← Баляга

Баляга · id 151016

دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي والجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (183 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقول عبد القاهر: (قولهم، إن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ) إشارة واضحة - أيضاً - إلى قول القاضي عبد الجبار: (فإن قال قائل: فقد قلتم: إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني - وإن كان لا بد منها - فلا تظهر فيها المزية، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد، يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق، على أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عنده الألفاظ التي يعبر بها عنها) (١). ٣ - أن قول عبد الجبار: (ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق) (٢) في مجال محاولته إثباب المزية - في الفصاحة - للألفاظ، قد أشار إليه عبد القاهر، في فصل من الدلائل مطول، ورأى أن هذا القول هو أصل الفساد، ومعظم الآفة، والذي صار حجازاً بين القوم وبين التأمل". وذلك هو قولهم: إن العقلاء قد اتفقوا على أنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، وذلك كما قالوا - يقتضي أن يكون للفظ نصيب في المزية، لأنها لو كانت مقصورة على المعنى، لكان محالاً أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر مع أن المعبر عنه واحد". ثم تأكيدهم له بأنه: لولا أن الأمر كذلك لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشعر فضل على تفسير المفسر له، لأنه إن كان اللفظ إنما يشرف

стр. 107

من أجل معناه، فإن لفظ المفسر يأتي على المعنى ويؤديه لا محالة - وإذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشعر، لزم مثله في الآية من القرآن الكريم! ويجيب عبد القاهر: بأن القول بأنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين يحتمل أمرين: أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل: "الليث" و"الأسد" ومثل: "شحط" و"بعد" وغير ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى. والثاني. أن تريد: كلامين، فإن أردت الأول: فقد خرجت عن المسألة، لأن كلامنا نحن (في فصاحة) تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، فعليك أن تعلم: أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحلي، كالخاتم، والشنف، والسوار؛ فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلاً ساذجاً، لم يعمل فيه صانعه شيئاً، وأن يكون مصنوعاً بديعاً، قد أغرب صانعه فيه، كذلك سبيل المعاني. أن ترى الواحد منها غفلاً ساذجاً، عامياً، موجوداً في كلام الناس كلهم، ثم تراه نفسه، وقد عمد إليه البصير بشأن البلاغة وإحداث الصور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصنع الحاذق، حتى يغرب في الصنعة ويدق في العمل، ويبدع في الصياغة، وذلك: كأن تقول في قول الناس: (الطبع لا يتغير) و (لست تستطيع أن تخرج الإنسان عما جبل عليه) فترى معنى غفلاً عامياً معروفاً، في كل جيل وأمه، فإذا نظرت إليه في قول أبي الطيب: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل

стр. 108

وجدته قد خرج في أحسن صورة؛ وتراه قد تحول جوهرة، بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء بعد أن لم يكن شيئاً. فقول العقلاء: إنه يصح أن يعبر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحاً، والآخر غير فصيح، يريدون به: أنه يصح أن تكون ههنا عبارتان: أصل المعنى فيهما واحد، ثم يكون لأحدهما - في تحسين ذلك المعنى، وتزيينه، وإحداث خصوصية فيه - تأثير لا يكون للأخرى (١). ٤ - أن ذلك القول - وهو أن المزية في الفصاحة ترجع إلى اللفظ، لا إلى المعنى قد صدر عن قوم لهم نباهة، وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم، غير ذلك العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا، وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، فصار ترك النظر فيه سنة، والتقليد ديناً، وهذا القول. منطبق على القاضي عبد الجبار، وأتباعه من المعتزلة، من النباهة، والصيت، وعلو المنزلة، فقد كان القاضي عبد الجبار، قد انتهت إليه الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها، وعالمها غير مدافع، وصار الاعتماد على كتبه التي نسخت كتب من تقدمه (٢). بل إن عبد القاهر نفسه يشير إشارة واضحة إلى هؤلاء القوم - أي المعتزلة ورئيسهم القاضي عبد الجبار - بأنهم هم الذين سلموا بأن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات وأنها إنما تكون فيها؛ إذا انضم بعضها إلى بعض قائلاً: (وكيف لا يكون في إسار الأخذة ومحولاً بينه وبين الفكرة ومن يسلم أن الفصاحة لا تكون في إفراد الكلمات، وأنها إنما

стр. 109

تكون فيها إذا انضم بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفاً لها من أجل معانيها، لا من أجل نفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؛ ذلك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة، أن المعنى في ضم بعضها إلى بعض (هو) تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق ببعضها في إثر بعض، من غير أن يكون فيما بينهما تعلق، ويعلم - كذلك، ضرورة - إذا فكر - أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها (١).

стр. 110

٢ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم عرفت أن المناطقة ومن شايعهم ممن أعجبوا بالمنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، قد اعتقدوا أن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والشك من اليقين، والصدق من الكذب "وأنه لا جدوى من التعمق في علم النحو، بل يكفي منه معرفة القليل؛ مما لا يتعدى صحة الكلام؛ من الرفع، والنصب: والجر، وهكذا، وأن متى بن يونس المنطقي قد ذكر هذا، أمام أبي سعيد السيرافي، وأن أبا سعيد السيرافي قد أفحمه، وأسكته في المناظرة الشهيرة التي جرت بينهما في مجلس الوزير أبي الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير المقتدر الخليفة العباسي وقد تركز الحديث في تلك المناظرة حول ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه هل هو المنطق أو النحو؟ وقد رأى متى بن يونس أن المنطق هو الذي يعرف به هذا وشبهه بالميزان، الذي يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح. ولكن أبا سعيد السيرافي قد خطأه في هذا، ورأى أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، إذا كنا نتكلم باللغة العربية، وأن فاسد المعنى من صالحه، إنما يعرف بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل. واستمع إلى ما قاله كل منهما في تلك المناظرة حول هذا المعنى: قال أبو سعيد السيرافي: (حدثني عن المنطق، ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك: في قبول صوابه، ورد خطئه على سنن مرضى، وطريقة معروفة.

