Полный текст (1 090 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
يا قاسم الخيرات وابن الأخير ... ما ساسنا مثلك من مؤمر
وخير يستعمل مثل أحب وشر بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث، ولا يثنى ولا يجمع، لأنه بمعنى أفعل كما تقدم، وأما قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد
فإنما ثناه لأنه أراد خيري بالتشديد، فخففه مثل ميت وهين في ميت وهين. موطن: أراد به المشهد من مشاهد الحرب أو السلم، وجمعه مواطن كما في قوله تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ﴾ العقوق: العصيان وقطيعة الرحم، ومنه قول الرسول ﷺ : «لا يدخل الجنة عاقٌّ لأبويه» المأثم، يقال: أثم الرجل يأثم إذا أقدم على إثم، أي ذنب وجريمة، ولا تنس أن الإثم اسم من أسماء الخمرة، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: فأصبحتما على خير مشهد من مشاهد هذا الحرب أو السلم، مبرأين فيها من عقوق الأقارب والإثم بسبب قطيعة الرحم، ولا تنس أن معنى أصبحتما صرتما، وليس المراد التوقيت بالصبح.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. أصبحتما: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل أصبح. على خير: جار ومجرور متعلقات بمحذوف في محل نصب خبر أصبح، وخير مضاف إليه، وجملة (أصبحتما ... الخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. بعيدين: خبر ثان لأصبح منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى والنون عوض من التنوين في
стр. 842
الاسم المفرد، وقيل: هو حال من اسم أصبح، والأول أقوى. فيها: جار ومجرور متعلقان ببعيدين لأنه صفة مشبهة. من عقوق: جار ومجرور متعلقان به أيضًا. ومأثم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
٢٣ - عظيمين في عليا معدٍّ هديتما ... ومن يستبح كنزًا من المجد يعظم
المفردات. عظيمين. رفيعين. عليا معد: أرفعها، وعُليا بضم العين مع القصر، فإن فتحت العين مددت الألف مثل البؤسى والبأساء، وعُليا تأنيث الأعلى، مثل الكبرى في تأنيث الأكبر، وجمع عُليا وعُلىً، مثل الكبريات والكُبَر في جمع الكبرى. معد: جد العرب الأول، وهو ابن نزار الذي ينتهي إليه نسب الرسول ﷺ . هديتما: المراد بهذه الجملة الدعاء. يستبح: يجد كنزًا مباحًا فيأخذه لنفسه بدون معارض، والكنز في الصل هو المال المدفون والمدخر. المجد: العز والسؤدد. يعظم: بضم الياء وكسر الظاء معناه يأتي بأمر عظيم، ويفتح الياء وضم الظاء، يصير عظيمًا في أعين الناس، وبضم الياء وفتح الظاء معناه يعظمه الناس.
المعنى يقول مخاطبًا ممدوحيه: صرتما عظيمين في المنزلة العليا من شرف معد بسبب سعيكما في الصلح بين القبيلتين المتنازعتين، هداكما الله إلى طريق الصلاح والنجاح، وسدد خطاكما، ومن وجد كنزًا من المجد مباحًا، واستولى عليه يعظم أمره، ويعلو شأنه بين الكرام.
الإعراب. عظيمين: خبر بعد خبر لأصبح في البيت السابق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وقيل: هو حال، والأول أقوى. في عليا: جار ومجرور متعلقان بعظيمين لأنه صفة مشبهة، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وعليًا مضاف ومعد مضاف إليه. هديتما: فعل ماض مبني للمجهول، مبنى على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب
стр. 843
فاعل، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها معترضة، المراد منها الدعاء كما رأيت. الواو: حرف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يستبح: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير مستنتر تقديره هو يعود من. كنزًا: مفعول به. من المجد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة كنزًا. يعظم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل أو نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، مثل ما رأيت في البين رقم- ١٥ - والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
٢٤ - وأصبح يُحدى فيهمو من تلادكم ... مغانم شتى من إفالٍ مُزنم
المفردات. يحدى: يساق، ويروى مكانه يجري. التلاد: انظر البيت رقم- ٥٧ - من معلقة طرفة. مغانم: جمع مغنم، وهو الغنيمة. شتى: متفرقة مختلفة، قال تعالى في صف المنافقين: ﴿تحسبهم جميعًا، وقلوبهم شتى﴾ إفالة: هي الصغار من الإبل بنات المخاض وبنات اللبون: الذكر أفيل والأنثى أفيلة، وقيل: الأفيل هو الذي أتت عليه سبعة أشهر من أولاد الإبل، وقيل له: الأفيل، لأنه يأفل بين الإبل، أي يغيب، وجمعه أفال، قال الراعي النميري من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان ويشكو فيها من السعاة الذين يأخذون الزكاة من المسلمين:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبةً ... ظُلمًا، ويكتب للأمير أفيلا
مزنم: التزنيم علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن يقشر ظاهر الأذن، ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب، ولم يقل: مزنمة مع كونه صفة إفال حملاً على اللفظ، لأن فعالاً من الأبنية التي اشترط فيها
стр. 844
الآحاد والجموع، وكل بناء انخرط في هذا السلك ساغ تذكيره حملاً على اللفظ، وروى أبو عبيدة: من إفال المزنم، وقال: هو فحل معروف-.
المعني يقول: لقد أصبح يساق ويقدم لأولياء المقتولين من نفائس أموالكم القديمة الموروثة إبل صغار معلمة علامة الكرم في إذنها، وهي بمنزلة الغنائم التي تكسب في الحرب، وأصبح بمعنى صار.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أصبح: فعل ماض ناقص. يحدى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، هذا وقد تنازع الفعلان أصبح ويحدى الاسم (مغانم) فالأول يطلبه اسمًا له، والثاني يطلبه نائب فاعل، فيعمل فيه أحدهما، ويضمر في الثاني، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه. فيهمو: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى، والميم علاقة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. من تلادكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحدى أيضًا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. مغانم: إن اعتبرته اسم أصبح ففاعل يحدى ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه لأنه متقدم رتبة، وإن تأخر لفظًا، وإن اعتبرته نائب فاعل بيحدى فاسم أصبح ضمير مستتر تقديره هو يعود إليه، وعلى كل فجملة (يحدى ... الخ) في نصب خبر أصبح، وجملة (أصبح ... الخ) معطوفة على جملة (أصبحتما ... الخ) في البيت- ٢٢ - لا محل لها مثلها، ولم يؤنث أحد الفعلين لاحتمال كل منهما أن يكون عاملاً في مغانم كما رأيت. شتى: صفة مغانم مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. من إفال: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية لمغانم، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ مزنم: صفة إفال.
стр. 845
٢٥ - تعفى الكلوم بالمئين، فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
المفردات. تعفي: تمحى من عفا الشيء يعفو الشيء يعفو إذا انمحى ودرس، وانظر البيت رقم- ٢ - من معلقة امرئ القيس. الكلوم: : الجروح جمع كلم، مثل القروح جمع قرح والجروح جمع جرح. المئين: جمع مئة وقد جمعها جمع مذكر سالمًا، وتجمع أيضًا جمع مؤنث سالمًا، وهو مئات. ينجمها: يجعلونها نجومًا، أي أقساطًا، هكذا كانت الدية تؤدي على دفعات. مجرم: مذنب، وقاتل.
المعنى يقول: تمحى الثارات بالمئين من الإبل، وأصبحت المئات المتفق عليها يدفعها أقساطًا من هو برئ من تبعتها، من هو بعيد عن الجرم في هذه الحروب الطاحنة، فهو يريد أن السيدين اللذين يمدحها قد تعهدا بدفع الديات، وقد وفيا بما تعهدا، وأدياها نجومًا متفرقةً، كذلك تعطى الديات، وأصبحت بمعنى صارت.
