بدعاء الديك الصياح: قرية، والمراد من دنو بني نعش وهي كواكب قرب الغروب، والشاهد في قوله: (والديك يدعو صياحه) حيث جاء الفعل مبنياً على الاسم بعد واو الحال.
فكل ذلك لا يصلح إلا إذا كان الفعل فيه ميناً على الاسم فلو قلت: أيته ويكتب ودخلت عليه ويملي الحديث، وتمززتها ويدعو الديك صياحه لم يكن شيئاً.
على أنك قد تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
فإنه لا يخفي على من له ذوق أنه لوجيء في ذلك بالفعل غير مبني على - الاسم فقيل أن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين، واكتتبها فتملي عليه، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون.
لوجد اللفظ قد نبأ عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.
(د) مما يرى تقديمه كاللازم "مثل" و "غير ":
وذلك كما في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة له، يغزي فيها أباً.
стр. 107
عضد الدولة في عمته:
مثلك يثنى المزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه
وقولهم (مثلك رعي الحق والحرمة) وكقول البعثري - عندما قال له الحجاج: لأحملنك على الأدهم: يريد القيد، فقال - على سبيل المغالطة -: ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه "بمثل" إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون: أن كل من كان مثله ي الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو لا يفعل، وكذلك حكم (غير) إذا سلك بها هذا المسلك كقول أبي الطيب:
وغيري يأكل المعروف سحتاً وتشحب عنده بيض الأيادي
فإنه لم يرد أن يعرض - مثلاً بشاعر سواه فيزعم أن الذي اتهم به عند الممدوح، من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه ولكنه أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممكن يكفر النعمة ويلؤم (١).
على أن استعمال (مثل) و (غير) شيء مركوز في الطباع وهو جار في عادة كل قوم فلو تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (٢).
стр. 108
(هـ) تقديم النكرة على الفعل وتقديم الفعل عليها:
إذا قدمت الفعل على النكرة، فقلت: أجاءك رجل؟ كنت تريد أن تسأله هل كان محي من أخد من الرجال إليه، وإذا قدمت الاسم فقلت: أرجل جاء؟ كنت تسأله عن جنس من جاءه: أرجل أم أمرأه؟ وإنما يكون ذلك إذا كنت قد علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي تماماً كما إذا كانت تريد أن تعرف عين الآتي فقلت: أزيد جاءك أم عمرو؟ والمسألة الأولى لا يجوز فيها تقديم الاسم لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل والسؤال عن الفاعل يكون أما عن عينه أو عن جنسه وإذا كان ذلك كذلك كان محالاً أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنه لا يبقى بعد الجنس إلا العين، والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه.
على أنك إذا وصفت النكرة فقلت: أرجل طويل جاءك أم قصير كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم قصارهم فأن وصفت النكرة بالجملة فقلت: أرجل كنت قد عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه؟ كان السؤال عن المعطي أكان ممن عرفه من قبل أم كان إنساناً، لم يعرفه من قبل.
وحكم الابتداء بالنكرة في الاستفهام حكم الخبر: فإذا قلت (رجل جاءني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لامرأة، ويكون الكلام حينئذ مع من عرف أن قد أتاك آت فإذا لم ترد ذلك كان عليك أن
стр. 109
تقدم الفعل فتقول جاءني رجل) وقولهم: (شر أهر ذانابٍ) إنما قدم فيه شر" لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أن رجل لأمرأة.
والدليل على ذلك قول العلماء: أنه إنما يصلح لأنه بمعنى (ما أهر ذاناب الاشر) وأنت لا تقول: ما جاءني إلى رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد جاءتك امرأة.
وذلك لأن الخبر ينقص النفي إنما يكون حيث يراد قصر الفعل على شيء ونفيه عما عداه فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيته عن كل ما عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم ومتى لم يرد بالفكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره.
وليس معنى قول عبد القاهر: أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم (شر أهر ذاناب) لأنه أريد به الجنس أن معنى (شر) و (الشر) سواء ولكن عرضه أن يبين أن الغرض من الكلام: أن الذي أهز ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير، كما أنه إذا قال في قولهم "أرجل جاء أم امرأة أن السؤال عن الجنس لم يرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال الرجل أم المرأة أتاك ولكنه يعني أن المعنى على
стр. 110
أنك سألت عن الآتي: أهو من جنس الرجال أم من جنس النساء؟
فالنكرة - أذن - على أصلها من كونها لواحد من الجنس، غير أن القصد منك لم يقع على كونه واحداً وإثماً وقع على كونه من جنس الرجال.
وفي عكس هذا إذا قلت: (أرجل جاءك أم رجلان؟ ) كان القصد منك إلى كونه واحداً دون كونه رجلاً.
وههنا أصل ينبهك إليه عبد القاهر وهو إنه إذا ما كان في اللفظ دليل على أمرين، ثم قصده أحدهما دون الآخر صار هذا الآخر كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ.
وإذا ما نظرت فيما قدمه عبد القاهر من قول سيبويه: "أنك قلت عبد الله فنبهته ثم بنيت عليه الفعل" وجدته يطابق هذا، وذلك لأن التنبيه لا يكون إلا على شيء معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على شيء معلوم كذلك فإذا ما بدأت بالنكرة فقلت: رجل وأنت لا تقصد بها الجنس وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لامرأة، كان محالاً أن تقول أني قدمته لأنبه المخاطب له لأنه يخرج بك إلى أن ت قول: أني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه، وذلك مما لا يشك في أنه محال (١).
وخلاصة رأي عبد القاهر - في إفادة تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي التخصيص أو تقوى الحكم - أن هذا الرأي يدور غالباً حول أداة النفي فإن كانت سابقة على المسند إليه - أيا كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً وإن لم تسبقه أداة نفي بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً
стр. 111
أو أخرت عنه، وكان معرفة ظاهراً، أو مضمراً، احتمل الكلام التخصيص تارة، والتقوى أخرى حسبما يقتضيه المقام فإن كان نكرة أفاد التخصيص قطعاً، سواء وقع بعد النفي أو لا.