стр. 111

قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام؛ يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح. فقال أبو سعيد: أخطأت؛ لأن صحيح الكلام من سقيمه، يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف - إذا كنا نتكلم بالعربية - وفاسد المعنى من صالحه بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل). وقد وردت في هذا الجزء من المناظرة المعاني التالية: ١ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم، والإعراب. ٢ - النظم والإعراب كالميزان، يعرف بهما الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح. ٣ - فاسد المعنى من صالحه، يعرف بالعقل. وقد رد عبد القاهر الجرجاني، على تلك الطائفة، في أول الدلائل - مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي، بأن زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، يشبه أن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، وهم - مع ذلك - لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه، لأن الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب مفتاحها والأغراض كامنة فيها، وهو المستخرج لها، فهو المعيار الذي لا يتبين نقضان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه: يقول عند القاهر - في أول الدلائل - وهو يرد على تلك الطائفة مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي:

стр. 112

"وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، ذلك لأنهم لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها وأن الأغراض كامنة فيها، حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط - في الحقائق - نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستسقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص، والكمال لها معرض، وآثر الغبينة. وهو يجد إلى الربح سبيلاً (١). ثم يقول " ... فدعوا ذلك. وانظروا في الذي اعترفتم بصحته، وبالحاجة إليه (وهو علم النحو) وهل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ وهل وفيتم كل باب منه حقه وأحكمتوه إحكاماً يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟ ، وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره؛ فتعلموا أنه يكون مفرداً، وجملة، وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميراً له، وإلى ما لا يحتمل الضمير. وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب واحداً واحداً، ويسألوا

стр. 113

عنها باباً، باباً ثم يقال، ليس إلا أحد الأمرين: إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى، وفي خبر رسول الله ﷺ وفي معرفة الكلام جملة .. وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه؛ فترجعوا، إلى الحق، وتسلموا الفضل لأهله" (١). وقد وردت المعاني التالية - في رد عبد القاهر على تلك الطائفة: ١ - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالإعراب. ٢ - الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب هو الذي يفتحها، والأغراض كامنة فيها، والإعراب هو المستخرج لها. ٣ - الإعراب - في نظر عبد القاهر - هو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه. وأنت تلاحظ الصلة الوثيقة بين كل من كلام أبي سعيد السيرافي، وكلام عبد القاهر الجرجاني، فقد عبر أبو سعيد السيرافي عن الإعراب بالميزان، وعبر عنه عبد القاهر، بالمعيار، والمعيار هو الميزان، كما عبر عنه - أيضاً - بالمقياس، وقد اتفقا على أن الإعراب يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، كما يعرف به النقصان من الرجحان. كما أنك تلاحظ: أن الموضع الذي ورد فيه كلام أبي سعيد، هو أول المناظرة، وأن الموضع الذي ورد فيه كلام عبد القاهر هو: أول الدلائل، وكأن عبد القاهر، قد أراد أن يسير في كتابه هذا سير المناظر؛ فوضع نفسه موضع أبي سعيد السيرافي، وبدأ بأول شيء جاء على لسان متى بن

стр. 114

يونس وامتد إلى أتباعه المنطقين من بعده، وهو: أن المنطق يعرف به صحيح الكلام من سقيمه؛ وبين لهم أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالإعراب، إذ هو المعيار الذي يتبين به النقصان من الرجحان، والمقياس الذي يتبين به الصحيح من السقيم. ولهذا كان تأليف "الدلائل" غير تأليف "الأسرار" ففي الأسرار يتبع عبد القاهر المنهج الموضوعي الذي يرتب الأفكار في خطة يقدمها بين يدي بحثه، ثم يبحثها بحثاً متأنياً هادئاً، ولكنه في الدلائل يجرى على سنن المنظرة؛ فيكثر من قوله: (فإن قلتم كذا) (قلنا كذا) بأسلوب يتوقد حماساً وغيرة على فكرته التي آمن بها: وهي أن النظم هو تنبع معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام. وهكذا تجد أنك قد عثرت على أول خيط يربط بين "دلائل الإعجاز" ومناظرة أبي سعيد السيرافي - وإن كان عبد القاهر لم يذكر أبا سعيد السيرافي ضمن من أفاد منهم، حتى لا يعرف فضل أبي سعيد على عبد القاهر، وحتى تسلم له النظرية، ويذكر - وحده - بالفضل!

стр. 115

٣ - المدخل إلى دلائل الإعجاز ألف عبد القاهر الجرجاني "كتيباً" صغيراً في عدة صفحات بعد أن انتهى من تأليف كتابه "دلائل الإعجاز"؛ وأسماه: "المدخل إلى دلائل الإعجاز"؛ وواضح من تسميته: أنه أراد به أن يهيئ القارئ لكي يفهم دلائل الإعجاز؛ وأن يعطيه فكرة موجزة عن نظرية النظم التي أدار عليها هذا الكتاب، وهو صنيع تأثر فيه - أيضاً - بأبي سعيد السيرافي؛ فقد ألف السيرافي كتاباً أسماه: (المدخل إلى كتاب سيبويه). ولما كان "المدخل إلى دلائل الإعجاز" قائماً على إعطاء القارئ فكرة موجزة عن نظرية النظم التي وجدها في مناظرة أبي سعيد؛ فقد وجد في المناظرة - أيضاً - مفاتيح تلك النظرية؛ وهي أن اللغة مكونة من الاسم، والفعل، والحرف وأن المتكلم بها محتاج إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها؛ وذلك عندما قال يونس بن متى لأبي سعيد السيرافي: (يكفيني من لغتكم هذه، الاسم، والفعل، والحرف .. ورد عليه أبو سعيد بقوله: (أخطأت؛ لأنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف "ففير إلى رصفها، وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، وكذلك أنت محتاج - بعد هذا - إلى حركات هذه الأسماء، والأفعال، والحروف، فإن الخطأ والتحريف في الحركات، كالخطأ والفساد في المتحركات). فهم عبد القاهر من هذا الكلام: أن المتكلم إذا أراد أن ينظم كلاماً - وهو مكون من الاسم، والفعل، والحرف - فلا بد له

стр. 116

من تعليق الكلم بعضها ببعض، مع ملاحظة صحة الكلام من ناحية الإعراب، بحيث يكون الاسم مثلاً: واقعاً مبتدأ، أو خبراً أو فاعلاً، أو مفعولاً، فيلاحظ حركة الرفع والنصب، ويكون الفعل محتاجاً إلى فاعل، أو فاعل ومفعول، أو يكون متعلقاً بما قبله، بأن يكون خبراً، أو صفة، أو حالاً ويكون الحرف - كذلك - متعلقاً بما قبله وما بعده، بأن يكون رابطاً بين اسمين أو فعلين، وهكذا. فلا بد من أن تكون هناك علاقات تربط بين الاسم والفعل والحرف. في رصف اللغة وبنائها على حسب ترتيبها الواقع في غرائز أهلها، لأنه إذا لم توجد مثل هذه العلاقات، لا يكون بناء، ولا رصف على حسب الترتيب الواقع في النفس. ومن هنا وجد عبد القاهر الفرصة لتطوير فكرة كتابه "العوامل المائة" في النحو والذي كان قد ألفه قبل الدلائل وكان عوناً له على إيضاح نظرية النظم القائمة على توخي معاني النحو فيما بين الكلم: وقد حاول عبد القاهر - من خلال "دلائل الإعجاز" - أن يتدرج بقارئه لإفهامه معنى تعلق الكلم بعضها ببعض على النحو التالي: أولاً: أن معنى ضم الكلم بعضها إلى بعض لا يعني أن ينطق بعضها في إثر بعض من غير أن يكون فيما بينها تعلق بل فلا بد من تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. ثانياً: أن التعلق يكون فيما بين معاني الكلم، لا فيما بينها أنفسها، ولهذا انقسمت الكلم إلى قسمين: مؤتلف "وهو الاسم مع الاسم والاسم مع الفعل. وغير مؤتلف وهو: ما عدا ذلك، كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف.

