Полный текст (1 090 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
به. على: حرف جر. ذي: اسم مجرور بعلى، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل علوت، أو بمرتقبًا على رواية كسر القاف، ومتعلقان بمحذوف صفة مرتقبًا على رواية فتح القاف، وذي صفة لموصوف محذوف، وذي مضاف وهبوة مضاف إليه. حرج: صفة ثانية للموصوف المحذوف. إلى أعلامهن: جار ومجرور متعلقان بحرج، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. قتامها: فاعل بحرج، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٦٥ - حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
المفردات. ألقت: بدأت الشمس في المغيب، فأضمر الشمس ولم يتقدم لها ذكر على حد قوله تعالى: ﴿فقال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾ - وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ١٩٠ من كتابنا فتح رب البرية - كافر: أراد الليل لأنه يستر كل شيء بظلمته، انظر البيت رقم - ٤٢ - أجن: ستر من الاجتنان، وهو الستر والتغطية، ومثله جن من الثلاثي، وبه جاء القرآن الكريم: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الأفلين﴾ والجن ضد الإنس الواحد جني سميت بذلك لاستتارها عن أعين الإنس، والجنين الولد ما دام في بطن الأم سمي بذلك لاستتاره أيضًا عن الأعين، وجن فلان ذهب عقله، ويقال: أجنه الليل إجنانًا، وجن عليه يجن ويجن جنونا، إذا قالوا: أجن لم يأتوا بعلى، وإذا قالوا: جن أدخلوا على، انظر الآية الكريمة. الثغور: جمع ثغر، وهو موضع المخافة من الأعداء، والثغر مقدم الأسنان، وقد يطلق على الفم جميعًا، وعورات الثغور أشدها مخافة، قال تعالى حكاية عن قول المنافقين: ﴿يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارًا﴾ والعورة في الأصل الخلل، ومدينة معورة
стр. 632
إذا كان فيها مكان يتخوف منه، والعورة سوءة الإنسان، وكل ما يستحيا منه عند ذوي الألباب.
معنى البيت مرتبط بالبيت التالي تأمل.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل هذا الموضع جارة لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. ألقت: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه. يدا: مفعول به، وجملة (ألقت) بذا في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا في البيت التالي. في كافر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة يدا، وأصل الكلام (يدًا في يد كافر) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. الواو: حرف عطف. أجن: فعل ماض. عورات: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وعورات مضاف والثغور مضاف إليه. ظلامها: فاعل أجن، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أجن ... إلخ) معطوفة على جملة (ألقت ... الخ) فهي في محل جر مثلها.
٦٦ - أسهلت، وانتصبت كجذع منيفةٍ ... جرداء يحصر دونها جرامها
المفردات. أسهلت: نزلت من مرقبتي إلى السهل. انتصبت: رفعت عنقها من نشاطها ومرحها، ولم تكسره. كجذع منيفة: أي كجذع نخلة منيفة، أي طويلة مشرفة، والجذع ساق النخلة، وجمعه جذوع وأجذاع. جرداء: قد انجردت من سعفها وليفها. يحصر: بفتح الصاد وضمها، وجوز الكسر أيضًا، فهو بمعنى يضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ وقد أحصر الرجل إذا أصابه أمر منعه من المضي فيما يريد، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن
стр. 633
أحصرتم فما استيسر من الهذي﴾ أي منعتم من دخول مكة لإتمام فريضة الحج، وأراد بيحصر هنا يكل ويضجر أو الكلام على حذف مضاف انظر المعنى. دونها: انظر البيت رقم - ٧٦ - من معلقة أمرئ القيس. جرامها: قطاعها، والفعل جرم الشيء يجره إذا قطعه، وجرم النخل ونحوه قطف ثمره.
المعنى يقول: لما غربت الشمس، وأقبل الليل بظلامه نزلت من المرقب، وأتيت مكانًا سهلاً، وقد رفعت فرسي عنقها من شدة نشاطها ومرحها كجذع نخلة طويلة تضيق صدور الذين يريدون قطف حملها لعجزهم وضعفهم عن ارتقائها، أو المعنى يكلون ويضعفون عن إتمام قطافها.
الإعراب. أسهلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب إذا في البيت السابق لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. انتصبت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس المذكورة في البيت - ٦٣ - . كجذع: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولاً مطلقًا، والتقدير: انتصبت انتصابًا كائنًا كانتصاب جذع نخلة، وجذع مضاف ومنيفة مضاف إليه، وهي صفة لموصوف محذوف كما رأيت. جرداء: صفة ثانية للموصوف المحذوف مجرور؛ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف الألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. يحصر: فعل مضارع. دونها: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. جرامها: فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (يحصر دونها جرامها) صالحة للوصفية والحالية من النخلة المحذوفة كما في قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٦٧ - رفعتها طرد النعام، وفوقه ... حتى إذا سخنت، وخف عظامها
المفردات. رفعتها: أي جعلتها تسرع في سيرها. طرد النعام: عدوه،
стр. 634
والطرد بفتح الراء وسكونها لغتان جيدتان، وانظر النعام في البيت رقم - ٧٠ - من معلقة أمرئ القيس. فوقه: أي فوق الطرد، ويروي مكانه (وشله) والشل والشلل الطرد أيضًا. سخنت: بفتح الخاء وضمها وكسرها، ومضارع الأول والثاني بضمها ومضارع الثالث بفتحها، وسخنت مأخوذ من قولهم: سخنت عين الرجل، وهو من التمثيل كأنها سخنت من الدمع. خف عظامها: قيل: معناه كثر عرقها وخفت عظامها، وقيل: معناه أسرعت كما تقول: خف فلان بحاجتي، ولم يؤنث الفعل (خف) لأن عظامها غير مؤنث حقيقي كما هو معروف.
المعنى يقول: جعلت فرسي تسرع في سيرها إسراعًا مثل إسراع النعام في ركضه حتى إذا جدت في الجري وأسرعت في السير اضطربت رحالتها على ظهرها من إسراعها في جريها، وسال نحرها عرقًا، وابتل حزامها من ذلك العرق.
الإعراب. رفعتها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. طرد: مفعول مطلق لفعل محذوف. مثل أقبل زيد ركضًا، وطرد مضاف، والنعام مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. الواو: حرف عطف. فوقه: ظرف مكان متعلق بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية المقدرة معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. حتى: حرف ابتداء، وانظر البيت رقم - ٦٥ - إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. سخنت: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا في البيت التالي. الواو: حرف عطف. خف: فعل ماض. عظامها: فاعل، وها: ضمير
стр. 635
متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
٦٨ - قلقت رحالتها، وأسبل نحرها ... وابتل من زبد الحميم حزامها
المفردات. قلقت: اضطربت من شدة السير، والقلق الانزعاج وعدم الاستقرار. الرحالة: سرج كان يصنع من جلود الغنم بأصوافها يتخذ للجري الشديد. أسبل نحرها: سال بالعرق. الزبد: ما يعلو الماء ونحوه من الرغوة. في الحميم: أراد به العرق، والحميم القريب الذي تهتم بأمره والصديق أيضًا، قال تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميمًا﴾ وذلك في يوم القيامة، والحميم أيضًا الماء الحار، قال تعالى: ﴿فشارون عليه من الحميم﴾ وذلك في يوم القيامة أيضًا. الحزام للدابة بمنزلة النطاق للإنسان، ومعنى البيت ذكر في البيت السابق.
الإعراب. قلقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. رحالتها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب إذا في البيت السابق لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. أسبل: فعل ماض. نحرها: فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. ابتل: فعل ماض. من زبد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وزبد مضاف والحميم مضاف إليه. حزامها: فاعل ابتل، وها: في محل جر بالإضافة؛ وجملة (ابتل .. الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا.
