Полный текст (1 090 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
١٩ - يمينًا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حالٍ من سجيلٍ ومبرم
٢٠ - تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا، ودقوا بينهم عكر منشم
٢١ - وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا ... بمالٍ ومعروفٍ من القول نسلم
٢٢ - فأصبحتما منها على خير موطنٍ ... بعيدين فيها من عقوقٍ ومأثم
٢٣ - عظيمين في عليا معدٍّ، هديتما ... ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
٢٤ - وأصبح يحدي فيهمو من تلادكم ... مغانم شتى من إفالٍ مزنم
٢٥ - تُعفى الكلوم بالمئين، فأصبحت ... بنجمها من ليس فيها بمجرم
٢٦ - ينجمها قومٌ لقومٍ غرامةً ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم
٢٧ - ألا أبلغ الأحلاف عني رسالةً ... وذبيان: هل أقسمتمو كل مقسم؟
٢٨ - فلا تكتمن الله مت في صدوركم ... ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
٢٩ - يؤخر، فيوضع في كتابٍ فيدخر ... ليوم الحساب! أو يعجل فينقم
٣٠ - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجم
٣١ - متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
٣٢ - فتعرككمو عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافًا، ثم تنتج، فتتئم
٣٣ - فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عادٍ، ثم ترضع فتفطم
٣٤ - فتغلل لكم ما لا تُغل لأهلها ... قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهم
٣٥ - لحىًّ حلالٍ يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
٣٦ - كرامٍ، فلا ذو الضغن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
٣٧ - رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا ... غمارًا تسيل بالسلاح وبالدم
٣٨ - فقضوا منايا بينهم، ثم أصدروا ... إلى كلأٍ مستوبلٍ مُتوخم
٣٩ - لعمري لنعم الحي جر عليهمو ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
٤٠ - وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ ... فلا هو أبداها، ولم يتقدم
٤١ - وقال: سأقضي حاجتي، ثم أتقي ... عدوي بألفٍ من ورائي ملجم
٤٢ - فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرةً ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
٤٣ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ ... له لبد أظفاره لم تقلم
٤٤ - جريء متى يُظلم يعاقب بظلمه ... سريعًا، وإلا يبد بالظلم يظلم
стр. 807
٤٥ - لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن هيكٍ، أو قتيل المثلم
٤٦ - ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ ... ولا وهبٍ منها ولا ابن المخزم
٤٧ - فكلاًّ أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات ألفٍ بعد ألفٍ مصتم
٤٨ - ومن يعض أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهدم
٤٩ - ومن يوف لا يذمم، ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
٥٠ - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
٥١ - ومن يك ذا فضلٍ، فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
٥٢ - ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه ... ولا يعفها يومًا من الذم يندم
٥٣ - ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
٥٤ - ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم
٥٥ - ومن لا يصانع في أمورٍ كثيرةٍ ... يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
٥٦ - ومن يجعل المعروف ن دون عرضه ... يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
٥٧ - ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذمًا عليه ويندم
٥٨ - سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش ... ثمانين، حولاً- لا أبالك- يسأم
٥٩ - رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم
٦٠ - ومهما تكن عند امرئٍ من خليفةٍ ... وإن خالها تخفي على الناس تعلم
٦١ - وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي
٦٢ - وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته، أو نقصه في التكلم
٦٣ - لسان الفتى نصفٌ، ونصفُ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
٦٤ - وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
٦٥ - سألنا فأعطيتم، وعدنا فعدتمو ... ومن أكثر التسآل يومًا سيحرم
стр. 808
(معلقة زهير)
نسب زهير وأسباب نظمه المعلقة
هو زهير بن أبي سلمى المزني- وليس في العرب سلمى بضم السين غيره- وأبو سُلمى اسمه ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن لاطم بن عثمان بن مزينة بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر، وكان من أمر أبي سلمى أنه هجر قومه، وعاش مع أخواله بني مرة إحدى قبائل غطفان، لهذا فهو مزني بالنسب غطفاني بالمحالفة، وعاش زهير مع أخوال أبيه كذلك.
كان زهير وقورًا مشهورًا برزانته للسلام، وقد نظم معلقته هذه على أثر الحرب التي دارت رحاها بين بني عبس وفزارة، بسبب سباقٍ بين داحسٍ فرس قبس بن زهير سيد بني عبس، والغبراء فرس حمل بن بدر سيد بن فزارة من غطفان، وذلك أن زهيرًا وحملاً تراهنا على مئة بعير، يدفعها من يخسر السباق إلى من يربحه، ولما كان اليوم المعين بعث حمل بن بدر من يكمن لداحس، ويرده عن غايته إذا جاء سابقًا، ولما أرسل الفرسان برز داحس عن الغبراء حتى شارف الغاية: ودنا من الكمين، فوثبوا عليه، وردوه فسبقت الغبراء.
ثم أرسل حمل بن بدر ابنه مالكًا إلى قيس يطلب منه حق السبق، فأبى قيس دفعه وقتل مالكًا، فكان ذلك باعثًا على الحرب، وقد طالت هذه
стр. 809
الحرب، وكثر فيها القتلى حتى أصبح بين المتحاربين هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة، - المريان انظر بيت رقم- ١٧ - ودفعا الديات من مالهما، وقيل إنها بلغت ثلاثة آلاف بعير، وعرفت تلك الحرب بحرب داحس والغبراء.
وكان ورد بن حابس العبسي قد قتل خرم بن ضمضم المري قبل ذلك الصلح، قتله في الحرب المذكورة آنفًا، ولما جرى الصلح لم يدخل حصين ابن ضمضم أخوه في الصلح، وحلف ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس، أو رجلاً من بني عبس، ولم يطلع أحدًا على ما أضمر حتى سنحت له فرصة، فقتل واحدًا من بني عبس- انظر البيت- ٣٩ - وما بعده، ولما بلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان اشتد ذلك عليهما، وبلغ ذلك بني عبس فركبوا نحو الحارث يريدون قتله؛ ولما بلغ الحارث ركوبهم وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم بعث إليهم بمائة بعير، ومعها ابنه، وقال للرسول: قل لهم: آللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال الربيع بن زياد العبسي: إن أخاكم قد أرسل إليكم الإبل أحب إليكم، أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا، فتم الصلح، فنظم زهير معلقته يمدح بها المصلحين لحقنهما الدماء، ويحذر الفريقين من شر الخيانة، وإضمار الحرب، وقد توسع في وصف الحرب ونتائجها المذمومة، ثم ختم المعلقة بحكمته الرائعة التي استحق بها لقب الشاعر الحكيم.
تنبيه بحر معلقة زهير هو البحر الطويل.
١ - أمن أم أوفى دمنةً لكم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم ؟
المفردات: أم أوفى: كنية امرأة، قال السيوطي: وهي امرأته. الدمنة: هي ما أسود من آثار الدار بالبعر والرماد وغيرهما والجمع دمن، والدمنة أيضًا
стр. 810
الحفد، وليست مرادًا هنا، والدمن البعر والسرجين، والكلام على حذف مضاف، إذا التقدير: أمن دمن أم أوفى، دمنة، لأن (من) هنا للتبعيض، فأخرج الدمنة من الدمن. لم تكلم: أصله لم تتكلم، فحذفت إحدى التاءين كما رأيت في البيت رقم- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس، ومعنى لم تتكلم: لم تتبين، والعرب تقول لكل ما ظهر من أثر وغيره تكلم، أي تميز عن غيره، فصار بمنزلة المتكلم، وقيل: بل المراد لم يتكلم أهلها، وهو كلام مقبول في العربية، فيكون في الكلام مجاز. الحومانة: بفتح الحاء الأرض الغليظة: وقيل: الحومانة القطعة من الرمل، وجمعها حومان وحوامين وحومانات. الدراج: بفتح الدال، وقال أبو عمرو بضمها اسم مكان، وقيل: هو ماء لبني فزارة والأول أصح. وكذا المتثلم فهما موضعان بالعالية، وإنما كانت الدمنة في الأرض الغليظة لأنهم كانوا ينزلون فيها ليكونوا بمأمن من السيل، وليسهل عليهم حفر النؤي، وضرب أوتاد الخيام.
