وقال:
تمشي بجهم حسن ملاح ... أجسم حتى هم بالصباح
وقال:
منه صفيحة وجه غير جمال
وكذلك حسن، وحسان، يقول الشماح:
دار الفتاة التي كنا نقول لها: ... يا ظبية عطلا، خسائه الجيد
ومنه قولك: قطع، وقطع، وقام الفرس، وقومت الخيل، ومات البعير، وموتت الإبل.
فأما قولهم (خطاب) - فإنه - وإن كان اسماً - لاحق بالصفة في إفادة معنى التكثير، لأنه موضوع لكثرة الإختطاف به.
وكذلك قولهم: (سكين) إنما هو موضوع لكثرة تسكين الذابح به، وكذلك: البزاز، والعطار، والقصار، ونحو ذلك، إنما هي لكثرة تعاطي هذه الأشياء؛ وإن تكن مأخوذة من القمل.
ويلحق بتكثير اللفظ لتكثير المعنى: العدول عن معتاد حال اللفظ:
ويمثل هذا: (فعال) في معنى (فعيل)، نحو: طوال، فهو أبلغ من طويل، وعراض، فهو أبلغ معنى من عريض، لأنه لما كانت فعيل هي الباب المطرد وأريدت المبالغة، عدل إلى (فعال).
وسر هذا الباب الذي تضمن قوة اللفظ لقوة المعنى، وتكثيرة اللفظ
стр. 72
لتكثير المعنى، راجع إلى أن الألفاظ أدلة المعاني، فإذا ما زيد فيها شيء أوجبت القمة له زيادة المعنى به، وكذلك إذا انحرف به عن سمته وهديته كان ذلك دليلاً على حادث متجدد له (١).
وقد أفاد ابن الأثير من هذا الباب - في كتابه: المثل للسائر - إفادة كبيرة، بل إنه جعل "قوة اللفظ لقوة المعنى" هي النوع الثاني عشر من المقالة الثانية في الصناعة المعنوية (٢)، ودلاً من أن يحمد لابن جنى صنيعه بتنبيه البلاغيين والنقاد، إلى ناحية مهمة من نواحي نقد الأساليب، للتعرف على أسرار صياغتها، وأسباب، ضعفها، أو قوتها، راح يقول: إن ابن جنى لم يورده كما أوردته أنا، ولم ينبه على ما نبهت عليه من النكت، وهذا يظهر بالوقوف على كلامي، وكلامه.
وقد ألم ابن الأثير بكل ما قاله ابن جنى، ولكنه نبه إلى ما يلي:
أولاً: أن هذا الباب إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد، ولا يوجد إلا فيما فيه معنى الفعلية، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وكالفعل نفسه، وذلك كما في قوله تعالى: "فقلت استغفروا ربكم أنه كان غفاراً"، لأن غفاراً، أبلغ في المغفرة من غافر وقوله تعالى: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين"، فالتواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة بعد مرة، وقوله تعالى: "فكبكبو فيها هم والغاوون، فإن معنى (كبكبوا) من الكب، وهو القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب، لأنه موضع يقتضي ذلك.
وليس من هذا الباب: زيادة التصغير، لأن الزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية.
стр. 73
ثانياً: قد يستعمل هذا الباب في مقام المبالغة، فينعكس المعنى فيه إلى ضده كما جاء لأبي كرام التميمي من شعراء الحماسة:
لله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام، وأي نصل جلاد
ومحش حرب مقدم متعرض ... للموت غير مكذب، حياد
فقد أراد الشاعر بلفظه (حياد) المبالغة في وصف شجاعة هذا الرجل فانعكس عليه المقصد، لأنه نفى كثرة الحيدودة عنه؛ فيكون بهذا حائداً وإذا وجدت منه مرة واحدة كان جبنا لا شجاعة. وكان الأولى أن يقول غير مذكب حائد.
ثالثاً: إذا وردت لفظة تحتمل التضعيف الذي هو طريق المبالغة، وتحتمل غيره، فإن اقتضى المقام حملها على المبالغة كان ذلك أولى.
رابعاً: إن قوة اللفظ لقوة المعنى، لا تستقيم إلا في نقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي، وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلاً موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة وذلك كما في قول الله تعالى: "وكلم الله موسى تكليماً" فإن كلم على وزن قتل ولم يرد به التكبير، ومن هنا شذ قولهم في (عليم) إنه أبلغ من (عالم) لأن كلا منهما أربعة أحرف، وليس بينهما زيادة ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى.
стр. 74
الإيجاز والإطناب
جاء حديث ابن جنى عن الإيجاز والإطناب؛ من خلال حديثه عن الفرق بين الكلام والقول، في باب عقده لهذا الغرض (١).
فأصل الكلام: أن يكون مفيداً مستقلاً بنفسه، ويشهد لهذا قول كثير:
لو يسمعون - كما سمعت - كلامها ... خروا لعزة ركعاً وسجوداً
ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو، ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، وإنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه.
فالكلام إذاً من بيت كثير إنما يعني به المفيد من هذه الألفاظ، القائم برأسه، المتجاوز لما لا يفيد، ولا يقوم برأسه من جنسه.
وقد جاء في أشعارهم ما يدل على وصف الحديث بالإطناب، كالذي تراه في قول الآخر:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ما سح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح
فقوله: بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا حملاً، كثيرة، فضلاً عن الجملة الواحدة.
стр. 75
كما أنه قد جاء ما يدل على وصف الحديث بغاية الإيجاز، كالذي تراه في قول الشنفري:
كأن لها في الأرض نسياً تقصه ... على أمها، وإن تخاطبك تبلت
أي تقطع كلامها، ولا تكثره.
كما أنه قد جاء في وصفهم للحديث بأنه وسط بين الإيجاز والإطناب، كالذي تراه في قول ذي الرمة:
لها بشر، مثل الحرير، ومنطق ... رخيم الحواشي، لا هراء ولا نزر
إلا أنه على أية حال، لا يكون ما يجري منه - وإن قل ونزر - أقل من الجمل التي هي قواعد الحديث، الذي يشوق موقعه، ويروق مستمعه.
وإطلاق الحديث على ما طال من الكلام، أمر صار معلوماً، غير مشكوك فيه، ألا ترى إلى قوله:
وحديثها، كالغيث يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا!
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول - من فرح - هيا ربا
يعني حنين السحاب وسجره، وهذا لا يكون عن نبرة، واحدة، ولا رزمة مختلسة وإنما يكون مع البدء فيه والرجع، وتثنى الحديث على صفحات السمع.
стр. 76
وقول ابن الرومي:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك القلوب، وفتنة مامثلها ... للمطمئن، وعقلة المستوفز
فذكر ابن الرومي هنا: أنها تطيل في الحديث تارة، وتوجز فيه أخرى.
والإطالة، والإيجاز جميعاً؛ إنما هما، في كلام مفيد مستقل بنفسه: ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له بد من أن يعطيك تمامه وفائدته، مع أن لابد فيه من تركيب الجملة، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب.