٦٩ - ترقى وتطعن في العنان، وتنتحي ... ورد الحمامة، إذ أجد حمامها
المفردات. ترقى: تصعد، وأراد ترفع رأسها فكأنها تصعد. تطعن: تعتمد في العنان كما يعتمد الطاعن، ولا تنس أن تطعن بضم العين في
стр. 636
المضارع، وكذا كل ما هو حسي، وأما المعنوي كيطعن في النسب فبفتح العين، والعنان بكسر العين سير اللجام، والجمع أعنة وعنن، وشركة العنان معروفة في الفقه. تنتحي: تعتمد وتقصد. الحمامة: أراد القطاة، ويريد بالحمام هنا الجماعة، لأنه يقال للذكر والأنثى حمامة، ولا يقال للذكر: حمام لئلا يشبه الجمع، فإن أردت أن تبين قلت: رأيت حمامة ذكرً، وحمامة أنثى هذا والحمام عند العرب كل ذي طوق من الفواخت والقماري وساق حر والقطا والدواجن والوارشين وأشباه ذلك، وورد الحمامة، أي ورودها الماء، فهي أسرع ما تكون في تلك الحالة فهو يشبه فرسه بالحمامة في تلك الحالة، وتجمع الحمامة على حمامات وحمائم أيضًا. أجد: أسرع في الطيران.
المعنى يقول: إن الفرس ترفع عنقها في سيرها كأنها تطعن بعنقها في عنانها، وهي تسرع في جريها الذي يشبه سرعة الحمام في طيرانه عندما يقصد الماء، وهو عطشان، وهو في تلك الحالة أسرع ما يكون.
الإعراب. ترقى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس المذكورة في الأبيات السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. تطعن: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. في العنان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. تنتحي: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها أيضًا. ورد: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، هو ترقى أو تطعن أو تنتحي، وورد مضاف والحمامة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. إذ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل تنتحي مبني على السكون في محل نصب. أجد: فعل
стр. 637
ماض. حمامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها.
٧٠ - وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجي نوافلها، ويخشى ذامها
المفردات. كثيرة: صفة لموصوف محذوف، وقد اختلف في هذا المحذوف، فقيل: هو خطة وأراد بغرباؤها أنه قد جهل القضاء فيها، وجهلت جهاتها، وقيل: المعنى: وحرب كثيرة غرباؤها وجعلها كثيرة الغرباء لما يحضرها من ألوان الناس، وجعلها مجهولة، العالم والجاهل يجهلان عاقبتها، وقيل: المعنى وجماعة كثيرة غرباؤها، وقيل: إنما يريد قبة النعمان، وجعلها كثيرة الغرباء لاجتماع الناس عندها، وجعلها مجهولة لأن بعضهم لا يعرف بعضًا إلا بالسؤال، وقيل: يريد وأرض كثيرة غرباؤها، أي أرض يضل بها من يسلكها إذا جهل طرقها.
وإنما وقع الاختلاف في المعنى لأنه أقام الصفة مقام الموصوف، فاحتمل هذه المعاني إلا أن الأشبه بما يريد الجماعة لأن بعد هذا البيت (أنكرت ... الخ) البيت - ٧٢ - الآتي، وإقامة الصفة مقام الموصوف في مثل هذا قبيح لما يقع فيه من الإشكال، ألا ترى أنك لو قلت: مررت بجالس كان قبيحًا، ولو قلت: بظريف كان حسنًا. ترجى: من رجا الشيء أمله وطمع فيه، فهو ضد يئس، وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون الله وقارًا﴾ أي لا تخافون عظمة الله، وقال أيضًا جل ذكره: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم﴾ وقال الهذلي في صفة عسال:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل
بمعنى لم يخف لسعها. النوافل: جمع نافلة، وهي الغنيمة والكسب،
стр. 638
وتجمع النافلة أيضًا على نافلات، والأنفال في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ جمع نفل، ونافلة العبادة المطلوب فعلها زيادة على الفرائض من صوم وصلاة، وحج وزكاة. يخشى: انظر البيت رقم - ١٠٨ - من معلقة طرفة ذامها. عيبها، يقال: ذممت الرجل أذمه ذمًا، وذمته أذيمه نيما، وذامته أذامه ذأمًا.
المعنى يقول: رب حرب أو خطة أو جماعة، أو قبة كثرت غرباؤها وغاشيتها، وجهلت أي لا يعرف بعض الغرباء بعضًا ترجى عطاياها ويخشى عيبها، قال الزوزني: يفتخر بالمناظرة التي جرت بينه وبين الربيع بن زياد العبسي في مجلس النعمان بن المنذر ملك العرب، وهي التي ذكرتها في الكلام عن حياة لبيد ﵁.
الإعراب. الواو: واو رب. كثيرة: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وكثيرة صفة لموصوف محذوف كما رأيت. غرباؤها: فاعل بكثيرة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. مجهولة: صفة ثانية للموصوف المحذوف. ترجي: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. نوافلها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (ترجي نوافلها) في محل رفع خبر المبتدأ المجرور لفظًا برب المقدرة بعد الواو، وإن اعتبرتها صفة ثالثة للموصوف المحذوف، فالخبر محذوف تقديره موجودة. الواو: حرف عطف. يخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع ... الخ. ذامها: نائب فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
стр. 639
٧١ - غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدي رواسيًا أقدامها
المفردات. غلب: غلاظ الأعناق كأنها فحول غلب. تشذر: يتهدد بعضهم بعضًا ويتوعده، وقيل: التشذر رفع اليد ووضعها لأنهم كانوا يفعلون ذلك إذا تفاخروا وتثالبوا، والتشاذر نظر بعضهم إلى بعض بمآخير أعينهم، ومنه قولهم: نظر إليه شذرًا، وتشذر أصله تتشذر حذفت منه تاء المضارعة كما رأيت في البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. الذحول: جمع ذحل، وهو الحقد. الجن: خلق خلقهم الله من نار يروننا ولا نراهم، لذلك سموا الجن من الاجتنان، وهو التغطية والستر كما رأيت في البيت - ٦٥ - فمنهم المؤمن، ومنهم الكافر وكافرهم إذا ازداد عتوًا سمي ماردًا، وإذا ازداد أكثر فأكثر سمي شيطانًا، وإن أردت الزيادة في الكلام عليهم فانظر الكتب المتعلقة بهم. البدي: البادية، وقيل: هو موضع، وقيل: هو واد لبني عامر. رواسيا: ثوابتا، قال تعالى: ﴿أمن جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا، أإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون﴾.
المعنى يقول: إن الغرباء، وأراد بهم الوفود في البيت السابق، أو أراد بهم خصومه رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا ويتوعده بسبب الأحقاد التي بينهم، فهم شبيهون بجن البادية، ثابتون لا يتزحزحون عند مخاصمتهم وجدالهم، فهو يمدح خصومه لأنه كلما كان الخصم أقوى وأشد كان قاهره وغالبه أقوى وأشد.