المعنى يقول: أمن منازل الحبيبة المكناة بأم أوفى دمنة لم تتبين، ولم يظهر أثرها؟ أو المراد لم يتكلم أهلها كما رأيت وإنما أخرج الكلام في مغرض الشك ليدل بذلك على أنه لبعد عهده بمنازل الأحبة وشدة تغيرها لم يعرفها معرفة قطع وتحقيق.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام إنكاري. من أم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر متقدم، وأم مضاف وأوفى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على اللف للتعذر. دمنة: مبتدأ مؤخر. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تكلم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهور اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى دمنة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة دمنة. بحومانة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف
стр. 811
صفة ثانية لدمنة، وتعليقهما بالفعل (تكلم) ضعيف معنى، وتعليقهما بمحذوف حال من دمنة لا يجوز عند الجمهور لأنه مبتدأ انظر الشاهد- ٣٧١ - وما بعده من كتابنا فتح رب البرية، وحومانة مضاف والدراج مضاف إليه. فالمتثلم: معطوف على سابقه بالفاء العاطفة.
٢ - ديارٌ بالرقمتين كأنها ... مراجع وشمٍ في نواشر معصم
المفردات. ديار: جمع دار، وهو منزل الإنسان ومسكنه، أصلها دور، قلبت الواو الفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والديار أصله الدوار، قلبت الواو ياء لأنها وقعت عينًا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلت عينه بالقلب- هذا والدار مؤنثة، وقد تذكر، وتطلق على البلد والقبيلة ودار القرار الآخرة، والداران الدنيا والآخرة، ودار الحرب بلاد العدو، وتجمع الدار أيضًا على دور وأدؤر وأدورة وأدوار وديارات ودوران وديران-.
هذا وقد قال أبو حاتم: إن الديار العساكر والخيام لا البنيان والعمران، وإن الدار البنيان والعمران، وعليه قوله تعالى: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ أي في عساكرهم وخيامهم، وقال: ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ أي في مدينتهم المعمورة، ولو أراد غير ما قيل لجمع الدار، فعلم من كلامه أن الديار مخصوص: بالخيام اهـ قال صاحب الخزانة: وهذه غفلة عن قول الشاعر، وهو مجنون ليلى (أقبل ذا الجدار) وهو حائط البيت، وذلك في قوله:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار، وذا الجدارا
الرقمتان: حرتان، وقيل: قريتان، إحداهما قريبة من المدينة المنورة، والأخرى قريبة من البصرة، وإنما صارت ها هنا حيث انتجعت ولم يرد أنها تسكنهما جميعًا لأن بينها مسافة بعيدة، وقال يعقوب: قوله بالرقمتين معناه بينهما، وقيل: الرقمتان بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة
стр. 812
والرمل، وقيل: الرقمتان أيضًا بشط فلج أرض بني حنظلة. مراجع: ويروى (مراجيع) وهو جيد فتخلص التفعيلة من القبض، وانظر الترجيع في البيت رقم- ٥٦ - من معلقة طرفة. الوشم: انظره في البيت رقم- ١ - منها أيضًا. النواشر: جمع ناشر، وقبل: ناشرة، وهي عصب الذراع من ظاهرها وباطنها المعصم: هو موضع السوار من اليد، وجمعه معاصم.
المعنى يقول: إن المكانين المذكورين في البيت السابق ديار لأم أوفى موجودة في الحرتين، أو في القريتين الواقعتين بين المدينة المنورة والبصرة، وآثار هذه الديار شبيهة بوشم في معصم قد أعيد وجدد بعد انمحائه، ويكون قد جمع الديار، والمراد التثنية، ويروى مكان (ديار) (ودار) وعليه فالدار المذكورة في هذا البيت غير الموضعين المذكورين في البيت السابق، ويكون المراد و (داران) فاجتزأ بالوحد عن التثنية لزوال اللبس، إذ لا ريب في أن الدار الواحدة لا تكون قريبة من البصرة والمدينة، وطبعًا أراد بقوله (كأنها) كأن رسومها وأطلالها، فقد حذف المضاف، وحل المضاف إليه، وهو الضمير محله.
الإعراب: ديار: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هي ديار، وعلى الرواية الثانية (ودار) فيكون عطفًا بالواو العاطفة على دمنة في البيت السابق. لها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ديار، أو دار. بالرقمتين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف الأول، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. مراجع خبر كأن، وهو مضاف ووشم مضاف إليه. في نواشر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مراجع وشم، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، ونواشر مضاف ومعصم مضاف إليه، وجملة (كأنها .... الخ) في محل رفع
стр. 813
صفة ثالثة للموصوف الأول، أو هي في محل نصب حال من ديار لأنها وصفت بما تقدم.
٣ - بها الهين، والأرام يمشين خلفةً ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
المفردات. العين: البقر العين، وأراد بقر الوحش، واحدها أعين وعيناء، قيل لها ذلك لكبر عيونها، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه، والأصل في أعين وعيناء أن يجمع على وزن فعل، كأحمر وحمراء وحمر، إلا أن العين كسرت لمجاورتها الياء. الآرام: انظر البيت رقم- ٤ - من معلقة امرئ القيس. خلفة: يخلف بعضها بعضًا، إذا ذهب قطيع منها جاء قطيع آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا﴾ يريد أن كلا منهما يخلف صاحبه، فإذا ذهب النهار جاء الليل، وإذا ذهب الليل جاء النهار، وهكذا دواليك، وقيل: معنى خلفة مختلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، هذه صاعدة، وهذا نازلة. الأطلاء: جمع طلا، وهو ولد البقرة الوحشية والظبي وغيرهما من ذوات الظلف، ويقال له ذلك من ساعة يولد إلى نصف شهر، وقيل إلى ان يأتي عليه شهر وقد يستعار لولد الإنسان. المجثم: الموضع الذي يجثم فيه، أي يقام فيه، فهو اسم مكان من جثم يجثم بضم الثاء في المضارع، ويروي بكسر الميم فتكون مأخوذًا من جثم يجثم بكسر الثاء، وعلى كل فهو اسم مكان، ولا وجه للمصدرية خلافًا للزوزني، والجثوم للناس والطير والوحش بمنزلة البروك للبعير، قال تعالى: ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾.
المعنى يقول: في الدار أو في الديار المذكورة في البيت السابق بقر وحش واسعات العيون، وظباء بيض خالصة البياض يمشين متتابعات، أي يتبع بعضهن بعضًا، وأولادها تنهض من مرابضها لترضع أمهاتنا.
стр. 814
الإعراب: بها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. العين: مبتدأ مؤخر. والآرام: معطوف على العين بالواو العاطفة. يمشين: فعل مضارع مبنى على السكون، نون النسوة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من العين والآرام على رأي سيبويه وموافقيه في تجويز مجيء الحال من المبتدأ، وفي محل رفع صفة عند الجمهور الذين لا يجوزون ذلك، وذلك على اعتبار (أل) فيهما للجنس، هذا وإن اعتبرت (العين) مبتدأ والآرام معطوفًا عليه، و (بها) متعلقين بالفعل (يمشين) فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. خلفة: خال من نون النسوة. الواو: حرف عطف. أطلاؤها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ينهض: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالاتباع. من كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وكل مضاف ومجثم مضاف إليه. تأمل إعراب الجملة الثانية وعطفها على الأولى يقوي الوجه الثاني في إعرابها.
٤ - وقفت بها من بعد عشرين حجةً ... فلأيًا عرفت الدار بعد توهم
المفردات. وقفت: مضارعه يقف وأمره قف- انظر البيت رقم-١ - من معلقة امرئ القيس. الحجة: بكسر الحاء السنة، وجمعها حجج، قال تعالى حكاية عن قول شعيب لموسى ﵉: (قال: إني أريد أن أُنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حججٍ) فإن ضممت الحاء في الحجة فهي البرهان، وجمعها حجج، وغن فتحت الحاء فهي شحمة الأذن، وما تعلقه بالأذن، اللأي: الجهد والمشقة، ومثله اللأواء، وقيل: اللأي البطء من قولهم: التأت عليه الحاجة تلتيء التياءً إذا تأخرت وأبطأت، ومنه قول الرسول ﷺ : «لي الغني ظلمٌ» - وانظر البيت رقم- ٣ - من
стр. 815
معلقة النابغة- التوهم: الظن.
