلوب هو ما يسمى عند البلاغيين بتجاهل العارف، وقد وضعوه في علم البديع، ولكنه - وإن كان أسلوباً من أساليب البديع - إلا أنه قد خرج فيه الاستفهام عن معناه الحقيقي إلى معان أخرى مجازبة. وقد ذكر ابن جنى أن المستفهم عن الشيء قد يكون عارقا به مع استفهامه في الظاهر عنه لكن غرضه في الاستفهام أشياء، ومنها: ١ - أن يرى المسئول إنه خفى عليه ليسمع جوابه عنه. ٢ - أن يتعرف حال المسئول، هل هو عارف بما السائل عارف به. ٣ - أن يرى الحاضر غيرهما أنه بصورة السائل المسترشد، لما له في ذلك من الغرض، ٤ - أن يعد ذلك لما بعده مما يتوقعه، حتى إن حلف بعد أنه قد سأله عنه حلف صادقاً، فأوضح بذلك عذراً (١). وقد ذكر العلامة السبكي (٢). أنه قد جاء في المصباح، أن الاستفهام قد يأتي للمبالغة في المدح كقوله: بدا، فراغ فؤادي حسن صورته ... فقلت: هل ملك ذا الشخص أم ملك؟ أو في الذم، كقول زهير: وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم فساء؟ !

стр. 138

أو التدلة في الحب، كقول المجنون: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلي من البشر وهذا موافق لما قاله ابن جنى من أن مذهب الشعراء، في مثل تلك الأوصاف أن يظهروا شكاً وتخالجاً، لتكون أعذب للفظ، وأقرب إلى تقبل القول. ٥ - التعجب: يرى ابن جنى أن لفظ الاستفهام إذا ضامه معنى التعجب استحال خبراً وذلك مثل قولك: مررت برجل أي رجل؟ ! فأنت الآن بخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهما، وكذلك قولك: مررت برجل أيما رجل؟ ! لأن (ما) زائدة. وإنما كان كذلك، لأن أصل الاستفهام الخبر، والتعجب ضرب من الخبر، فكأن التعجب لما طرأ على الاستفهام، أعاده إلى أصله من الخبرية (١).

стр. 139

نفي الشيء بإيجابه أوود ابن جنى هذا الفن من فنون القول تحت ما أسماه: "توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين". ومثل له بقولهم: (هذا أمر لا ينادي وليده) وذكر أن لفظه غير مختلف فيه ولكن اختلفوا في تفسيره. فقال قوم: إن الإنسان يذهل عن ولده؛ لشدته؛ فيكون هذا كقوله تعالى: "يوم تزونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت" (١)؛ وقوله تعالى: "يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه" (٢). وقال قوم: أي هو أمر عظيم؛ فإنما ينادي فيه الرجال والجلة، لا الإماء والصبية. وقال آخرون - وهم أصحاب المعاني-: أي: لا وليد فيه فينادي: وإنما فيه الكفاة، والنهضة: ولعل ابن جنى يقصد البلاغيين بهذا القول الأخير. وقد مثل له من الشعر بقول امرئ القيس: على لا حب لا يهتدي بمناره ... إذا ساقه العود الديا في جرجرا أي: لا منار فيه فيهتدي به.

стр. 140

ويقول الآخر: لا تفزع الأرنب أهواها ... ولا ترى الذئب بها ينجحر أي: لا أرنب بها، فتفزعها أهوالها. وبينت الكتاب: وقدر ككف القرد لا مستعيرها ... يعار، ولا من يأتها يتدسم أي: لا مستعير يستعيرها، فيعارها، لأنها - لصغرها ولؤمها - مأبية معيفه (١). وقد أعاد ابن جنى هذا الفن من فنون القول، في باب آخر من خصائصه بعنوان "باب في الجمع بين الأشباه من حيث يغمض الاشتباه" مفترضاً أن يقول له قائل: من أين تجمع قول الله تعالى "ولم يكن له ولي من الذل" مع قول أمرئ القيس، على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا ساقه العود النياطي جرجرا ويجيب ابن جنى على هذا السؤال بأن معنى قوله: "ولم يكن له ولي من الذل" (٢)، لم يذل، فيحتاج إلى ولي من الذل، كما أن البيت معناه: لا منار به، فيهتدى به، ومثله قول الآخر: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر

стр. 141

وعليه قول الله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (١)، أي: لا يشفعون لهم، فينتفعوا بذلك، يدل عليه قوله عز اسمه: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وإذا كان كذلك، فلا شفاعة إلا لمن ارتضى الله، وبهذا تعلم أنهم لو شفع لهم لم ينتفوا بتلك الشفاعة، ومنه قولهم: (هذا أمر، لا ينادى وليده)، أي لا وليد فيه فينادى. ثم يفترض ابن جنى أن قائلاً قال: فإذا كان، لا منار به، ولا وليد فيه، ولا أرنب هناك، فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه؟ ! ويجيب ابن جنى قائلاً: لا، بل هناك ملابسة، لأجلها صحت الإضافة وذلك: أن العرف أن يكون في الأرض الواسعة منار يهتدى به، وأرنب تحلها، فإذا شاهد الإنسان هذا البساط من الأرض خالياً من المنار، والأرنب ضرب بفكره إلى ما فقده منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعاً لمعتاد الأمرين وكذلك إذا عظم الأمر واشتدا الخطب علم أنه لا يقوم له ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة، دون الولدان وذوى الفزاعة، فصار العلم بفقدان هذا الضرب من الناس وصلة فيه بينها وعذراً في تصاقبهما، وتداني حاليهما (٢).