فقد ذكر ابن جنى إذاً مصطلحي: الإيجاز، والإطناب؛ ولكنه عبر عن الإطناب بالإطالة ولم يذكر مصطلح: المساواة الذي نجده عند ابن رشيق (١)؛ ويمكن أن نفهمها عنده على أنها أصل الكلام؛ الذي لا يوصف بالإطناب، ولا بالإيجاز، على أن يكون مفيداً، مستقلاً بنفسه كما شرط. كما يمكن أن تفهمها عنده استشهاده بقول ذي الرمة (لا هراء ولا نزر)
وابن جنى وإن لم يكون قد خصص باباً للإيجاز، والإطناب، إلا أنه يمكن أن يضم إلى الإطناب عنده باب الاعتراض، وباب الاحتياط؛ وقد جمع فيه احتياط العرب للمعاني بالتأكيد اللفظي؛ والمعنوي، ثم بالتأكيد بالصفة
كما أنه يمكن أن ينضم إلى الإيجاز عنده باب الحذف.
وقد اشترط ابن جنى لحسن الإيجاز أمران:
стр. 77
أولهما: أن يكون الكلام مفيداً. وثانيهما أن يكون مستقلاً بنفسه. ولهذا فإن ما جاء منه ناقصاً عن تركيب جملة فإنه لا يوصف بالحسن؛ ولا بالقبح. كقوله:
قلنا لها: قفي لنا قالت: قاف
وقول الآخر فيما حكاه سيبويه: "ألانا" فيقوله مجيبه: "بلى فا"
وأما قول مالك بن أسماء:
أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفاً من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقة ... مالحديث المرموق من ثمن
فإنه أدل على أن هنالك إطالة، وتماماً، وإن كان بغير حشو ولا خطل ألا ترى إلى قوله: "طرائفاً حديثها الحسن"، فهذا لا يكون مع الحرف الواحد؛ ولا الكلمة الواحدة بل لا يكون مع الجملة الواحدة دون أن يتردد الكلام، وتتكرر فيه الجمل، فبين ما ضمنه من العذوبة وما في أعطافه من النعمة، واللدونة" (١)
стр. 78
الإيجاز بالحذف
جعل أبو الفتح ابن جنى موضوع الحذف داخلاً في باب أسماه "شجاعة" العربية"؛ وقد ضمنه الحذف، والزيادة، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى، والتحريف (١)
وقد أطلق أبو الفتح على تلك الأمور، شجاعة العربية. لأن الشاعر أو الأديب لا يتجشمها، إلا إذا كان واثقاً من مقدرته على الفصحى، وسيطرته عليها، فكان كالفارس الشجاع الذي يتحمل من المخاطر ما لا يتحمله غيره: وكانت تلك الأمور من الحذف والزيادة، والتقديم والتأخير وغيرها مظهراً من مظاهر شجاعته.
ويقرب من هذا المعنى ما قاله في "الفروق والفصول": فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات - على قبحها، وانخراق الأصول بها - فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه، وإن دل من وجه على جوره وتعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه، وليس بقاطع على ضعف لغته ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام ووارد الحرب الضروس حاسراً من غير احتشام فهو؛ وإن كان ملوما في عنفه وتهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته، ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر في سلاحه، أو أعصم بلجام جواده، لكان أقرب إلى النجاة. وأبعد من الملحاة؛ ولكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله؛ إدلالا بقوة طبعه. ودلالة على شهامة نفسه (٢)؟ ! "
стр. 79
أنواع الحذف:
وقد بين أبو الفتح هنا: أن العرب قد حذفت الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة، وأنه لا يحذف شيء من ذلك إلا إذا دل دليل على المحذوف، وإلا لكان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته:
١ - حذف الجملة:
ويمكن تقسيم حذف الجملة عنده إلى قسمين:
القسم الأول: حذف الجملة الإنشائية: وقد أتى منه ما يلي:
(أ) جملة القسم: وذلك نحو قولهم. والله لا فعلت وتالله لقد فعلت، وأصله: أقسم بالل، فحذف الفعل والفاعل، وبقيت الحال - من الجار والجواب - دليلاً على الجملة المحذوفة.
(ب) الأمر: نحو قولك: زيداً - إذا أردت: اضرب زيداً -.
(جـ) النهي: نحو: إياك، إذا حذرته، أي احفظ نفسك ولا تضيعها، ونحو: الطريق الطريق؛ أي الزم الطريق؛ ولا تحد عنها.
(د) التحضيض: نحو: هلا خيراً من ذلك؟ ، أي هلا فعلت خيراً من ذلك؟ .
والقسم الثاني: هو: حذف الجملة الخبرية وقد أتى منه ما يلي:
(أ) جملة الفعل والفاعل، نحو: القرطاس والله، أي: أصاب القرطاس، خير مقدم، أي قدمت خير مقدم
стр. 80
(ب) جملتا الشرط والجواب: وذلك نحو قوله: (الناس يجزيون بأفعالهم؛ إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً)، أي: إن فعل المرء خيراً جزى خيراً، وإن فعل شراً، جزي شراً
(جـ) جملة المعطوف عليه: وذلك كما في قوله تعالى: "فقلنا أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً (١) "، أي: فضرب، فانفجرت ومنه قوله تعالى: "فمن كان منكم مريضاً، أو به أذى من رأسه ففدية" (٢) أي: فخلق فعليه فدية.
٢ - حذف المفرد:
وأما حذف المفرد، فقد جعله ابن جنى على ثلاثة أضرب: حذف الاسم وحذف الفعل وحذف الحرف.
الضرب الأول: حذف الاسم: وقد جاء منه ما يلي:
١ - حذف المبتدأ: ومنه قول الله تعالى: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ" (٣)، أي: ذلك بلاغ، أو هذا بلاغ، وهو كثير.
٢ - حذف الخبر: وذلك نحو قولهم في جواب من عندك: زيد، أي: زيد عندي. ومنه قول الله تعالى: "طاعة وقول معروف" (٤)، يقول ابن جنى: إن شئت كان على: طاعة وقول معروف، أمثل من غيرهما، وإن شئت كان على: أمرنا طاعة وقول معروف، وهو يعني بهذا، إما أن يكون من حذف المبتدأ، وإما أن يكون من حذف الخبر، فالمعنى يحتمل الأمرين معاً.
стр. 81
واستدل على الاحتمال الثاني بقول عمر بن أبي ربيعة:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
٣ - حذف المضاف: وجعل منه قول الله تعالى: "ولكن البر من اتقى" (١)، أي: برهن اتقى ثم قال: وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا البر من أنقى، والأول أجود، لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ، لن الاتساع بالأعجاز أولى منه بالصدور.
وسواء أكان المعنى: ولكن ذا البر، أو كان المعنى: بر من أتقى، فإنه يكون من باب حذف المضاف.
ومن حذف المضاف قول الله تعالى: واسئل القرية" (٢)، أي أهلها.