فائدة - قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: عشرون وثلاثون وأربعون .. الخ، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فغن قال قائل: لم كسر أول عشرين. وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه رحمه الله تعالى أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين، كما كسر أول اثنين، والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون، كما قيل: ستة وتسعة اهـ احفظه فإنه جيد، والله الموفق والمعين، وبه أستعين. هذا وإذا أُضيف العقد تحذف النون مثل قولك: عشروك.
المعنى يقول: وقفت بدار الأحبة بعد مضي عشرين سنة، فعرفتها بعد ظن وتخمين بمقاساة جهد ومعاناة مشقة، أو عرفتها بعد بطء، وتمهل، وذلك لبعد العهد بها، ودروس أثارها.
الإعراب. وقفت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. من بعد: جار ومجرور متعلقان به أيضًا، وبعد مضاف وعشرين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. حجة: تمييز. الفاء: حرف عطف. لأيا: مفعول مطلق مرادف لمصدر الفعل بعده، وقيل: هو حال من فاعله، وقيل: هو ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، وهو في الأصل مضاف لظرف محذوف، إذ التقدير: بعد لأي، فلما حذف المضاف انتصب انتصابه، وهو أقوى معنى من القولين السابقين-
عرفت: فعل وفاعل، الدار: مفعول به، وجملة (عرفت الدار) معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل عرفت، وبعد مضاف وتوهم مضاف إليه.
стр. 816
٥ - أثافي سفعًا في معرس مرجلٍ ... ونؤيًا كجذم الحوض لم يتثلم
المفردات. أثافي: جمع أثفية بضم الهمزة وسكون الثاء وكسر الفاء، بعدها ياء مشددة، وتخفف كما تخفف الأثافي أيضًا، والأثافي لا تنون لأنها ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وقد تحذف الياء أيضًا كقولك: أمنية وأماني وأمانٍ، وأوقية وأواقي وأواقٍ، وأضحية وأضاحي وأضاحٍ-، والأثافي هي الحجارة التي توضع عليها القدر عند الطبخ. سفعًا: سودًا جمع أسفع وسفعاء، كما تقول: أسود وسوداء، والسفعة سواد إلى الحمرة، وليس من ذلك قوله تعالى: ﴿لنسفعن بالناصية﴾، إذ معناه لنأخذن. المعرس: هو موضع التعريس، هو النزول في وقت السحر، وقد استعير للمكان الذي تنصب فيه القدر. المرجل: هو كل قدر يطبخ فيها من حجارة، أو حديد أو خزف أو نحاس، وقيل: لا يكون المرجل إلا من حديد أو نحاس. النؤي: نهير صغير يحفر حول الخباء لينزل المطر فيه، فلا يدخل الخباء، ويجمع على أناء ونئي، والنؤي يكون من تراب يرفع حول البيت من خارج فيمنع نزول الماء فيه. الحوض: ما يوضع فيه الماء، وجذمه بقيته، وقيل: أصله. لم يتثلم: لم يتهدم، ويروي (ونؤيًا كجد الحوض) والجد بضم الجيم البئر العتيقة، وهو أيضًا الطريق في الماء، ولا معنى لهذا الكلام كما ترى، ويروي (ونؤيا كحوض البحر) والجر سفح الجبل، وإذا احتفر الحوض بذلك الموضع، ولم يعمق بقي دهرًا طويلاً لا يتغير لصلابة موضعه، ولأنه ليس من الأماكن التي تحتفر فيها الحياض. هذا وجمع الحوض حياض، والأصل حواض، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، كما في ثوب وثياب، وصوم وصيام ... إلخ.
المعنى يقول: لقد عرفت حجارة سودًا تنصب عليها القدرة، وعرفت نهيرًا صغيرًا حول بيت أم أوفى بفي ثابتًا، غير متهدم كأنه بقية حوض.
стр. 817
الإعراب. أثافي: بدل من الدار في البيت السابق بدل بعض من كل، والبدل على نية تكرار العامل. سفعًا: صفة أثافي. في معرس: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية لأثافي، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ومعرس مضاف ومرجل مضاف إليه. الواو: حرف عطف. نؤيا: معطوف على أثافي. كجذم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة نؤيًا، وجذم مضاف والحوض مضاف إليه. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتثلم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على أخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى نؤيًا، والجملة الفعلية صالحة للحالية والوصفية من نؤيًا كما في قوله: (في مغرس).
٦ - فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحًا، أيها الربع، وأسلم
المفردات. الدار: انظر البيت رقم- ٢ - قلت: انظر إعلاله في البيت رقم- ٢٠ - من معلقة القيس. الربع: منزل القوم في الربيع، ثم كثر استعمالهم إياه حتى قيل لكل منزل: ربع. يقال: هذا ربع بني فلان، أي منزلهم، وجمعه رباع وربوع وأرباع وأربع، والربع أيضًا المحلة. انعم صباحًا: يروى بفتح العين وكسرها، لأنه يقال: نعم ينعم وينعم كما تقول: حسب يحسب ويحسب ويئس ييأس وييئس، ويبس ييبس وييبس، فكسر المستقبل في هؤلاء الأحرف على غير القياس، لأن بناء فعل أن يكون مستقبله يفعل بالفتح، هذا قول ابن الأنباري، وعند التحقيق تجده قياسًا ففعل يفعل من الباب الرابع مثل علم يعلم وفعل يفعل من الباب السادس كما في قولك: ورث يرث، وعليه فحسب ويئس ويبس يأتي مضارعهن من البابين احفظه فإنه جيد، وانعم صباحًا إحدى تحيات العرب في الجاهلية، كانوا يقولون: أنعم صباحًا وأنعم مساءً وأنعم ظلامًا كما يقولون: عم صباحًا وعم
стр. 818
مساءً وعم ظلامًا، وقد اختلفوا في عم، فقال بعض أهل اللغة: هو أمر من المثال الواوي ماضيه، وعم، مثل وصف، انظر البيت رقم- ٧ - من معلقة امرئ القيس، وقال بعضهم: بل هو مقتطع من انعم بحذف همزة الوصل والنون الساكنة بعدها. الصباح: هو من أول نصف الليل الثاني إلى الزوال، والمساء من الزوال إلى أخر نصف الليل الأول. أسلم: سلمك الله من الآفات.
تنبيه. يروي أن أبا ذر الغفاري ﵁ أتى النبي ﷺ ، فقال له: انعم صباحًا، فقال له النبي ﷺ : «إن الله قد أبدلني منها ما هو خيرٌ منها» فقال أبو ذر: ما هي؟ قال: السلام عليكم.
المعنى يقول: فلما عرفت دار أم أوفى معرفة خالية من الظن والتخمين قلت له محييًا إياها وداعيًا لها: طاب وهنؤ عيشك في صباحك، وسلمت من عوادي الزمن وكوارثه، وخص وقت الصباح بالدعاء لأنه الوقت الذي تكثر غارة الأعداء.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لما: حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشعور الثاني. عرفت: فعل وفاعل. الدار: مفعول به، وجملة (عرفت الدار) ابتدائية على القول بحرفية (لما) وفي محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها. قلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب لما لا محل لها من الإعراب. لربعها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ألا: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. انعم: فعل أمر مراد منه الدعاء والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره
стр. 819
أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. صباحًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وقال السيوطي في مثله: يجوز أن يكون تمييزًا محولاً عن الفاعل، مثل قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ أو مثل (طِبْ نفسًا) وهو أظهر. أيها: منادى نكرة مقصودة حذفت منه أداة النداء، مبني على الضم في محل نصب بياء النداء المحذوفة، وها: حرف تنبيه لا محل له- وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه-. الربع: بدل من أي، أو عطف بيان عليه، والوصفية ممتنعة لأنه اسم جامد مرفوع تبعًا للفظ، وانظر البيت رقم- ٥٦ - من معلقة امرئ القيس. الواو: حرف عطف. أسلم: فعل امر مبني على السكون المقدر على أخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في نصب مقول القول، كذا الجملة الندائية في محل نصب مقول القول.