أما السكاكي: فإنه - وإن كان يتفق مع عبد القاهر في أن تقديم - المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد التخصيص - له فيه مذهب يخالف مذهب الإمام:
وخلاصته: أنه لا يعول على نفي تقدم أو تأخر، فلا بحث له في ذلك وإنما بحثه يدور حول المسند إليه نفسه فهو يقول: إن كان المسند إليه ضميراً: كان الكلام محتملاً للتخصيص والتقوى: نحو: أنا عنيت بسألتك وهو سعي في حاجتك.
وإن كان المسند إليه أسماً ظاهراً معرفة: امتنع التخصيص وتعين الكلام لإفادة التقوى: نحو: على قام بالأمر.
وإن كان المسند إليه نكرة: أفاد الكلام التخصيص قطعاً نحو "رجل وفد علينا"، فالأقسام عنده ثلاثة: تعين التخصيص، تعين التقوى احتمال الأمرين.
تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي
* رأي عبد القاهر: يدور حول أداة النفي
١ - إن سبق أفاد الكلام التخصيص (ما رجل جاء في)
٢ - وإن لم تسبقه أداة نفي وكان معرفة ظاهراً أو مضمراً (محمد سعي في حاجتك) احتمل الأمرين حسبما يقتضيه المقام (أنا سعيت في حاجتك).
٣ - فإن كان نكرة أفاد التخصيص قطعاً (رجل سعى في حاجتك).
* رأي السكاكي: (لا يهمه القضى يحلا بحث له فيه)
١ - رجل وفد علينا (للتخصيص (المسند إليه نكرة).
٢ - عليّ قام بالأمر (للتقوى) (المسند إليه اسم ظاهر معرفة).
٣ - أنا سعيتُ في حاجتك (احتمال) (المسند إليه ضمير)
стр. 112
الفصل الثالث
((قضية التشبيه والتمثل))
(١) سر التفريق بينهما.
(٢) تفريق عبد القاهر بينهما.
(٣) أسباب تأثير التمثيل في النفس.
(٤) التمثيل - على حد الاستعارة -.
(٥) التمثيل بين "الأسرار" و"الدلائل".
стр. 113
التشبيه والتمثيل
سر التفريق بينهما:
لعل السر في أن عبد القاهر الجرجاني قد حاول التفريق بين مصطلحي التشبيه والتمثيل - مع أن الزمخشري من بعده لم يكن يفرق بينهما جرياً وراء المعنى اللغوي الذي لا يفرق بين التشبيه والتمثيل، حيث قالوا: التشبيه كالتمثيل لفظاً ومعنى - هو أن عبد القاهر قد أدرك بثاقب فكرة: أن الكلمتين لا يمكن أن تكونا بمعنى واحد في اللغة، لأنه لا بد لكل كلمة خاصية تتميز بها عن مرادفتها: (فالشبه) لا يمكن أن يكون (كالمثل) من جميع الوجوه، بل أن الشبه يجعل المتشابهين يلتبسان أن ببعضهما حتى أنك لا تكاد تعرف أحدهما من الآخر، ولهذا قالوا: "تشابهاً وأشتهها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا" والشبهة: الالتباس، وشبه عليه الأمر تشبيهاً: لبس عليه، وفي القرآن المحكم والمتشابه (١) ".
ولكن المثل ليس كذلكن فقد قالوا: (المثل والمثيل .. والمثلى: ما جعل مثالاً أي مقداراً لغيره، والمثال: هو المقدار" (٢).
стр. 114
ولهذا بدأ عبد القاهر حديثه عن التشبيه والتمثيل والتفريق بينهما، لأن التشبيه - إذا أمعنا الفكر في المعنى اللغوي وجدنا أنه يسوى بين الشيئين في الصفات الظاهرة من جميع الوجوه حتى يلتبسا، والتمثيل يسوي بينهما في المقدار فقط فالتشبيه: كقولك: خد كالورد: فحمرة الخد كحمرة الورد، إذ الشبه بين الخد والورد - لظهوره - جعل الخدو الورد يلتبسان ببعضهما حتى لا تستطيع التفريق بينهما - وأن كان التشبيه لا يخلو من مبالغة محمودة".
والتمثيل كما في قول الشاعر:
وأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكا لمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت!
فالمشبه هنا هو: الشاعر وقد هام بحب عزة بعد أن انقطع ما بينهما من وصل، والمشبه به هو: من يرجو أن يستظل بالغمامة وكلما يتهيأ للمقيل تحتها تذهب وتتلاشي: وليس بين المشبه والمشبه به هنا من الصفات الظاهرة ما يمكن معه أن يلتبسا، ولكن بينهما من الأمور الاعتبارية أمران يمكن أن يقدر احدهما بمقدار الآخر، ولهذا خص هذا النوع باسم التمثيل، لأن التمثيل - من حيث اللغة كما أسلفنا - يسوى بين الأمرين في المقدار فقط.
стр. 115
واستمع أنت إلى عبد القاهر الجرجاني - وهو يفرق بينهما تفريقاً لا يكاد يخرج عما نقول -: (وهكذا تراه في العرف والمعقول لا يمكنك أن تفرق بينهما، ولو رأيت هذا بعد أن رأيت ذاك لم تعلم شيئاً غير الأول حتى تستدل بأمر خارج عن الصورة، ومعلوم" " أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق والوجود الحقيقي في الضرب الأول، وأما الضرب الثاني قائماً يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل .. فالمتشابهات المتأولة التي يتنزعها العقل من الشيء للشيء لا تكون في حد المشابهات الأصلية الظاهرة بل الشبه العقلي كاد الشيء به يكون شبيهاً بالمشبه به".
وهكذا تجد أن سر التفريق بين التشبيه والتمثيل يكمن في أن المعنيين - من حيث اللغة - مختلفان، على النحو الذي أسلفناه لك، ولهذا بدا عبد القاهر الجرجاني حديثه عن التشبيه والتمثيل بالتفريق بينهما، وكان سبيله إلى هذا التفريق: أن جعل التشبيه ضربين:
أما الضرب الأول: فهو: تشبيه الشيء بالشيء من جهة أمر بين لا يحتاج فيه إلى تأول، وذلك بأن تشبيه الشيء بالشيء في الصورة والشكل، أو في اللون، أو في الصورة واللون أو في الهيئة، ويدخل في الهيئة: حال الحركات في أجسامها،
стр. 116
كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسهم السديد.