стр. 117

ثالثاً: أن العلاقات بين معاني الكلم - حين يضم بعضها إلى بعض - هي معاني النحو، لأنه "لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفراداً ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم، ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر، في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه، وجعله فاعلاً له، أو مفعولاً، أو يريد منه حكماً سوى ذلك من الأحكام مثل: أن يريد جعله مبتدأ، أو خبراً، أو صفة، أو حالاً، أو ما شاكل ذلك. ولهذا فإنك إذا عمدت إلى أي كلام، وأزلت عنه تلك العلاقات، لم يصبح كلاماً، كما إذا قلت في (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)، (من نبك قفاً، حبيب، ذكرى، منزل) فإنه يخرج من كمال البيان إلى محال الهذيان! رابعاً: أننا إذا تأملنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ، من تقديم شيء منها على شيء إنما يقع في النفس أنه نسق مخصوص، إذا اعتبرنا ما توخى فيها من معاني النحو، لأنك لو فرضت في قوله: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) أن لا يكون (نبك) جواباً للأمر، ولا يكون معدى بمن إلى (ذكرى) ولا يكون (ذكرى) مضافة إلى (حبيب) ولا يكون (منزل) معطوفاً بالواو على حبيب، لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون نسقاً، لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء ونسقاً، وترتيباً، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب أن يقدم هذا، ويؤخر ذاك. خامساً: أنه لا يتصور أن يقع منك قصد، إلى معنى كلمة دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى، لأنه من المعلوم. أنك لا تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها، فلا تقول. (خرج زيد) لتعلمه معنى (خرج) في اللغة ومعنى (زيد) فيها.

стр. 118

وليس معنى هذا، أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلاً، وإنما يريد: أنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، لأنك إذا فكرت في الفعلين، أو الاسمين، تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء، أيهما أولى أن تخبر به عنه، وأشبه بغرضك؟ مثل: أن تنظر أيهما أمدح أو أذم، وفكرت في الشيئين، تريد أن تشبه الشيء بأحدهما: أيهما أشبه به، كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا أن فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها من معاني النحو وهو: أن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبراً عن شيء أردت فيه مدحاً، أو ذماً. أو تشبيهاً أو غير ذلك من الأغراض، ولم تجئ إلى فعل، أو اسم، ففكرت فيه فرداً، ومن غير أن لك قصداً أن تجعله خبراً، أو غير خبر. ولهذا: لم يكن الفعل وحده دون الاسم، ولا الاسم وحده دون اسم آخر، أو فعل كلاماً، وكنت لو قلت: خرج، ولم تأت باسم. ولا قدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: زيد، ولم تأت بفعل ولا سم آخر، ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتاً تصوته سواء. قال عبد القاهر - مفسراً معنى النظم - ومتأثراً بفكرة أبي سعيد السيرافي، في كيفية نظم الاسم، والفعل، والحرف: "معلوم أن ليس النظم سوى تعلق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض. والكلم ثلاث: اسم، وفعل، وحرف، وللتعلق فيما بينها طرق معلومة وهو لا يعدو ثلاثة أقسام تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل، وتعلق حرف بهما. ثم ذكو كيفية التعلق في كل قسم من هذه الأقسام، إلى أن قال:

стр. 119

ومختصر الأمر: أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند، ومسند إليه، وكذلك السبيل في الحرف رأيته يدخل في جملة، كإن وأخواتها: ألا ترى أنك إذا قلت. (كأن) يقتضي مشبهاً، ومشبهاً به، كقولك: كأن زيداً الأسد. وكذلك إذا قلت: (لو) و (لولا) وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جواباً للأولى؟ ثم هو لا يتركنا إلا بعد أن يبين أن تلك الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض: إنما هي معاني النحو وأحكامه. و(معاني النحو) هي التي أطلقها أبو سعيد السيرافي، وقال: إنها بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك: وكلام أبي سعيد يفهم منه أن حركات اللفظ تشمل: الاسم والفعل ومن عبارة: "وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها" يأتي: الحرف، ولهذا قسم عبد القاهر في "المذخل" الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، ثم بين وجوه التعلق فيما بينها.

стр. 120

٤ - خطوات عملية النظم عندما قال أبو سعيد السيرافي لمتى بن يونس - وقد قال له: يكفيني من لغتكم هذه: الاسم والفعل والحرف -: "أخطأت، لأنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف فقير إلى رصفها "أي الأسماء والأفعال، والحروف" وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها" كان يقصد أن ترتيب الألفاظ ترتيب من نوع خاص بحيث لا يكون ترتيباً ظاهرياً، أو شكلياً، وإنما يكون ترتيباً تراعي فيه العلاقات النحوية، على حسب ترتيبها في طبائع أهلها، أو في نفوسهم، ومعنى هذا: أن عملية الترتيب كانت تتم في طبائع القوم، أو غرائزهم، أو نفوسهم، ثم تأتي عملية الترتيب في النطق على هذا الترتيب الواقع في النفس. وقد قرأ عبد القاهر الجرجاني هذا القول - وهو الألمعي الذكي الفذ الذي تكشف له خبايا المعاني من خلال قراءته لكتب السابقين - فرأى هو الآخر: أن عملية النظم إنما هي في ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس. ولم يشأ أبو سعيد السيرافي أن يترك هذا المعنى الذي ألمح إليه؛ أي رصف الألفاظ وبناؤها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، دون أن يؤكده مرة أخرى، عندما قال لمتى بن يونس: "وإذا قال لك آخر، كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً، فإنما يريد، افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك"، لأنه لا معنى لأن يفهم الإنسان عن نفسه ما يقول، إلا أن يريد قوله في نفسه أولاً، فإن كان ما قاله في نفسه مفهوماً ويمكن أن يفهمه الآخرون فإنه حينئذ يحاول أن يفهم غيره ممن يريد الإفضاء بحديث إليهم. كما أنه لا معنى لقوله "ثم رم أن يفهم عنك غيرك، إلا أن يرتب

стр. 121

ألفاظه في النطق على حسب ترتيب معانيها في نفسه، وهو يفضي بحديثه إلى غيره. على أن عملية النظم هذه، لا بد أن تسبقها مقدمات تجعل من النظم عملية نحوية، لغوية، تجعل المعنى في ذهن السامع واضحاً جلياً، مؤدياً للغرض من إنشائه، مبيناً عن الأغراض، والمقاصد، والمعاني التي يقصدها الشعراء والأدباء، على حد سواء؛ فما معنى أن تكون نحوياً، لغوياً، فصيحاً؟ ولئن كان أبو سعيد السيرافي قد أجمل في عبارته السالفة (أفهم عن نفسك ما تقول ثم رم أن يفهم عنك غيرك) فإن تفصيل ذلك يمكن أن يفهم من السؤال الذي افترض، أبو سعيد أن سائلاً قد سأله. ذلك لأن معنى قوله "نحوياً" أن تجري في كلامك على حسب قواعد النحو، وبمعنى آخر: هو: أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام. ومعنى قوله: "لغوياً فصيحاً" أن تنتقي الكلمات الخالية من عيوب اللفظ، بأن تكون مألوفة الاستعمال خفيفة على النطق، ملائمة للمعنى الذي جاءت من أجله مشاكلة في معانيها لمعاني جاراتها مؤانسة لأخواتها، دالة على المعاني، والمقاصد والأعراض التي اجتلبت من أجل الإفصاح عنها، والإبانة عن خفاياها. ولهذا فإن عبد القاهر قد تدرج بعملية النظم كما تدرج أبو سعيد السيرافي، وسار بها على هذ النحو: أولاً: لا تفاضيل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولهما

стр. 122

في نظم الكلام، ولهذا فإنه يجب أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصبر إلى الصورة التي بها يكون الكلام خبراً، أو إنشاء، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها بضم كلمة، وبناء لفظة على أخرى، لأنه لا يتصور أن يكون لإحدى اللفظتين تفاضل في الدلالة، قبل دخولها في التأليف، بأن تكون كلمة أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها - على ما وسمت به - كأن يقال: إن (رجلاً) - مثلاً - أدل على معناه من (فرس) على ما سمي به، ولا أن يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون أحدهما أحسن نبأ عنه، وأبين كشفاً عن صورته من الآخر، كما أنه لا يقع في الوهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون إحداهما مألوفة مستعملة، والأخرى غريبة، أو أن تكون هذه أخف نطقاً من تلك. ولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها. فلا تفاضل بين كلمة وأخرى - في الدلالة على المعنى - قبل دخولهما في التأليف، لأن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة والمزية إذا لامعت معانيها معاني التي تليها. والدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. ثانياً: ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس:

стр. 123

هناك فرق بين نظم الحروف، ونظم الكمات، لأن نظم الحروف هو: تواليها في النطق فقط، دون أن يكون هناك معنى اقتضى هذا النظم، ولا أن يكون ناظمها قد تحرى رسماً من العقل في نظمها، أما نظم الكلمات: فإن الأمر فيها ليس كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتيبها في النفس، فهو نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق! فإذا ما عرفت الفرق بين نظم الحروف، ونظم الكلمات على هذا النحو، عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلمات، أن توالت ألفاظها في النطق، ولكن أن تناسقت وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل. ثم ينبه عبد القاهر إلى أن الثمرة التي يخرج بها من هذا الفصل تتمثل فيما يلي: ١ - لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما أنه لا يتصور أن تتوخى في الألفاظ، من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً. ٢ - عليك أن تتوخى الترتيب في المعاني، وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها. ٣ - إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك، ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها، لأن الألفاظ خدم للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها.

стр. 124

٤ - العلم بمواقع: المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق. ثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض: وهذه المرحلة الثالثة من مراحل عملية بناء النظم في فكر المتكلم - وهي وضع اللبنات الأساسية لعملية النظم، - يبدأ بها الإمام عبد القاهر في بيان كيفية بناء النظم على أساس من قواعد النحو المعروفة. فإذا كنت قد نظرت في الكلمات، واخترتها اختياراً موفقاً، بحيث تكون ملائمة لمعانيها التي هي بها أخص. وأعملت فكرك ورويتك في المعاني التي تريدها لنظم كلامك، فرتبتها في نفسك ترتيباً موفقاً، فترتبت لك ألفاظها على حسب ترتيبها في نفسك، فما عليك إلا أن تربط هذه الألفاظ برباط النظم، وما هو إلا أن تعلق بعضها ببعض، وتبنى بعضها على بعض. ومعنى هذا: أن تعمد إلى اسم، فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم اسماً، على أن يكون صفة للأول، أو توكيداً له، أو بدلاً منه، أو تجئ باسم بعد تمام كلامك، على أن يكون صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى، أن يصير نفياً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك. أو تريد في فعلين، أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر، فتجئ بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف. وعلى هذا القياس.

стр. 125

رابعاً: المزية في النظم للمعنى وليست للفظ ويشمر عبد القاهر عن شاهد الجد في الرد على من يرجعون المزية إلى الألفاظ، مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، فيقول: إنه إذا ما ادعى أحد بأن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي، وتعديل مزاج الحروف حتى لا تتلاقى حروف في النطق تثقل على اللسان زاعماً: أن الكلام في ذلك طبقات: فمنه المتناهي في الثقل، ومنه ما هو أخف منه، ومنه ما فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ ما يعاب من الكلام، وأن الكلام إذا خلا منه، وصفاً مما يشوبه، كان الفصيح المشاد به، وأن الصفاء أيضاً يكون على مراتب، يعلو بعضها بعضاً وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز، فإن الذي يبطل هذه الشبهة - إن ذهب إليها ذاهب - أننا إذا قصر ناصفة الفصاحة على هذه الصفات، لزم أن تخرج الفصاحة من حيز البلاغة. وإذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين؛ إما أن تجعلها العمدة في المفاضلة بين العبارتين، وإما أن نجعلها أحد ما تفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام. فإن أخذنا بالأول: لزمنا أن نقصر الفضيلة عليها حتى لا يكون إعجاز إلا بها. وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى، لأنه يؤدي إلى إخراج البلاغة من حيز الإعجاز؛ لأن ذلك يخرج المعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من ١ - وضوح الدلالة وصواب الإشارة. ٢ - تصحيح الأقسام. ٣ - حسن الترتيب والنظام. ٤ - الإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل. ٥ - الإجمال ثم التفصيل. ٦ - وضع الفصل والوصل موضعهما. (٩ - دلائل الإعجاز)

стр. 126

٧ - الحذف. ... ٨ - التأكيد. ٩ - التقديم والتأخير. لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف. وإن جعلنا الفصاحة أحد ما تفاضل به، ووجهاً من الوجوه التي تقتضي المفاضلة بين كلام وكلام، لم يكن لهذا الخلاف ضرر، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى الفصاحة، فنخرجها من حيز البلاغة والبيان، وأن تكون نظيرة لهما، أو تجعلها اسماً مشتركاً، يقع تارة لما يقع له تلك، وتارة أخرى لما يرجع إلى اللفظ مما يثقل على اللسان، وليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده. ويمضي عبد القاهر في الرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ - وهم المتكلمون من أمثال القاضي عبد الجبار الأسد أبادي - مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يصل إلى أن المزية في النظم إنما هي للمعنى، وليس للفظ، حتى يتفرغ لتفصيل أمر المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها. خامساً: ثمرة النظم هي تصوير المعنى "نظرية البيان ": وتصوير المعنى إما أن يكون عن طريق إفادة الألفاظ لمعانيها الأول وإما أن يكون عن طريق إفادة الألفاظ لمعان أخرى غير المعاني التي وضعت لها في أول وضعها، وهي التي يسميها عبد القاهر المعاني الثواني. فثمرة النظم هي تصوير المعنى، سواء أكان هذا المعنى حقيقة، أو مجازاً، أو كناية.