ومن حذف المضاف مكرراً: قول الله تعالى: "فقبضت قبضة من أثر الرسول" (٣)، أي من تراب أثر حافر الرسول.
ومنه مسئلة الكتاب (٤): (أنت مني فرسخان)، أي ذو مسافة فرسخين.
ومنه قوله - جل اسمه - ينظرون إليك تدور أعينهم، كالذي يغشى عليه من الموت" (٥)، أي: كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت.
٤ - حذف المضاف إليه: نحو قوله تعالى: "لله الأمر من قبل، ومن بعد" (٦)، من قبل ذلك ومن بعده.
ومنه قول أبي النجم العجلي:
أقب من تحت عريض من عل
أي: أقب من تحته، عريض من عاليه.
стр. 82
٥ - حذف الموصوف: وحينئذ تقوم الصفة مقامه، وأكثر ما يكون ذلك في الشعر.
والسر في كثرته في الشعر والنثر: أن القياس يكاد يحظره، لأن الصفة في الكلام على ضربين: إما أن تكون للتخليص والتخصيص، وإما أن تكون للمدح والثناء، وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب، لا من مظان الإيجاز والاختصار، وإذا كان كذلك، لم يلق الحذف بالنثر، ولا تخفيف اللفظ به.
أضف إلى هذا ما يوهمه من اللبس، وأنه مخالف للبيان، لأنك إذا قلت: مررت بطويل، لم يستبن من ظاهر هذا اللفظ، إن المرور به إنسان دون رمح، أو ثوب، أو نحو ذلك.
ولهذا لا يحذف الموصوف إلا إذا قام الدليل عليه، أو شهدت الحال به، وكلما اسقبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث.
ومما يؤكد ضعف حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه: أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذلك كأن تكون الصفة جملة، نحو: مررت برجل قام أخوه، ولقيت غلاماً وجهه حسن، فلو قلت: مررت بقام أخوه، أو: لقيت وجهه حسن، لم يحسن (١).
وكذلك إن كانت الصفة جملة لم يجز أن تقع فاعلة، ولا مقامة مقام الفاعل، لأنك لا تجيز: (قام وجهه حسن) ولا (ضرب قام غلامه)، وأنت تريد: قام رجل وجهه حسن وضرب إنسان قام غلامه.
وكذلك إن كانت الصفة حرف جر، أو ظرفاً، لا يستعمل استعماله الأسماء، فلو قلت: جاءني من الكرام، أو حضرني سواك، أي إنسان سواك، لم يحسن، لأن الفاعل لا يحذف.
стр. 83
ومن قيام الصفة - وهي جملة - مقام الموصوف المبتدأ، قول حكيم ابن معية الربعي:
لو قلت: ما في قومها لم تئيم ... يفضلها في حسب وميسم
أي: ما في قومها أحد بفضلها.
ومنه قول الله تعالى: "وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك"، أي: قوم دون ذلك.
٦ - حذف الصفة ، ودلالة الحال عليها:
ويشترط لحذف الصفة: أن تدل الحال عليها، ومن ذلك ما حكاه سيبويه (١): من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون ليل طويل، وكأن هذا، إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها، لأنك تحس في كلام القائل لذلك من التفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله طويل، أو نحو ذلك.
يقول ابن جنى: وأنت تحس من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلاً! فتزيد في قوة اللفظ (بالله) هذه الكلمة، ولتمكن في تمطيط اللام، وإطالة الصوت بها وعليها أي: رجلاً فاضلاً أو شجاعاً، أو كريماً، أو نحو ذلك.
وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنساناً! وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه، فيستغني بذلك عن وصفه، بقولك: إنساناً سمحاً، أو جواداً، أو نحو ذلك.
وكذلك إن ذمته، ووصفته بالضيق، قلت: سألناه وكان إنساناً!
стр. 84
وتزوى وجهك وتغطيه، فيغني ذلك عن قولك: إنساناً لئيماً، أو لجزاً، أو مبخلاً، أو نحو ذلك.
ومن هنا أخذ المتأخرون من البلاغيين أن تنكير المسند قد يكون للتعظيم، والتكثير، وقد يكون للتحقير والتقليل (١).
٧ - حذف المفعول:
وقد حذف المفعول به في قوله تعالى "وأوتيت من كل شيء" (٢)، أي: أوتيت منه شيئاً، ومنه قوله تعالى: "فغشاها ما غشى" (٣)، أي: غشاها إياه، فحذف المفعولين جميعاً.
ومنه قول الخطيئة:
منعمة تصون إليك منها ... كصونك من وراء شرعي
أي: تصون الحديث منها.
٨ - حذف الظرف: وذلك نحو قول طرفة:
فإن مت، فانعيني بما أنا أهله ... وشقى على الجيب يا ابنة معبد
ومن ذلك ما يروى في الحديث الشريف: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" أي: لا صلاة كاملة أو فاضلة، ونحو ذلك.
ومنه قول نصيب (٤):
أهيم بدعه ما حييت فإن أمت ... أو كل بدعه من يهيم بها بعدي!
стр. 85
أي: فإن أمت قبلها.
ومنه قول الله تعالى: "فمن شهد منم الشهر فليصمه" (١).
٩ - حذف المعطوف: ومنه ما رواه ابن جنى عن أحمد بن يحيى: أنهم يقولون: (راكب الناقة طليحان). أي راكب الناقة والناقة طليحان.
١٠ - حذف المعطوف عليه: تقول: الذي ضربت وزيداً جعفر، تريد: الذي ضربته وزيداً، فتحذف المفعول من الصلة.
١١ - حذف المستثنى: نحو قولهم: جاءني زيد ليس إلا، وليس غير، أي: ليس إلا إياه، وليس غيره.
١٢ - حذف خبر إن مع النكرة: نحو قول الأعشى:
إن محلاً، وإن مرتحلاً ... وإن في السفر إذ مضوا مهلاً
أي: إن لنا محلاً، وإن لنا مرتحلاً.
وقد جاء حذف خبر إن مع المعرفة - أيضاً.
يقول ابن جنى: وأصحابنا يجيزون حذف "إن" مع المعرفة، ويحكون عنهم؛ أنهم إذا قيل لهم: إن الناس إلب عليكم، فمن لكم؟ قالوا: (إن زيداً، وإن عمراً) أي: إن لنا زيداً، وإن لنا عمراً، والكوفيون يأبون حذف خبرها إلا مع النكرة.
١٣ - حذف أحد مفعولي ظننت:
وذلك نحو قولهم: أزيداً ظننته منطلقاً؟ لأن تقديره: أظننت زيداً منطلقاً، ظننته منطلقاً؟ فلما أضمرت الفعل فسرته بقولك: ظننته، وحذفت
стр. 86
لمفعول الثاني من الفعل الأول المقدر، اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر، وكذلك بقية أخوات ظننت.
١٤ - حذف خبر "كان ":
وذلك كما في قول الفرزدق يهجو جريراً (١):
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... جريراً ببطن الشام أم متساكر؟ !