الإعراب. غلب: صفة أخرى للموصوف المحذوف المجرور برب في البيت السابق، ويجوز في العربية رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أو هم غلب. تشذر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو
стр. 640
هي في محل جر صفة أخرى له على نحو ما رأيت في جملة (ترجي نوافلها) في البيت السابق. بالذحول: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. جن: خبرها، وهو مضاف والبدي مضاف إليه، وجملة (كأنها جن البدي) في محل نصب حال من فاعل تشذر المستتر. رواسيا: حال من جن البدي، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، وصرف (رواسي) لضرورة الشعر، إذ حقه المنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. أقدامها: فاعل برواسي لأنه جمع اسم فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٧٢ - أنكرت باطلها، وبؤت بحقها ... يومًا، ولم يفخر علي كرامها
المفردات. أنكرت باطلها: لم أعترف بما فخر به الوفود من الباطل، والباطل ضد الحق، والحق واحد، وأما الباطل فله أنواع كثيرة وفروع عديدة، قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإني تصرفون؟ ﴾ بؤت: رجعت وانصرفت، قال الرسول ﷺ : باء طلحة بالجنة، وقيل: معناه اعترفت، وفي الدعاء أبوء لك بالنعمة، أي أقر وأعترف. يومًا: انظر البيت رقم - ٥ - من معلقة أمرئ القيس، ويروى مكان (يوما) (عندي) وهذا يؤيد المعنى الثاني لبؤت. الفخر: الارتفاع والتعظيم، يقال: دار فاخرة، أي مرتفعة عظيمة، وناقة فخور، أي عظيمة الضرع. كرام: انظر البيت رقم - ٥٢ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: لم أعترف بما فخر به أولئك الرجال الغلاظ الأعناق من الباطل، ولم أنكر ما كان منها حقًا عندي، ولم يغلبني بالمفاخرة كرامها وشرفاؤها.
الإعراب. أنكرت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية يجوز فها ما جاز
стр. 641
بالجملة الفعلية (ترجي نوافلها) في البيت رقم - ٧٠ - والاستئناف ممكن. وذلك بالإعراض عما قبل البيت، باطلها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. بؤت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. بحقها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل يفخر الاتي، وأما (عندي) على الرواية الثانية فهو ظرف مكان متعلق بحقها لأنه مصدر تأمل المعنى جيدًا، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يفخر: فعل مضارع مجزوم بلم. علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما: كرامها: فاعل يفخر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (لم يفخر ... الخ) معطوفة على جملة (أنكرت باطلها) والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلاً بالإضافة، والرابط الواو والضمير.
٧٣ - وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أجسامها
المفردات. الجزور: هي الناقة التي تشترى للذبح، وجمعها جزائر وجزر. أيسار: جمع يسر وياسر، وهو الذي يضرب بالقداح، والميسر القمار؛ وكانوا يتفاخرون به في الجاهلية لأنهم كانوا يطعمون ما يكسبونه للفقراء والمحاويج، وقد افتخر به طرفة في البيت رقم - ١١٠ - وعنترة في البيت - ٦٩ - الحتف: الموت أو محله، وانظر البيت - ٥١ - وأراد دعوت لنحرها وذبحها. المغالق: هي سهام القمار الواحد مغلق ومغلاق، وإنما سميت مغالق لأنه يجب بها غلوق الرهن. متشابه أجسامها: يشبه بعضها بعضًا، وهي على قدر واحد. ويروى (أعلامها) مكان أجسامها، وهي العلامات، واحدها علم.
стр. 642
المعنى يقول: ورب ناقة أصحاب ميسر دعوت ندمائي لنحرها وذبحها بقداح يشبه بعضها بعضًا، قال بعض الأئمة يفتخر بنحره إياها من صلب ماله لا من كسب قماره، والأبيات التي بعده تدل عليه، والأبيات التي بعده تدل عليه، وإنما أراد السهام ليقرع بها بين إبله أيها ينحر للندماء.
الإعراب. الواو: واو رب. جزور: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وجزور مضاف وأيسار مضاف إليه. دعوت: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: دعوتها، والجملة الفعلية في محل جر صفة جزور، والخبر محذوف تقديره موجودة، ويجوز اعتبار (جزور) مفعولًا مقدمًا لدعوت، فيكون منصوبًا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة ... الخ. لحتفها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بمغالق: جار ومجرور متعلقان بالفعل دعوت، وصرف مغالق لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجموع. متشابه: صفة مغالق. أعلامها: فاعل بمتشابه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٧٤ - أدعو بهن لعاقر، أو مطفل ... بدلت لجيران الجميع لحامها
المفردات. بهن: بهذه المغالق، أي المذكورة في البيت السابق. العاقر: الناقة التي لا تلد، ولم تلحق الهاء عاقر لأنها إنما تلحق للفرق بين المذكر والمؤنث، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث مثل حائض وحامل وطالق، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، هذا قول أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل عانس وامرأة عانس مع الاشتراك؛ وقالوا: امرأة مصبية وكلبة مجرية مع الاختصاص، قالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل وطالق
стр. 643
وحائض ونحوها أوصاف مذكرة وصف بها الإناث كما أن الربعة والراوية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور اهـ مختار الصحاح -ولا تنس قوله تعالى حكاية عن قول زكريا على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام (وكانت امرأتي عاقرًا) وانظر ما ذكرته في مرضع في البيت رقم -٢٣ - من معلقة امرئ القيس-. مطفل: الناقة معها ولدها، ويقال بلحاق الهاء له مثل سابقه، والعاقر من النوق أسمن والمطفل أغلى. البذل: العطاء والجود، وأراد فرق لحمها. الجيران: جمع جار، وهو المجاور لك في المسكن، أو في المتجر، أو في الحقل، ويطلق على الشريك في العقار والخفير والمستجير والحليف والناصر، وجيران جمع كثرة، وجمع القلة جيرة، ويروى (لجيران العشي) أي لمجالسنا بالعشي. لحامها: جمع لحم، يقال. لحم وألحم ولحمان ولحام، ورجل لحيم شحيم، إذا كان كثير اللحم والشحم، ورجل لا حم شاحم، إذا كثر عنده اللحم والشحم، ورجل لحم شحم، إذا كان قرمًا إلى اللحم والشحم، هذا ويجمع اللحم على لحوم أيضًا، قال تعالى في الأضاحي: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم).
المعنى يقول: أضرب بالقداح بين النياق لاستخراج ناقة لا تلد، أو لاستخراج ناقة ذات ولد تذبح، ويفرق لحمها بين جميع الجيران.
الإعراب. أدعو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بهن: جار ومجرور متعلقات بالفعل قبلهما. لعاقر: جار ومجرور متعلقان بالفعل أدعو أيضًا، وعاقر صفة لموصوف محذوف. أو: حرف عطف. مطفل: معطوف على عاقر، وهو أيضًا صفة لموصوف محذوف. بذلت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. لجيران: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجيران مضاف والجميع مضاف إليه. لحامها: نائب
стр. 644
فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (بذلت ... الخ) في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٧٥ - فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
المفردات. الضيف: أراد به النازل غير المقيم. الجار: انظر البيت السابق. الغريب: ويروى مكانه الجنيب وهو بمعنى الغريب، وهما بمنزلة الجانب والجنب، قال تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ هبطا: نزلا، قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعًا﴾ وقال جل ذكره: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو﴾ تبالة: اسم موضع قريب من الطائف، يقال: إنه كثير الخصب، وقال الزوزني والصاغاني: واد، أو بلدة باليمن مخصبة، وفي المثل (أهون من تبالة على الحجاج) وكان عبد الملك بن مروان قد ولاه إياها، فلما أتاها استحقرها فلم يدخلها، وقيل: إنه قال للدليل حين قرب منها: أين هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون علي بعمل تستره عني أكمة، ورجع من مكانه، وفي مثل آخر: (ما حللت تبالة لتحرم الأضياف) أي إن الله لم يخولك هذه النعمة إلا لتجود على الناس. اهـ بغدادي. مخصب: اسم فاعل من أخصب الوادي ونحو إذا كثر كلؤه وخيره. أهضام. جمع هضم، وهو أرض منخفضة فيها نخل كثير.