وكذلك كلي تشبيه يجمع بين شيئين مما يدخل تحت الحواس كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسهم السديد.
وكذلك كلي تشبيه يجمع بين شيئين مما يدخل تحت الحواس كتشبيه بعض الأصوات ببعض، وكتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالعسل، وكتشبيه اللين الناعم بالخز، وتشهية رائحة بعض الرياحين ببعض.
وكذلك التشبيه من جهة الغزيرة والطباع والأخلاق داخلة في الغريزة، كتشبيهك الرجل بالأسد في الشجاعة.
فالشبه في كل هذا بين لا يحرى فيه التأول ولا يحتاج إليه.
وأما الضرب الثاني: فهو ما يكون التشبيه فيه محصلاً بضرب من التأول ، كقولك: هذه حجة كالشمس في الظهور، فقد شبهت الحجة بالشمس في ظهورها إلا إنك تعلم أن هذا التشبيه لا يتم لك إلا بتأول، وذلك بأن تقول: أن حقيقة ظهور الشمس وغيرها من الأجسام: ألا يكون دونها حجاب ونحوه مما يحول بين العين وبين رؤيتها، والشبهة نظيراً الحجاب فيما يدرك بالعقول، لأنها تمنع القلب رؤية ما هي شبه فيه، كما يمنع الحجاب العين من ترى ما هو من ورائه فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم بمعنى الكلام الذي هو حجة "على صحة ما أردت من الحكم قيل "هذا ظاهر كالشمس".
وهذا الضرب هو: ما يسميه عبد القاهر باسم التمثيل:
على أن ما طريقه التأول يتفاوت تفاوتاً شديداً:
стр. 117
(أ) فمنه ما يقرب مأخذه ويسهل الوصول إليه، ويكاد بداخل الضرب الأول، الذي هو ليس من التأول في شيء وذلك كما في قولك - في المثال السابق: (حجة كالشمس في الظهور).
(ب) ومنه ما يحتاج فيه إلى قدر من التأمل، كقولهم: ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرقة - وكالعسل في الحلاوة.
(ج) ومنه ما يدق فيه لنظر ويغمض حتى تحتاج في استخراجه إلى فضل روية، ولطف فكرة، وذلك كما في قول فاطمة بنت الخرشب الانمارية - وقد سئلت عن بنيها أيهم أفضل - "هم كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفاها "فهذا لا يفهمه إلا من له ذهن ونظر يرتفع به عن طبقة العامة، ولهذا فإنك لا تراه إلا في الآداب والحكم المأثورة عند الفضلاء وذوي العقول الكاملة (١).
فالفرق بين التشبيه والتمثيل: هو أن التشبيه عام "والتمثيل خاص"، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلاً (٢) ,
على أن الذي أوجب أن ينقسم التشبهي إلى: تشبيه، وتمثيل هو أن الاشتراك في الصفة يقع تارة في نفسها وحقيقة جنسها،
стр. 118
وتارة يقع في حكم لها ومقتضى، فالخد يشارك الورد في الحمرة نفسها، وتجدها في الموضعين بحقيقتها ولكن اللفظ يشارك العسل في الحلاوة، لا من حيث جنسه، بل من جهة الحكم وأمر يقتضيه، وهو ما يجده الذائق في نفسه من اللذة إذا صادفت بحاسة الذوق ما يميل إليه الطبع، فالسامع يجد عند وقوع اللفظ في سمعه حالة شبهة بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل - والشبه العقلي قد ينتزع من شيء واحد - كما رأيت من انتزاع الشبه للفظ من الحلاوة - وقد ينتزع من أمور عدة يجمع بعضها إلى بعض، ثم يستخرج من مجموعها الشبه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾، فالشبه منتزع من أحوال الحمار وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحس بما فيها، ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يقل عليه، فالشبه - كما ترى مقتضى أمور مجموعة ونتيجة لأشياء ألفت وفرق بعضها إلى بعض وقد يجئ الشبه معقوداً على أمرين منفصلين، كما في قولهم (هو يصفو ويكدر) لأنهم أرادوا أن يجمعوا له الصفتين، لا يريدون أن احدهما ممتزجة بالأخرى.
стр. 119
وهذا المثال وأن يكن من باب الاستعارة إلا أن الاستعارة مبنية على التشبيه.
على أن الذي هو أولى بأن يسمى تمثيلاً لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح: هو ما تجده لا يحصل لك إلا من جملة الكلام، حتى أن التشبيه كلما كان أو غلى في كونه عقلياً محضاً كانت الحاجة إلى الجملة أكثر، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
فقد كثرت فيه الجمل، وأنتزع الشبه من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها من بعض، ولا حذف شيء منها، ولو حذفت منها جملة لأخل ذلك بالمغزى من التشبيه (١).
أما إذا لم ترتب الجمل هذا الترتيب الذي يضم بعضها إلى بعض فليست من هذا اللون من التمثيل، كما في قولك: هو كالأسد بأساً، والبحر جوداً، والسيف مضاء (٢).
مظاهر التمثيل: للتمثيل مظهران (٣):
стр. 120
أحدهما: أن يجئ المعنى ابتداء في صورة التمثيل - وهو نادر قليل - ولكنه على ندرته في كلام البلغاء كثير في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وثانيهما: أن يجيء في أعقاب المعاني لإيضاحها وتقريرها في النفوس ، كما في قول أبي تمام.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
أسباب تأثير التمثيل في النفس
وجد عبد القاهر الجرجاني بذوقه السليم وحسه المرهف، وذكائه الخارق أن أسباب تأثير التكتيل في النفوس ترجع إلى أمور أربعة:
أولهما: أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي كأن تنقلها عن العقل إلى الحس وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالطبع، لأن العلم المستفاد من طريق الحواس أو المركوز في الطباع يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام.