٧ - تبصر خليلي، هل ترى من ظعائنٍ ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم ؟
المفردات. تبصر: انظر أو أدام النظر، وتكلفه، على حد (تجمل) في البيت رقم- ٦ - من معلقة امرئ القيس. خليلي: الخليل هو الصديق الذي صفت مودته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجله كما قال ربيعة بن مقروم الضبي:
أخوك أخوك من تدنو، وترجو ... مودته، وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تُعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابًا
وهو معدوم في هذا الزمن الذي فسد أهله، وصار واخلاًّ ودودًا كما قال القائل:
стр. 820
سألت الناس عن خلٍّ ودود ... فقالوا: الناس من خلٍّ ودود
فقلت: اليس فيهم ذو وفاءٍ؟ ... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين؛ ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه يمكن القول إنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي بل صار وجوده مستحيلاً كما قال القائل:
قد قيل: إن المستحيل ثلاثةٌ ... الغول والعنقاء والخل الوفي
وقال الآخر
سألت الناس عن خلٍّ وفيٍّ ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بذيل حُرٍّ ... فإن الحر في الدنيا قليل
ومما هو جدير بالذكر أن كل صداقة لا تكون على أساس من التقوى، تنقلب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللعين في سورة إبراهيم وسورة ق. ظعائن: جمع ظعينة، والمراد بها المرأة لأن زوجها يظعن بها، أي يرتحل، ويقال: الظعينة في الأصل الهودج، فيه امرأة أم لا؟ ثم سميت به المرأة ما دامت فيه، ثم سميت به وإن كانت في بيتها، وقال أبو الحسن بن كيسان: هذا من الأسماء التي وضعت على شيئين إذا فارق أحدهما صاحبه لم يقع له ذلك الاسم، لا يقال للمرأة: ظعينة حتى تكون في الهودج، ولا يقال للهودج: ظعينة حتى تكون فيه المرأة، كما يقال: جنازة للميت إذا كان على النعش، ولا يقال للميت وحده: جنازة، ولا النعش وحده جنازة، وكما يقال للقدح الذي فيه الخمر: كأس، ولا يقال للقدح وحده: كأس، ولا للخمر وحدها: كأس، والظعينة فعلية بمعنى مفعولة، وجمعها ظُعْن بضم فسكون، وظُعُن بضمتين وظعائن، وجمع الجمع أظعان وظُعُنات بضمتين. تحملن:
стр. 821
ترحلن. العلياء: الأرض المرتفعة. جرثم: ماء لبني أسد، هذا وانظر إعلال (ترى) في البيت- ٤ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: انظر يا صاحبي هل تبصر بالرض العالية من فوق ماء بني أسد نسوة في هوادج على إبل، وهذا من شدة ولهه بمن يحب حتى ظن المحال ممكنًا، لأن أمره أن ينظرهن بعد مضي عشرين سنة محال، وقال أبو جعفر: معناه أنه هو شغل بالبكاء، فقال لخليله: تبصر أنت لأني مشغول بالبكاء عن النظر، قال: وكذلك قول امرئ القيس.
أعني على برقٍ أريك، وميضه ... كلمع اليدين في حبيٍّ مُكلل
الإعراب. تبصر: فعل امر، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول لقول القول محذوف فلست مفندا. خليلي: منادى حذفت منه يا النداء منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ومحل الجملة الندائية مثل محل الجملة الفعلية قبلها. هل: حرف استفهام. ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل (تبصر) المعلق عن العمل لفظًا بسبب حرف الاستفهام، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿فلينظر أيها أزكى طعامًا؟ ﴾ من: حرف جر زائد. ظعائن: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقيل: من حرف جر أصلي، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل المفعول به، هذا وقد صرف (ظعائن) لضرورة الشعر، إذ حقه أن يمنع
стр. 822
من الصرف لصيغة منتهى الجموع. تحملن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة ظعائن. بالعلياء: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. من فوق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة العلياء على اعتبار (أل) للجنس أو بمحذوف حال منه على اعتبار (أل) للتعريف، وفوق مضاف وجر ثم مضاف إليه.
٨ - جعلن القنان عن يمينٍ، وحزنه ... وكم بالقنان من مُحلٍّ ومحرم
المفردات. القنان: جبل لبني أسد، أنظر البيت رقم- ٨٦ - من معلقة امرئ القيس. الحزن: هو ما غلظ في الأرض، ومثله الحزم، وقيل: الأول ما غلظ من الأرض وكان مستويًا، والثاني ما غلظ منها وكان مرتفعًا. المحل: هو الذي ليست له ذمة تمنعه من عهد أو ميثاق، والمحرم هو الذي له ذمة تمنعه من الاعتداء عليه، هذا قول الأصمعي، وقول أكثر اللغة، ومن ثم قيل: مسلم محرم، أي من لم يحل من نفسه شيئًا يوقع به: ومنه قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
أي كانت له حرمة من أن يقتل، وقال الأصمعي أنشدني خلف الأحمر:
قتلوا كسرى بليلٍ مُحرمًا ... فتولى لم يُشيع بكفن
معناه لم يمتع بكفن، وقال أبو العباس، محمد بن يزيد: المحل والمحرم هنا الداخلان في الأشهر الحرم، وفي الأشهر التي ليست بحرم، يقال: أحرم إذا دخل في الشهر الحرام، وأحل إذا خرج منه: هذا ويروى الشطر الثاني (ومن بالقنان).
المعنى يقول: إن تلك الظعائن المذكورة في البيت السابق جعلن جبل بني أسد المسمى بالقنان عن يمينهن، وذلك في سيرهن، وكم بهذا الجبل
стр. 823
من عدو يستحل دمنا، وكم من صديق لنا يرعى حرمتنا، ولا يعتدي علينا، والمعنى على التكثير.
الإعراب: جعلن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية تصلح لأن تكون صفة ثانية لظعائن في البيت السابق، ولأن تكون حالاً منها بعد وصفها بما تقدم، وذلك على حد قوله: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ والاستئناف ممكن بالإعراض عما قبل البيت. القنان: مفعول به. عن يمين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول ثان. وحزنه: معطوف على القنان بالواو العاطفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف استئناف. كم: اسم بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. بالقنان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. من: حرف جر زائد. محل: تمييزكم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفصل بين كم ومميزها، وهو جائز لضرورة الشعر. ومحرم: معطوف على محل بالواو العاطفة، فهو تمييز مثله.
٩ - وعالين أنماطًا عتاقًا وكلةً ... وراد الحواشي لونُها لون عندم
وروى الأصمعي:
علون بأنطاكيةٍ فوق عقمةٍ ... ورادٍ حواشيها مُشاكهة الدم
المفردات. غالين: رفعن، ونون النسوة عائدة إلى الظعائن في رقم- ٧ - الأنماط: جمع نمط، وهو ما يبسط من صنوف الثياب. عتاقًا: كرامًا انظر البيت رقم- ١٥ - من معلقة طرفة. الكلة: الستر الرقيق، والجمع كلل. وراد: جمع ورد، وهو الأحمر. الحواشي: جمع حاشية، وحاشية كل شيء طرفه وجانبه. العندم: ثمر نبت لا ساق له ينبت في أصل الطلح كهيئة
стр. 824
اللبلاب، له ثمرة حمراء تشبه أطراف الأنامل المخضوبة، وقيل: هو العصفر، وقيل: هو صبغ الأعراب، وقيل: هو شقائق النعمان. أنطاكية: أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى أنطاكية، وهي مدينة معروفة، وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي. العقمة: جمع عقم، مثل شيخةٍ وشيخٍ، والعقم أن تظهر خيوط أحد النيرين، فيعمل به العامل، وإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه وغمضه: وأظهر ما يريد عمله، وأصل الاعتقام اللي. المشاكهة والمشابهة والمشاكلة بمعنى واحد.
المعنى يقول: إن هؤلاء النسوة الظاعنات، قد رفعن الأنماط والكلل على الإبل، وتلك الأنماط وتلك الكلل حمر شديدة الحمرة فهي تشبه الدم في حمرته.
الإعراب. الواو: حرف عطف. عالين: فعل وفاعل. أنماطًا: مفعول به. عتاقًا: صفته. وكلة: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. وراد: صفة كاملة، وإنما جاز أن توصف به، وهو جمع لأنه على لفظ الواحد مثل كتاب وحمار، فهو بمنزلة قولك: مررت برجلٍ كرام الآباء، ومررت بامرأةٍ كرم الآباء، ووارد مضاف والحواسي مضاف إليه مجرور؛ وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وهذه الإضافة من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وجملة (عالين ... إلخ) معطوفة على جملة (جعلن ... إلخ) في البيت السابق. لونها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لون: خبر المبتدأ، وهو مضاف وعند م مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لكلة، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه: ورواه الزوزني كما يلي:
علون بأنماطٍ عتاقٍ وكلةٍ ... ورادٍ حواشيها مُشاكهة الدم
وإعرابه ظاهر إن شاء الله تعالى.