المعنى يقول: الأضياف والجيران الغرباء إذا نزلوا عندي وحلوا بجواري كأنهم نازلون وادي تبالة في حالة كثرة نبات أماكنه المطمئنة شبه إكرامه للأضياف والجيران بخصب هذا الوادي أيام الربيع.
стр. 645
الإعراب. الفاء: حرف تفريع. الضيف: مبتدأ. الواو: حرف عطف. الجار: معطوف على سابقه. الغريب: صفة الجار. كأنما: كافة ومكفوفة. هبطا: فعل ماض، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل. تبالة: يجوز فيه ما جاز بالاسم الواقع بعد نزل ودخل وسكن انظر البيت رقم -١٨ - من معلقة امرئ القيس، وجملة (كأنما هبطا تبالة) في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه. مخطبًا: حال من تبالة. أهضامها: فاعل بمخصبا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (الضيف ... الخ) لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة.
٧٦ - تأوي إلى الأطناب كل رذية ... مثل البلية، قالص أهدامها
المفردات. تأوي: تلجأ، ويروي بالياء والتاء، فالأول على معنى كل، والثاني على معنى المضاف إليه، وهي رذية. الأطناب: حبال البيت، واحدها طنب، وأراد البيت نفسه. الرذية: هي في الأصل الناقة المهزولة التي قد تركت لهزالها، وأراد بها المرأة التي أرذاها أهلها، أي ألقوها مثل الأرملة التي لا كافل لها ونحوها. البلية: هي الناقة يموت صاحبها، فيشد وجهها بكساء، وتربط عند قبره لا تطعم ولا تسقى حتى تموت. القالص: المرتفع. الأهدام: جميع هدم، وهو البالي من الثياب: وانظر شرح المثل في البيت رقم -٤٤ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: تلجأ إلى بيتي كل امرأة مسكينة ضعيفة لا كافل لها، ثيابها قصيرة بالية لما بها من الفقرة والمسكنة، وقد شبهها بالبلية في قلة تصرفها وعجزها عن الكسب وامتناع الرزق عنها.
الإعراب. تأوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل. إلى الأطناب: جار ومجرور متعلقان بالفعل
стр. 646
قبلهما. كل: فاعل، وهو مضاف وردية مضاف إليه. مثل: صفة رذية، ومثل مضاف والبلية مضاف إليه. قالص: صفة ثانية لرذية. أهدامها: فاعل بقالص، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تأوي ... الخ) مستأنفة لا محل لها-.
٧٧ - ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجًا تمد شوارعًا أيتامها
المفردات. يكللون: التكليل: وضع اللحم متراكمًا بعضه على بعض فوق الجفان. الرياح: انظر أنواعها في البيت رقم -٢ - من معلقة امرئ القيس. تناوحت: قابل بعضها بعضًا، وذلك يكون في الشتاء، ومنه النوائح سميت بذلك لأن كل واحدة تقابل صاحبتها. خلجا: جمع خليج، وهو في الأصل ما امتد من البحر في البر، وأراد بخلجًا جفانًا مثل الخليج. تمد: يزاد فيها. شوارعا: أي يشرعون بالأكل منها. أيتامها: جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه ومن بني آدم من فقد أباه كما يقال لفاقد الأم أيضًا يتيم وأسوأ منهما من فقد أباه وأمه، وهناك يتيم العقل والأدب والتربية والخلق والدين، وهو أسوأ حالًا من الأول، وإن كان بالغًا من العمر الستين والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله در القائل:
ليس اليتيم الذي قد مات والده ... إن اليتيم يتيم العلم والأدب
وهناك يتيم يرى أبويه على قيد الحياة، ولكنهما لا يعيرانه انتباهًا، ولا يحيطانه بالعطف والحنان، وغنما هما مشغولان عنه باقتطاف ملذات الدنيا وشهواتها الدنيئة، ولله در القائل:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هم الحياة وخلفاه ذليلًا
إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أمًا تخلت أو أبًا مشغولًا
стр. 647
المعنى يقول: ونضع اللحم متراكمًا بعضه على بعض فوق جفان كالخليج في وقت اشتداد البرد، واختلاف الرياح يتناول طعامها الفقراء والأرامل واليتامى وذوو الحاجة، ولا تنس ما في البيت من الالتفات بالنسبة لما قبله، وذلك من التكلم إلى الغيبة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. يكللون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. إذا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. الرياح: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. تناوحت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الرياح، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. خلجا: مفعول به للفعل يكللون، وانظر شرح المفردات. تمد: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خلجًا، والجملة الفعلية صفة خلجًا. شوارعا: حال من الضمير المستتر في تمد، وقيل: صفة ثانية لخلجًا، وجوده ابن كيسان، ونون شوارع لضرورة الشعر، إذ حقه المنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، أيتامها: فاعل بشوارعا، وها -ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يكللون ... الخ) مستأنفة لا محل لها-.
٧٨ - إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها
المفردات. غنا: ويروى مكانه (كنا) قال ابن كيسان: (إنا) أبلغ في المدح من كنا. المجامع: ويروى مكانه (المحافل) اللزاز: هو الذي يلزم الشيء
стр. 648
ويعتمد عليه فيه، ومنه سميت الخشبة التي يشد بها الباب لزازًا، وهي المترس. الجشام: المكتلف للأمور القائم بها، وروى الأصمعي (جسامها) بالسين، أي ركاب معظمها كما يروى (حسامها) بمعنى قطاعها، يقال: قد حسمت هذا الأمر: أي قطعته، وانظر حسام في البيت رقم -٨٦ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إذا اجتمع الناس للفخار، أو لعظيم من الأمر كان الذي يقوم بذلك، ويحكمه منا.
الإعراب. إنا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.
التقت: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة المحركة بالكسرة لالتقاء الساكنين أيضًا. المجامع: فاعل، وجملة (التقت المجامع) في محل جر بإضافة إذا إليها.
لم: حرف نفي وقلب وجزم. يزل: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم. منا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر مقدم. لزاز: اسم يزل مؤخر؛ وهو صفة لموصوف محذوف، ولزاز مضاف وعظيمة مضاف إليه، إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. جشامها: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجملة (لم يزل .. الخ) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية (إنا .. الخ) لا محل لها لأنها مستأنفة.
٧٩ - ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها
стр. 649
المفردات. مقسم: يعطي ويقسم بالعدل وغيره. العشيرة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. مغذمر: قال الأصمعي: المغذمر الذي يضرب بعض حقوق الناس ببعض، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، وقال أبو عبيدة: هو الذي لا يعصى أمره ولا يرد قوله، وقيل: المغذمر هو الذي يعطي الشيء، ولا يلتفت إليه، ولا يبالي به-. الهضام: هو الذي ينقص قوماً ويعطي قومًا بتدبير، وقد وثق في ذلك، وأصل الهضم الكسر، يقال/ أهضم له من حقك أي اكسر له، ومن ثم قيل: رجل هضوم الشتاء، أي يكسر ما له في الشتاء، ومنه هضيم الحشا، وفي الأرض هضوم، أي مطمأنات، قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾.
المعنى يقول: وفينا أو ومنا مقسم يقسم الغنائم، فيوفر على العشائر حقوقها، ويغضب عند إضاعة شيء من حقوقها ويهضم حق نفسه، ومنا السيد الذي يملك أمور القوم جبرًا وهضمًا في أوقاتها على اختلافها، فإن أساؤا هضم حقهم، وإن أحسنوا غضب من أجلهم.