فقد قالوا "ليس الخبر كالمعاينة ولا الظن كلايقين" كما أن العلم الأول قد أتى النفس أولاً عن طريق الحواس والطباع، ثم عن طريق النظرية والروية، فهو إذن -أمس بها رحيماً، وأقوى
стр. 121
لهيا ذمماً.
وذلك لأن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه أو استحاله وجوده كما في قول الشاعر:
فان تفق الأنام - وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال.
وضرب لا يكون غريباً ولا نادراً فلا يحتاج إلى بينة وحجة وإثبات كأن تنفي عن فعل من الأفعال التي بفعلها الإنسان الفائدة وتدعى أنه لا يحصل من سعيه على طائل، ثم تمثله بالقابض على الماء والراقم فيه، كما في قول الشاعر:
فأصبحت من ليلي الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع
وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين، فإن فائدة التمثيل وسبب الأنس في الأول بين "واضح"، لأنه يفيد فيه الصحة ونفي الريب والشك، وأما الضرب الثاني فهو وإن كان لا يفيد فيه هذا النوع من الفائدة، فهو يفيد أمراً آخر يجرى مجراه، وهو بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده ومبلغه في القوة والضعف والزيادة والنقصان فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته، وكما يوزن ب القسطاس.
فالشاعر لما قال: "كقابض على الماء خانته فروج الأصابع" أراك رؤية لا تشك معها ولا ترتاب أنه بمبلغ في خيبة ظنه وسوار سعيه إلى اقصى المبالغ وأنتهى فيه إلى أبعد الغايات، وما ذلك إلا بالتمثيل، فنحن نعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس حتى مع العلم بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في قوله: "بلى ولكن ليطمئن قلبي".
ومما يدل على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنساً - وأن لم يكن بك حاجة إلى تصحيح المعاني ولا إلى بيان لمقدار المبالغة
стр. 122
فيه - أن تعبر عن المعنى بالعبارة المؤدية له، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس فزعاً، كأن تصف يوماً بالطول، فتقول (يوم كأطول ما يتوهم) ويوم كأنه لا آخر له) فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطاف المزاهر
على أن عبارتك الأولى أشد واقوى في المبالغة من هذا، وذلك لأن ظل الرمح متناه تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له.
وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور، وكأنه ساعة، وكلمح البصر فتجد هذا مع كونه تمثيلاً لا يؤنسك إيناس قولهم:
بلدت من يوم كظل حصاة ... ليلاً كظل الرمح غير موات
وقول الآخر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب
وكذلك تقول: "فلان غذا هم ب الشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه وقصر خواطره على إمضاء عزمه ولم يشغله شيء" عنه فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن ثم لا نرى في نفسك له هزة ولا تصادف لما تسمعه أربحية وإنما تسمح حديثاً ساذجاً وخبراً عفلاً، حتى إذا قلت:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانباً
امتلأت نفسك سروراً، وأدركتك طرية - كما يقول القاضي أبو الحسن - لا تملك دفعها عنك ولا تقل أن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وأن كان يوجب شيئاً منه، فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم وافقاً بين العينين، وفتح إلى مكان المعقول من قلبك باباً من العين.
стр. 123
وثانيها: أن لتصور الشبه بين الشيء في غير جنسه وشكله والتقاط ذلك له من غير محلته باباً آخر من الظرف واللطف، ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفي موضعه من العقل، لأنك ترى به الشيئين مثلين متباينين، ومتألفين مختلفين كما في قول ابن المعتز:
ولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
فقد أراك شبهاً لنبات غصن يرف وأوراق رطبة من لهب نار مستول عليه البيس ومبنى الطباع وموضع الجبل على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر.
ولا شك أن التمثيل بجمعة بين الشيئين المختلفين في الجنس مما يحرك قوي الاستحسان بل أنه بعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر ما بين المشرق والمغرب ويجمع ما بين المشئم والمعرق وهو بربك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهاً في الأشخاص الماثلة والأشباح القائمة، وينطبق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد ويريك التئام عين الأصنداد، وأنظر إلى قول الشاعر:
أنه نار في مرتقى نظر الحاسد ... ماء جار مع الإخوان
فقد جعل نفسه ناراً، وماء في آن واحد.
وقول الشاعر:
خشن في عيون أعدائه أقبـ ... ـح من ضيفه رأته السوام
فقد جعل ممدوحه حسناً قبيحاً في وقت واحد.
стр. 124
وقول الشاعر:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
فقد جمل الشيء أبيض وأسود في حال واحد.
على أن عبد القاهر الجرجاني لا يقصد بقول هذا: أنك متى ألفت الشيء بالبعيد عنه في الجنس على الجملة، فقد أصبت وأحسنت ولكنه يشترط لذلك أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر نهها صحيحاً معقولاً، ونجد للملاءمة والتأليف السوي بينهما مذهباً وإليهما سبيلاً، وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك من حيث العقل والحدس في وضوح اختلافهما من حيث العين والحسن، فأما أن تستكره الوصف، تروم أن تصوره حيث لا يتصور فلا لأنك تكون في ذلك بمنزلة الصانع الأخرق، يصنع في تأليفه وصوغه الشكل بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبلانه، حتى تخرج الصورة مضطربة وتجيء فيها نتو، ويكون للعين عنها من تفاوتها نبو، ولم يرد بقوله: أن الحذق في إيجاد الائتلاف بين المختلفات في الأجناس: أنك تقدر أن تحدث هناك مشابهة ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أن هناك مشابهات خفية يدق المسلك إليها، فإذا تغلغل فكرك فأدركها، فقد استحققت الفضل.
ووازن ذلك: أن القطع التي يجيء من مجموعها صورة الشنف والخاتم أو غيرها من الصور المركبة من أجزاء مختلفة الشكل لو لم يكن بينها تناسباً مكن ذلك التناسب أن يلائم بينها الملاءمة المخصوصة ويوصل الوصل الخاص، لم يكن ليحصل لك من تأليفها الصورة المقصودة.