стр. 825
١٠ - ظهرن من السوبان، ثم جزعنهُ ... على كل قينيٍّ قشيبٍ ومفأم
المفردات. ظهرن: خرجن، ونون النسوة عائدة إلى الظعائن. السوبان: واد من أوديتهم .. ثم جزعنه: معناه غرض لهن مرة أخرى: فقطعنه لأنه يتثنى. قيني: منسوب إلى بني القين، وهو طويل يكون تحت الهودج، والقين كل صانع عند العرب، فالحداد قين؛ والمغنية قينة، وجمع القين قيون، مثل بيت وبيوت، وأصل القين الإصلاح، والفعل قان يقين، ثم وضع المصدر موضع اسم الفاعل، وجعل كل صانع قينًا لأنه مصلح، ومنه قول الشاعر:
ولي كبدٌ مجرحةٌ قد بدابها ... صدوع الهوى لو أن قينًا يقينها
أي لو أن مصلحًا يصلحها. قشيب: جديد. مفأم: بالتخفيف واسع، وأراد غبيطًا، والغبيط يكون تحت الرحل، والقتب تحت المتاع، وقال الأصمعي: مفأم بالتشديد، قد وسع زيد فيه بنيقتان من جانبيه ليتسع.
المعنى يقول: إن تلك النسوة خرجن من وادي السوبان، ثم قطعنه مرة ثانية عندما اعترضهن بسبب تثنيه وهن راكبات على قتب جديد واسع، وإنما جعله جديدًا واسعًا لأنهن من ذوات النعمة، ولأنهن ضخام.
الإعراب. ظهرن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بجملة (جعلن) في البيت رقم- ٨ - من السوبان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ثم: حرف عطف. جزعنه: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. على كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل جزعنه، وقيني صفة لموصوف محذوف. قشيب: صفة ثانية للموصوف المحذوف. ومفأم: معطوف على سابقة بالواو العاطفة، وعلى رواية الأصمعي فهو صفة ثانية للموصوف المحذوف، ولا عطف.
стр. 826
١١ - ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم
المفردات. وركن فيه: ملن فيه، وقيل: أراد ركوب أوراك الدواب، وقيل: هو من ورك فلان على الدابة إذا ثنى رجله؛ ووضع إحدى وركيه في السرج. المتن: في الأصل الظهر، وأراد به هنا ما غلظ من أرض السوبان وارتفع. عليهن: على الظعائن. دل: بفتح الدال الهيئة. النعمة: طيب العيش، والناعم اسم فاعل منها، والمتنعم المتكلف إظهار النعمة.
المعنى يقول: وقد مر هؤلاء النسوة في وادة السوبان، وعليهن هيئة الإنسان الطيب عيشه الذي يتكلف ذلك.
الإعراب. الواو: حرف عطف. وركن: فعل وفاعل؛ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق. في السوبان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يعلون: فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة ضمير متصل في محل رفع فاعل. متنه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يعلون متنه) في محل نصب حال من نون النسوة الواقعة فاعلاً في وركن، والرابط الضمير فقط. عليهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. دل: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف والناعم مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. المتنعم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية (عليهن دل .. الخ) في محل نصب حال ثانية من فاعل (وركن) فتعددت الحال، وهي جملة، والرابط الضمير فقط.
١٢ - كأن فتات العهن في كل منزلٍ ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
المفردات. فتات العهن: قطعه وما تناثر منه، والعهن الصوف، قال تعالى: ﴿وتكون الجبال كالعهن﴾ وقال أيضًا جل ذكره: ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ وأراد به هنا الصوف المصبوغ الأحمر الذي تزين به الهوادج. (في
стр. 827
كل منزل نزلن به) ويروي (في كل موقف وقفن به) والجملتان بمعنى واحد. الفنا: شجر يسنى عنب الثعلب، وثمره أحمر، وفيه نقط سود. لم يحطم: لم يكسر، ولم يتفتت.
المعنى يقول: إن قطع الصوف المصبوغ الذي زينت به الهوادج المتناثرة في كل منزل نزلته هؤلاء النسوة يشبه حب عنب الثعلب في حال كونه غير مكسر، لأنه ظهر داخله غير اللون الأحمر، فيزول اللون الأحمر الذي هو المقصود في التشبيه.
الإعراب. كأن: حرف مشبه بالفعل. فتات: اسمها، وهو مضاف والعهن مضاف إليه. في كل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من فتات العهن، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، وكل مضاف ومنزل مضاف إليه. نزلن: فعل وفاعل. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (نزلن به) في محل جر صفة منزل، والرابط الضمير المجرور محلاً بالباء. حب: خبر كأن، وهو مضاف والفنا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على اللف للتعذر. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يحطم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتب فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى حب الفنا، والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط الضمير فقط، وهو نائب الفاعل العائد إليه.
١٣ - بطلان بكورًا، واستحرن بسحرةٍ ... فهن ووادي الرس كاليد في الفم
المفردات. بكرن: خرجت النسوة في وقت البكرة، ومثله بكر بالتشديد، وابتكر وأبكر، وباكر، بمعنى الغدوة، وقيل: بكر
стр. 828
بتخفيف الكاف جاء بكرة، وبكر بالتشديد فإنه المبادرة، أي وقت كان، ومنه بكروا لصلاة المغرب، أي صلوها عند قرص الشمس. اهـ مختار الصحاح. استحرن: خرجن وقت السحر، والسحرة اسم السحر، وصرف سحرة لأنها لا يعني سحرًت بعينه، ولو عناه لمنع من الصرف، ومثله قل في سحر. وادي الرس: اسم واد بعينه، والرس ماء ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه، وجاء في القرآن الكريم: ﴿كذبت قبلهم قوم نوحٍ، وأصحاب الرس وثمود﴾ - انظر تفسيرها في كتابنا-. كاليد في الفم، ويروى (للفم) يريد أنهن لا يخطئن مقصدهن كما أن اليد القاصدة إلى الفم لا تخطئه.
المعنى يقول: إن النسوة المذكورات في الأبيات السابقة ابتدأن السير غدوة، وسرن في السحر، فبلغن مقصدهن، في وادي الرس ما أخطأنه كما أن اليد القاصدة للفم لا تخطئه، وذلك لشدة معرفتهن بالطريق.
الإعراب. بكرن: فعل وفاعل. بكورًا: مفعول مطلق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. واستحرن: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها بالواو العاطفة لا محل لها مثلها. بسحرة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف. عن: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الواو: حرف عطف. وادي: معطوف على الضمير مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، ووادي مضاف والرس مضاف إليه. كايد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها. في الفم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من اليد على اعتبار (أل) للتعريف، أو بمحذوف صفة لها على اعتبار (أل) للجنس.
١٤ - فلما وردن الماء زُرقًا جِمامُهُ ... وضعن عصى الحاضر المُتخيم
стр. 829
المفردات. الزرقة: شدة الصفاء، ونصل أزرق وماء أزرق إذا اشتد صفاؤكما، والجمع زرق، ومنه زرقه العين. جمام: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع في البئر أو الحوض أو غيرهما. عصي: جمع عصا، قال تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ ومقتضى القياس أن يقال في جمع عصا (عُصُوٌّ) فأبدل من الواو الثانية ياء أنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، فصار (عصُوْيٌ) فاجتمعت الواو والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو الأولى ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الضاد كسرة لتصح الياء، ثم تبعت حركة العين حركة الصاد. الحاضر: النازل على الماء. المتخيم: المتخذ خيمة، وهي أعواد تنصب وتجعل لها عوارض، فتظلل بالثمام ونحوه، ويكون في جوانبها خصائص، فيداخل منها الهواء في القيظ، فهي أبرد من الأخبية.
المعنى يقول: فلما ورد النسوة الماء، وقد اشتد صفاء ما جمع منه في الآبار والحياض عزمن على الإقامة مثل المبتني الخيمة، فهو يقصد أنهن في أمن ودعة ومنعة، فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لما: انظر البيت رقم- ٦ - وردن: فعل وفاعل. الماء: مفعول به. زرقا: حال من الماء. جمامه: فاعل بزرقًا لأنه جمع صفة مشبهة كما رأيت، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (وردن ... الخ) ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما) وفي محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها. وضعن: فعل وفاعل. عصي: مفعول به، وهو مضاف والحاضر مضاف إليهن وهو صفة لموصوف محذوف. المتخيم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (وضعن ... الخ) جواب لما لا محل لها من الإعراب.