стр. 142

موقف البلاغيين من هذا الباب: جعل ابن رشيق هذا النوع من الكلام باباً من المبالغة، وسماه: نفي الشيء بإيجابه، وعده من محاسن الكلام (١) وتابعه ابن أبي الإصبع في تسميته وعده من البديع. وبهذا يكون هذا الأسلوب - عندهما - داخلاً في علم البديع. وقد تابعهما العلامة السيوطي في هذا الرأي، فسماه - أيضاً - نفي الشيء بإيجابه، وعده في علم البديع (٢). ولكن ابن الأثير قد جعله النوع الثالث عشر من المقالة الثانية في الصناعة المعنوية وعرفه بأنه: نفي الشيء بإيجابه، وهو نفس العنوان الذي نجده عند ابن رشيق، ولكنه سماه "عكس الظاهر". وإنما سما "كذلك، لأنك تذكر كلاماً يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف، وباطنه نفي للموصوف أصلاً. ووقد بين ابن الأثير أن هذا الباب من مستطرقات علم البيان، وهو - وإن كان يطلق لفظه لبيان على البلاغة كلها - إلا أنك تشعر بأنه يميل بهذا الأسلوب إلى أن يكون في "المعاني" لأنه يضعه بعد "قوة اللفظ لقوة المعنى". على أن هذا النوع من الكلام لا نجد له ذكراً عند الخطيب، وإن كان ابن رشيق قد أتى بأمثله كثيرة منه. كما أن ابن الأثير، يرى أنه قليل الاستعمال، لأن الفهم يأباه، ولا يقبله

стр. 143

إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عارياً عن القرينة لا يفهم منه ما أراد قائله. وقد مثل له ابن الأثير بقول علي ﵁ في وصف مجلس رسول الله ﷺ : "لا تنثى فلتاته"، أي لا تذاع، والمراد أنه لم يكن له فلتات فتثنى. ولم يجد ما يمثل به من الشعر إلا قول امرئ القيس: على لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا ساقه العود الديا في جرجرا وقول عمرو بن أحمد الباهلي من أبيات يصف بها فلاة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر ويبدو أنه نقلهما من خصائص ابن جنى، ويذكر أنه طوف على أقوال الشعراء، فلم يجد ما يمثل به لهذا النوع من الكلام من الشعر غير هذين (١) البيتين، مع أن ابن رشيق قد أورد فيه من الشعر قدراً، لا بأس به.

стр. 144

الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية كانت الدلالات عند الجاحظ شاملة للألفاظ، وغيرها، إذ كانت عنده خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد، أولها: اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد ثم الخط، ثم الحال (١). ثم وجدناها عند أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب أربعة أشياء: بيان الأشياء بذواتها، وهو ما سماه لسان الحال، وبيان الاعتقاد، وهو ما يحصل في القلب عند إعمال الفكر وبيان العبارة، وهو النطق باللسان للأخبار عما في النفس، وبيان بالكتابة، ليبلغ من بعد (٢) أو غاب، ثم وجدناها عند الرماني أربعة - أيضاً - هي الكلام، والحال والإشارة والعلامة (٣). ولكن حديث ابن جنى هنا - عن أنواع الدلالات - يختلف تماماً عما وجدناه عند الجاحظ، وابن وهب، والرماني، فقد قصر الحديث على دلالة اللفظ، ولعمري أنها لنظرة ثاقبة، فالدلالة اللفظية أنسب بالبلاغة من الدلالات غير اللفظية، لأنها محل بحث البلاغيين، وموضع اهتمامهم، "والذي ذهب إليه ابن جنى من قصر الدلالة على اللفظ، بأنواعه، أقرب إلى روح البلاغة، فليس من المنطق في شيء أن نعد كل ما يؤدي إلى الإفهام نوعاً من البلاغة، كالإشارة، والعلامة، بل ينبغي أن تكون البلاغة أبعد منالاً، وأرقى منزلة من مجرد الإفهام بمختلف الوسائل، وإلا اتصف الناس جميعاً بالبلاغة (٤)!

стр. 145

الدلالات: هي اللفظية، والصناعية، والمعنوية . مراتبها: أقوى هذه الدلالات هي اللفظية، ثم تليها الصناعية، ثم تليها المعنوية ومن ذلك: جميع الأفعال ففي كل واحد منها الأدلة الثلاثة. ففي (قام) - مثلاً - دلالة لفظه على مصدره، ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله، فهذه ثلاث دلائل من لفظه، وصيغته، ومعناه. وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من المعنوية من قبل أنها، وإن لم تكن لفظاً فإنها صورة يحملها اللفظ، ويخرج عليها، ويستقر على المثال المعتزم بها، فلما كانت كذلك لحقت بحكمه، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به، فدخلاً بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة، وأما المعنى: فإنما دلالته لاحقه بعلوم الاستدلال، وليست في حيز الضروريات. وذلك لأنك حين تسمع (ضرب) تعرف حدثه وزمانه، ثم تنظر فيما بعد، فتقول، هذا فعل ولابد له من فاعل، فليت شعري من هو؟ وما هو؟ فتبحث حينئذ، إلى أن تعلم الفاعل من هو؟ وما حاله من موضع آخر، لا من مسموع ضرب. والألفاظ أدلة على إثبات معانيها: فمن ذلك: قولهم: للسلم، (مرقاة) بكسر الميم وللدرجة (مرقاة) بفتحها فنفس اللفظ يدل على الحدث، وهو الرقى، وكسر الميم يدل على أنها مما ينقل، ويعتمل عليه، وبه، كالمطرقة، والمئزر، والمنجل، بكسر الميم فيها، ولكن فتح ميم مرفاه تدل على أنه مستقر في موضعه، كالمنارة والمثابة. فنفس (رقي) يفيد معنى الارتقاء، وكسر الميم وفتحها يدلان على
следующие страницы →