الإعراب: تعفى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. الكلوم: نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بالمئين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسر لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المئين. ينجمها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. فيها: جار ومجرور متعلقان بمجرم بعدهما (بمجرم) الباء: حرف جر زائد. مجرم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة
стр. 846
على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجملة (ليس فيها بمجرم) صلة الموصول، وجملة (ينجمها من .. الخ) في محل نصب خبر أصبحت، وجملة (أصبحت ... الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٢٦ - يُنجمها قومٌ لقومٍ غرامةً ... وبم يهريقوا بينهم ملء محجم
المفردات. ينجمها: انظر البيت السابق. قوم: انظر البيت رقم- ٥٩ - من معلقة امرئ القيس. غرامة: هي في الصل ما يلزم أداؤه من المال، وأراد تحملها وتكلفها. يهريقوا: يقال: أراق الماء والدم يريقه، وهراقه يهريقه، وأهراقه يهريقه لغات، والأصل اللغة الأولى، والهاء في الثانية بدل من الهمزة الأولى، وجمع في الثالثة بين البدل والمبدل منه، توهمًا أن همزة أفعل لم تلحقه بعد، لذا فأصل يُهريق يُؤروق، فأبدلوا من الهمزة هاءً، فصار يُهروق، فاستثقلوا الكسرة على الواو، فألقوها على الراء، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وانظر البين رقم- ٩ - من معلقة امرئ القبس. ملء: بكسر الميم الاسم، وهو ما يأخذه الإناء الممتلئ من الشراب، يقال: أعطني ملء القدح وملأيه، وثلاثة أملائه، وملء بفتح الميم المصدر. المحجم: آلة الحجام، والجمع المحاجم.
المعنى يقول: يتحمل الديات ويضمها لأولياء المقتولين جماعة: وهؤلاء الضامنون لم يريقوا منها مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء، أي أنهم بريئون من تبعتها، ولكنهم تحملوها حقنًا للدماء.
الإعراب. ينجمها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. قوم: فاعل، والجملة الفعلية بدل من الجملة (ينجمها من ... الخ) في البيت السابق، فهي بمنزلة قوله تعالى: ﴿أمدكم بما تعلمون، أمدكم
стр. 847
بأنعامٍ وبنين﴾ وبعضهم يعتبر البدلية في الفعل وحده. لقوم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. غرامة: مفعول مطلق عامله بالفعل قبلهما. غرامة: مفعول مطلق عامله الفعل (ينجم) الواو: واو الحال. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يهريقوا: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من قوم، والرابط الواو والضمير وجوز وقوع الحال من النكرة وجود الواو المانعة من الوصفية على حد قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وانظر الشاهد- ٧٩٦ - من كتابنا فتح القريب المجيب. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ملء: مفعول به، وهو مضاف ومحجم مضاف إليه.
٢٧ - ألا أبلغ الأحلاف عني رسالةً ... وذبيان هل أقسمتمو كل مُقسم ؟
المفردات. الأحلاف: هو بنو أسد وغطفان، واحدهم حلف، والحليف جمعه حلفاء، وقال الزوزني: جُمع حليف على أحلاف كما جُمع نجيب على أنجاب، وشريف على أشراف، وشهيد على شهداء، وهذا يعني أن الأحلاف جمع حليف لا حلف، والصواب الأول كما هو في كتب اللغة، والحليف هو المعاهد الذي يعاهدوك على التناصر والتعاون، ويقال: فلان حليف بني فلان إذا منعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وأن يكون معهم يدًا على من سواهم. ذبيان: أبو قبيلة من قيس بضم الذال وتكسر، وروى الأصمعي صدر البيت (فمن مُبلع الأحلاف ... الخ) ويقال: إن (هل) هنا بمعنى قد على حد قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر ... الخ﴾ ولا وجه له، وانظر- شرح أقسم وقسم في البيت رقم- ١٨ - .
المعنى يقول: أبلغ قبيلة ذبيان، ومن تحالف ضدها، أو أبلغ ذبيان
стр. 848
وحلفاءها رسالة تتضمن قولي: هل حلفتم على إبرام حبل الصلح كل يمين وأنكم تنفذون ذلك.
الإعراب. ألا: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. أبلغ: فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت. الأحلاف: مفعول به أول. عني: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. رسالة: مفعول به ثان. وذبيان: معطوف على الأحلاف بالواو العاطفة، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما قبله عليه. هل: حرف استفهام. أقسمتم: فعل وفاعل، والميم عامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. كل: مفعول مطلق، وهو مضاف ومقسم مضاف إليه، وجملة (هل أقسمتم ... الخ) مفسرة لرسالة، ولا يمنع الإنشاء التفسير، انظر مبحث الجملة التفسيرية في كتابنا فتح القريب المجيب، وجملة (أبلغ ... الخ) ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
٢٨ - فلا تكتمن الله ما في صدوركم ... ليخفى، ومهما يُكتم الله يعلم
المفردات. الكتمان: الإخفاء، قال الرسول ﷺ : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» صدوركم: أراد به قلوبكم، ويروى (نفوسكم) الله: علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.
المعنى يقول: إن الله عالم بخفايا الأمور، ولا يخفى عليه شيء من نوايا العباد، فلا تضمروا الغدر ونقض العهد، فإنكم إن أضمرتموه علمه الله
стр. 849
الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء قال تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لا: ناهية جازمة. تكتمن: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والنون التوكيد الثقيلة. الله: منصوب على التعظيم مفعول أول. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. في صدوركم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور (ليخفى) اللام: لام التعليل. يخفى: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على اللف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى (ما) وأن المضمرة بعد لام التعليل والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل السابق. الواو: حرف عطف. مهما: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول مطلق لفعل الشرط بعده، والتقدير: أي كتمان كثيرًا أو قليلاً يعلمه الله تعالى. يكتم: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. الله: نائب فاعله، وهذا الفعل تعدى إلى مفعول واحد، بخلاف الأول، فإنه تعدى إلى مفعولين، وجملة (يكتم الله) ابتدائية لا محل لها. يعلم" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الله، ومفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، ومهما ومدخولها كلام معطوف على الجملة السابقة لا محل له مثلها.
стр. 850
٢٩ - يؤخر، فيوضع في كتابٍ فيدخر ... ليوم الحساب! أو يعجل فينقم
المعنى يقول: لا تكتمن الله ما في صدوركم، فإن فعلتم ذلك يؤخر عقاب ويسجل في صحيفة الأعمال، فيدخر ليوم الحساب، أو يعجل العقاب في الدنيا قبل المصير إلى الآخرة، فينتقم من صاحبه، يريد أنه لا مخلص من العقاب آجلاً أو عاجلاً، وهذا البين وسابقه يدلان على أن زهيرًا كان موحدًا موقنًا بيوم القيامة بخلاف ما عليه أكثر الجاهليين من إنكار البعث والحساب، والقرآن الكريم شاهد صدق على ذلك.
الإعراب. يؤخر: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم، واختلف في جازمه، فقال بعض أهل اللغة: هو بدل من يعلم في البيت السابق مجزوم مثله، كما في قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: لا يشبه هذا الآية الكريمة لأن مضاعفة العذاب هو لقي الآثام، وليس التأخير العلم، وأجاز سيبويه إسكان الفعل للشاعر إذا اضطر، فيجوز على مذهب سيبويه أن يكون (يؤخر) مرفوعًا، إلا أنه سكن الراء لضرورة الشعر، وقال بعض النحويين: هو مجزوم جوابًا للنهي في البيت السابق وهذا سائغ في العربية لا غبار عليه، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الكتمان المفهوم من البيت السابق، أو يعود إلى (ما في صدوركم) وهو أولى، وبقية الأفعال في البيت معطوفة بحروف العطف على (يؤخر)، فهي مجزومة مثله، وهي مبنية للمجهول أيضًا، ونائب فاعلها يعود إلى ما عاد إليه نائب فاعله. ليوم: متعلقان بالفعل قبلهما، ويوم مضاف والحساب مضاف إليه.