الإعراب. الواو: حرف عطف. مقسم: مبتدأ خبره محذوف تقديره منا، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية (لم يزل .. الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها، وجوز عطفه على (لزاز) في البيت السابق عطف مفرد على مفرد، والمعنى على الأول أقوى، ومقسم صفة لموصوف محذوف. يعطي: فعل مضارع مرفوع، ولعامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف. العشيرة: مفعول به أول. حقها: مفعول به ثان، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يعطي ... الخ) في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف. الواو: حرف عطف. مغذمر: يجوز فيه ما جاز بمقسم، وهو أيضًا
стр. 650
صفة لموصوف محذوف. لحقوقها: جار ومجرور متعلقان بمغذمر. هضامها: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه.
٨٠ - فضلًا، وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب غنامها
المفردات. فضلًا: يفعل ذلك تفضلًا من غير وجوب عليه. ذو كرم: صاحب شرف وقدر رفيع. الندى: الجود والعطاء، ويروى مكانه (العلا) وهو رفعة القدر وعلو الشأن. سمح: سهل الأخلاق. كسوب: مبالغة كاسب. رغائب: جمع رغيبة، وهي ما يرغب فيه من شيء نفيس، أو خصلة شريفة ونحوهما. غنام: مبالغة غانم.
المعنى يقول: إن السيد المذكور في البيت السابق يفعل ذلك تفضلًا منه، ومنا كريم يعين أصحابه على الكرم يعين أصحابه على الكرم سمح الأخلاق يكسب رغائب المعالي ويغتنمها.
الإعراب. فضلا: حال من فاعل يعطي في البيت السابق، أو هو مفعول لأجله، وإن اعتبرت العامل محذوفًا، التقدير: يفعل ذلك فضلًا فلست مفندًا. الواو: حرف عطف. ذو: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعة الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، والخبر محذوف تقديره: وفينا .. الخ وقال آخرون: هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهو ذو كرم، وجوز عطفه على لزاز في البيت -٧٨ - وذو مضاف وكرم مضاف إليه، وذو كرم صفة لموصوف محذوف. يعين: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف. على الندى: متعلقان بالفعل قبلهما. سمح: خبر لمبتدأ محذوف. كسوب: خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، وكسوب مضاف ورغائب مضاف إليه من إضافة
стр. 651
اسم الفاعل لمفعوله، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجموع، وفاعل كسوب ضمير مستتر فيه. غنامها: خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، ويجوز أن يكون هو وسابقه من تعدد الخبر، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه.
٨١ - من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
المفردات. معشر: اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل نفر ورهط وقوم. السنة: الطريقة قد تكون حسنة وقد تكون سيئة. فهنيئًا لمن سن سنة حسنة، وويل لمن سن سنة سيئة، وسنة الله في خلقه أن ينصر الحق وأهله وأن يبيد الباطل وأهله، قال تعالى: ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلًا﴾ وقال: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا﴾ قوم: انظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. الإمام: المثال، وهو أيضًا الرجل الذي يقتدى به، قال تعالى مبينًا طلب المؤمنين: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعينٍ واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ والإمام الكتاب والرسول قال تعالى: ﴿يوم ندعوا كل أناسٍ بإمامهم﴾ والإمام الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى: ﴿وإنهما لبإمامٍ مبينٍ﴾.
المعنى يقول: ممدوحة من قوم سنت لهم آباؤهم أفعال الكرم والجود وكسب الأفعال المجيدة، ثم قال: ولكل قوم سنة، وإمام يؤتم به في فعل الخير وصنائع المعروف ..
الإعراب. من معشر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقدير هو، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره ورثنا هذه الأفعال من معشر. سنت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. لهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم حرف دال على جمع الذكور. آباؤهم: فاعل
стр. 652
سنت، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف انظر المعنى، وجملة (سنت ... الخ) في محل جر صفة معشر. الواو: تحتمل العطف والاستئناف والحالية. لكل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وكل مضاف وقوم مضاف إليه. سنة: مبتدأ مؤخر. الواو: حرف عطف. إمامها: معطوف على سابقة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (لكل ... الخ) لا محل لها على العطف والاستئناف، وفي محل نصب حال على الرأي الثالث من آباؤهم، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾.
٨٢ - إن يفزعوا تلق المغافر عندهم ... والسن يلمع كالكواكب لامها
هذا البيت تفرد التبريزي بروايته.
المفردات. يفزعوا: الفزع في الأصل الخوف والذعر، تقول: فزع إليه وفزع منه كلاهما من باب طرب، ولا تقل: فزعه، والمفزع بوزن المجمع الملجأ، وفلان مفزع للناس يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، أي إذا دهمهم أمر فزعوا إليه، والفزع أيضًا الإغاثة، وهو المراد هنا، قال النبي ﷺ للأنصار: (إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع) اهـ مختار الصحاح، والإفزاع الإخافة والإغاثة أيضًا، وهذا يعني أن هذه المادة من الأضداد. تلقى: توجد. المغافر: جمع مغفر، وهو زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. السن: أراد الأسنة، جمع سنان. لامها: جمع لأمة بهمزة وغيره، وهي الدرع، وفي غزوة أحد، قال الرسول ﷺ : (لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل).
المعنى يقول: إن النفر المذكورين في البيت السابق إن هبوا لإغاثة من يستجير بهم تجد المغافر موجودة عندهم؛ وتجد الأسنة كذلك عندهم حال
стр. 653
كون الدروع تلمع كالنجوم الساطعة في ظلمة الليل البهيم.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يفزعوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف ألف الفارقة، والجملة لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير طرفي-. تلق: بالبناء للمعلوم والبناء للمجهول فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. المغافر: مفعول به، فيكون فاعل (تلق) ضمير مستترًا فيه وجوبًا تقديره أنت، أو هو نائب فاعل (تلق) فيكون مرفوعًا. عندهم: ظرف مكان متعلق بالفعل (تلق) والهاء ضير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (تلق ... الخ) لا محل لها من الأعراب لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية. الواو: حرف عطف. السن: معطوف على المغافر، فيجوز فيه الرفع والنصب مثله. يلمع: فعل مضارع. كالكواكب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولًا مطلقًا للفعل يلمع، والتقدير: يلمع لمعانًا كائنًا كلمعان الكواكب، وهذا غير قول سيبويه-. لامها: فاعل يلمع، وهل: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يلمع ... الخ) في محل نصب حال من واو الجماعة في (يفزعوا) والرابط الضمير العائد بدوره على الواو، والتقدير: لام جماعتها، أي جماعة القوم، وإن اعتبرت الجملة حالًا من السن. فيكون الرابط أيضًا الضمير، ويكون عائدًا عليها للملابسة.
٨٣ - لا يطبعون، ولا يبور فعالهم ... إذ لا تميل مع الهوى أحلامها
المفردات. لا يطبعون: الطبع تدنس العرض، وتلطخه، يقال: طبع
стр. 654
السيف إذا دخله مثل الجرب من شدة الصدأ وطبع الرجل فهو طبع إذا أتى عيبًا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني، إلى طبع، أي إلى دنس، قال ثابت بن قطنة:
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفة من قوام العيش تكفيني
هذا والطبع السجية التي جبل عليها الإنسان، والطبع التأثير في الشيء، والطبع الختم على القلب بحيث لا تؤثر فيه الموعظة ولا تجدي معه النصيحة، وكثير في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ البوار: الهلاك، يقال: بار الطعام إذا كسد وهلك، ويقال: نعوذ بالله من بوار الأيم، أي من كسادها، قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانيةً يرجون تجارةً لن تبور﴾ الفعال: بفتح الفاء الكرم والجود، وبكسرها على أنه جميع فعل. تميل: انظر البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس. الهوى: بالقصر ميل النفس إلى ما تحب. وإذا مد فالمراد به ما بين السماء والأرض، وكل خال هواء وقوله تعالى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ يقال: إنه لا عقول لهم وعن ابن جريج معناه صفر خالية من الخير، ويقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء -وانظر البيت رقم -٥٢ - من معلقة امرئ القيس-. الأحلام: المراد به العقول هنا على أنه جمع حلم، وانظر البيت -٥١ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت -٨١ - لا تتدنس أعراضهم بعار، ولا تفسد أفعالهم، بل تذيع وتنتشر فتبقى ابد الهر، لأنهم لا يميلون مع هواهم، بل تتغلب العقول على الهوى.