أي: أكان سكران ابن المراغة، فلما حذف الفعل الرافع فسره بالثاني فقال: كان ابن المراغة، وابن المراغة هذا الظاهر، خبر (كان) الظاهرة وخبر كان المضمرة محذوف معها، لأن كان الثانية دلت على الأولى، وكذلك الخبر الثاني الظاهر دل على الخبر الأول المحذوف.
١٥ - حذف المنادى:
وذلك فيما أنشده أبو زيد، من قوله:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال: يالا
أراد: يالبنى فلان، ونحو ذلك.
١٦ - حذف التمييز: وذلك إذا علم المراد منه، نحو قولك: عندي عشرون، واشتريت ثلاثين، وملكت خمسة وأربعين: فإذا لم يعلم المراد لزم التمييز؛ إذا قصد المتكلم الإبانة، فإن لم يرد ذلك، وأراد الإلغاز، وحذف جانب البيان، لم يوجب على نفسه ذكر التمييز، وهذا متوقف على غرض المتكلم.
стр. 87
الضرب الثاني: حذف الفعل:
وحذف الفعل يأتي على ضربين:
أحدهما: أن تحذفه والفاعل فيه، فإذا وقع ذلك فهو من حذف الجملة.
والآخر: أن تحذف الفعل وحده، وهو المقصود هنا.
وذلك: أن يكون الفاعل مفصولاً عنه مرفوعاً به، وذلك نحو قولك أزيد قام؟ فريد مرفوع بفعل مضمر محذوف خال من الفاعل، لأنك تريد: أقام زيد؟ فلما أضمرته فسرته بقولك: قام.
ومنه قول الله تعالى: "إذا السماء انشقت" (١) وقوله تعالى: "إذا الشمس كورت" (٢) وقوله تعالى: "إن امرؤ هلك" (٣) وقوله تعالى: "لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي" (٤) ونحوه.
فالفعل فيه مضمر وحده، أي: إذا انشقت السماء، وإذا كورت الشمس وإن هلك امرؤ. ولو تملكون (٥).
ومنه قول ذي الرمة (٦):
إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصلك جازر
أي: إذا بلغ ابن أبي موسى.
الضرب الثالث:
حذف الحرف: وهو مبحث صرفي تحدث عنه ابن جنى وليس من مجال بحثنا هذا.
стр. 88
إفادة البلاغيين من موضوع "الحذف "
جعل ابن جنى - كما رأيت - موضوع الحذف تحت ما أسماه: "شجاعة العربية" (١)، وقد قصد بذلك أن الشاعر أو الأديب إذا ترك ما هو الأصل في الكلام، وهو الذكر وتجشم الحذف - بعد أن ينصب له قرينة تدل عليه، أو تدل عليه الحال - فهو إنما يعمد إلى ذلك لثقته التامة في معرفته بأسرار اللغة، وتمكنه من امتلاك ناصيتها، فاللجوء إلى الحذف، وإلى غيره مما ذكره ابن جنى مظهر من مظاهر الشجاعة في اللغة العربية!
ولهذا تنبع ما ورد عن العرب الفصحاء، ممن يعتد بلغتهم، ويحتج أقوالهم، ويستشهد بأشعارهم ونثرهم، وأثبت كثيراً مما جاء عنهم من حذف الجمل، أو المفردات أو الحروف!
وكان أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ معاصراً لابن جنى، فقسم المجاز إلى قسمين: إيجاز القصر وإيجاز الحذف، وعرف إيجاز القصر: بأنه: تقليل الألفاظ وتكثير المعاني، كما في قول الله تعالى، "ولكم في القصاص حياة" ووازن بين هذا القول الكريم، وبين قول العرب: (القتل أنفى للقتل) مبيناً أن الآية الكريمة تزيد على قول العرب في الفائدة وهي: أبانة العدل لذكر القصاص، وإظهار الغرض المطلوب بذكر الحياة، واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم الله به، ولأنه أقل حروفاً، ولبعده عن الكلفة بالتكرير، وحسن التأليف، وشدة التلاؤم المدرك بالحس.
стр. 89
وأما إيجاز الحذف: فذكر أنه على وجوه، وذكر منها:
١ - أن يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ، ويجعل الفعل له، كقول الله تعالى: (واسأل القرية) أي: أهلها، وكقوله تعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل" أي حبه، وقال الشاعر:
لهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها
أي أهل المجلس.
٢ - أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، ويضمر للآخر فعله ، كقوله تعالى: "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" معناه: وادعوا شركاءكم.
٣ - أن يأتي الكلام على أن له جواباً فيحذف الجواب اختصاراً لعلم المخاطب ، كقوله تعالى: "ولو أن قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً"، أراد: لكان هذا القرآن.
٤ - حذف جواب القسم: كقوله تعالى: "ق والقرآن المجيد، بل عجبوا"، معناه: لتبعثن.
٥ - حذف (لا) من الكلام ، كقوله تعالى "يبين الله لكم أن تصلوا" أي: لأن لا تضلوا.
٦ - ومن الحذف أن تضمر غير مذكور ، كقوله تعالى، "حتى توارت بالحجاب" يعني الشمس.
٧ - حذف (من) كقوله تعالى: "واختار موسى قومه سبعين رجلاً"، أي من قومه.
стр. 90
٨ - ومنه: قول الله تعالى: "فبأي آلاء ربكما تكذبان" وذكر قبل ذلك الإنسان ولم يذكر الجان ثم ذكره .
ثم ذكر من الحذف الردئ: قول الحرث بن حلزة:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا
وإنما أراد: والعيش الناعم خير في ظلال الحمق من العيس الشاق في ظلال الجهل (١).
ولهذا فإن إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني ينوه بشأن الحذف قائلاً: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، ونجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن (٢)، بل إنه ليبلغ به الأمر من اقتنائه بهذا الباب إلى أن يقول: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد (٣)!
وهو لا يقف عند هذا الحد، بل إنه ليحاول أن يكشف القناع عن سر بلاغة الحذف، فيتساءل، هل الحذف مجاز؟ أم لا؟
ثم يتولى الإجابة بأن الكلمة كما توصف بالمجاز، لنقلك لها عن معناها، فقد توصف به لنقلها عن حكم كان لها، إلى حكم ليس هو بحقيقة فيها، ومثال ذلك أن المضاف إليه يكتسي إعراب المضاف في نحو قوله تعالى: "واسأل القرية" والأصل واسأل أهل القرية، فالحكم الذي يجب للقرية في الأصل وعلى الحقيقة هو الجر، والنصب فيها مجاز (٤).
стр. 91
وإذا كان تقدير المحذوف، لا يعلم إلا بما يدل عليه، فقد حدده الإمام بواحد من أمرين:
أحدهما: أن يكون الداعي إلى تقدير المحذوف أمراً يرجع إلى غرض المتكلم، كما في قولك: (سل القرية) - في غير التنزيل - فإنك لا تقطع بأن ههنا محذوفاً، لجواز أن يكون كلام رجل مر بقرية، قد خربت، وباد أهلها، فأراد أن يقول لصاحبه واعظاً، ومذكراً، أو لنفسه متعظاً ومعتبراً: سل القرية عن أهلها، وقل لها ما صنعوا؟ على حد قولهم: سل الأرض: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً.