١٥ - تُذكرنب الأحلام ليلى، ومن تطف ... عليه خيالات الأحبة يحلم
стр. 830
لم يذكر أح من شراح المعلقة هذا البيت، وإنما ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلاً عن الجمهرة، وهو كما ترى غير متلائم المعنى مع ما قبله، وما بعده من أبيات.
المفردات. الأحلام: جمع حلم، وهو ما يراه النائم في نومه. تطف: من أطاف به إذا ألم به، وقاربه. الخيال: هو ما تشبه لك من صور في المنام، وقد تكون في اليقظة.
المعنى يقول: تذكرني المنامات ليلى بعد أن نسيتها، ومن تلم به خيالات الأحباب يراهم في منامه.
الإعراب. تذكرني: فعل مضارع، والنون للوقاية، وباء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. الأحلام: فاعل. ليلى: مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (تذكرني الأحلام ليلى) ابتدائية لا محل لها. الواو. واو الحال. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. تطف: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. خيالات: فاعل تطف، وهو مضاف والأحبة مضاف إليه. يحلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة فعل الشرط، ورجحه ابن هشام في مغني اللبيب، وقيل: هو جملة جواب الشرط، وقبل: هو الجملتان، ويرجحه المعاصرون، والجملة الاسمية (من وخبره) في محل نصب حال من ياء المتكلم الواقعة مفعولاً به، والرابط الواو فقط، هذا إذا لم تعتبرها مستأنفة.
стр. 831
١٦ - وفيهن ملهىً للطيف، ومنظرٌ ... أنيقٌ لعين الناظر المتوسم
المفردات. فيهن: في هؤلاء النسوة. ملهى: هو بمعنى لهو، وهو اللعب، أو موضعه، وهو من ألهاه بمعنى شغله، أو هو من لها بالشيء يلهو من باب عدا يعدو، يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوًا وملهى إذا شغلت به، ولهيت عن الشيء، فأنا ألهى عنه لُهيًّا إذا تركته- وإعلال (ملهىً) مثل إعلال (أسىً) في البيت- ٦ - من معلقة امرئ القيس-. اللطيف: هو المتلطف الذي ليس معه جفاء وغلظة، وقد أراد نفسه. أنيق: معجب بمعنى مؤنق، فهو فعيل بمعنى مفعل، مثل الحكيم بمعنى المحكم، والسميع بمعنى المسمع، والأليم بمعنى المؤلم، ومنه قوله تعالى: في كثير من الآيات القرآنية ﴿عذابٍ أليمٍ﴾ المتوسم: هو الذي يتبع آثار الشيء ليعرف ما فيه من المحاسن وغيره، فيعتبر ويتعظ، قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآياتٍ للمتوسمين﴾ أي للناظرين المتبصرين.
المعنى يقول: وفي هؤلاء النسوة لهو للمتأنق الحسن المنظر، وفيهن مناظر معجبة لعين الناظر المتتبع محاسنهن وجمالهن.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. فيهن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ملهى: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والياء الثابتة دليل عليها، وليست عينها. للطيف: جار ومجرور متعلقان بملهى، أو بمحذوف صفته. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. منظر: معطوف على ملهى. أنيق: صفته. لعين: جار ومجرور متعلقان بأنيق، وعين مضاف والناظر مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. المتوسم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وفيه وفي سابقيه ضمير مستتر هو الفاعل.
стр. 832
١٧ - سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم
المفردات. سعى ساعيا: قال الأصمعي: معناه عمِلا عملاً صالحًا، والساعيان هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان، وقيل: هما الحارث بن عوف، وخارجه بن سنان المريان سعَيَا في الصلح، وتحلا الديات كما رأيت ذلك في الكلام عن حياة زهير. غيظ بن مرة: هو من ولد عبد الله بن غطفان. تبزل: تشقق، ومنه بزل ناب البعير، إذا ظهر وشقق اللحم موضعه. العشيرة: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. هذا والدم أصله دمَوٌ بتحريك الواو، أو دَميٌ بتحريك الياء، وتثنيته على الأول دموان، وعلى الثاني دميان، ولكن المستعمل والمشهور دمان فتحذف الواو، أو الياء منه في حال تثنيته، كما في تثنية يد يدان مع ان أصلها يَدَيٌ، هذا بخلاف أخ وأب فإن تثنيتهما أخوان وأبوان برد اللام المحذوفة إليهما.
المعنى يقول: إن الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريين، قد عَمِلا عملاً حسنًا وصالحًا وجميلاً بعد الخلاف الشديد الذي وقع بين أبناء العشيرة الواحدة، وأريقت دماء كثيرة بسبب ذلك.
الإعراب. سعى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ساعيًا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وساعيًا مضاف وغيظ مضاف إليه. ابن: صفة غيظ، وابن مضاف ومرة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعملية والتأنيث اللفظي. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل سعى. ما: مصدرية. تبزل: فعل ماض. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل تبزل. بين: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وبين مضاف والعشيرة مضاف إليه. بالدم: جار ومجرور متعلقان
стр. 833
بالفعل تبزل، وما المصدرية والفعل تبزل في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه.
١٨ - فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجلٌ بنوه من قريشٍ وجرهم
المفردات- أقسمت: حلفت، وأصله من القسامة، وهي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، قال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ وهو رباعي، وأما الثلاثي (قسم) فهو من القسمة، وهي التفريق والتوزيع قال تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾، ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى .. ﴾ الخ-. البيت: أراد به الكعبة المعظمة حرسها الله. بنوا: أصل هذا الفعل بني، فقل في إعلاله: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفًا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار بناوا، فالتقى ساكنان ألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على النون دليلاً على الألف المحذوفة، ويقال في إعلاله أيضًا: رُدت اللف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (بنيُوا) فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ألفًا، فالتقى ساكنان: ألف .. الخ، كما يقال أيضًا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار (بنيُوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص اتصلت به واو الجماعة، مثل نجا ورمى وسعى ودعا وغزا ... الخ تنبه لذلك واحفظه، والله ينفعك به.
قريش: قبيلة النبي ﷺ ، ومنها بنو أمية، فيلتقون معه ﷺ في عبد مناف، لأن أولاده هم هاشم وعبد شمس، والمطلب ونوفل، وكان يقال لهم: أقداح النضار، أي الذهب، كما يقال لهم: المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على سائر العرب، فالنبي صلى
стр. 834
الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى هاشم، وبنو أمية يرجع نسلهم إلى عبد شمس، فهم جميعًا أولاد عم، وبطون قريش غير هذين البطنين كثيرة كما هو معروف، وسموا جميعًا قريشًا، لأن الأب الأول لبطون قريش كلها، وهو فهر قد لقب بقريش، لأنه كان يقرش، أي يفتش عن حاجة المحتاج فيسدها بماله، وكان بنوه بعده أيضًا يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم، فيرفدونهم، فسموا بذلك قريشًا، وقيل: سموا قريشًا لتقريشهم المال، أي جمعه وكسبه عن طريق الطريق، وهو الموافق لكتب اللغة، وقريش تصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعيث في السفن فسادًا، ولا تطاق إلا بالنار، وعن معاوية أنه سأل ابن عباس ﵄ بم سكيت قريش قريشًا؟ بداية في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلُو وتُعْلى، وأنشد قول تبع:
وقريشٌ هي التي تسكن البحر ... وبها سميت قريشٌ قريشَا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ ... ـرك يومًا بذي الجناحين ريشَا
هكذا في الكتاب نالت قريشٌ ... يأكلون البلاد أكلاً كشيشَا
واهم آخر الزمان نبيٌّ ... يكثر القتل فيهم والخموشَا
يملأ الأرض خيله ورجاله ... يحشرون المكي حشرًا كميشا
وإليك البيتين، وهما لمساور بن قيس، يهجو فيهما بني أسد:
زعمتم أن إخوتكم قريشٌ ... لهم إلفٌ، وليسلكم إلافُ
أولئك أومنوا جوعًا وخوفًا ... وقد جاعت بنو أسدٍ وخافوا
يقول: إنكم لستم من قريش، ولا قريش منكم، فدعواكم إخوتهم باطلة لأنهم أطعموا من جوع وأومنوا من خوف، ولستم كذلك، واقرأ سورة قريش.