٣٠ - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجم
المفردات. وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو: يريد ليست الحرب إلا ما
стр. 851
جربتموه، وعرفتم عواقبه ونتائجه من التدمير والفناء. وما هو: الضمير يعود إلى العلم الذي يشعر به قوله: (علمتم) قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا﴾ فالضمير يعود إلى البخل الذي يشير إليه قوله: (يبخلون) الحديث: أراد به الخبر عن الحرب. المرجم: الأصل في هذه الكلمة الرجم، وهو القذف بالحجارة، ثم قالوا: رجم فلان فلانًا إذا أرادوا شتمه وسبه، ثم قالوا: رجم بالظن، يريدون رمى به، ثم كثر هذا الاستعمال حتى قالوا: رجم ورجم بالتخفيف والتشديد، وهم يريدون ظن، وقالوا: لقد قال فلان هذا الكلام رجمًا، وهم يريدون قاله ظنًا، فقول زهير (المرجم) يريد به المظنون غير المستيقن، قال تعالى في أصحاب أهل الكهف: ﴿سيقولون: ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب﴾.
المعنى يقول: ليسن الحرب إلا ما عرفتموها وجربتموها وذقتم مرارتها، والذي أقول ليس بخبر مظنون عن الحرب، وإنما هو الواقع والحقيقة، فهو يحضهم على قبول الصلح، ويخوفهم من الحرب والعودة إليها، ونتائجها الوخيمة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. ما: نافية مهملة. الحرب: مبتدأ. إلا: حرف حصر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. علمتم: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: إلا التي علمتموها. الواو: حرف عطف. ذقتمو: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. ما: نافية حجازية تعمل عمل ليس. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما) عنها: جار ومجرور متعلقان بهو لأنه يعود إلى العلم المشعر به
стр. 852
قوله (علمتم) فهو بمنزلة المشتق (بالحديث) الباء حرف جر زائد. الحديث: خبر ما منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. المرجم: صفة الحديث، والجملة الاسمية (ما هو ... الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع-.
٣١ - متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم
المفردات. تبعثوها: تثيروها. ذميمة: مذمونة، أي يذم مثيرها وموقدها، وانظر (رحيب) في البيت رقم- ٥٤ - من معلقة طرفة. تضرى: تشتد الحرب، والضري شدة الحرب، وكذلك الضراوة. تضرم: تشتعل وتتقد.
المعنى يقول: في أي وقت من الأوقات تثيرون الحرب تذمون على إثارتها، وهي تشتد إذا أوقدتم نارها فتشتعل.
الإعراب. متى: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده. تبعثوها: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. تبعثوها: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم ... الخ والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ذميمة: حال من ضمير الحرب الواقع مفعولاً به، ومتى ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. الواو: حرف عطف. تضر: فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير
стр. 853
مستتر تقديره هب يعود إلى الحرب، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ضريتموها: فعل وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم للإشباع، فتولدت الواو، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. الفاء: حرف عطف. تضرم: فعل مضارع معطوف على تضر مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب، والجملة الفعلية لا محل لها مثل المعطوفة عليها، وانظر الكلام على البيت رقم- ٥١ - الآتي فإنه جيد.
٣٢ - فتعرككمو عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافًا، ثم تنتج، فتتئم
المفردات. العرك: الدلم بشدة. الرحى: حجر الطاحون. الثفال: جلد أو خرقة تجعل تحت الرحى ليكون ما سقط من الطحين في الثقال، والباء الجارة بمعنى (مع) لأنه لم يرد كما تعرك الرحى ثفالها، وإنما أراد عرك الرحى، ومعها ثفالها. تلقح: تحمل الولد، يقال: لفتحت الناقة إذا حملت، والإلقاح جعلها كذلك، قال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ فالرياح تلقح النعجة في السنة مرتين، وهو يسمى الفعال، وأن تحمل الناقة كل عام، وكلاهما مذموم عندهم، وذلك أردأ النتاج، واللقاح المحمود عندهم أن تحمل النعجة في العام مرة واحدة، وأن تحمل الناقة سنة، وتجم أخرى، وذلك أقوى للولد. تنتج: بالبناء للمجهول تلد، يقال: نُتجت الناقة تُنتج نتاجًا، ونتجها أهلها، ولا يكون فاعل الفعل الناقة، إلا في قولك: أنتجت الناقة إذا ولدت ولدها، ولم يحضرها أحد. تتئم: تنتج اثنين في بطن واحد، فإذا كان ذلك من عادتها قيل: متآم، ويقال:
стр. 854
هذا توأم، وهذه توأمة، والجمع توائم وتؤام.
المعنى يقول: تطحنكم الحرب طحن الرحى مع ثقاله، وتحمل الحرب في العام الواحد مرتين، وتلد اثنين في بطن واحد ففي البيت استعارة حيث جعل إفناء الحرب إياهم بمنزلة طحن الرحى الحب، وجعل صنوف الشر التي تتولد من تلك الحروب بمنزلة الأولاد الناشئة من الأمهات، وبالغ في وصفها باستتباع الشر شيئين: أحدهما جعله إياها لاقحة كشافًا، والآخر إتآمها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. تعرك: فعل مضارع مجزوم بسبب العطف على ما قبله في البيت السابق، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب المذكورة في البيت السابق، ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها. عرك: مفعول مطلق، وهو مضاف والرحى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف كما رأيت في المعنى. بثفالها: جار ومجرور متعلقان بالمصدر السابق، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وتلقح: فعل مضارع معطوف على سابقه بالواو العاطفة مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى الحرب. كشافًا: مفعول مطلق عند الكوفيين، وقال البصريون: هو مصدر جعل في موضع الحال، أي من فاعل تلقح. ثم: حرف عطف. تنتج: مجزوم بسبب العطف، وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الحرب. الفاء: حرف عطف. تتئم: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم أيضًا، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى
стр. 855
الحرب، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها معطوفة مع الجملتين قبلها على جملة لا محل لها.
٣٣ - فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عادٍ، ثم ترضع فتفطم
المفردات. تنتج: انظر شرحه في البيت السابق- غلمان: جمع غلام، وانظر البيت رقم- ٦٨ - من معلقة امرئ القيس-. أشأم: فيه قولان: أحدهما أنه بمعنى المصدر كأنه قال: غلمان شؤم، وأشأم هو الشؤم بعينه، والقول الآخر أن المعنى غلمان امرئ أشأم، أي مشؤوم، وقيل: هو مبالغة مشؤوم كما أن أيمن مبالغة ميمون، وجمعه أشائم، وجمع مشؤوم مشائيم. أحمر عاد: أراد أخمر ثمود عاقر الناقة، واسمه قدار، فاضطره الشعر إلى عاد، فقال ذلك على جهة الغلط، ومثله في الشعر كثير، وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: هذا ليس بغلط لأن ثمود يقال لها: عاد الآخرة، ويقال لقوم هود عاد الأولى، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ ثم ترضع فتفطم: معناه أن أمرها يطول عليكم، ولا يسرع انكشافها عنكم، حتى تكون بمنزلة من يلد ويرضع فيفطم، وترضع من أرضع الرباعي، وأما الثلاثي فهو في لغة أهل نجد رضع يرضع رضاعًا، وفي لغة تهامة رضع يرضع، والرضاع بفتح الراء وكسرها؛ وكذا الرضاعة، وانظر البيت- ٢٣ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن بقيت الحرب مستمرة، فتلد لكم أبناء في أثنائها، كل واحد منهم يشبه عاقر ناقة صالح في الشؤم والفساد، ثم ترضعهم الحروب وتفطمهم، أي تكون ولادتهم ونشؤوهم في الحرب، فيصحبون مشائيم على آبائهم وأمهاتهم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تنتج: فعل مضارع معطوف على ما
стр. 856
قبله في البيت السابق مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب. لكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. غلمان: مفعول به. أشأم: صفة غلمان منصوب، وقيل: هو مجرور بإضافة غلمان إليه، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. كلهم: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. كأحمر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية لغلمان، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾ وأحمر مضاف وعاد مضاف إليه. ثم: حرف عطف. ترضع: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم، والفاعل يعود إلى الحرب أيضًا. فتفطم: معطوف بالفاء العاطفة على ما قبله، وإعرابه كإعرابه.