стр. 127

وقد تدرج عبد القاهر للوصول إلى تلك الثمرة عن طريق المبادئ الخمسة التي أسلفنا هالك، لأنها الفائدة المرجوة من النظم. ولعلك على ذكر مما قاله أبو سعيد السيرافي، في هذا المعنى، وأنه قد تدرج - أيضاً - إلى تصوير المعنى، سواء أكان هذا المعنى هو المعنى الحقيقي، أو المعنى المجازي، أو الكنائي. واستمع إلى ما قاله أبو سعيد السيرافي في هذا المعنى، لنرى، كيف أن عبد القاهر قد جارى أبا سعيد في طريقة فهمه لمعنى النظم، وكيف أنه تدرج في تقديمها بما لم يخرج عن طريقة السيرافي: يقول أبو سعيد السيرافي: (وإذا قال لك آخر: "كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً"، فإنما يريد: افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك وقدر اللفظ على المعنى، فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص منه، هذا: إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة والاستعارات الممتعة). وأبو سعيد يقصد بقوله: (وقدر اللفظ على المعنى، فلا يفضل عنه، وقدر المعنى على اللفظ، فلا ينقص عنه، هذا إذا كنت على تحقيق شيء على ما هو به) أنك إذا أردت الأخبار عن حقيقة الشيء، فأجعل المعنى على قدر اللفظ واللفظ على قدر المعنى، وهو ما يعبر عنه عبد القاهر، بالمعنى، أو بالحقيقة. كما أن أبا سعيد السيرافي يقصد بقوله: (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة،

стр. 128

والاستعارات الممتعة) أنك إذا جاوزت الحقيقة إلى غيرها من الكناية والمجاز، فليكن ذلك عن طريق الإرداف، (أي الكناية) والتمثيل، والاستعارة. فالروادف الموضحة هي ما سماه قدامة باسم "الإرداف" - وقد كان حاضراً تلك المناظرة، ومستمعاً لما قاله أبو سعيد السيرافي - ولكننا لا ندري أكان قدامة قد ألف - قبل ذلك - نقد الشعر، وجواهر الألفاظ أم أنه ألفهما بعد تلك المناظرة، وفيهما تجد تعريف كل من الإرداف، والتمثيل. وعلى أية حال: فإن الروادف الموضحة هي التي سماها قدامة باسم الإرداف، ثم سماها عبد القاهر باسم الكناية، وعرفه قدامة بأنه: أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني، فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه، وتابع له، فإن دل على التابع أبان عن المتبوع، كقوله. بعيدة مهوى الفرط إما لنوفل ... أبوها وإما عيد شمس هاشم والأشباه المقربة: هي ما سماه قدامة باسم التمثيل وعرفه بأنه: أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى، فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك المعنى الآخر، والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه، مثال ذلك: قول الرماح بن ميادة: ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا فعدل عن أن يقول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره أو مقرباً فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى ذهاباً نحو الأمر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل له.

стр. 129

والاستعارة الممتعة: هي ما قصده البلاغيون بقولهم: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، كقولك سلمت على أسد، وأنت رجلاً شجاعاً. وقد جرى عبد القاهر على هذا المنوال، فبعد أن تدرج بالقارئ إلى فهم عملية النظم أراد أن يبين أن تصوير المعنى إنما هو الهدف من النظم، وأن هذا التصوير يتألق في أروع صوره إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز. وقد ضمن ذلك فصلاً - من دلائل الإعجاز -، جعله فصلاً في (اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره)، وافتتحه، مبيناً أن لهذا الضرب من الكلام تفتناً، واتساعاً، لا ينتهيان، إلا أنه على اتساعه، وتفننه يدور في الأمر الأعم على موضوعين: هما: الكناية، والمجاز. فأما الكناية: فهي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره بلفظه الموضوع له في اللغة، بل يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ إليه، ويجعله دليلاً عليه (وبقوله: بل يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود يأتي دليل على أنه يقصد بالكناية: الإرداف عند قدامة، بدليل أنه مثل بما مثل به قدامة، وهو قولهم في المرأة: (نؤوم الضحى). وقد مثل عبد القاهر للكناية بقولهم: (هو طويل النجاد) يريدون أنه طويل القامة، وقولهم: (كثير رماد القدر) يريدون أنه كثير النوال، وقولهم - في المرأة -: (تؤوم الضحى) والمراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها. فقد أرادوا في ذلك كله - كما ترى - معنى ثم لم يذكروه بلفظه

стр. 130

الخاص به، ولكمهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان؛ أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر رماد القدر، وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟ وأما المجاز: فقد ذكر أن السابقين قد عولوا فيه على حديث النقل، فذكروا: أن كل لفظ نقل عن موضوعه مجاز. وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر (يقصد أسرار البلاغة، وفيه دليل على تأخر الدلائل عن الأسرار). غير أنه ذكر هنا ما هو الأشهر منه، والأظهر، وأن الاسم والشهرة فيه (أي المجاز) لشيئين اثنين هما: (الاستعارة) و (التمثيل). (وهنا أدرك عبد القاهر أن من التمثيل ما يكون مجازاً، بعد أن كان في الأسرار يجعله من قبيل التشبيه محذوف الأداة والوجه) فقال هنا: "وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة". وأما الاستعارة: فهي أن تريد فتشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجئ إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه به، وتجربه عليه، فإذا أردت أن تقول: (رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه، تركت ذلك كله، وقلت: (رأيت أسداً)، وهذه الاستعارة هي التي سماها المتأخرون الاستعارة التصريحية. وهناك ضرب آخر من الاستعارة، وهو ما كان كقول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

стр. 131

حيث جعل للشمال يداً، وهذا الضرب هو ما سمي عند المتأخرين باسم الاستعارة المكنية. وأما التمثيل - وهو الذي يكون مجازاً نجيئك به على حد الاستعارة - فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى) والأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قوله: (رأيت أسداً) (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة. وكذلك تقول للزجل يعمل غير معمل: (أراك تنفخ في غير فحم) و (تخط على الماء) فتجد ظاهر الأمر، كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك. ونقول للرجل - يعمل الحيلة حتى بميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه، ويمتنع منه - (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ، كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجئ إلى البعير الصعب، فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس. ونظير ذلك قولهم: (فلان يقرد فلاناً) يعني: أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه. وهكذا: كل كلام رأيتهم نحواً فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا بذلك وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلاً (١).