стр. 125
ألا ترى أنك لو جئت بأجزاء مخالفة ثم أردتها على أن تصير إلى الصورة التي كانت من تلك الأولى طلبت ما يستحيل (١) وقد ذكر الدكتور محمد أبو موسى: أن لهذه الفكرة منبتاً عند الجاحظ، مما رواه من قول سهل بن هرون في بيان أن الناس لو سمعوا رجلين كلاهما على مقدار واحد من البلاغة وكان أحدهما قبيحاً ذميماً والآخر جميلاً نبيلاً، لكان إعجابهم بالقبيح الذميم أكثر من أعجابهم بالآخر وذلك كما يقول: لأن الشيء من غير معدنه أغرب وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع، وإنما ذلك كنوادر وكلام الصبيان وملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد وتعجبهم به أكثر، والناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البعيد وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي لهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ.
ثم يقول الدكتور أبو موسى "وقد انتفع عبد القاهر بذلك النص انتفاعاً ذكياً في باب التمثيل وبيان أثره في النفوس، ولا بد أن يكون ذلك أساس الفرق في التشبيه الغريب البعيد، والمبتذل القريب لأن مسألة ظهور الشيء من مكان لم يعهد ظهوره منه - التي هي لب هذا النص - محور أساسي في دراسة أسباب تأثير التمثيل، وأسباب الغرابة والطرافة في التشبيه مطلقاً (٢).
стр. 126
وهذا كلام جيد بالغ الجودة، ولكن عبد القاهر الجرجاني لم يحوجنا إلى أعمال الفكر والروية حتى نهتدي إلى منبع فكرته عن بعد التشبهي وغرابته - والتي تدور حول أعمال الفكر والروية فقد صرح بأنه نقل فكرته هذه عن الجاحظ، فقال "وقال الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر ومن الفضيلة -"وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع يلطع الدم وأكل اللحم" من سرور الظفر بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعة وبعد: فإذا أعدت الحلبات لجري الجياد، ونصبت الأهداف ليعرف فضل الرماه في الأبعاد والسداد، فرهان العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية والقياس والاستنباط ولن يبعد المدى في ذلك - ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين الأشياء المختلفة، فإن الأشياء المشتركة في الجنس المتفقة في النوع، تستغني بثبوت الشبه بينها وقيام الاتفاق فيها عن تعمل وتأمل في إيجاب ذلك لها وتثبيته فيها، وأنها لصنعة تستدعي جودة القريحة والحذق الذي يلطف ويدق في أن يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ريقه، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما (١).
стр. 127
على أن القاضي الجراجاني قد سبق عيد القاهر الجرجاني في تقسيم التشبيه إلى البعيد القريب والغريب المبتذل، وإرجاع البعيد الغريب إلى أعمال الفكر والروية، والقريب المبتذل إلى أنه لا يحتاج إلى أعمال الفكر والروية، فقد ذكر القاضي الجرجاني في السرقات الشعرية تشبيهات كثيرة قد تداولت بين العرب وصنفها صنفين: عام مشترك: وأرجع تداوله وكثره ظهره إلى أنه مركب في النفس تركيب الخلقة (أي أنه لا يحوج في فهمه إلى أعمال الفكر والروية) وصنف سبق إليه المتقدم، وأرجع تداوله إلى كثره استعماله واستفاضته على ألسنة الشعراء، وأن لم يكن قد أتى إلا عن روية كثيرة أو فكر طويل (١).
وقد أتى القاضي الجرجاني بألوان من التشبيه الذي يعتبره البلاغيون قريباً مبتذلاً، وبين أن الشعر قد تصرفوا فيه بما أخرجه عن دائرة الابتذال إلى دائرة الاختراع والابتداع (٢) فأوحت هذه الفكرة إلى عبد القاهر الجرجاني أن يبحث مسألة التصرف في التشبيه القريب المبتذل بما يجعله بعيداً غريباً (٣).
стр. 128
وثالثها: أنه يأتيك من الشيء الواحد بأشياء عدة، ويشتق من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن ثمرة على حدة فهو يعطيك من الزند بإبرائه (أي إخراج ناره) شبه البخيل الذي لا يعطيك شيئاً وشبه البليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخب سعيه ونحو ذلك.
كما أنه يعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة
والعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، كقولهم (هلال نما فعا دبدرا)، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل، والعقل وسائر معاني الشرف (١).
أنظر إلى قول أبي تمام، يرثي ولدين لعبد الله بن طاهر وقدمتا في يوم واحد:
لهفى على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلاً
لغدا سكونهما حجى وصباهما ... كرماً وتلك الأربحية نائلاً
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً.
فقد شبه أبو تمام ما كان ينتظر من كل واحد منهما من النمو والارتقاء في درجات الكمال والفضل حتى يبلغ أعلى مراتب الحجي والكرم، والنوال بما يكون للقمر في نموه من مراتب يرتقي فيها من نقصان إلى زيادة حتى يصبر بدراً كاملاً.
стр. 129
وهذا المثل بعينه يضرب في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من طبقة إلى أعلى منها، كما في قول البحتري:
شف تزيد بالعراق إلى الذي ... عبدوه بالبيضاء أو ببلنجرا
مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا
ويعطيك شبه الإنسان في نشأته ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام، ثم تراجعه إذا انقضت مدة الشباب، كما قال:
المرء مثل هلال حين تبصرة ... يبدو ضئيلاً ضعيفاً ثم يتسق
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصائم ينمحق
وكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع "لطيفة" فمن ذلك قول ابن باباك:
وأعرت شطر الملك شطر كما له والبدر ف يشطر المسافة يكمل
وقد قاله في الأستاذ أبي علي وقد استوزه فخر الدولة بعد وفاة الصاحب كما أستوزر أبا العباس الضبي من بعده وقول أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيماً وإن أعسرت زرت لماماً
فما أنت إلا البدر أن قل ضووه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما
فبهذا المعنى لطيف ولكن العبارة لم تساعده على الوجه الذي يجب، وذلك لأن الأغباب: أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وهذا يصلح إذا كان إذا نقص نوره لم يوال الطلوع كل ليلة بل يظهر في بعض الليالي ويمتنع من الظهور في بعض
стр. 130
ولكن الأمر ليس كذلك، لأن القمر على نقصانه يظهر كل ليلة حتى يكون السرار.