٣٤ - فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها ... قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهم
المفردات. تغلل لكم .. الخ: الغلة الدخل يحصل للإنسان من كراء دار، وفائدة أرض، ونحو ذلك، والجمع غلات وغلال، وأما قول الشاعر هنا: تغلل لكم .. الخ، فقد قال الأصمعي فيه: يريد أنها تغل لهم دمًا وما يكرهون، وليست تغل لهم ما تغل قرى العراق من قفيز ودرهم، وقال يعقوب: هذا تهكم وهزء، يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من الطعام، والدراهم، ولكن غلة هذا عليكم ما تكرهون، وقال أبو جعفر: معناه أنكم تقتلون، وتحمل إليكم ديات قومكم، فافرحوا فهذه لكم غلة. قرى: انظر إعلاله في البيت رقم- ٤٦ - من معلقة طرفة. القفيز: مكيال، وهو ثمانية مكاكيك، جمع مكوك، انظر مختار الصحاح، والقفيز أيضًا مساحة من الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراعًا، جمعه أقفزه وقفزان انظر القاموس المحيط، هذا وقرى جمع قرية، وهي في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع
стр. 857
فيه القوم، وهو يطلق على الضيعة وعلى المدينة الكبيرة وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى، وذلك في قوله للنبي ﷺ : «ولتنذر أم القرى ومن حولها»، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها قروي وقريي.
المعنى يقول: إن المضار الناتجة من هذه الحروب تزيد على المنافع الناتجة من قرى العراق الكثيرة المحاصيل والغلات، فهو ينفرهم من الحرب، ويحثهم على الصلح، وانظر الأقوال التي رويتها لك في المفردات.
الإعراب: الفاء: حرف عطف، تغلل: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب. لكم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. لا: نافية. تغل: فعل مضارع. لأهلها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قرى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على اللف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والياء الثابتة دليل عليها، وليست عينها. بالعراق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قرى. من قفيز: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من مفعول (تغل) المحذوف العائد إلى (ما) ومن بيان لما أبهم في (ما) ودرهم: معطوف على قفيز بالواو العاطفة، وجملة (لا تغل .. الخ) صلة الموصول، والعائد محذوف، إذ الأصل (ما لا تغله ... الخ) تأمل وتدبر وربك أعلم وأجل وأكرم.
٣٥ - لحيٍ حلالٍ يعصم الماس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
المفردات. حي: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس.
стр. 858
الحلال: الكثير، والحلة مائتا بيت تكون في موضع واحد، وحلال جمع حال مثل صاحب وصحاب، وصائم وصيام، وقائم وقيام. يعصم: يمنع- قال تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ وقال لنبيه ﷺ : «والله يعصمك من الناس» ومعنى يعصم الناس أمرهم، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس-. الناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، أصله الأناس، حذفت منه الهمزة على غير قياس، وقيل: إن أصله النوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. طرقت: أتت ليلاً، والطروق الإتيان بالليل، وسمي النجم طارقًا لأنه يطلع ليلاً، قال تعالى: ﴿والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق؟ النجم الثاقب﴾ وفي البيت مجاز لأن الليالي لا تطرق، ولا تأتي بشيء، وإنما هي ظرف للحوادث كما هو اعتقادنا. معظم: أمر عظيم.
المعنى يقول: إن السيدين يعقلان القتلى، ويدفعان الديات لأجل ماس كثيرين، إذا ائتمروا أمرًا كان عصمة للناس إذا أصابتهم مصيبة، أو نزلت بهم بلية.
الإعراب. لحي: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: يعقلان، وقال التبريزي متعلقان بالفعل (سعى ساعيًا) في البين رقم- ١٧ - وهو بعيد. حلال: صفة حي، وقد جمع الصفة لأن المراد بالحي جمعٌ. يعصم: فعل مضارع. الناس: مفعول به، أمرهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (يعصم الناس أمرهم) في محل جر صفة ثانية لحي، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ﴾ إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل يعصم. طرقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. إحدى: فاعل مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وإحدى
стр. 859
مضاف والليالي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. بمعظم: جار ومجرور متعلقان بالفعل طرقت) وجملة (طرقت ... الخ) في محل جر بإضافة إذ إليها، وإن اعتبرت إذا شرطية فطرقت فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا طرقت ... الخ فهم يعصمون الناس أي يمنعونهم، والأول أقوى تأمل.
٣٦ - كرامٍ، فلا ذو الضغن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم
المفردات. كرام: انظر البيت- رقم- ٥٢ - من معلقة طرفة. الضغن: الحقد مثل الضغينة؛ يقال: ضَغِنَ يَضغَنُ ضَغنًا وضِغنًت. التبل: الثأر، وقبل: هو الحقد أيضًا. الجارم والجاني بمعنى واحد، وهو الذي يأتي بالجرم والجناية، ويقال: جرم وأجرم أفصح، ويقال: جرم الشيء إذا حق وثبت، قال تعالى: ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾.
المعنى يقول: إن السيدين يعقلان القتلى لأجل قوام كرام لا يدرك صاحب الثأر ثأره عندهم، ولا يقدر على الانتقام منهم من ظلموه، ومن اعتدى عليهم وظلمهم فغير سالم من انتقامهم، ومن أجرم واحتمى بهم فغير مخذول، ولا مسلم لمن اعتدى عليهم، يريد أنهم يظلمون الناس، ولا يستطيع الناس الانتصار عليهم، والمجرم المحتمي بهم فهو في مأمن أيضًا.
الإعراب. كرام: صفى أخرى لحي في البيت السابق، ويجوز رفعه في العربية على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم كرام، ولكن لم يرو الرفع. الفاء: حرف تفريع. لا: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ذو: اسمها مرفوع، وعلامة رفعة الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف والضغن مضاف إليه. يدرك: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ذو الضغن. تبلع: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر
стр. 860
بالإضافة، وجملة (يدرك تبله) في محل نصب (لا) وإن اعتبرت (لا) مهملة فذو الضغن مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، وعطف الجملة الثانية عليها يقوي الأول، وعلى كل فالجملة اسمية لا محل لها من الإعراب لأنها مفرعة عن ما قبلها. الواو: حرف عطف. لا: نافية حجازية تعمل عمل ليس. الجارم: صفة لموصوف محذوف واقع اسمًا للا الحجازية. الجاني: صفة ثانية للموصوف المحذوف مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الباء للثقل. عليهم: جار ومجرور متعلقان بالجان لأنه اسم فاعل (بمسلم) الباء: حرف جر زائد. مسلم: خبر (ما) الحجازية منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية (لا الجارم ... الخ) معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها.
تنبيه- قد وقع اسم (لا) العاملة عمل ليس في هذا البيت معرفة، وهو شاذ أو قليل لأنه يشترط لعملها هذا العمل أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد- ٤٣٨ و ٤٣٩ - من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك ويثلج قلبك.