والآخر: أن يكون الداعي إلى تقدير المحذوف، إنما هو الكلام نفسه، لأغرض المتكلم به وذلك: كان يكون المحذوف أحد جزئي الجملة، كالمبتدأ، في نحو قوله تعالى: "فصبر جميل" وقوله تعالى: "متاع قليل" فلا بد من تقدير محذوف، وذلك لأن الاسم الواحد لا يفيد، والصفة والموصوف حكمها حكم الاسم الواحد (١).
ثم ركز عبد القاهر على حذف المبتدأ، وحذف المفعول، وأخرج منهما طرائف، ولطائف لم يتطرق إليها ابن جنى، وإن كان ابن جنى صاحب فضل في الإشارة إلى أهمية موضوع الحذف من بين الأساليب العربية.
ومما يدلك على تأثر عبد القاهر بابن جنى في موضوع الحذف: أن ابن جنى - في حديثه عن حذف الفعل - قال: "وذلك نحو: زيداً
стр. 92
ضربته، لأن أردت: ضربت زيداً، فلما أضمرت ضربت، فسرته بقولك: ضربته" (١).
فألم عبد القاهر بهذا الموضوع، وأحسن الإفادة منه، فسماه: الإضمار على شريطة التفسير - أخذاً من قول ابن جنى: فلما أضمرت "ضربت" فسرته .. ).
ومثل لذلك بقولهم: أكرمني وأكرمت عبد الله، أردت، أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني، ثم قال:
"فهذا طريق معروف، ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه، وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه، من دقيق الصنعه ومن جليلي الفائدة ما لا تجده إلا في كلام الفحول" (٢).
فلما جاء ضياء الدين ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٧ هـ، عكف على ما قاله ابن جنى في الحذف سواء كان من حذف الجمل، أو من حذف المفردات، ووضعه في النوع الخامس عشر من المقالة الثانية، وهو الإيجاز، إذ جعل الإيجاز قسمين: إيجازاً بالحذف، وإيجازاً بغير الحذف، متابعاً أبا هلال العسكري.
ثم ينقل عبارة عبد القاهر التي أسلفناها في بلاغة الحذف - فيقول: أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه، بالسحر، وذاك أنك
стр. 93
ترى فيه الحذف أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبيناً، إذا لم تبين (١).
ثم ينشئ إلى موضوع حذف المفعول به في دلائل الإعجاز فينقله بعضه (٢) تقريباً.
ومما يدلك على إفادة ابن الأثير من ابن جنى في موضوع الحذف: قوله في: حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر:
ولا يكون أطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور، لامتناع القياس في أطراده.
ثم يقول: والصفة تأتي في الكلام على ضربين:
١ - إما للتأكيد والتخصيص .
٢ - وإما للمدح والذم، وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل ، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به. هذه مع ما ينضاف إليه من الالتباس، وأنه ضد البيان.
ألا ترى أنك، إذا قلت: مررت بطويل، لم يبن من هذا اللفظ الممرور به، إنسان هو رمح، أم ثوب، أو غير ذلك؟ !
وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذف غير لائق.
ومما يؤكد عندك ضعف حذفه، أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة، نحو مررت برجل قام أبوه
стр. 94
ولقيت غلاماً وجهه حسن: ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن لم يجز (١)؟ !
وذلك هو نص عبارة ابن جنى في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في الخصائص (٢).
ولكن ابن الأثير لم يشر إلى ابن جنى هنا، لأنه لم يجد مجالاً لنقده، مما يدلك على أن ابن الأثير لم يكن يذكر أحداً أخذ عنه من العلما، إلا لنقده، وبيان تفوقه عليه!
فلما كان الخطيب القزويني المتوفى سنة ٧٣٩ هـ جعل الإيجاز قسيم الإطناب والمساواة، وجعله ضربين:
أحدهما: إيجاز القصر، وهو ما ليس بحذف، كقوله تعالى: "ولكم القصاص حياة".
والآخر: إيجاز الحذف وهو ما يكون بحذف، والمحذوف إما أن يكون جز جملة، وإما أن يكون جملة؛ وإما أن يكون أكثر من جملة، وجزء الجملة إما أن يكون مضافاً، كقوله تعالى: "واسأل القرية"، أي: أهلها وإما أن يكون موصوفاً، كقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
أي: أنا ابن رجل جلا.
وإما أن يكون صفة، نحو قوله تعالى: "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً"، أي: كل سفينة صحيحة، أو صالحة، أو نحو ذلك بدليل ما قبله؛ أي قوله: "فأردت أن أعيبها".
وإما أن يكون شرطاً - كما سبق - وإما أن يكون جواب شرط، وهو ضربان:
стр. 95
أحدهما: أن يكون لمجرد الاختصار؛ كقوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيدكم وما خلفكم لعلكم ترحمون" أعرضوا؛ بدليل قوله بعده: "إلا كانوا عنها معرضين".
والثاني: أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن؛ كقوله تعالى: "ولو ترى إذ وقفوا على النار" وقوله: "ولو ترى إذ وقفو على ربهم".
وأما ما يكون جملة: فهو إما مسبب ذكر سببه، كقوله تعالى: "ليحق الحق ويبطل الباطل"؛ أي فعل مافعل.
وإما أن يكون سبباً ذكر مسببه: كقوله تعالى: "فتوبوا إلى بارئكم؛ فأقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم، ؛ أي فامتثلتم؛ فتاب عليكم
وإما ألا يكون سبباً ولا مسبباً كقوله تعالى: "فنعم الماهدون".
وأما ما يكون أكثر من جملة. فكقوله تعالى: "فقلنا أضربوه ببعضها؛ كذلك يحي الله الموتى"؛ أي فضربوه ببعضها، فحي؛ فقلنا كذلك يحى الله الموتى.
ثم رأى الخطيب أن الحذف على وجهين:
أحدهما: أن لا يقام شيء مقام المحذوف - كما سبق -.
والآخر: أن يقام مقامه ما يدل عليه، كقوله تعالى: فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، أي: فإن تولوا فلا لوم علي لأني قد أبلغتكم (١)
وهكذا وجد موضوع الحذف؛ الذي ذكره ابنى جنى في باب شجاعة العربية؛ منوهاً به بين الأساليب العربية؛ مكانه في البلاغة العربية.
стр. 96
فقد كانت أضر به التي بينها ابن جنى أساساص بنى عليه البلاغيون تقسيماتهم للإيجاز بالحذف؛ كما أن أمثلته التي ذكرها؛ جعلت معالم قاس عليها البلاغيون من بعده ما وجدوه من تراث العربية منظوماً كان أو منثوراً.