الإعراب. لا: نافية. يطبعون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل،
стр. 655
والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في البيت السابق، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. يبور: فعل مضارع. فعالهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. إذ: حرف تعليل. لا: نافية. تميل: فعل مضارع. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف والهوى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. أحلامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (لا تميل ... الخ) لا محل لها لأنها تعليلية.
٨٤ - فاقنع بما قسم المليك، فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
المفردات. اقنع: أمر من القناعة، وهي الرضا بما قسم الله من الرزق، والفعل قنع بكسر النون يقنع بفتحها لا من قنع بفتح النون إذا سأل وتذلل، وعليه قولهم: والعبد حر إن قنع، والحر عبد إن قع، واسم الفاعل منهما قانع، فهو من الأضداد، وبهما فسر (قانع) من قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾. المليك: هو والملك بمعنى واحد، والجمع ملوك وأملاك، قال تعالى: ﴿إن المتقين في جناتٍ ونهرٍ * في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ﴾ الخلائق: جمع خليقة، وهي السجية والطبع، ويروى (المعايش) العلام: هو الله تعالى، وفي القرآن الكريم: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾.
المعنى يقول: فارض أيها العبد بما قسم الله تعالى؛ فإن الله تعالى قد قسم الأرزاق، والأخلاق في قديم الأزل قال الرسول ﷺ : (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم).
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. اقنع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر
стр. 656
فيه وجوباً تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب (بما) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. قسم: فعل ماض. المليك: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: بالذي قسمه المليك، وإن اعتبرت (ما) مصدرية، فتؤول مع الفعل بمصدر يجر بالباء، والتقدير: بقسمة المليك. الفاء: حرف تعليل، إنما: كافة ومكفوفة. قسم فعل ماض. الخلائق: مفعول به. بيننا: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. علامها: فاعل قسم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (قسم .. الخ) لا محل لها لأنها تعليلية.
٨٥ - وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
المفردات. الأمانة: خلق عربي كريم، وقد جاء الإسلام حاثًا عليه، آمرًا بالقيام به، أمارة الإيمان وضده أمارة النفاق، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم في هذا الشأن أكثر من أن تحصر عدًا. قسم بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد. معشر: انظر البيت رقم -٨١ - أوفى: ارتفع، ويقال: معناه وفي الذي يقسم لنا وأعطانا أعظم الحظ، ويقال: وفيت وأوفيت، قال طفيل الغنوي:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها
أعظم: ويروى مكانه (أفضل) و (أوفر) حظنا: نصيبنا، والحظ ضد النحس، وعليه قول القائل:
لا تطلبن بغير حظ رتبه ... قلم الأديب بغير حظ مغزل
стр. 657
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح، وهذا أعزل
هذا ويروى (حقنا) قسامها: أراد به المولى جل علاه.
المعنى يقول: وإذا تفاخر الأقوام بأداء الأمانات، فإننا في المحل الأرفع والمكانة العليا في هذه الصفة الجليلة القدر، ولا غرو لأن الله هو الذي خصنا بالقسط الأوفر منها حين قسم الحظوظ من تلك الصفة النبيلة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. الأمانة: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده واقع شرطًا لإذا، والفعل المحذوف وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. قسمت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستر فيه تقديره هي يعود إلى الأمانة، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. في معشر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أوفى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. بأعظم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل الباء حرف جر زائد، وعليه فأعظم مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأعظم مضاف وحظنا مضاف إليه، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قسامها: فاعل أوفى، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أوفى ... الخ) جواب إذا لا محل لها من الأعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
٨٦ - فبنى لنا بيتا رفيعًا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
стр. 658
المفردات. بنى لنا بيتا: أراد بيت الشرف والعز والسؤدد لا البيت الحقيقي كما يظهر؛ والفاعل هو الله تعالى كما ترى هذا وروى التبريزي والأنباري البيت بعد رقم -٨٣ - وقال التبريزي: فبنى، يعني الإمام، كما رواه بلفظ (فبنوا) وقال: يعني الآباء، وأرى أن روايته هنا أجود معنى وأتم سبكًا. السمك: الارتفاع والسمك السقف، أو هو من أعلى البيت إلى أسفله، قال تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ وقال الأنباري: سمكه شرفه. سما: من السمو، وهو الارتفاع والعلو. الكهل: هو الذي جاوز الثلاثين من عمره، والأنثى كهلة، فيقال: اكتهل الرجل صار كهلًا، ولا يقال: كهل، ودون الكهل الشاب، ودونه الغلام، والضمير المجرور بالإضافة يعود إلى العشيرة، وانظر -شرح الغلام في البيت رقم -٦٨ - من معلقة امرئ القيس-.
المعنى يقول: إن الله تعالى بنى لنا بيت شرف عالي السقف راسخ الأساس، فتطلع إلى ذلك الشرف أبناء العشيرة جميعهم، شيبهم وشبابهم، كهولهم وغلمانهم.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. بنى: فعل ماضي مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الله تعالى المعبر عنه بقسام الحظوظ في البيت السابق، أو بالمليك بسابقه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف كما ترى. لنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بيتا: مفعول به. رفيعًا: صفة بيتًا. سمكه: فاعل برفيعًا لأنه صفة مشبهة؛ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الفاء: حرف عطف وسبب. سما: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. إليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كهلها: فاعل سما. وغلامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: فيهما ضمير متصل في
стр. 659
محل جر بالإضافة، وجملة (سما ... الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا.
٨٧ - وهم السعادة إذا العشيرة أفظعت ... وهمو فوارسها، وهم حكامها
المفردات. السعاة: جمع الساعي، وأراد سعاة في الخير من إصلاح بين العشيرة أو غيرها بما يتحملون من الديات وغير ذلك. العشيرة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. أفظعت: حل بها أمر فظيع ويروى (أقطعت) أي غلبت، والمقطع المغلوب، وقال بعض أهل اللغة: المقطع الذي لا حليلة له ولا قوة.
فوراسها: جمع فارس، وهو شاذ لأن فواعل لا يكون جمعًا لفاعل إلا إذا كان فيه واحد من ثلاثة أمور: أحدها أن يكون اسمًا، نحو كاهل وكواهل وعاتق وعواتق، وثانيها أن يكون صفة لمؤنث عاقل، نحو حائض وحوائض، وطالق وطوالق، أو صفة لمؤنث غير عاقل، نحو ناقة حاسر ونوق حواسر، وثالثها أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، نحو فرس صاهل وأفراس صواهل، هذا وكما شذ هذا الجمع الذي هو صفة لمذكر عاقل شذ تسعة ألفاظ من أوصاف العاقلين، فجاءت مجموعة هذا الجمع من غير أن تستحقه قياسًا.