٣٧ - رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا ... غمارًا تسيل بالسلاح وبالدم
المفردات. رعوا: الرعي يقتصر على مفعول واحد، مثل قولك: رعت الماشية الكلأ، وقد يتعدى إلى مفعولين، مثل قولك: رعيت الماشية الكلأ، وانظر إعلال مثل (رعوا) في البيت- ١٨ - الظمء: هو في الأصل العطش، وهو هنا ما بين الشربتين، وقد أراد أنهم تركوا الحرب مدة، ثم رجعوا فحاربوا، ألا تراه قال: أوردوا غمارًا، والغمار جمع غمر، وهو الماء الكثير في الأصل، وأراد به هنا غمار الحرب، ففي البيت استعارة لا تخفى. تسيل: تجري، ويروى (تفرى) بمعنى تشقق، وأصل تفرى تتفرى انظر البيت
стр. 861
رقم- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس- السلاح: انظر البيت- ٩٤ - من معلقة طرفة-، ويروى البيت كما يلي:
رعوا ما رعوا من ظمئهم، ثم أوردوا ... غمارًا تفرى بالسلاح وبالدم
المعنى يقول: لقد كفوا عن الحرب مدة معلومة كما ترعى الإل أيامًا معلومة كما ترعى الإبل أيامًا معلومة، ثم عاودوا الحرب كما تورد الإبل بعد الرعي، فالحروب بمنزلة الماء الكثير، ولكنها تختلف عنه باستعمال السلاح وسفك الدماء: وكفى بذلك اختلافًا.
الإعراب: رعوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المقصورة المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ظمأهم: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الخفش في مثل هذا الموضع حرفًا جارًا لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. تم: فعل ماض شرط إذا، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ظمأهم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. أوردوا: فعل وفاعل، والألف للتفريق. غمارًا: مفعول به، وجملة (أوردوا غمارًا) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف بعد حتى لا محل له. تسيل: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى غمارا، والجملة الفعلية في محل نصب صفته. بالسلاح: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وبالدم: جار ومجرور معطوفان بالواو العاطفة على ما قبلهما.
٣٨ - فقضوا منايا بينهم، ثم أصدروا ... إلى كلأٍ مستوبلٍ متوخم
стр. 862
المفردات. قضوا: يقال: قضيت الشيء وقضيته أحكمته وأتممته، قال تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيا﴾ وانظر إعلال مثله في البيت رقم- ١٨ - منايا: انظر البيت رقم- ٦١ - من معلقة طرفة. أصدروا: ضد أوردوا، لأن الصدر الرجوع عن الماء، والورد إتيانه. الكلأ: العشب، فقد استعاره للأمر الواقع والحالة الراهنة بعد الحرب. مستوبل: وبيل، أي مهلك. متوخم: وخيم، وهو الذي لا يستمرأ مرعاه.
المعنى يقول: لقد قتل كل فريق بعض رجال الآخر: ثم كفوا عن القتال، واشتغلوا بالاستعداد له ثانية، كما تصدر الإبل عن الماء، فترعى الكلأ إلى أن تورد ثانية، ولكن مرعاهم كان وبيلاً وخيمًا مهلكًا لهم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. قضوا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. منايا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على اللف للتعذر. بينهم: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف صفة منايا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (قضوا ... الخ) معطوفة على جملة (رعوا ... الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها. ثم: حرف عطف. أصدروا: فعل وفاعل والألف الفارقة، والجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. إلى كلأ: جار ومجرور متعلقان بالفعل أصدروا. مستوبل: صفة كلأ. متوخم: صفة ثانية لكلأ. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٣٩ - لعمري لنعم الحيُّ جر عليهمو ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
المفردات: لعمري: انظر شرحه في البيت رقم- ٧٤ - من معلقة طرفة. نعم: انظر البيت رقم- ١٩ - الحي: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة
стр. 863
امرئ القيس. جر عليهم: جنى عليهم، والجريرة الجناية، والجمع الجزائر. لا يواتيهم، ويروى بما لا يؤاتيهم الهمز، ومعناهما لا يوافقهم ولا يناسبهم، وهذه المواتاة هي قتل حصين بن ضمضم الرجل العبسي بواء بأخيه خرم انظر الكلام على حياة زهير.
المعنى يقول: أقسم بحياتي لنعمت القبيلة التي جر عليهم حصين بن ضمضم جريرة لا توافقهم ولا تلائمهم، وهو يريد السيدين اللذين أصفاهما مدحه، وهما هرم والحارثة، وحصين مري مثلهما، أي إنهم جميعًا من حي واحد.
الإعراب (لغمري) اللام: لام الابتداء. عمري: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا تقديره قسمي (لنعم) اللام: واقعة في جواب القسم. نعم: فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح. الحي: فاعل نعم، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها. جر: فعل ماض. عليهمو: جار ومجرور متعلقان بالفعل جر، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع (بما .. الخ) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جر أيضًا. لا: نافية. يواتيهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. حصين: فاعل جر. ابن: صفته، وابن مضاف وضمضم مضاف إليه، وجملة (جر ... حصين) في محل نصب حال من الحي على اعتبار (أل) فيه للتعريف، أو في محل رفع صفته على اعتبارها للجنس.
стр. 864
٤٠ - وكان طوى كشحًا على مستكنةٍ ... فلا هو أبداها، ولم يتقدم
المفردات. طوى: أرد أضمر وأخفي. الكشح: هوما بين السرة ووسط الظهر، وجمعه كشوح- وانظر البين رقم- ١٦ - من معلقة عمرو بن كلثوم-: مستكنة: أراد فعلة مستترة في قلبه، وهي الأخذ بثأر أخيه، يقال أكننت الشيء، إذا سترته وأخفيته في نفسك، قال تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ أبداها: أظهرها، ولا هي بمعنى لم كقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ فمعناه فلم يصدق ولم يصل. ولم يتقدم: ويروى (ولم يتجمجم) أي لم يدع التقدم على ما أضمر.
المعنى يقول: وكان حصين بن ضمضم قد أخفى نيته على الأخذ بثأر أخيه، ولم يظهر لأحد شيئًا قبل إقدامه على ما فعل حتى أمكنته الفرصة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في البيت السابق. طوى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود على حصين أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. كشحًا: مفعول به. على مستكنة: جار ومجرور متعلقان بالفعل طوى، أو هما متعلقان بمحذوف صفة كشحًا، وهو أقوى معنى. الفاء: حرف تفريع. لا نافية. هو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. أبداها: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على حصين، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها معطوفة على ما قبلها. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتقدم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل
стр. 865
يعود إلى حصين أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر فالمعنى لا يأباه ويكون الرابط الواو والضمير.
٤١ - وقال: سأقضي حاجتي، ثم أتقي ... عدوي بألفٍ من ورائي مُلجك
المفردات. الحاجة: أراد بها قتل قاتل أخيه كما رأيت في البيت- ٣٩ - أتقي: من الوقاية، وهي ما وقيت به الشيء، أو من التقية، وهي الحذر والخوف، أو من قولك: اتقينا به، أي جعلناه قدامنا وقاية من العدة، واستقبلنا العدو به، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاةً﴾ ومن الثالث قول علي ﵁: كما إذا حمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ وأصل أتقي (أو تقي) قلبت الواو تاء، ثم أدغمت التاء بالتاء مثل (اتصل) -. العدو: انظر البيت- ٨١ - من معلقة طرفة. ورائي: انظر البيت- ٣٦ - من معلقة امرئ القيس. ملجم: يروى بكسر الجيم وفتحها، فمن كسرها أراد بألف فارس مُلْجِم فرسه، ومن فتحها أراد بألف فرس مُلْجَم.