وقد قال ابن بابك: في نحو هذا:
كذا البدر ويسفر في تمه فإن خاف نقص المحاق انتقب
بمعنى أن البدر يكشف عن وجهه وهو في مرحلة التمام فإذا خاف النقصان بالمحاق وصنع نقاباً على وجه.
وكذلك ينظر إلى مقابلة البدر للشمس واستمداده من نورها وإلى كون ذلك سبب زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاق وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله في ذلك، فيصاغ منه كمثال ويبين أشباه ومقاييس، ومن لطيف ذلك قول ابن نباته:
قد سمعنا بالغر من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي
والملوك الأولى إذا أضاع ذكر ... وجدوا في سائر الأمثال
مكرمات إذا البليغ تعاطي ... وصفها لم يجده في الأقوال
وإذا نحن لم نضفها إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال
إن جمعناهما المر بها الجمـ ... ع وضاعت فهي ضياع المحال
فهو كالشمس بعدها يملاء البد ... ر، وفي قربها محاق الهلال
على أن فكرة كون التمثيل يعطيك من الشيء الواحد أشياء كثيرة هي نفسها فكرة القاضي الجرجاني - وفي وساطته - فمن نظراته الفاحصة الناقدة وجد أن التشبيهات قد تتعدد ويكون المشبه به شيئاً واحداً، وتلك مزية من مزايا التشبيه التي لا تكاد تحصى
стр. 131
فقد قال: "وللشعراء في التشبيه أغراض، فإذا شبهوا بالشمس في موضع الحسن أرادوا به البهائم والرونق والضياء ونصوع اللون والتمام، وإذا ذكروه في الوصف بالنباهة والشهرة أرادوا به عموم مطلعها، وانتشار شعاعها، واشتراك العام والخاص في معرفتها وتعظيمها، وغذا قرونه بالجلال والرفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها، وإذا ذكروه في باب النفع والأرفاق، قصدوا به تأثيرها في النشوء والنما" (١).
وتلك النظرة الثاقبة من القاضي الجرجاني في التشبيه - قد حدث بعيد القاهر - وتبعه البلاغيون من بعد - أن يذكرها فضيلة من فضائل التشبيه، وأن لم يذكر نفس المثال: الذي ذكره القاضي الجرجاني - وإنما ذكر مثالاً آخر - مماثلاً له.
ولئن جعل القاضي الجرجاني من الشمس مصباحاً مضيئاً لفكرته فلقد جعل عبد القاهر الجرجاني من القمر سراجاً منيراً لترديد نفس الفكرة، واستمع إلى ما يقوله عبد القاهر مردداً به فكرة القاضي الجرجاني "وأنه ليأتيك من الشمس بأشياء عدة ويشقق من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن ثمرة على حدة .. ويعطيك من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال، قولهم هلال نما فعاد بدراً يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف (٢).
стр. 132
ورابعها: أن المعنى إذا أتاك ممثلاً، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، ومن المركوز في الطباع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه كان نيله أحلى، وكان موقعه من النفس أجل وألطف (١)، ولهذا ضرب المثل لكل ما لطف من موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال الشاعر:
وهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وليس معنى هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضاً، مشرفاً له وزائداً في فضله، لأن عبد القاهر لم يرد هذا الحدث من الفكر والتعب، وإنما أراد القدر الذي يحتاج إليه في نحو قول أبي الطيب:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقوله:
وما التأنيث للاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
وقوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكاً ... كأنك مستقيم في محال
وقول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وأن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
стр. 133
لأنك تعلم أن هذا الضرب من المعاني كالجواهر في الصدف، ولا يبرز لك إلا بعد أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في الوصول إليه، فما أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة (١).
وأما التعقيد المذموم، فهو الذي ينشأ من عدم ترتيب اللفظ ترتيباً بمثله تحصل الدلالة على الغرض، حتى إذا احتاج السامع أن يطلب المعنى بالحيلة ويسعى إليه من غير الطريق.
كما في قول الشاعر:
وكذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
وقوله:
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... كاثنين فإن إذ هما في الغار
وقوله:
يدي لمن شاء رهن من يذق جرعاً من راحتيك دري: ما الصأب والعمل وإنما ذم هذا الجنس: لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في مثله، وكدك بسوء الدلالة، وأودع المعنى لك في قالب غير مستو ولا مملس، بل خشن مضرس، حتى إذا رمت إخراجه منك عسر عليك وإذا خرج خرج مشوه الصورة ناقص الحس.
على أن المعنى الذي تحصل عليه من أعمال الفكر والروية إنما يزيدك فرحاً وأنشأ وسروراً، إذا كان لذلك أهلاً، فأما إذا كنت معه كالفائدة
стр. 134
في البحر، يحتمل المشقة العظيمة، ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالصند مما بدأت به.
ولذلك كان أحق أصناف لتعقيد بالذم، ما يتعبك، ثم لا يجدي عليك، ويورقك ثم لا يروق لك، وما سبيله إلا سبيل البخيل الذي يدعوه لوم في نفسه، وفساد في حسه إلى أن لا يرضي بضعته في بخله وحرمان فضله حتى بأبي التواضع ولين القول، فيأتيه ويشمخ بأنفسه، ويسوم المتعرض له باباً ثانياً كمن الاحتمال تناهياً في سخفه.
أو كالذي لا يؤيك من خبره في أول الأمر فتستريح إلى الياس ولكنه يطمعك ويحسب على المواعيد الكاذبة حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشف عن غير طائل وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من تعسفه في اللفظ وذهبه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه، وأغراب في الترتيب يعمي الإعراب في طريقه ويضل في تعريفه.
والأبيات السالفة هي التي عناها عبد القاهر، والتي سبق أن أشرنا إلى أن القاضي الجرجاني قد أوردها في كتاب الوساطة ونبه إلى أنها لم ترتب ترتيباً سليماً يراعي فيه قانون النحو، وأن القاضي الجرجاني من خلال نقيده لمثل هذه الأبيات قد كشف عن وجه النظم، فبينه عبد القاهر في دلائل الإعجاز.