وهي فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وغائب وغوائب، وشاهد وشواهد، وحاسر وحواسر، وحاجب وحواجب، وخاطئ وخواطئ، وحاج وحواج، ورافد وروافد، وناكس ونواكس، كلن حسنه في كل ذلك انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث، لأنهم يقولون: امرأة فارسة .. الخ، فبعد بهذا عن الصفة، فهو كالاسم، إذ الفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء إنما يكون في الصفات، وأراد بقوله: هم فوارسها، أي الذين يمنعون العشيرة ويحمونها من أعدائها، وأراد بقوله: هم حكامها، أي الذين يرجع إلى رأيهم، ويقبل
стр. 660
قولهم، ولا يرد فيما أصدروه وأوردوه.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - إذا أصاب العشيرة أمر عظيم سعوا بدفعه وكشفه، وهم الذين يمنعون العشيرة ويحمونها من أعدائها، وهم حكامها عند تخاصمها يقبل قولهم، ولا يرد فيما أصدروه وأوردوه، وهو يريد رهطه الأدنين.
الإعراب. الواو: ويروى بالفاء، وكلاهما حرف استئناف. هم: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين. السعاة: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالسعاة. لأنه جمع ساع. العشيرة: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده: والفعل المحذوف وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وإن اعتبرت إذا شرطية فالفعل المحذوف فعل شرطها، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه. أفظعت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى العشيرة، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. الواو: حرف عطف. همو: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. فوارسها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وإعراب الجملة الثانية مثلها.
٨٨ - وهمو ربيع للمجاور فيهمو ... والمرملات إذا تطاول عامها
المفردات. هم ربيع: أي هم بمنزلة الربيع في الخصب لمن
стр. 661
جاورهم، وانظر شرح المجاورة في البيت -٧٤ - المرملات. هن اللواتي لا أزواد لهن، وهن اللواتي قد مات أواجهن، وهو المراد هنا لأن قوله (إذا تطاول عامها) يدل لعيه؛ لأن المرأة إذا توفى عنها زوجها أقامت عامًا لا تتزوج، ونزل بذلك القرآن قال تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصيةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراجٍ﴾ ثم نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - بمنزلة الربيع في الخصب لمن جاورهم لعموم نفعهم، وإحيائهم إياه بجودهم وسخائهم كما يحي الربيع الأرض الموات، وكذلك هم بمنزلة الربيع للنساء اللاتي فقدن أزواجهن فطال عامها لأن أيام الشدة تستطال كما رأيت في البيت رقم -٦٥ - من معلقة طرفة.
الإعراب. الواو: حرف عطف. همو: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. ربيع: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. للمجاور متعلقان بمحذوف صفة ربيع. فيهمو: جار ومجرور متعلقان بالمجاور، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. الواو: حرف عطف. المرملات: معطوف على المجاور. إذا: متعلق بالمرملات مبني على السكون في محل نصب. تطاول: فعل ماض. عامها: فاعل، وها: ضمير متصل في حل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها.
٨٩ - وهم العشيرة أن يبطئ حاسد ... أو أن يلوم مع العدى لوامها
المفردات. هم العشيرة: فيه مدح، كما تقول: هو الرجل، أي هو
стр. 662
الرجل الكامل المعروف بالشجاعة والنجدة وغير ذلك. يبطئ: من بطأه إذا ثبطه عن الأمر، قال الرسول ﷺ : (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي من أخره عمله عن السبق مع السابقين إلى الجنة. حاسد: اسم فاعل من الحسد، وهو أن تتمنى زوال نعمة المحسود إليك، وهو من شر ما يتصف به إنسان. يلوم: من اللوم، وهو التوبيخ والتأنيب والتقريع بمعنى واحد. العدى: الأعداء، والاختيار فيه كسر العين إذا لم يكن فيه هاء، وقد تضم، فإذا أدخلت الهاء ضمت العين لا غير، وانظر شرح (عدو) في البيت رقم -٢٣ - من معلقة زهير، ويروى الشطر الثاني هكذا (أو أن يميل مع العدو لئامها) فانظر شرح يميل في البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس، واللئام جمع لئيم، وهو الدنيء المنحط الأخلاق، وقال الزوزني: قوله (أن يبطئ حاسد) معناه على قول البصريين كراهية أن يبطئ حاسد وكراهية أن يميل، وعند الكوفيين أن لا يبطئ حاسد، وأن لا يميل كقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ أي كراهية أن تضلوا، أو يبين الله لكم أن لا تضلوا، أي كي لا تضلوا.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - يد واحدة على من سواهم كراهية أن يثبط حاسد وحاقد بعضهم عن نصر بعض، وكراهية أن يلوم لائمهم مع الأعداء، ويظاهروهم على الأقارب.
الإعراب. الواو: حرف عطف. هم العشيرة: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. أن: حرف ناصب. يبطئ: فعل مضارع منصوب بأن. حاسد: فاعل مرفوع، وأن المصدرية والفعل يبطئ في تأويل مصدر في محل جر بالإضافة لمفعول لأجله محذوف على تقدير البصريين، أو في محل جر بحرف جر محذوف على تقدير الكوفيين، والجار والمجرور متعلقان بالعشيرة، لأنه مؤول بمشتق كما رأيت
стр. 663
في المفردات أو: حرف عطف. أن: حرف ناصب. يلوم: فعل مضارع منصوب بأن. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ومع مضاف والعدى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. لوامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من أن والفعل يلوم معطوف على المصدر المؤول السابق على الوجهين المعتبرين فيه. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
стр. 664
(٦) معلقة عنترة بن شداد العبسي
стр. 665
فهرست أبيات معلقة عنترة بن شداد العبسي
١ - هل غادر الشعراء من متردم؟ ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
٢ - إلا رواكد بينهن خصائص ... وبقية من نؤيها المجرنثم
٣ - أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم كالأصم الأعجم
٤ - ولقد حبست بها طويلًا ناقتي ... ترغو إلى سفع الرواكد جثم
٥ - يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا، دار عبلة، واسلمي
٦ - دار لانسة غضيض طرفها ... طوع العناق، لذيذة المتبسم
٧ - فوقفت فيها ناقتي، وكأنها ... فدن لأقضي حاجة المتلوم
٨ - وتحل عبلة بالجواء، وأهلنا ... بالحزن، فالصمان، فالمتثلم
٩ - وتظل عبلة في الخزوز تجرها ... وأظل في حلق الحديد المبهم
١٠ - حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
١١ - حلت بأرض الزائرين، فأصبحت ... عسرًا علي طلابك، ابنة مخرم
١٢ - علقتها عرضًا، وأقتل قومها ... زعمًا -لعمر أبيك- ليس بمزعم
١٣ - ولقد نزلت، فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
١٤ - كيف المزار، وقد تربع أهلها ... بعنيزتين، وأهلنا بالغيلم
١٥ - إن كنت أزمعت الفراق، فإنما ... زمت ركابكمو بليل مظلم
١٦ - ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
١٧ - فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافية الغراب الأسحم
١٨ - فصغارها مثل الدبى، وكبارها ... مثل الضفادع في غدير مفعم
стр. 666
١٩ - ولقد نظرت غداة فارق أهلها ... نظر المحب بطرف عيني مغرم
٢٠ - وأحب لم أسقيك غير تملق ... والله، من سقم أصابك من دمي
٢١ - إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ المطعم
٢٢ - وكأنما نظرت بعيني شادن ... رشأ من الغزلان ليس بتوءم
٢٣ - وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
٢٤ - أو روضة أنفًا تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
٢٥ - أو عاتقًا من أذرعات معتقًا ... مما تعتقه ملوك الأعجم
٢٦ - نظرت إليه بمقلة مكحولة ... نظر المليل بطرفه المتقسم
٢٧ - وبحاجب كالنون زين وجهها ... وبناهد حسن، وكشح أهضم
٢٨ - ولقد مررت بدار عبلة بعدما ... لعب الربيع بربعها المتوسم
٢٩ - جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم
٣٠ - سحًا وتسكابًا، فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
٣١ - وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردًا مفعل الشارب المترنم
٣٢ - هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
٣٣ - تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
٣٤ - وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكلة نبيل المحزم
٣٥ - هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم؟
٣٦ - خطارة غب السرى زيافة ... تطس الإكام بوخد خف ميثم
٣٧ - وكأنما أقص الإكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم
٣٨ - تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لعجم طمطم
٣٩ - يتبعن قلة رأسه، وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم
٤٠ - صعل يعوذ بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
٤١ - شربت بماء الدحرضين، فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
٤٢ - وكأنما تنأى بجانب دفها الـ ... ـوحشي من هزج العشي مؤوم
٤٣ - هر جنيب كلما عطفت له ... غضبي اتقاها باليدين وبالفم
٤٤ - أبقى لها طول السفار مقرمدًا ... سندًا، ومثل دعائم المتخيم
стр. 667
٤٥ - بركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
٤٦ - وكأن ربًا، أو كحيلًا معقدًا ... حش الوقود به جوانب قمقم
٤٧ - ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم
٤٨ - إن تغدفي دوني القناع، فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم
٤٩ - أثني علي بما عملت فإنني ... سهل مخالفتي، إذا لم أظلم
٥٠ - وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
٥١ - ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
٥٢ - بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
٥٣ - فإذا شربت، فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
٥٤ - وإذا صحوت، فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
٥٥ - وحليل غانية تركت مجدلًا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
٥٦ - سبقت يداي له بعاجل طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم
٥٧ - هلا سألت الخيل، يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
٥٨ - لا تسأليني، واسألي بي صحبتي ... يم يديك تعففي وتكرمي
٥٩ - إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
٦٠ - طورًا يجرد للطعان، وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم
٦١ - يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغي، وأعلف عند المغنم
٦٢ - فأرى مغانم، لو أشاء حويتها ... ويصدني عنها الحيا وتكرمي
٦٣ - ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربًا، ولا مستسلم
٦٤ - جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
٦٥ - برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس الذئاب الضرم
٦٦ - فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
٦٧ - فتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم
٦٨ - ومسك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
٦٩ - ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
٧٠ - لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
стр. 668
٧١ - فطعنته بالرمح، ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم
٧٢ - عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان، ورأسه بالعظلم
٧٣ - بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذي نعال السبت ليس بتوءم
٧٤ - ولقد ذكرتك، والرماح نواهل ... مني، وبيض الهند، تقطر من دمي
٧٥ - فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
٧٦ - يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي، وليتها لم تحرم
٧٧ - فبعثت جاريتي، فقلت لها: اذهبي ... فتجسسي اخبارها لي، واعلمي
٧٨ - قالت: رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمي
٧٩ - وكأنها التفتت بجيد جداية ... رشًإ من الغزلان حر أرثم
٨٠ - نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
٨١ - ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
٨٢ - في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
٨٣ - إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها، ولكني تضايق مقدمي
٨٤ - لما سمعت نداء مرة قد علا ... وابني ربيعة في الغبار الأقتم
٨٥ - ومحلم يسعون تحت لوائهم ... والموت تحت لواء آل محلم
٨٦ - أيقنت أن سيكون عند لقائهم ... ضرب يطير عن الفراخ الجثم
٨٧ - لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون، كررت غير مذمم
٨٨ - ولقد هممت بغارة في ليلة ... سوداء حالكة كلون الأدلم
٨٩ - يدعون عنتر، والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
٩٠ - كيف التقدم، والرماح كأنها ... برق تلألأ في السحاب الأركم؟
٩١ - كيف التقدم، والسيوف كأنها ... غوغا جراد في كثيب أهيم؟
٩٢ - فإذا اشتكى وقع القنا بلبانه ... أدنيته من سل عضب مخذم
٩٣ - ما زلت أرميهم بغرة وجهه ... ولبانه حتى تسربل بالدم
٩٤ - فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
٩٥ - لو كان يدري ما المحاورة؟ اشتكى ... ولكان، لو علم الكلام، مكلمي
٩٦ - آسيته في كل أمر نابنا ... هل بعد أسوة صاحب من مذمم؟
стр. 669
٩٧ - فتركت سيدهم لأول طعنة ... يكبو صريعًا لليدين، وللفم
٩٨ - ركبت فيه صعدًة، هنديًة ... سمحاء، تلمع، ذات حد لهذم
٩٩ - ولقد شفى نفسي، وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
١٠٠ - والخيل تقتحم الخبار عوابسًا ... من بين شيظمة وأجرد شيظم
١٠١ - ذلل ركابي حيث شئت مشايعي ... قلبي، وأحفزه بأمر مبرم
١٠٢ - ولقد خشيت بأن اموت، ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
١٠٣ - الشاتمي عرضي، ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي
١٠٤ - أسد علي، وفي العدو أذلة ... هذا، لعمرك، فعل مولى الأشأم
١٠٥ - إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع، وكل نسر قشعم
١٠٦ - إني عداني أن أزورك، فاعلمي ... ما قد علمت، وبعض ما لم تعلمي
١٠٧ - حالت رماح ابني بغيض دونكم ... وزوت جواني الحرب من لم يجزم
١٠٨ - يا عبل لو أبصرتني لرأيتني ... في الحرب أقدم كالهزبر الضيغم
١٠٩ - ولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل بابني حذلم
١١٠ - إذ يتقى عمرو، وأذعن غدوًة ... حذر الأسنة، إذ شرعن لدلهم
١١١ - يحمي كتيبته، ويسعى خلفها ... يفري عواقبها كلدغ الأرقم
١١٢ - ولقد كشفت الخدر عن مربوبة ... ولقد رقدت على نواشر معصم
١١٣ - ولرب يوم قد لهوت وليلة ... بمسور ذي بارقين مسوم
стр. 670
معلقة عنترة بن شداد العبسي
اسمه ونسبه
هو عنترة بن شداد الذي ينتهي نسبة إلى قبيلة بني عبس، فبني غطفان، فبني قيس، أمه أمة حبشية، يقال لها: زبيبة ، سباها أبوه في بعض الغارات؛ وكان لها ولد عبيد من غير شداد، وكانوا إخواته لأمه، فولدت له عنترة فجاء أسود اللون، مشقوق الشفة السفلي، وقد عد لسواده من أغربة العرب، لأن السواد لم يكن شائعًا في العرب، وعدوا منهم غير عنترة، خفاف بن ندبة، والسليك بن السلكة وكلهم من الشعراء الفتاك في الجاهلية، وكل واحد منهم ينسب إلى أمه.
وكان من عادة العرب في الجاهلية استرقاق أولاد الإماء، فنشأ عنترة عبدًا لأبيه يرعى إبله. يحتقره أفراد عشيرته لأنه عبد، ويأبون أن يشاطروه ما يحصلون عليه من الأسلاب في غزواتهم، ويلقبونه بابن السوداء، فحز ذلك في نفسه؛ وكان محبًا لعبلة ابنة عمه مالك، ولكن دمامة خلقه ووضاعة نسبه كانتا تجعلانه غير جدير بها، فرأى أن خير ما يمحو به دمامة شكله، وهجنة نسبه، أن يكون فارسًا مقدامًا، فينال شرف الدفاع عن قبيلته، وتعلو منزلته، ويصبح جديرًا بابنة عمه؛ ويظفر بحريته، وقد نال حريته فعلًا بفضل استبساله في الدفاع عن قومه.
فيذكر لنا أبو الفرج في الأغاني أن بعض أحياء العرب، أغاروا على بني
следующие страницы →