جرهم قبيلة غربية سكنت مكة بعد إنزال إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما
стр. 835
السلام فيها، فتزوج إسماعيل امرأة منهم، ثم إن قبيلة جرهم غلبت أولاد إسماعيل، وحكمت مكة مدة طويلة، ثم بغوا واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، ثم لما يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانًا يزني فيه دخل الكعبة فزنى، ويروي أن إسافًا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين، وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم فيها ولا بغي، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسمى الناسة، وتسمى (بكة) لنها تبك؛ أي تهلك أعناق الجبابرة، والبغايا إذا بلغوا فيها، قال تعالى: ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدًى للعالمين﴾ ثم إن بني خزاعة تغلبوا على قبيلة نحرهم، فأجلوهم عن مكة وحكموها مدة طويلة، ثم تولت قريش أمر مكة بزعامة قصي بن كلاب، وهو الجد الخامس للنبي ﷺ .
المعنى يقول: حلفت بالكعبة المعظمة التي طاف حولها من بناها من القبيلتين: قبيلة قريش وقبيلة جرهم.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. أقسمت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بالبيت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة البيت. طاف: فعل ماض. حوله: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. رجال: فاعل طاف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. بنوه: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة رجال. من قريش: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة الواقعة فاعلاً. العائدة على رجال. وجرهم: معطوف على قريش بالواو العاطفة.
стр. 836
١٩ - يمينًا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حالٍ من سحيلٍ ومبرم
المفردات. نعم: فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار: نعم منقول من نعم فلان، بفتح النون وكسر العين إذا أصاب النعمة، وبئس منقول من بئس بفتح الباء وكسر الهمزة إذا أصاب بؤسًا، فنقلا إلى المدح والذم، فشابها الحروف فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم بئس بكسر فسكون، وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن الكريم، ثم نعم وبئس أولهما وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أن يجئ بعده (ما) كقوله تعالى: ﴿نعما يعظكم به﴾ ثم نعم وبأس بفتح فسكون، ثم نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بد لهما من شيئين: فاعل ومخصوص بالمدح أو الذم، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتاله: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة) وقول غيره: (نعم السير على بئس العير) وأوله البصريون على حذف كلام مقدر، إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد، ونعم السير على عير مقول فيه بئس العير.
السيدان: هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان، مدحهما لإبراهما الصلح بين عبس وذبيان، وتحملهما أعباء ديات القتلى كما رأيت في الكلام على حياة زهير. وفي البيت رقم- ١٧ - وأصل سيد سيود بياء ساكنة وواو مكسورة لأنه من ساد يسود، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ومثله قل في إعلال ميت وهين ولين وغير ذلك، وقد تجيء هذه الأسماء بالتخفيف كما في قول الشاعر:
стр. 837
هينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ ... سواس مكرمةٍ أبناء أيسار
الحال: يذكر ويؤنث. السحيل: السهل، وأصله الخيط غير مفتول. المبرم: الصعب، وأصله الخيط المفتول، وقيل: السحيل خيط واحد لا يضم إليه آخر، والمبرم بفتل خيطين حتى يصيرا خيطًا واحدًا، وهما كناية عن سهولة الأمر وصعوبته.
المعنى يقول: حلفت يمينًا نعم السيدان أنتما على كل حال سهلة، وحالة صعبة لقد وجدتما كاملين عظيمين مستوفيين لخلال الشرف والمروءة والنجدة في حال يحتاج فيها إلى ممارسة الشدائد، وحال يفتقر فيها إلى معاناة النوائب.
الإعراب. يمينا: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، وهو أقسمت في البيت السابق (لنعم) اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح. السيدان: فاعله مرفوع، وعلامة رفعه اللف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وجدتما: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وجملة (نعم السيدان) في محل نصب مفعول به ثان مقدم لوجدتما، وجملة (وجدتما نعم السيدان) جواب القسم لا محل لها. على كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل وجد، وكل مضاف وحال مضاف إليه. من سحيل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة حال. ومبرم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه.
٢٠ - تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا، ودقوا بينهم عطر منشم
المفردات. التدارك: تلافي الأمر قبل فوات أوانه. عبس وذبيان: أراد
стр. 838
جدي هاتين القبيلتين المتنازعتين، لذلك صرف عبسًا؛ ، ولو أراد القبيلة لمنعه من الصرف، وأما عدم صرف ذبيان للعملية وزيادة الألف والنون. تفانوا: أفنى بعضهم بعضًا، لأن صيغة تفاعل تدل على ذلك، وانظر إعلال مثله في البيت رقم- ١٨ - دقوا: دق الشيء كسره وطحنه، ويروى (وبقوا) من التبقية. منشم: قال الأصمعي: زعموا أنها امرأة عطارة، فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا، فقتلوا جميعًا، فتشاءمت العرب بها، وقالوا أبو عمرو بن العلاء: عطر منشم إنما هو التنشيم في الشر، ومنه قولهم: لما نشم الناس في عثمان ﵁، أي طعنوا فيه ونالوا منه، وقال أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة، كقولهم: جاؤوا على بكرة أبيهم، وليس ثم بكرة، وقال أبو عمرو الشيباني: منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرًا، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورًا لموتاهم فتشأموا بها، وقال ابن الكلبي: ابنة الوجيه الحميري، وقيل: هي امرأته، وقال ابن الكلبي أيضًا: من قال منشم بكسر الشين، فهي منشم بنت الوجيه الحميري، كانت تبيع العطر ويتشاءمون بعطرها، ومن قال منشم بفتح الشين فهي امرأة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها، فأغار عليها قوم من العرب، فأخذوا عطرها، فبلغ ذلك قومها، فاستأصلوا كل من شموا عليه ريح عطرها.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: تلافيتما قبيلتي عبس وذبيان بعد أن أفنى بعضهم بعضا بالسيف، وبعد أن دفوا بينهم عطر منشم؛ هذا وقبيلة ذبيان كانت تحالفت مع قبيلة فزارة التي نسبت الحرب بينها، وبين بني عبس كما رأيت في الكلام على حياة زهير-.
الإعراب: تداركتما: فعل وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. عبسا: مفعول به. وذبيان: معطوف على سابقة بالواو العاطفة. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل السابق.
стр. 839
ما: مصدرية. تفانوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه. الواو: حرف عطف. دقوا: فعل وفاعل وألف الفارقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في تأويل مصدر تقديرًا تأمل. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. عكر: مفعول به، وهو مضاف ومنشم مضاف إليه.
٢١ - وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعًا ... بمالٍ ومعروفٍ من القول نسلم
المفردات. قلتما: انظر إعلاله في البيت رقم- ٢٠ - من معلفة امرئ القيس. السلم: بفتح السين وكسرها الصلح والمهادنة يذكر ويؤنث مثل نقيضها، وهي الحرب والتأنيث أكثر، قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ والسلم بفتح السين وكسرها أيضًا الإسلام، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافةً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ واسعًا: ممكنًا. المال: انظر البيت رقم- ٨٩ - من معلقة طرفة. معروف من القول: أراد به القول الحسن والكلام اللطيف، قال تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقةٍ يتبعها أذًى﴾ وانظر معاني القول الخمسة في البيت رقم- ٦ - من معلقة امرئ القيس. نسلم: أي من الهلاك والدمار بسبب الحرب الطاحنة.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: وقد قلتما: إن أمكن إبرام الصلح بين القبيلتين المتنازعتين ببذل المال والقول الحسن نسلم من الحرب التي أفنت الرجال، ورملت النساء، ويتمت الأطفال.
الإعراب. الواو: حرف عطف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من
стр. 840
الحال. قلتما: فعل وفاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين، إن: حرف شرط جازم. ندرك: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن. السلم: مفعول به. واسعًا: حال من السلم، وجملة (ندرك ... الخ) لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي-. بمال: جار ومجرور متعلقان بالفعل ندرك. ومعروف: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. من القول: جار ومجرور متعلقان بمعروف. نسلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحن، ومتعلقه محذوف كما رأيت، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها في محل نصب مقول القول.