стр. 132

وهكذا تجد أن عبد القاهر قد أفاد من أبي سعيد السيرافي، فأبو سعيد في عبارته الموجزة جداً، أشار إلى المقدمات التي قدم بها عبد القاهر لعملية النظم، وتلك الإشارة هي قوله: كن نحوياً، لغوياً، فصيحاً، أي جارياً في أسلوبك على قواعد النحو ومقتضيات الإعراب، مختاراً لألفاظك مما تداوله الأدباء والشعراء بحيث تكون خالصة مما يستثقل على اللسان، وما يستكره في السمع، واضعاً لها في مواضعها المناسبة لها، بحيث تدل على الغرض المقصود منها أوضح دلالة. وقول أبي سعيد السيرافي: (افهم عن نفسك ما تقول) يعني أن تدير الكلام في نفسك أولاً، بحيث تفهم ما تقول وتطئن إلى صحته وحسنه، وقوله: (ثم رم أن يفهم عنك غيرك) أن تجري الألفاظ مرتبة على حسب ترتيب معانيها في نفسك فيفهم عنك غيرك ما تقول. وتلك هي عملية النظم التي قدم لها عبد القاهر بمقدماته الخمس. وقد ستنتج عبد القاهر - أيضاً - من عبارته السابقة الموجزة: (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد، فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة) فصلاً في دلائل الإعجاز، جاء يعقب مقدماته التي قدم بها للنظم، كما جاءت - أيضاً - في مناظرة أبي سعيد بعقب مقدماته التي أشار إليها في عبارته الموجزة السالفة الذكر، هذا الفصل قد هيأ له عبد القاهر تهيئة عظمت من شأنه، وفخمت من أمره، وهو (فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره) وهو ما قصده أبو سعيد السيرافي بقوله بعد أن قال: "هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به": (فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد) فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة)، وقد أسلفناك ما قاله عبد القاهر، منتفعاً بما قاله أبو سعيد السيرافي وقدامة بن جعفر، وقد كان قدامة بن جعفر.

стр. 133

حاضراً مجلس ابن الفرات مستمعاً للمناظرة التي كانت بين متى بن يونس، وأبي سعيد السيرافي سنة ٣٢٦ هـ. وقد كنت منذ ما يقرب من عشر سنوات - وأنا أكتب (نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين) - معتقداً أن الذي ألهم عبد القاهر هذا الفصل، ومن ثم نظريته في البيان هو قدامة بن جعفر في نقد الشعر، وجواهر الألفاظ، وقلت: إن قدامة جعل التمثيل بعقب الأرداف (أي الكناية) لأن إطاراً واحداً يضمهما، وهو: أن طريق الدلالة فيهما واحد أي تكون من طريق (معنى المعنى) - على حد تعبير عبد القاهر وأن عبد القاهر قد أضاف إليهما الاستعارة، لأنها قمة المجاز. والآن: وبعد أن تتبعت مناظرة أبي سعيد، كلمة كلمة، وجملة جملة، وعبارة عبارة لكي أتبين الصلة بين نظريتي النظم والبيان - في الدلائل - وبين تلك المناظرة، وجدت الحلقة المفقودة التي بها تبينت صور البيان التي تمثلها عبد القاهر لنظريته، وهذه الحلقة تتمثل في فهم عبارة أبي سعيد عن (معنى المعنى) أو عن المجاز والكناية، وتلك العبارة هي: (أجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة). فقد أجال عبد القاهر تلك العبارة في ذهنه، ووجدانها تنطبق على ما أسماه: اللفظ يطلق والمراد غير ظاهره، وأن هذا يدور في الأمر الأعم على شيئين: الكناية (أن الإرداف) والمجاز، وأن المجاز يشمل الاستعارة، والتمثيل - إذا جاء على حد الاستعارة -. وبهذا انحصرت صور البيان - في الدلائل - في ثلاث صور هي: الكناية (أي الإرداف) والاستعارة، والتمثيل. فالكناية - في مناظرة أبي سعيد السيرافي - هي ما عبر عنه باسم:

стр. 134

"الروادف الموضحة" والاستعارة في تلك المناظرة. هي ما عبر عنه باسم: "الاستعارات الممتعة" والتمثيل فيها هو ما عبر عنه باسم: "الأشباه المقربة". وذلك لأن عبد القاهر قد وجد نظريته من خلال تلك الصور الثلاث وهي الموجودة فعلاً، ومتجاورة في عبارة أبي سعيد السيرافي، ولكن قدامة لم يأت بالاستعارة مقترنة بصورتي: الإرداف والتمثيل، بل لم تجي - أصلاً - في نقد الشعر، وجاءت منفردة بعيدة عن الإرداف والتمثيل في جواهر الألفاظ، وذلك مما يرجح أن نظرية البيان قد استقاها عبد القاهر مباشرة من مناظرة أبي سعيد السيرافي، ولكنه قد اعتمد في شرح معنى الإرداف والتمثيل، على ما جاء في نقد الشعر، وجواهر الألفاظ، لقدامة بن جعفر. سادساً: نظرية النظم أسلفنا لك عبارة أبي سعيد السيرافي التي أجمل فيها نظرية النظم التي قرأها عبد القاهر بإمعان، ووقع منها على ضالته التي كان ينشدها من زمن بعيد، لأن العلماء من قبله كانوا يرددون مصطلح النظم ولا يعرفون له معنى، كما أنهم كانوا يرجعون إعجاز القرآن الكريم إلى نظمه، ويفاضلون بين نظم ونظم، ولكن لم يستطيعوا الكشف عن الخصائص، والدقائق، واللطائف التي تنشأ عن النظم، لأنهم - أصلاً - لم يعرفوا معنى النظم. وقد جعل أبو سعيد السيرافي محور النظم على (معاني النحو) المنقسمة بين: (أ) حركات اللفظ وسكناته

стр. 135

(ب) وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها. (جـ) تأليف الكلام بالتقديم والتأخير. منبهاً إلى أنه يجب أن نتوخى الصواب في ذلك، وتتجنب الخطأ من ذلك. ولم ينس أن ينبه إلى أن كل نظرية لا بد لها من شواذ، تدور بين الندرة المستساغة والتأويل البعيد، أورد ما لم يجئ على عادة القوم، وحتى ما يتعلق باختلاف اللغات فهو مسلم لهم ومأخوذ عنهم. وأن كل ذلك يعرف بالتتبع والرواية، والسماع، والقياس. وهي نظرية - كما نرى - تكاد تكون شاملة لعلم البلاغة، كما تصوره عبد القاهر والمتأخرون من بعده. وإليك ما قاله أبو سعيد ليكون أمامك، تستشف منه ملامح نظرية النظم التي تصورها وهو يرد على متى بن يونس الذي كان يزعم أن النحويين مع اللفظ، لا مع المعنى، وأن النحو لا جدوى منه، ويكفي منه معرفة القليل الذين يبين صحة الإعراب، وكفى: (قال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ من ذلك. وإن زاغ شيء عن هذا النعت، فإنه لا يخلو أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر، والتأويل البعيد، أو مردوداً، لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم. فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل، فذلك شيء مسلم لهم، ومأخوذ عنهم.