ولئن كان ابن جنى في تلك الأضرب قد تتبع معاني النحو فيما بين الكلم دون ذكر للأغراض التي سبق لأجلها الكلام؛ فلقد تتبع البلاغيون من بعده؛ كعبد القاهر الجرجاني "وابن الأثير؛ والخطيب القزويني؛ تلك المعاني على حسب الأغراض التي سيق لها الكلام فكانت خير مثال للنظم في رأي عبد القاهر الجرجاني: وهو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.
стр. 97
الإطناب بالاعتراض
ذكر ابن جنى أن هذا النوع من الكلام كثير، وأنه قد جاء في القرآن الكريم، وفصيح الشعر ومنثور الكلام، وأنه جار عند العرب مجرى التأكيد، ولهذا فإنه لا يعاب عليهم، ولا يستنكر عندهم أن يعترض به بين الفعل وفاعله، والمبتدأ وخبره، وغير ذلك مما لا يجوز الفصل فيه بغيره إلا شاذاً، ومتأولاً (١).
فالاعتراض كثير عند العرب، وفائدته: التأكيد، ومما جاء منه في القرآن الكريم: قول الله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم؛ إنه لقرآن كريم".
فهذا فيه اعتراضان: أحدهما قوله: "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم"، لأنه اعترض به بين القسم، وهو: "فلا أقسم بمواقع النجوم" وبين جوابه وهو: "إنه لقرآن كريم" وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر، بين الموصوف الذي هو: (قسم) وبين صفته التي هي: (عظيم)، وهو قوله "لو تعلمون"، فهذان اعتراضان - كما ترى - ولو جاء الكلام غير معترض فيه لقال: فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم وإنه لقسم عظيم لو تعلمون.
أنواع الاعتراض: ذكر ابن جنى من أنواع الاعتراض، ما يلي:
١ - الاعتراض بين الفعل وفاعله ، وذلك كقول امرئ القيس:
ألا هل أتاها - والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
стр. 98
"وتملك": أمه، و"بيقر": أي: ترك البادية، ونزل العراق، أو نزل الحضر، أو: أعيا، فقوله (والحوادث جمة) اعتراض بين الفعل وفاعله.
ومنه ما أنشده أبو علي:
وقد أدركتني - والحوادث جمة ... أسنة قوم، لاضعاف ولا غزل
ومنه قول قيس بن زهير العبسي (١):
ألم يأتيك - والأنبياء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد؟ !
فقوله: (والأنباء تنمى) اعتراض بين الفعل وفاعله.
٢ - الاعتراض بين الفعل ومفعوله ، وهذا ما رواه ابن جنى لعبيد الله ابن الحر:
تعلم، ولو كاتمته الناس أتتى ... عليك - ولم أظلم بذلك - عاتب
فقوله: (ولو كاتمته الناس) اعتراض بين الفعل ومفعوله، وقوله: "ولم أظلم بذلك" اعتراض بين اسم إن وخبرها.
٣ - الاعتراض بين المفعول الأول والثاني ومن ذلك قول أبي النجم:
وبدلت - والدهر ذو تبدل - ... هيفا دبورا، بالصبا والثمال
стр. 99
فقوله (والدهر ذو تبدل) اعتراض بين المفعول الأول والثاني، ويقصد بالمفعول الأول هنا؛ نائب الفاعل.
ومن الاعتراض بين المفعول الأول والثاني قول الآخر:
أراني، ولا كفران لله إنما ... أواخي من الأقوام كل بخيل
٤ - الاعتراض بين المبتدأ والخبر:
وذلك مثل قول الله : "هذا، فليذوقوه حميم وغساق" فقوله تعالى: (فليذوقوه) اعتراض بين المبتدأ وخبره.
ومنه ما رواه ابن جنى لمعن بن أوس:
وفيهن - والأيام يعثرن بالفتى - ... نوادب لا يمللنه ونوائح
ففصل بقوله: (والأيام يعثرن بالفتى) بين المبتدأ وخبره.
٥ - الاعتراض بين اسم إن وخبرها:
ومن ذلك قولهم، زيد - ولا أقول إلا حقاً - كريم.
ومنه قول رؤبة:
إني - وأسطار سطرن سطرا - ... لقائل: يا نصر نصر نصراً
ومنه بيت كثير:
وإني - وتهيامي بعزة - بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكا لمرتجي ظل الغمامة، كلما ... تبوأ منها المقيل اضمحلت
فقد ذكر ابن جنى أنه سأل أبا علي الفارسي عن بيت كثير (وإني وتهيامي بعزة .. ).
стр. 100
فأجاز أبو علي أن يكون قوله: "وتهيامي بعزة" جملة من مبتدأ وخبر، اعترض بها بين اسم (إن) وخبرها؛ الذي هو:
لكا لمرتجي ظل العمامة كلما ... نبوأ منها للمقيل اضمحلت
وأنه سأله: أيجوز أن يكون (وتهيامي بعزة) قسما؟ فأجاز أبو علي ذلك ولم يمنعه.
٦ - الاعتراض بين القسم وجوابه:
كما في قوله تعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم - وأنه لقسم لو تعلمون - عظيم، إنه لقرآن كريم" حيث فصل بينما بقوله: "إنه لقسم لو تعلمون عظيم"
٧ - الاعتراض بين الصفة والموصوف:
كما في قوله تعالى: "وإنه لقسم - لو تعلمون - عظيم"؛ حيث فصل بينهما بقوله: (لو تعلمون)
ويشترط ابن جنى في الجملة - أو الجمل المعترضة: ألا يكون لها محل من الإعراب ولهذا فإنه يقول: فأما ما أنشده أبو علي من قول الشاعر:
أتنسى - لا هداك الله - ليلى ... وعهد شبابها الحسن الجميل
كأن - وقد أتى حول جديد - ... أثانيها حمامات مثول
فإنه لا اعتراض فيه.
ومن الواضح أنه يقصد البيت الثاني لا الأول؛ ففي البيت الأول اعتراض بين الفاعل والمفعول؛ والجملة المعترضة فيه لا محل لها من الإعراب، وهي قوله (لا هداك الله).
ثم يقول: "وذلك أن الاعتراض: لا موضع له من الإعراب،
стр. 101
ولا يعمل فيه شيء من الكلام المعترض به بين بعضه وبعض على ما تقدم فأما قوله: (وقد أتى حول جديد) فذو موضع من الإعراب، وموضعه النصب بما في كأن من معنى التشبيه؛ ألا ترى أن معناه: أشبهت وقد أتى حول جديد حمامات مثولا؛ أو أشبهها، وقد مضى حول جديد بحمامات مثول؛ أي: أشبهها في هذا الوقت، وعلى هذه الحال بكذا" (١).
ويختم ابن جنى حديثه عن الاعتراض بأنه: في شعر العرب ومنثورها كثير وحسن، ودال على فصاحة المتكلم، وقوة نفسه، وامتداد نفسه، وأنه رآه في أشعار المحدثين، وأنه في شعر إبراهيم بن المهدي أكثر منه في شعر غيره من المولدين (٢).