٢٢ - فأصبحتما منها على خير موطنٍ ... بعيدين فيها من عقوقٍ ومأثم
المفردات. منها: من الحرب، وقيل من السلم خير: أفعل تفضيل أصله أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء، لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء، ومثله قل في حب وشر، إذ أصلهما أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الهاء والشين، وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم: ﴿سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر﴾ بفتح الشين- وفي البخاري قال رسول الله ﷺ : «إن من أخيركم أحسنكم خُلُقًا» -، ونحو قول رؤبة بن العجاج:
стр. 841
يا قاسم الخيرات وابن الأخير ... ما ساسنا مثلك من مؤمر
وخير يستعمل مثل أحب وشر بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث، ولا يثنى ولا يجمع، لأنه بمعنى أفعل كما تقدم، وأما قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد
فإنما ثناه لأنه أراد خيري بالتشديد، فخففه مثل ميت وهين في ميت وهين. موطن: أراد به المشهد من مشاهد الحرب أو السلم، وجمعه مواطن كما في قوله تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ﴾ العقوق: العصيان وقطيعة الرحم، ومنه قول الرسول ﷺ : «لا يدخل الجنة عاقٌّ لأبويه» المأثم، يقال: أثم الرجل يأثم إذا أقدم على إثم، أي ذنب وجريمة، ولا تنس أن الإثم اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: فأصبحتما على خير مشهد من مشاهد هذا الحرب أو السلم، مبرأين فيها من عقوق الأقارب والإثم بسبب قطيعة الرحم، ولا تنس أن معنى أصبحتما صرتما، وليس المراد التوقيت بالصبح.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. أصبحتما: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل أصبح. على خير: جار ومجرور متعلقات بمحذوف في محل نصب خبر أصبح، وخير مضاف إليه، وجملة (أصبحتما ... الخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. بعيدين: خبر ثان لأصبح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى والنون عوض من التنوين في
стр. 842
الاسم المفرد، وقيل: هو حال من اسم أصبح، والأول أقوى. فيها: جار ومجرور متعلقان ببعيدين لأنه صفة مشبهة. من عقوق: جار ومجرور متعلقان به أيضًا. ومأثم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
٢٣ - عظيمين في عليا معدٍّ هديتما ... ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
المفردات. عظيمين. رفيعين. عليا معد: أرفعها، وعُليا بضم العين مع القصر، فإن فتحت العين مددت الألف مثل البؤسى والبأساء، وعُليا تأنيث الأعلى، مثل الكبرى في تأنيث الأكبر، وجمع عُليا وعُلىً، مثل الكبريات والكُبَر في جمع الكبرى. معد: جد العرب الأول، وهو ابن نزار الذي ينتهي إليه نسب الرسول ﷺ . هديتما: المراد بهذه الجملة الدعاء. يستبح: يجد كنزًا مباحًا فيأخذه لنفسه بدون معارض، والكنز في الصل هو المال المدفون والمدخر. المجد: العز والسؤدد. يعظم: بضم الياء وكسر الظاء معناه يأتي بأمر عظيم، ويفتح الياء وضم الظاء، يصير عظيمًا في أعين الناس، وبضم الياء وفتح الظاء معناه يعظمه الناس.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: صرتما عظيمين في المنزلة العليا من شرف معد بسبب سعيكما في الصلح بين القبيلتين المتنازعتين، هداكما الله إلى طريق الصلاح والنجاح، وسدد خطاكما، ومن وجد كنزًا من المجد مباحًا، واستولى عليه يعظم أمره، ويعلو شأنه بين الكرام.
الإعراب. عظيمين: خبر بعد خبر لأصبح في البيت السابق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وقيل: هو حال، والأول أقوى. في عليا: جار ومجرور متعلقان بعظيمين لأنه صفة مشبهة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وعليًا مضاف ومعد مضاف إليه. هديتما: فعل ماض مبني للمجهول، مبنى على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب
стр. 843
فاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها معترضة، المراد منها الدعاء كما رأيت. الواو: حرف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يستبح: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستنتر تقديره هو يعود من. كنزًا: مفعول به. من المجد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة كنزًا. يعظم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل أو نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، مثل ما رأيت في البين رقم- ١٥ - والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
٢٤ - وأصبح يُحدى فيهمو من تلادكم ... مغانم شتى من إفالٍ مُزنم
المفردات. يحدى: يساق، ويروى مكانه يجري. التلاد: انظر البيت رقم- ٥٧ - من معلقة طرفة. مغانم: جمع مغنم، وهو الغنيمة. شتى: متفرقة مختلفة، قال تعالى في صف المنافقين: ﴿تحسبهم جميعًا، وقلوبهم شتى﴾ إفالة: هي الصغار من الإبل بنات المخاض وبنات اللبون: الذكر أفيل والأنثى أفيلة، وقيل: الأفيل هو الذي أتت عليه سبعة أشهر من أولاد الإبل، وقيل له: الأفيل، لأنه يأفل بين الإبل، أي يغيب، وجمعه أفال، قال الراعي النميري من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان ويشكو فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة من المسلمين:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبةً ... ظُلمًا، ويكتب للأمير أفيلا
مزنم: التزنيم علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن يقشر ظاهر الأذن، ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب، ولم يقل: مزنمة مع كونه صفة إفال حملاً على اللفظ، لأن فعالاً من الأبنية التي اشترط فيها
стр. 844
الآحاد والجموع، وكل بناء انخرط في هذا السلك ساغ تذكيره حملاً على اللفظ، وروى أبو عبيدة: من إفال المزنم، وقال: هو فحل معروف-.
المعني يقول: لقد أصبح يساق ويقدم لأولياء المقتولين من نفائس أموالكم القديمة الموروثة إبل صغار معلمة علامة الكرم في إذنها، وهي بمنزلة الغنائم التي تكسب في الحرب، وأصبح بمعنى صار.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أصبح: فعل ماض ناقص. يحدى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، هذا وقد تنازع الفعلان أصبح ويحدى الاسم (مغانم) فالأول يطلبه اسمًا له، والثاني يطلبه نائب فاعل، فيعمل فيه أحدهما، ويضمر في الثاني، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. فيهمو: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى، والميم علاقة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. من تلادكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى أيضًا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. مغانم: إن اعتبرته اسم أصبح ففاعل يحدى ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه لأنه متقدم رتبة، وإن تأخر لفظًا، وإن اعتبرته نائب فاعل بيحدى فاسم أصبح ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه، وعلى كل فجملة (يحدى ... الخ) في نصب خبر أصبح، وجملة (أصبح ... الخ) معطوفة على جملة (أصبحتما ... الخ) في البيت- ٢٢ - لا محل لها مثلها، ولم يؤنث أحد الفعلين لاحتمال كل منهما أن يكون عاملاً في مغانم كما رأيت. شتى: صفة مغانم مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. من إفال: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية لمغانم، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ مزنم: صفة إفال.
стр. 845
٢٥ - تعفى الكلوم بالمئين، فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
المفردات. تعفي: تمحى من عفا الشيء يعفو الشيء يعفو إذا انمحى ودرس، وانظر البيت رقم- ٢ - من معلقة امرئ القيس. الكلوم: : الجروح جمع كلم، مثل القروح جمع قرح والجروح جمع جرح. المئين: جمع مئة وقد جمعها جمع مذكر سالمًا، وتجمع أيضًا جمع مؤنث سالمًا، وهو مئات. ينجمها: يجعلونها نجومًا، أي أقساطًا، هكذا كانت الدية تؤدي على دفعات. مجرم: مذنب، وقاتل.
المعنى يقول: تمحى الثارات بالمئين من الإبل، وأصبحت المئات المتفق عليها يدفعها أقساطًا من هو برئ من تبعتها، من هو بعيد عن الجرم في هذه الحروب الطاحنة، فهو يريد أن السيدين اللذين يمدحها قد تعهدا بدفع الديات، وقد وفيا بما تعهدا، وأدياها نجومًا متفرقةً، كذلك تعطى الديات، وأصبحت بمعنى صارت.
الإعراب: تعفى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. الكلوم: نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بالمئين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسر لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المئين. ينجمها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. فيها: جار ومجرور متعلقان بمجرم بعدهما (بمجرم) الباء: حرف جر زائد. مجرم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
следующие страницы →