ولعلك تلاحظ معي أن عبد القاهر هنا - وأن ذكر أن أبا تمام قد تعسف في لفظه وترتيب لكماته، الذي ضل معه النحو وعمى الإعراب لم يهتد إلى عبارة "توخي معاني النحو فيما بين الكلم" كما اهتدى
стр. 135
إليها وهو يعالج نفس الأبيات في دلائل الإعجاز (١)، مما يدل على أن عبد القاهر - وهو يؤلف "الأسرار" لم يكن قد اهتدى إلى ترجمة لنظريته في النظم، وبالتالي فإن تأليف "أسرار البلاغة" كان قبل تأليف "دلائل الإعجاز".
وليس معنى أن يكون الكلام في غاية الوضوح وعلى أبلغ ما يكون من الإبانة، أنه يغنيك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً ذلك لأن المعاني اللطيفة لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال على سابق.
وإن أردت دليلاً على هذا، وشاهداً ينطبق بصحته فالنظر إلى قول البحتري (٢) في المدح:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
كالبدر وافرط في العلو وضووه ... للعصبة السارين جد قريب
أفلست تحتاج - في الوقوف على الغرض من قوله "كالبدر أفرط في العلو" - إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصور حقيقة المراد منه - ووجه المجاز في كونه دانياً شاسعاً، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى، وترد البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه وكيف شرط في العلو الإفراط، ليشاكل قوله: (شاسع) لأن الشسوع هو الشديد من البعد ثم قابله بما لا يشاكله من مراعة التناهي في القرب فقال: (جد قريب)؟
стр. 136
هذا هو الذي عناه عبد القاهر الجرجاني بالحاجة غلى الفكر فيه، أن المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه واجتهاد في نيله (١).
على أن المعنى الذي يحوجك إلى أعمال الفكر والروية في استخراجه، وأن لم تحاول استخراجه بأعمال فكرك ورويتك فقد أعمل فيه الأديب أو الشاعر فكره ورويته، ومن الطبيعي: أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التعب ولم يدرك إلا باحتمال النصب كان للعلم بذلك من أمره ما يدعو الناس إلى تعظيم شأنه وتفخيم أمره - مثل ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه: "وإذا عثرت يالهوينا على كنز من الذهب لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك، ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يذيك، كان من أقوى حجج الصنن الذي يخامر الإنسان أن تقول (أن لم يكدني فقد كد غيري)، كما يقول الوارث للمال المجموع: عفواً إذا ليم على بخله به، وفرط شحه عليه: إن لم يكن كسبي وكدي، فهو كسب والدي وجدي، ولئن لم الق فيه عناء، فلقد عاني سلفي فيه الشدائد - ولقوا في جمعه الأمرين، أفاضيع ثمروه وافرق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمال في بنائه.
стр. 137
والمبيد لما قصرت الهمم على أنمائه؟ "
التمثيل على حد الاستعارة
لم تكن "نظرية البيان" في فكر عبد القاهر الجرجاني قد نضجت وهو يؤلف كتابه (أسرار البلاغة) لأنه صنفه وهو في مقتبل العمر ومستهل حياته البلاغية، ولكنها كانت قد اكتملت في ذهنه، ونضجت في فكره وهو يؤلف كتابه "دلائل الإعجاز" لأنه صنفه - على ما هو الأرجح - في أخريات حياته (١).
والدليل على هذا: أن موضوعات البيان في "الأسرار" - وهي التشبيه والتمثيل (أي التشبيه التمثيلي) والاستعارة، والمجاز المرسل - لم تشتمل على أساسين هامين لهذه النظرية التي تجدها في "الدلائل"، وهما: الكناية، والتمثيل - على حد الاستعارة - فقد كان البيان - أذن - في أسرار البلاغة نظرية لم تنضح ولم تكتمل، لأنها لم تتعد أن تكون رؤية قاصرة سلطت على موضوعات من البيان - هي التي أسلفنا هالك - ولكن هذه الروية لم تتسع لتشمل - الكناية، والتمثيل على حد الاستعارة - على حد تعبير عبد القاهر، أو الاستعارة التمثيلية - على حد تعبير المتأخرين (٢).
стр. 138
والسر في هذا: أن نظرية البيان قد استقاها من تعريف قدامه في كتابه "نقد الشعر" - لكل من الارداف (أي الكتابية) والتمثيل فقد عرف قدامه الأرداف (أي الكناية) بأنه: (أن يردي الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى - بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له).
وأردف قدامه هذا التعريف بتعريف التمثيل بأنه "أن يريد الشاعر إثبات معنى، فيضع كلاماً على معنى آخر، وذلك المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه).
ورأي عبد القاهر الجرجاني هذين التعريفين للارداف والتمثيل في كتاب نقد الشعر لقدامه، فأدارهما في ذهنه - ولكنه لم يترضى التسمية للكناية بأنها (الأرداف) - ووجد من التعريفين: أن طريق الدلالة فيهما واحد وهو: أن تعبر عن معنى وأنت تقصد بهذا المعنى معنى آخر، ومن هنا صاغ نظريته في البيان - والتي تجدها في الدلائل ولخصها في قوله (المعنى - ومعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى: أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر).
وتلك النظرية هي المدخل الحقيقي إلى "علم البيان" ذلك المدخل الذي قال فيه (الكلام على ضربين: ضربت أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة، فقلت خرج زيد، وبالانطلاق عن عمرو فقتل: عمرو منطلق، وعلى هذا القياس، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده
стр. 139
ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية، والاستعارة، والتمثيل) وقد ذكر قبل ذلك في الدلائل أن التمثيل إنما يكون مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة.