المعنى يقول: وقال حصين في نفسه: سأشفي غليلي بأخذ ثأر أخي، ثم أتحصن وأحتمي ممن يطلب دم الذي أقتله بألف فارس ملجمٍ فرسه مستعد للحرب والنزال، أو بألف فرس ملجم مهيأ لذلك.
الإعراب. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. قال: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في بيت سابق. السين: حرف استقبال. أقضي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره أنا. حاجتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منه من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر
стр. 866
بالإضافة، وجملة (سأقضي حاجتي) في محل نصب مقول القول، وجملة (قال ... الخ) لا محل لها من الإعراب سواء أكانت معطوفة أم مستأنفة. ثم: حرف عطف. أتقي: فعل مضارع مرفوع .. الخ والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضًا. عدوي: مفعول به منصوب، وعلامة ... الخ والياء مضاف إليه. بألف: جار ومجرور متعلقان بالفعل أتقي. من: حرف جر. ورائي: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع .. الخ والجار المجرور متعلقان بمحذوف صفة ألف، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ملجم: صفة ألف في الظاهر، وهو في الحقيقة صفة لموصوف محذوف كما رأيت في المفردات.
٤٢ - فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرةً ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
المفردات. شد: يقال: شد على عدوه إذا حمل عليه ليقتله. يفزع: بضم ياء المضارعة وكسر الزاي، أي لم يخف، ولم يتعرض لغيره، ويروى بتاء المضارعة المضمومة وفتح الزاي ورفع بيوت، ويكون المعنى: لم تعلم البيوت، أي أهلها أنه مصمم على قتل الرجل وحده كما يروى بتاء المضارعة المفتوحة، ويكون المعنى: لم تعلم البيوت بالمقتول، ولم تغثه، وقيل: المعنى أنه لم يستعن عليه بأحد، هذا ويروى (ولم ينظر بيوتًا) ومعنى لم ينظر لم يؤخر امرئ القيس. حيث: انظر مبحثها في كتابنا فتح القريب المجيب. القت: انظر إعلال (آلت) في البيت- ٢٥ - من معلقة امرئ القيس فهو مثله. ام قشعم: هي الحرب والمنية والداهية، وأراد بألقت رحلها منزل المنية، أي محل حلولها، وقال أبو عبيدة: أم قشعم العنكبوت، والمعنى شد على صاحب ثأره بمضيعة من الأرض؛ قد بنت العنكبوت فيها بيوتها.
стр. 867
المعنى يقول: إن حصينًا المذكور قد حمل على الرجل الذي قتله بأخيه في المكان الذي قتله فيه، ولم تعلم بيوت كثيرة بخروجه، وأنه عزم على قتله وحده، أو المعنى لم يتعرض لغيره، أو لم تعلم بيوت بالمقتول، ولم تغثه.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. شد: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حصين المذكور في بيت سابق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. الواو: واو الحال. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يفزع: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل يعود إلى حصين أيضًا. بيوتًا: مفعول به. كثيرة: صفته، وجملته (لم يفزع بيوتًا) في محل نصب حال من فاعل شد المستتر، والرابط الواو والضمير، وعلى الرواية الثانية فالفاعل (بيوت) والجملة الفعلية حينئذ معترضة بين الفعل (شد) ومتعلقه، وهو (لدى) ويجوز أن يكون حالاً أيضًا، والرابط الواو فقط على حج قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبةٌ﴾ لدى: ظرف مكان متعلق بالفعل شد منصوب، وعلامة نصبه فتح مقدرة على الألف للتعذر: ولدى مضاف وحيث مضاف إليه مبني على الضم في محل جر. ألقت: فعل ماض مبني على فتح مقدار على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. رحلها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أم: فاعل، وهو مضاف وقشعم مضاف إليه، وجملة (ألقت رحلها أم قشعم) في محل جر بإضافة حيث إليها.
٤٣ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ ... له لبدٌ أظفاره لم تُقلم
المفردات. لدى: انظر البيت السابق. أسد: أراد به الجيش. شاكي السلاح: معناه سلاحه ذو شوكة، وفسره بعضه بتامه، والأول أولى لأنه من الشوكة، وهي الحدة، وأصل شاكي (شاوك) قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح
стр. 868
ما قبلها، ولم يعتد بالألف الزائدة لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وإعلال اسم الفاعل اليائي مثله، نحو بائع، وذلك لما تقرر من أن عين اسم الفاعل إذا كان واوًا أو ياء، وأعلت في فعله، فإنها تبدل همزة، فكما أعلت عين فعله، وهو (شاك) بقلبها ألفًا، إذ أصلها (شوك) لتحركها وانفتاح ما قبلها أعلت عينه بقلبها همزة، وهو قيتاس مطرد، فإن لم تعل عين الفعل لم تعل في اسم الفاعل أيضًا، نحو عور فهو عاور وعين فهو عاين، ثم دخل (شاوك) القلب المكاني، فصار شاكو، كقولهم: ﴿جُرُفٌ هَارٍ﴾ إذ أصله ﴿جرفٌ هاور﴾ ثم دخله القلب الذاتي فصار شاكي هذا هو القلب الصحيح عند البصريين، وأما ما يسميه الكوفيون قلبًا، نحو جذب وجبذ، فليس بقلب عند البصريين إنما هما لغتان. السلاح: انظر البيت- ٩٤ - من معلقة طرفة. مقذف: غليظ اللحم، ويروى (مقاذف) أي مرامٍ والتقذيف القذف، وهو الرمي بالحجارة، وأراد يقذف به كثيرًا إلى الوقائع. لبد: جمع لبدة، وهي الشعر المتراكب ما بين كتفي الأسد. أظفاره لم تقلم: فهو كناية عن تمام سرح هذا الجيش وقوته.
المعنى يقول: إن حصينًا المذكور قد حمل على الرجل الذي قتله بأخيه في المكان القريب من جيش تام السلاح، يصلح لخوذ المعارك الشديدة، فهو فوي لا يعتريه ضعف، ولا ينقصه سلاح ولا عدة، والمراد بالأسد الجيش كما رأيت، فهو استعارة مكنية على حد قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
الإعراب. لدى: ظرف مكان متعلق بالفعل شد في البيت السابق، وإن اعتبرته بدلاً من (لدى) الأولى فلست مفندًا، والمعنى لا يأباه، وهذا وعلقه البغدادي بالفعل ألقت على تفسير أم قشعم بالحرب، ومعنى ألقت رحلها
стр. 869
حكت رحلها الحرب وسكنت، ويكون المراد من الأسد الحارث بن عوف المري، فإنه هو الذي أطفأ نار الحرب بين عبس وذبيان كما رأيت فيما سبق-، ولدى مضاف وأسد مضاف إليه. شاكي: صفة أسد مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل، وشاكي مضاف والسلاح مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، أو لفاعله حسب تفسير المفردات، وعلى الأول ففاعله ضمير يعود إلى أسد. مقذف: صفة ثانية لأسد. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. لبد: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثالثة لأسد، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه﴾. أظفاره: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تقلم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى أظفاره، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها.
٤٤ - جريءٍ متى يُظلم يُعاقب بظلمه ... سريعًا، وإلا يُبد بالظلم يظلم
المفردات. جرئ: شجاع، والجرأة والجراءة الشجاعة. يعاقب: يجازي ويقتص، قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم، لهو خيرٌ للصابرين﴾، يبد: الأصل: فيه يبدأ من بدأ يبدأ، إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفًا، ثم حذف الألف للجازم، وهذا من أقبح الضرورات. الظلم: انظر البيت رقم- ٨٦ - و- ٩٨ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إن الأسد المذكور في البيت السابق، والمعني به الجيش شجاع متى ظُلم عاقب الظالم بظلمه سريعًا، وإن لم يظلمه أحد ظلم الناس
стр. 870
إظهارًا لقوته، وهذا خلق جاهي، فالإسلام لا يرضى به أبدًا انظر الآية الكريمة السابقة.