وفي قوله: "وقوة نفسه وامتداد نفسه" ما يشعرك بأنه يضع هذا النحو من الكلام في باب الإطناب.
ومما أسلفناه لك عما جاء من الاعتراض في خصائص ابن جنى، يمكن أن تضع تصوراً للاعتراض عند ابن جنى من الناحية البلاغية، وهو كما يلي
١ - أن الاعتراض قد جاء كثيراً عن العرب في شعرهم، ونثرهم، كما أنه قد ورد في القرآن الكريم.
٢ - أنه أسلوب حسن، يدل على فصاحة المتكلم، وقوة نفسه، وامتداد نفسه.
٣ - أنه يجري عند العرب مجرى التأكيد.
٤ - أن الجملة أو الجمل المعترضة يشترط فيها أن لا يكون لها محل من الإعراب.
٥ - أنه يأتي بين الفعل والفاعل، وبين الفعل والمفعول، وبين
стр. 102
المفعول الأول والثاني وبين المبتدأ والخبر، وبين اسم إن وخبرها، وبين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف.
٦ - أن ابن جنى يعده من باب الإطناب؛ بدليل قوله: ودال على فصاحة المتكلم "وقوة نفسه، وامتداد نفسه"
إفادة البلاغيين من هذا الباب:
يعد أبو هلال العسكري معاصر ابن جنى، الاعتراض نوعاً من أنواع البديع؛ ويعرفه بأنه اعتراض كلام في كلام لم يتم؛ ثم يرجع إليه ليتمه (١) وتابعه أسامة ابن منقذ، فجعله باباً من أبواب البديع (٢).
ولكن ابن الأثير يعده النوع الثامن عشر من المقالة الثانية في الصناعة المعنوية (٣)؛ ويجيء به بعد الإطناب والتكرير، مما يدلك على أنه ينحو به نحو الإطناب، والإطناب من علم المعاني ولكنه جعله شاملاً للمفرد، والجملة وقسمه إلى قسمين:
القسم الأول: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة، وهو جار مجرى التوكيد والآخر هو: ما يأتي في الكلام لغير فائدة.
والقسم الأول هو ما أورده ابن جنى في كتابه، وأنت تشعر بأن ابن الأثير يقصد هذا لأمرين:
أولهما: أن عبارة: وهو جار مجرى التوكيد، مأخوذة من قول ابن جنى: وهو جار عند العرب مجرى التوكيد
стр. 103
والآخر: أنه يمثل له مما مثل له ابن جنى، وهو قول الله تعالى، "فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون" ثم يقول: ففي هذا الكلام اعتراضان: أحدهما: هو قوله: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وذلك اعتراض بين القسم الذي هو: فلا أقسم بمواقع النجوم، وجوابه الذي هو: إنه لقرآن كريم، وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو (قسم) وبين صفته التي هي، (عظيم) وهو قوله: لو تعلمون، فذلك اعتراضان كما ترى (١).
وقد عرف الخطيب الاعتراض بقوله هو أن يؤتى في أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر، لا محل لهما من الإعراب، لنكتة سوى دفع الإيهام، كالتنزيه والتعظيم، وكالدعاء، وكالتنبيه، ثم مثل بالآيات الكريمة السابقة لما جاء في الاعتراض بأكثر من جملة (٢).
стр. 104
التشبيه
جاء حديث التشبيه عند ابن جنى في الخصائص - من خلال حديثه عن أصول اللغة، ونحوها، ويمكن أن نستشف، نظرته للتشبيه من خلال الأبواب التالية:
١ - باب في إصلاح اللفظ، ويمكن أن نتبين منه: سر قوة التشبيه بأداته: (كأن).
٢ - باب في الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف، وفيه ذكر لبعض ما أسماه المتأخرون تشبيهاً بليغاً.
٣ - باب من غلبه الفروع على الأصول؛ وفيه ذكر لأمرين:
أولهما: التشبيه المقلوب.
والآخر: أن العرب إذا شبهت شيئاً بشيء مكنت للشبه بينهما بإعطاء المشبه به شيئاً من المشبه.
٤ - باب في التجريد:
وقد تضمنت تلك الأبواب - كما أسلفنا - بيان السر في قوة التشبيه بأداته (كأن) كما تضمنت ثلاث صور من صور التشبيه، هي: التشبيه البليغ، والتشبيه المقلوب، والتجريد الغائم على التشبيه، وهو صورة من صور التشبيه على حد المبالغة عند عبد القاهر الجرجاني، ولنستعرضها معاً، في شيء من التفصيل:
стр. 105
١ - السر في قوة التشبيه بأداته: (كأن):
يعرض ابن جنى لهذا الموضوع بفلسفة في النظم لا نجدها عند غيره ممن سبقه من البلاغيين بل لعلها كانت نور هداية لمن أتى بعدهم؛ في معرفة الكثير من أسرار النظم؛ واستنطاق ما أنبهم من خفايا التراكيب.
فهو يبدأ ببيان السر في أن العرب قد عنيت بألفاظها؛ فأولتها صدراً صالحاً من تثقيفها. وإصلاحها؛ وهو: أن الألفاظ أزمة للمعاني، وأدلة عليها، وموصلة إليها، ومحصلة للمراد منها.
وفي خلال أمثلته التي يوردها دليلاً على عنايتهم بإصلاح اللفظ؛ يذكر أن من إصلاحهم للفظ قولهم: (كأن زيداً عمرو)؛ ويذكر أن أصل هذا الكلام: (زيد كعمرو)؛ ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه؛ فقدموا حرفه إلى أول الكلام؛ عناية به، وإعلاماً أن عقد الكلام عليه، فلما تقدمت الكاف، وهي جارة، لم يجز إن تباشر (إن)؛ لأنها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل؛ فوجب لذلك فتحها، فقالوا: كأن زيداً عمرواً (١).
إفادة عبد القاهر من تلك المسألة:
ولقد أفاد عبد القاهر الجرجاني من تلك المسألة البلاغية التي مثل بها ابن جنى، وجعلها دليلاً على عناية العرب بإصلاح اللفظ، إفادة كبيرة؛ فلقد أطلق على ما أسماه ابن جنى: إصلاح اللفظ. عبارة التوخي في نظم اللفظ، وترتيبه، وبين على هدى مما قاله ابن جنى؛ في (زيد كعمرو) و (كأن زيداً عمرو) - أنه لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى"
стр. 106
حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد؛ فتقول: (زيد كالأسد)؛ ثم تريد هذا المعنى بعينه، فتقول: (كأن زيداً الأسد)، فتفيد تشبيهه - أيضاً - بالأسد، إلا أنك تريد في معنى تشبيهه به زيادة، لم تكن في الأول، وهي أن تجعله؛ من فرط شجاعته، وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي!
ثم يستنتج عبد القاهر من هذا الفرق، الذي أتى به ابن جنى أيضاً، من قولهم: (زيد كعمرو) و (كأن زيداً عمرو)، أنه ليس إلا بما توحي النظم اللفظ وترتيبه - وهو ما سماه ابن جنى إصلاح اللفظ - حيث قدمت الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع إن.