стр. 136

وكل ذلك محصور بالتتبع، والرواية، والسماع، والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف) ثم قال: (وإنما دخل العجب على المنطقين، لظنهم أن المعاني لا تعرف، ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين، أنهم مع اللفظ، لا مع المعنى). وفي تلك العبادة التي ذيل بها أبو سعيد السيرافي حديثه عن نظريته في النظم، كما تصورها، بيان للسب الذي من أجله اخترع عبارة (معاني النحو) اختراعاً، لأنها - على حد علمنا - لم تؤثر عن أحد من العلماء قبله، فالتقطها عبد القاهر - من بعده - فجعلها - كما جعلها السيرافي - أيضاً - محور النظم، وقطب الدائرة فيه، وكررها في الدلائل ما يقرب من ستين مرة، وهذا السبب هو: أن المنطقيين كانوا يتوهمون أن (المعاني) لا يمكن معرفتها وتوضيحها، إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم، فأراد أن يبين لهم أن المعاني، كما تعرف بقواعد المنطق، فإنها تعرف - أيضاً - بقواعد علم النحو، فأطلق على المعاني المستفادة من تتبع أحكامه وقوانينه: (معاني النحو). ولهذا صاغ عبد القاهر نظرية النظم، على هذا القول: (تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام). وأنت تشعر - معي - بأن عبد القاهر، قد أخذ من مناظرة أبي سعيد شطر النظرية فحسب، وهو: (تتبع أو توخى - معاني النحو فيما بين الكلم)، أما شطرها الآخر، وهو: (على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) فليس مما قاله أبو سعيد، في مناظرته.

стр. 137

ومن الطريف أن أبا حيان التوحيدي الذي روى مناظرة أبي سعيد السيرافي، كان قد تتلمذ على أستاذين أحدهما: منطقي - وهو أبو سليمان المنطقي - والآخر: نحوي، وهو: أبو سعيد السيرافي النحوي، وأنه قد أورد لأبي سليمان المنطقي نظرية في النظم، لم ترد فيها (معاني النحو)، بينما أورد مناظرة أبي سعيد التي تجد بها نظرية النظم قائمة على (معاني النحو) - كما ترى -. وقد جاءت النظريتان في كتابة "الإمتاع والمؤانسة" وقد وردت نظرية أبي سليمان المنطقي على النحو التالي: "المعاني المعقولة بسيطة (أي: بسوطة) في بحبوحة النفس، لا يحوم عليها شيء قبل الفكر، فإذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق، والفهم الدقيق، ألقى ذلك إلى العبارة "والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو: النظم للشعر، وبين وزن هو: سياقة الحديث وكل هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة، وصورة حسنة أو قبيحة، وتأليف مقبول، أو ممجوج، وذوق حلو أو مر، وطريق سهل أو وعر، واقتضاب مفضل، أو مردود، واحتجاج قاطع أو مقطوع، وبرهان مسفر أو مظلم، ومتناول قريب أو بعيد، ومسموع مألوف أو غريب" (١). وهذه النظرية تقوم على: أن المعاني المعقولة في النفس تخرج إلى العبارة بالفكر، فتتركب بين وزني: الشعر والنثر، وأن المدار فيها على (صحة المعنى) و (حسن الصورة) و (سلامة التأليف)، وليس فيها - كما ترى - أثر المعاني النحو، ولهذا لم يعرج عليها عبد القاهر، مع أنهما موجودان في كتاب واحد! . وقد أردف عبد القاهر - في الدلائل - شطر النظرية، بفصل آخر

стр. 138

بعنوان: (فصل في أن هذه المزايا في النظم بحست المعاني والأغراض التي تؤم) مكملا شطرها الآخر؛ وقال فيه: " .. وإذ قد عرفت أن مدار النظم على (معاني النحو) وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه؛ فأعلم أن الفروق والوجوه كثيرة، ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض لها بسبب المعاني، والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض. وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك قد ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها. إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر، في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١). وقد كدت أثبت لعبد القاهر هذا الفضل، وأن إتمام النظرية لكان من بنات أفكاره، وذلك قبل أن أتأكد من أن (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي الذي انتهى منه في الثاني من شعبان سنة ٤٥٤ هـ قد ألف قبل (دلائل الإعجاز) فلما ثبت لدى ما يؤكد لي أسبقية (سر الفصاحة) على (دلائل الإعجاز) (٢) أمعنت النظر فيه لكي أنبين مواطن الأخذ منه "للدلائل"، فوجدت أن الشطر الآخر من نظرية النظم، وهو قول

стр. 139

عبد القاهر: (على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام) مأخوذ من من كتاب (سر الفصاحة) لابن سنان، وهو يتحدث عن (الكلام في الألفاظ المؤلفة). وكان هو - أيضاً - يتحدث عن نظرية النظم، ولكن بطريقة المعتزلة، التي تفرض أن النظم المخصوص لا يشتمل على معاني النحو، ويقدم لهذه النظرية، - متأثراً بما كتبه أبو هلال العسكري في الصناعتين - بأن كل صناعة، إنما تكمل بخمسة أشياء: الموضوع، والصانع، والصورة، والآلة، والغرض، فيقول" إن كل صناعة من الصناعات، كما لها بخمسة أشياء - على ما ذكره الحكماء -: الموضوع: وهو الخشب في صناعة النجارة، والصانع، وهو النجار والصورة، وهو: التربيع المخصوص؛ إن كان المصنوع كوسيا، والآلة، مثل: المنشار، والقدوم، وما يجري مجراها، والغرض: وهو: أن يقصد - على هذا المثال - الجلوس فوق ما يصنعه" (١). وما دام تأليف الكلام صناعة، فإنه يطبق النظم على هذه النظرية، بأن الموضوع. هو الكلام المؤلف، والصانع هو: الشاعر، أو الأديب، والصورة هي الفصل للأديب، والبيت، للشاعر، والآلة هي: الطبع، وأما الغرض فبحسب الكلام، فيقول: "وإذا كان الأمر على هذا، ولا تمكن المنازعة فيه، وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة، وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام، فنقول: إن الموضوع هو: الكلام المؤلف من الأصوات على ما قدمت.

стр. 140

وأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض، كالشاعر، والكاتب، وغيرهما. وأما الصورة: فهي كالفصل للكاتب، والبيت للشاعر وما جرى مجراهما. وأما الآلة: فأقرب ما قيل فيها: طبع هذا الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك، ولهذا لا يمكن أحداً أن يعلم الشعر من لا طبع له - وإن جهد في ذلك - لآن الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق، ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ما يحتاج إليه من آلاتها. وأما الغرض: "بحسب الكلام المؤلف، فإن كان مدحاً، كان الغرض به قولاً ينبئ عن حال الممدوح وإن كان هجوا، فبالضد، وعلى هذا القياس كل ما يؤلف، وإذا تأملته وجدته كذلك" (١). وواضح من الفقرة الأخيرة من كلام ابن سنان، ومن ترتيبه للأمور التي تقوم عليها عملية النظم: أنه يجعل الغرض ثمرة نهائية للنظم، لأنك إنما تنظم كلاماً في المدح - مثلاً - لتنبئ به عن عظم الممدوح، أو في الهجاء، لتنبئ به عن حقارة المهجو، وهكذا ... وهذا المعنى يفيد: أنك: تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، فإن كان الغرض هو الأخبار عن رفعة الممدوح - مثلاً - ذكرت المسند إليه لتعظيمه، وإن أردت الإخبار عن حقارته حذفته، لتصون لسانك عن ذكره، وهكذا. وحقاً، إن ابن سنان يقول: (الغرض بحسب الكلام) بينما يقول عبد القاهر: (الكلام بحسب الغرض) وذلك لأن نظرة كل منها إلى النظم