الإعراب. جريء: صفة أسد في البيت السابق، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو جرئ. متى: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده. يظلم: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أسد، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. يعاقب: فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، ومتى ومدخولها في محل جر صفة أسد أيضا. بظلمه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. سريعًا: صفة لمفعول مطلق محذوف، إذ التقدير: يعاقب عقابًا سريعًا، أو هو حال بمعنى مسرعًا. الواو: حرف عطف. إلا: أصلها (إن لا) إن: حرف شرط جازم. لا: نافية. بيد: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون الذي ناب عنه حذف الألف بعد تخفيفها كما رأيت في المفردات، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي-. بالظلم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يظلم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر؛ والفاعل ضمير مستتر يعود إلى أسد أيضًا، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وإن ومدخولها معطوف على متى ومدخولها، فهو في محل جر صفة أسد مثله.
стр. 871
٤٥ - لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيكٍ، أو قتيل المثلم
المفردات. لعمرك: انظر البيت رقم- ٧٤ - من معلقة طرفة. جرت: انظر البيت- ٣٩ - قتيل- اسم مفعول بمعنى مقتول يستوى فيه المذكر والمؤنث كما هو معروف، ويروى مكان قتيل الملثم (دم ابن المهزم).
المعنى يقول: أقسم بحياتك إن رماح هؤلاء القوام الكرام، ويعني ممدوحيه اللذين أصفاهما مديحه، وهما هرم والحارثة لم تجن عليهم دماء هؤلاء القتلى، أي لم يسفكوها، ولم يشاركوا قاتليهم في سفك دمائهم، ولكن تبرعوا بحمل الديات ليصلحوا ما بين القبائل المتنازعة.
الإعراب. اللام: لام الابتداء. عمرك: مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والخبر محذوف وجوبًا تقديره قسمي. ما: نافية جرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. عليهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. رماحهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة والميم علامة جمع الذكور. دم: مفعول به، وهو مضاف وابن مضاف إليه، وابن مضاف ونهيك مضاف إليه. قتيل: معطوف بأو على ابن نهيك، وقتيل مضاف والملثم مضاف إليه، وجملة (ما جرت ... إلخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
٤٦ - ولا شاركت في الموت في دم نوفلٍ ... ولا وهبٍ منها ولا ابن المُخزم
المفردات. الموت: انظر شرحه في البيت- ٧١ - من معلقة طرفة، ويروى (في الحرب) بدل في الموت.
المعنى يقول: وإن رماح ممدوحيه لم تشترك في قتل هؤلاء القتلى، وانظر معنى البيت السابق.
الإعراب. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. شاركت: فعل
стр. 872
ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى رماحهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (ما جرت ... الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها. في الموت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. في دم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضًا، واعتبارهما بدلاً مما قبلهما جيد-، ودم مضاف ونوفل مضاف إليه. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. وهب: معطوف على نوفل. منها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من وهب. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. ابن: معطوف على وهب، وابن مضاف والمخزم مضاف إليه. تأمر وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٤٧ - فكلاًّ أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات ألفٍ بعد ألفٍ مصتم
المفردات. كلا: أي كلهم أو كل واحد، فالتنوين نائب عن المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ ومثله كثير في القرآن الكريم. يعقلونه: يؤدون عقله، أي ديته، وسميت الدية عقلاً لأنها تعقل الدم عن السفك، أي تحقنه وتحبسه، وقيل: بل سميت عقلاً لأن الوادي، أي مؤدي الدية، كان يأتي بالإبل إلى أفنية القتيل، فيعقلها هناك بعقلها، فعقل على هذا بمعنى المعقول، ثم سميت الدية عقلاً، وإن كانت دراهم أو دنانير. صحيحات ألف: أي ألف تام غير ناقص، وألف مذكر، يقال: هذا ألف واحد، ولا يقال: واحدة، وهذا ألف أقرع، أي تام، ولا يقال قرعاء، وقال ابن السكيت: لو قلت: هذه ألف بمعنى الدراهم لجاز، والجمع ألوف وآلاف، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم
стр. 873
هذا يمددكم ربكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسومين﴾ هذا ويروى (علالة ألف) والعلالة الزيادة، وأصله من العلل، وهو الشرب الثاني كأنه فاضل عن الشرب الأول. مصتم: تام غير ناقص، ويروى الشطر (صحيحات مال طالعات بمخرم) فمال: انظر شرحه في البيت رقم- ٨٩ - من معلقة طرفة، وطالعات: من طلع الجبر بكسر اللام طلوعًا علاه، والمخرم منقطع أنف الجبل، والطريق فيه، والجمع المخارم، ولا تنس أن أصبحوا بمعنى صاروا، فليست أصبح على بابها.
المعني يقول: إن السيدين المذكورين، وهما هرم بن سنان والحارثة بن عوف قد أديا ديات القتلى المذكورين في البيتين السابقين ألفًا من الإبل بعد ألف آخر تام غير ناقص.
الإعراب. الفاء: حرف تفريع. كلا: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والجملة الفعلية هذه مفرعة عما قبلها لا محل لها، هذا ويجوز رفع (كل) على الابتداء. أراهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على نصب (كلا) وفي محل رفع خبر (كل) على اعتباره مبتدأ؛ والنصب أرجح من الرفع لتعطف جملة فعلية على جملة فعلية لأن قبله جملة (ولا شاركت في الحرب) وإن قدرت الاستئناف فيكون الرفع أرجح. أصبحوا: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف ألف الفارقة. يعقلونه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر أصبح، وجملة (أصبحوا يعقلونه) في محل نصب مفعول به
стр. 874
ثان لأرى على اعتباره قلبيًا، أو في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولاً به على اعتباره بصريًا. صحيحات: مفعول به ثان ليعقل على اعتباره متعديًا لمفعولين؛ أو حال من الضمير الواقع مفعولاً به، وعلى كل فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وهو مضاف وألف مضاف إليه. بعد: ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ألف، وبعد مضاف وألف مضاف إليه. مصتم: صفة ألف.
٤٨ - ومن يعص أطراف الزجاجة فإنه ... يُطيع العوالي ركبت كل لهذم
المفردات. الزجاج: جمع زج؛ وهو أسفل الرمح. العوالي: جمع عالية، وهي مقدار ذراع من مقدم الرمح. لهذم: حاد، يقال: لهذم وسنان لهذم، أي حادان، والبيت جار مجرى المثل، أي من لا يقبل الأمر الصغير يضطره الأمر إلى أن يقبل الأمر الكبير، وكانوا إذا التقيت فئتان من العرب سددت كل واحدة منهما الرمح نحو صاحبتها، وسعى الساعون في الصلح، فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرماح، واقتتلنا بالأسنة.
المعنى يقول: إن من لا يقبل الصلح والمهادنة، وإشارة ذلك زج الرمح الذي لا يقاتل به، فإنه يطيع الحرب التي تكون بسنان الرمح.