ثم يطلب منا بعد استنتاجه هذا، إن نجعله العبرة في الكلام كله، وأن نروض أنفسنا عليه قائلاً: وإذا لم يكن إلى الشك سبيل، أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله، ورض نفسك على تفهم ذلك، وتتبيعه" واجعل فيها: أنك تزاول منه أمراً، عظيماً، لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره (١).
ثم يأتي عبد القاهر بتلك المسألة - أيضاً - في موضع آخر، شاهداً على أنه إذا تغير النظم تغير المعنى، فيقول: فأما إذا تغير النظم، فلابد - حينئذ - من أن يتغير المعنى - على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: (إن زيداً كالأسد، وكأن زيداً الأسد) لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير
стр. 107
النظم فقط، وأما فتحك (أن) عند تقديم الكاف، وكانت مكسورة، فلا اعتداد بها، لأن معنى الكسر باق بحاله (١).
ثم يطلق على الفروق التي تجدها بين نظم ونظم، اسم المزايا أو الخصائص، فيذكر أن السبب في أن أحالوا، في أشباه هذه المحاسن التي ذكرها، على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني: بل هي زيادات فيها وخصائص؛ ألا ترى، إن ليست المزية التي تجدها لقولك: (كأن زيداً الأسد) على قولك (زيد كالأسد) شيئاً خارجاً عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه، وفي حكم الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما صورة الخاتم، ويفترقان بخاصية، وشيء، يعلم أنه لا يعمل منفرداً، ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا، اسم المعاني على هذه الخصائص، إذ لا يفترق الحال - حينئذ - بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى، وكيفية له، وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافاً له من حيث هو لفظ" (٢).
٢ - التشبيه البليغ:
في استطاعتنا، أن نتبين هذه الصورة، من صور التشبيه - وهي الصورة التي أطلق عليها عبد القاهر: التشبيه على حد المبالغة، وأطلق عليها المتأخرون: مصطلح التشبيه البليغ - من خلال حديث ابن جنى عن
стр. 108
"استخلاص معاني الأوصاف من الأعلام"، فقد قال فيه: ومن ذلك: ما أنشدناه، أبو علي ﵀ من قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس على حبي بضؤلان
أنشدنيه ﵀ ونحن في دار الملك، وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو: (بعض الأحيان) فخضنا فيه؛ إلى أن برد في اليد، من جهته أنه يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف - على هذا - معنى التشبيه أي: أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان.
والآخر: أن يكون قد عرف من أبي المنهال، هذا الغناء، والنجدة، فإذا ذكر فكأنه ذكراً، فيصير معناه إلى أنه، كأنه قال: أنا المغنى، في بعض الأحوال، أو: أنا النجد في بعض تلك الأوقات، أفلا ترى، كيف انتزعت من العلم الذي هو (أبو المنهال) معنى الصفة والفعلية؟
ثم قال: رقد مر بهذا الوضع: الطائي الكبير، فأحسن فيه، واستوفى معناه، فقال:
فلا تحسبا هنداً، لها الغدر وحدها ... سجيه نفس، كل غانية هند!
فقوله: (كل غانية هند) متناه في معناه، وآخذ لأقصى مداه، ألا ترى أنه كأنه قال؛ كل غانية غادرة، أو قاطعة، أو خائنة، أو نحو ذلك؟ ! .
ومنه قول الآخر:
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا
стр. 109
أي: إذا شبعوا، تعادوا، وتغادروا، لأن بكراً هكذا فعلها.
ثم قال ابن جنى: ونحو من هذا - وإن لم يكن الاسم المقول عليه علماً - قول الآخر:
ما أمك اجتاحت المنايا ... كل فؤاد عليك أم!
كأنه قال: كل فؤاد عليك حزين أو كئيب، إذ كانت الأم هكذا غالب أمرها لاسيما مع المصيبة وعند نزول الشدة.
ومن العلم - أيضاً - قوله:
أنا أبو بردة إذ جد الوهل
أي: أنا المغنى، والمجدي عند اشتداد الأمر" (١).
وهكذا نرى أن ابن جنى كان يسأل أبا علي الفارسي في مسألة نحوية بحتة، تمثلت في البحث عن متعلق للظرف في قوله: (أنا أبو المنهال بعض الأحيان). وأن أبا علي الفارسي قد نكر مع ابن جنى في هذه المسألة إلى أن وجد أبو علي أنه يحتمل تفسيرين:
أولهما: أن يكون قصده: أنا مثل أبي المنهال، أي أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان.
والآخر: أن يكون قصده: أنا المغنى في بعض الأحوال، وأنا النجد في بعض تلك الأوقات، لأنه قد عرف عن أبي المنهال ذلك الغناء، وتلك النجدة.
стр. 110
وسواء كان المعنى: أنا أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان، أو كان المعنى: أنا المغنى في بعض الأحوال، فإن الأمر لا يعدو أن يكون تشبيهاً على حد المبالغة كما يقول عبد القاهر، أو تشبيهاً بليغاً على حد تعبير المتأخرين.
فقوله: (كل غانية هند) يقول ابن جنى في معناها: "كل غانية غادرة، أو قاطعة، أو خائنة، أو نحو ذلك، وهذا مساو لقولنا: كل غانية مثل هند في غدرها، أو قطيعتها، أو خيانتها، وإلا لما أخبر عن كل غانية بأنها هند.
وهكذا يقال في: (والناس كلهم بكر إذا شبعوا)، وقوله: (كل فؤاد عليك أم) وقوله: (أنا أبو بردة).
فقول ابن جنى في "والناس كلهم بكر إذا شبعوا": أي: إذا شبعوا تعادوا وتغادروا، لأن بكراً هذا فعلها، مساو لقولنا: والناس كلهم إذا شبعوا مثل بكر في تعاديها، وتغادرها، وقوله في: "كل فؤاد عليك أم" أي: كل فؤاد عليك حزين، أو كئيب، مساو لقولنا: كل فؤاد حزين عليك كالأم عند المصيبة، أو نزول الشدة، وقوله في "أنا أبو بردة إذ جد الوهل" أي: أنا المغنى والمجدي عند اشتداد الأمر، مساو لقولنا: أنا مثل أبي بردة في غنائه عند اشتداد الأمر.
ويزيد الإمام عبد القاهر هذه النقطة وضوحاً، بأن الاسم إذا كان مجتلباً لإثبات معناه، أو نفيه؛ بأن كان خبراً عن مبتدأ، أو منزلاً منزلة الخبر، بأن كان خبراً لكان، أو مفعولاً ثانياً لباب علمت، ويكون - أيضاً - حالاً، فإنه في هذه الحال يكون إما لإثبات وصف هو مشتق منه لذلك المبتدأ، كالانطلاق في قولك (زيد منطلق) أو لإثبات جنسية هو موضوع لها، كقولك: هذا رجل، فإذا امتنع في قولنا: (زيد أسد)