стр. 141

كانت مختلفة عن نظرة الآخر إليه، فنظرة ابن سنان إلى النظم كانت نظرة الناقد، الذي يبحث في الكلام عن الغرض منه، ليستطيع الحكم عليه بالجودة أو الرداءة؛ بينما كانت نظرة عبد القاهر إلى النظم، نظرة الناظم، الذي ينظم الكلام على حسب الأغراض. وعلى أية حال: فقد أحسن عبد القاهر استغلال فكرة ابن سنان أيما إحسان! . ثم شرح عبد القاهر ما يقصده من تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم: بأن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه، وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت؛ فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك؛ فلا تخل بشيء منها؛ كأن تنظر في أوجه الخبر، والشرط، والجزاء، والحال، والحروف التي تشترك في معنى، ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية. وفي الجمل التي ترد، فتعرف فيها موضع الفصل من موضع الوصل، وتتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإظهار والإضمارـ، فتضع كل ذلك في مكانه، وموقعه، وتستعمله استعمالاً صحيحاً موفقاً. وهكذا نجد أن عبد القاهر، قد أخذ عن أبي سعيد السيرافي شطر (نظرية النظم) وأتم شطرها الآخر مما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجى، ثم أخذ في إقامة الدليل على صحتها بما يلي: أولاً: أنك لا تجد كلاماً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأ - إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له. (١٠ - دلائل الإعجاز)

стр. 142

فأنت لا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم، أو فساده، أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد، وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه. ثانياً: أن النقاد السابقين - كالقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري - قد كشفوا عن وجه النظم، حيث ذكروا فساده في نحو قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكاً ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه وفي نظائره، مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، فليس يخالف أحد في أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم، أو تأخير، أو حذف، وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، ومالا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم. ثالثاً: إذ ثبت أن فساد النظم، واختلاله هو: ألا يعمل بقوانين علم النحو، ثبت أن سبب صحته هو: أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخى معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم. وهكذا تجد أن عبد القاهر قد أخذ نظرية النظم من مناظرة أبي سعيد السيرافي، وأتمها بما قرأه في (سر الفصاحة) لابن سنان الخفاجي، ورأى أن مهمته - في الدلائل - هي: إثبات صحتها بالدليل المنطقي - كما رأيت - وكأنها نظرية هندسية تؤدي معطياتها إلى نتائج حتمية، لا يخالف فيها أحد.

стр. 143

ومن الطريف أن عبد القاهر - وهو يؤلف الأسرار، ولم يكن قد أطلع على مناظرة أبي سعيد التي ألهمته (معاني النحو) - قد قارن بين بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في التعقيد، وبين الأشعار التي أثنوا عليها فلم يستنتج منها ما توصل إليه في الدلائل، من أن النظم هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم، وذلك حيث يقول: "فخذ إليك الآن بيت الفرزدق الذي يضرب به المثل في تعسف اللفظ: وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه فأنظر: أيتصور أن يكون ذمك للغظه من حيث أنك أنكرت شيئاً من حروفه، أو صادفت وحشيا غريباً، أو سوقياً ضعيفاً، أم ليس إلا لأنه لم يرتب الألفاظ في الذكر، على موجب ترتب المعاني في الفكر .. ؟ وإذا وجدت ذلك أمراً بيناً لا يعارضك فيه شك، ولا يملكك منه امتراء، فانظر إلى الأشعار التي أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلاسة، ونسبوها إلى الدمائه، وقالوا كأنها الماء جريانا، والهواء لطفاً، والرياض حسناً، وكأنهم النسيم، وكأنها الرحيق مزاجها التسنيم، وكأنها الديباج الخسرواني في مرامي الأبصار، ووشى أن ص ١٤٣ منشوراً على أذرع التجار، كقوله: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دعم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادى الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسألت بأعناق المطى الأباطع

стр. 144

ثم راجع فكرتك، وأشحذ بصيرتك. وأحسن التأمل، ودع عنك التجوز في الرأي ثم انظر: هل تجد لاستحسانهم، وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفاً، إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها وحسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن؛ وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد .... ؟ ". فعبد القاهر - هنا - وهو يؤلف الأسرار، لم يستنتج من مقارنته تلك إلا أن فضيلة الكلام إنما هي في ترتيب الألفاظ في الذكر، على حسب ترتيبها في الفكر، مما يدلك على أنه لم يكن قد اطلع على مناظرة أبي سعيد، التي فيها أن النظم إنما هو: توخي معاني النحو فيما بين الكلم. بل إن الحقيقة التي لم يلحظها كثير من البلاغيين هي أن (أسرار البلاغة) يخلو تماماً من كلمتي: (النظم) و (معاني النحو)! ! وهما الكلمتان اللتان أدار عليهما عبد القاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز) وكرر كلا منهما أكثر من خمسين مرة! وليس هذا فحسب، بل إنك عندما تقرأ "الدلائل" تحس بأن مهمته فيها تكاد تكون منصبة على إثبات صحة نظرية النظم، وأنها ليست إلا تتبع - أو توخي - معاني النحو فيما بين الكلم. ومن الطريف أيضاً أن أبا هلال العسكري - وهو الذي سبق عبد القاهر في قراءة مناظرة أبي سعيد السيرافي - قد صنع ما يقرب من صنيع عبد القاهر - في المقارنة بين نصوص توصف بحسن النظم، وأخرى توصف بسوء النظم؛ ولكنه لم يتوصف إلى ما توصل إليه عبد القاهر؛

стр. 145

لأنه - كما أسلفنا - قد أخطأ طريق المعاني المقصودة في النظم وهي (معاني النحو) إذ تركها متجهاً إلى (توخي صواب المعنى). ومما قاله في هذا المعنى (١): وحسن الرصف (أي النظم): أن توضع الألفاظ موضعها، وتمكن في أماكنها؛ ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، إلا حذفاً، لا يفسد الكلام؛ ولا يعمى المعنى، ويضم لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها. وسوء الرصف (أي النظم): تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها ومخالفة الاستعمال في نظمها. ثم قال: فمن سوء النظم: المعاطلة؛ ومثل لها يقول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا ... ... أبو أمه حى أبوه يقاربه ومن الكلام المستوى النظم الملتئم الرصف: قول بعض العرب: أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف ومن الملاحظ - أيضاً - أن أبا هلال قد استخدم كلمة (الرصف) مكان كلمة (النظم) في قوله: (حسن الرصف) و (سوء الرصف)
следующие страницы →