الإعراب. الواو: خراف استئناف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يعص: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. أطراف: مفعول به، وهو مضاف والزجاج مضاف إليه. الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنه: حرف مشبه بالفعل. العوالي: مفعل به منصوب، ولم يظهر النصب لضرورة
стр. 875
الشعر، وجملة (يطيع العوالي) في محل رفع خبر إن، والجملة الأسمية (إنه ... الخ) في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه على نحو ما رأيت في البيت رقم- ١٥ - هذا ويروى (مطيع) بدل (يطيع) فيكون خبر إن مرفوعًا، وهو مضاف والعوالي مضاف إليه مجرور، وعلامه جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، ولا ضرورة حينئذ، وتكون الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله: وفاعله ضمير مستتر فيه. ركبت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى العوالي، وهو المفعول الأول. كل: مفعول به ثان، وهو مضاف ولهذم مضاف إليه، وجملة (ركبت كل لهذم) في محل نصب صفة العوالي على اعتبار (أل) فيه للجنس، أوفي محل نصب حال منه على اعتبارها للتعريف، والجملة الاسمية (من .... الخ) مستأنفة لا محل لها.
٤٩ - ومن يُوف لا يُذمم، ومن يُفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم
المفردات. يوفي: مضارع من أوفى، ويجيء يفي من وفى لغتان جيدتان، والأولى أجود، وبها جاء القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ يفضي قلبه: معناه يصير قلبه، ويروى (يُهْدَ) بدل (يفض) من الهداية. مطمئن البر: خالصه، والبر كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية والأخروية. لا يتجمجم: لا يتردد في عمل الخير، بل يمضيه على وجهه، هذا وانظر الوعد وخلفه الوفاء به في البيت رقم- ١٢٠ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: ومن يوف بعهده ر يلحقه ذم، كيف لا؟ والوفاء بالعهد من علامات الإيمان، والخلف من علامات النفاق كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ومن هدي قلبه إلى عمل صالح يطمئن القلب إلى حسنه، ويستقر ويسكن إلى وقوعه موقعه لا يتردد في إسدائه، كيف لا؟
стр. 876
والرسول ﷺ يقول: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وكرهت أن يراه الناس».
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يوف: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. لا: نافية. يذمم: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، ونائب الفعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبتدأ. يفض: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة ... الخ. قلبه: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. إلى مطمئن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومطمئن مضاف والبر مضاف إليه- لا: نافية. يتجمجم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل يعود إلى من، وبقية الكلام، كما في الذي قبله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، لأن الجملتين معطوفتان على مثلهما في البيت السابق.
٥٠ - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
المفردات. هاب: خاف، والهيبة والمهابة الإجلال والمخافة قال القائل: ومن هاب الرجال تهيبوه. أسباب: جمع سبب، وهو الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيره، وأسباب السماوات نواحيها، قال تعالى: ﴿وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع
стр. 877
إلى إله موسى﴾ المنايا: انظر البيت رقم- ٦١ - من معلقة طرفة. ينلنه: يصبنه. رام: قصد. السلم: معروف، يذكر ويؤنث، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿أم لهم سلمٌ يستمعون فيه﴾، ومن التأنيث قول الشاعر:
لنا سلمٌ في المجد لا يبلغونها ... وليس لكم في سورة المجد سلم
المعنى يقول: من خاف الموت، وابتعد عن أسبابه فلا بد أن تناله، ولم تنفعه خوفه شيئًا، ولو حاول أن يصعد إلى السماء فرارًا منها، قال تعالى: ﴿قل: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروجٍ مشيدةٍ﴾ ورواية الأنباري للبيت كما يلي:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه ... ولو رام أن يرقى السماء بسلم
ومعنى الأول أصح وأقوى تأمله.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط حازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. هاب: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى من. أسباب: مفعول به، وهو مضاف والمنايا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ينلنه: فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، ونون النسوة ضمير متصل في محل رفع الفاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة لا محل لها أيضًا. الواو: واو الحال. لو: وصلية أي زائدة. رام: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. أسباب: مفعول به، وهو مضاف والسماء مضاف إليه. بسلم: جار ومجرور متعلقات بالفعل رام، وجملة (رام أسباب ... إلخ) في محل نصب من الضمير المنصوب محلا
стр. 878
بقوله (ينلنه)، وهو عائد بدوره على من، والرابط الواو والضمير، وإن اعتبرت (لو) شرطية فرام فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، إذ التقدير: ولورام ... لنالته المنايا، ولو ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية السابقة لا محل له مثلها.
٥١ - ومن يك ذا فضلٍ، فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
المفردات. يك: انظر البيت رقم- ٧٥ - من معلقة طرفة. فضل: أراد به المال الزائد عن حاجة الإنسان. القوم: انظر البيت رقم- ٥٩ - من معلقة امرئ القيس. يذم: يسب ويشتم.
المعنى يقول: من كان عنده مال زائد عن حاجته، فمنعه عشيرته وأهله استحق الذم والقدح، ولا حاجة لهم فيه، بل وجوده كالعدم.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على من. ذا: خبر يك منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، وذا مضاف وفضل مضاف إليه. الفاء: حرف عطف. يبخل: فعل مضارع معطوف على (يك) مجزوم مثله، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشرط. بفضله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. على قومه: جار ومجرور متعلقان بالفعل يبخل أيضًا، والهاء مضاف إليه. يستغن: فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. عنه: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل،
стр. 879
وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت- ١٥ - والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في الأبيات السابقة. الجواب: حرف عطف. يذمم: فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها هذا ويجوز في الفعل (يبخل) النصب مع الجزم على القاعدة (إذا عطف على فعل الشرط مضاع بالواو أو بالفاء جاز نصبه وجزمه) ويجوز في الفعل (يذمم) النصب والرفع مع الجزم على القاعدة (إذا عطف على جواب الشرط مضارع بالواو أو بالفاء جاز نصبه وجزمه ورفعه) اسمع قول ابن مالك رحمه الله تعالى:
والفعل من بعد الجز إن يقترن ... بألفا أو الواو بتثليثٍ قمن
وجزمٌ أو نصبٌ لفعلٍ إثر فا ... أو واوٍ أن بالجملتين اكتنفا.
٥٢ - ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه ... ولا يعفها يومًا من الذم يندم
المفردات. يسترحل الناس: أراد يجعل نفسه كالراحلة للناس يركبونه ويذمونه، ويروى (يستحمل الناس) فيكون المراد يحمل الناس على عيبه. الناس: انظر البيت- ٣٥ - النفس: انظر البيت- ٤٥ - من معلقة طرفة. يعفها: انظر البيت رقم- ٢ - من معلقة امرئ القيس. يومًا: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. الذم: أراد ما يورث الذم، ويروى مكانه (الذل) وهو المهانة.
المعنى يقول: إن الشخص الذي يجعل نفسه عرضة للذم، ولا يبرئها من ذلك بالابتعاد عن أسبابه يندم في حياته بل وبعد مماته، لأنه لم يحترم نفسه بالابتعاد عن الأمور التي تسبب لها المهانة
стр. 880
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. يزل: فعل مضارع فعل الشرط ناقص مجزوم، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من. يسترحل: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من أيضًا. الناس: مفعول به أول. نفسه: مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يسترحل ... الخ) في محل نصب خبر يزل. الواو: حرف عطف. لا: نافية. يعفها: فعل مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة فعل الشرط، وانظر البيت السابق. يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. من الذم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما أيضًا. يندم: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العرض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى من أيضًا، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم- ١٥ - والجملة الاسمية من وخبره معطوفة على مثلها في الأبيات السابقة، لا محل لها أيضًا الأول بالاستئناف، وهذه بالاتباع.
٥٣ - ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
المفردات. يغترب: يبعد عن قومه ووطنه. يحسب: يظن، بفتح السين وكسرها، وبهما قري قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدًى؟ ﴾ العدو: انظر البيت رقم- ٧٨ - من معلقة عنترة. صديق: انظر (رحيب) في البيت- ٥٤ - من معلقة طرفة، هذا ومن الجدير بالذكر أن الصديق سمي صديقًا لصدقه فيما يدعيه لك من المودة والألفة والمحبة، وسمي العدو عدوا لعدوه
следующие страницы →