على أن نظرية البيان - في فكر عبد القاهر الجرجاني - مرت بمراحل ثلاث (١) حتى اكتملت ووضحت وتبينت معالمها في ذهنه:
فالمرحلة الأولى: هي المرحلة التي بدأ فيها عبد القاهر يكبت في موضوعات "البيان " التي رأي السابقين يكتبون فيها وهي "التشبيه والتمثيل والمجاز بقسميه: اللغوي والعقلي، وإذ قال - في مقدمة أسرار البلاغة "وأول ذلك وأولاه، وأحقه بأن يستوفيه النظر ويقتصاه: القول على التشبيه، والتمثيل (التشبيه التمثيلي) والاستعارة فإن هذه أصول "كثيرة" كأن جل محاسن الكلام - إن لم تقل كلها - متفرعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها".
وقد قصد بالتمثيل هنا: التشبيه التمثيلي، لأنه مثل له بقول النابغة:
فأنك كالليل الذي هو مدركي "حتى أنه عندما مر بقولهم": ما زال يفتل منه في الذروة والغارب "أشار إلى أنه مثل، ولم ينتبه إلى أنه تمثيل -على حد الاستعارة - كما تنبه بعد ذلك في دلائل الإعجاز،
стр. 140
وأمر طبيعي أن يبدأ العالم حياته بالتأليف فيما كان دائراً بين العلماء السابقين من مسائل ولكن عبد القاهر - في هذه المرحلة التي كان يكتب فيها (أسرار البلاغة) - لم يكن قد أطلع على كتاب "نقد الشعر" لقدامه لأنك لا تجد (في أسرار البلاغة) أثراً للكناية، ولا للتمثيل = على حد الاستعارة - وهما اللتان الهمتا عبد القاهر نظرية البيان - وهو يكتب الدلائل - كما أسلفنا لك -
والمرحلة الثانية: هي المرحلة التي أستلهم فيها عبد القاهر - وهو يكتب دلائل الإعجاز - "نظرية البيان" من كتاب "نقد الشعر" لقدامه، والتي وجد فيها أن الكناية، والتمثيل -على حد الاستعارة بل والاستعارة يمكن أن تدخل في إطار واحد هو (أن يطلق اللفظ ويراد به غير ظاهره) مع ما لهذه الأمور الثلاثة من فروع قد لا تحصى عدداً، فعقد في الدلائل فصلاً بهذا العنوان:
والمرحلة الثالثة: هي المرحلة التي وضحت لديه فيها ملامح النظرية كاملة ، مميزة عن غيرها من موضوعات فأطلق فيها القول أطلاق القوانين العامة التي تميز البيان من غيره، ووجد المدخل الحقيقي إلى علم البيان كما أسلفنا لك.
هذا هو الأصل الذي يجب أن تبنى عليه فهمك لمسائل البيان في فكر عبد القاهر الجرجاني من خلال كتابيه "أسرار البلاغة" ودلائل الإعجاز.
فإذا ما وقعته أمام نظريك فإن في استطاعتك أن تفهم ما يعنيا عبد القاهر من مواءمات البيات في الكتابين كما أنه في استطاعتك -
стр. 141
حينئذ - أن تنظر النظرة السليمة إلى تراقه، ومن خلال هذه النظرة تجد الرؤية واضحة جلية، لا تحتاج معها إلى محاولة تأويل ما قد يتعارض من أقواله تأويلاً لم يخطر لعبد القاهر الجرجاني على بال، وهذه النظرية السليمة هي التي أوصد المتأخرون دونها الأبواب، وأغمضوا العيون، وأصموا الآذان، وعكفوا على مسائل البلاغة من خلال الكتابين، دون مراعاة لطبيعة المرحلة التي كان يكتب فيها عبد القاهر كلا من الكتابين، ودونك بعضاً من هذه الأمثلة التي تطور فهم عبد القاهر لها، وهو يكتب الدلائل، بعد أن كانت رؤيتها غائمة أمام ناظريه، وهو يكتب "الأسرار" وبخاصة ما يتصل منها بالتمثيل -على حد الاستعارة -:
يقول عبد القاهر الجرجاني: (أعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف، لم يخل من وجهين:
احدهما: أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه، والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه: فالأول: ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة وذلك أن وجه الشبه هناك، أن كل واحد منهما: يوجب في النفس لذة وحالة محمودة ويصادف منها قبولاً، وهذا حكم واجب" "للحلاوة من حيث هي حلاوة" أو للعسل من حيث هو عسل".
وأما الثاني - وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه: فمثاله أن يتعدى الفعل شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاص، نحو
стр. 142
كونه واقعاً في موقعه وعلى الصواب، أو واقعاً غير موقعه، كقولهم "هو كالقابض على الماء، والراقم في الماء" فالشبه هنا منتزع مما بين القبض والماء، وليس بمنتزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيهان فإذا كان الشيء مما لا يتماسك ففعلك القبض في اليد لغو، وكذلك القصد في الرقم، أن يبقي أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله كان فعلك كلا فعلك، وكذلك قولهم (يضرب في حديد بارد)، (وينفخ في غير فحم) (١).
ثم قال: "ومن هذا الباب، قولهم (أخذ القوس باربها)، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهلهن فلست تشبه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم (ما زال يفتل منه في الذروة والغارب) الشبه مأخوذ مما بين القتل وما تعدي إليه من الذروة والغارب ول وأفردته لم تجد شبهاً بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلاً له، لأنه يضرب في الفعل أو القول، يعرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة وعن الآباء عليك في مرادك إلى مرافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل" وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه" (٢).
стр. 143
ثم قال أيضاً: ومن الواضح في كون الشبه معلقاً بمجموع الجملتين" حتى لا يقع في الوهم تميز أحداهما عن الأخرى قوله "بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام" وذلك أن المقصود من هذا الكلام التردد بين الأمرين وترجيح الرأي فيهما ولا يتصور التردد والترجيح في الشيء الواحد فلو جهدت وهمك أن تتصور لقولك "تقدم رجلاً" معنى وفائدة ما لم تقل "وتؤخر أخرى" أو تنوه في قلبك كلفت نفسك شططاً" وذكر أبو أحمد العسكري: أن هذا النحو من الكلام يسمى (المماثلة).
(١) التمثيل في الأسرار (تشبيه تمثيلي): وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول "مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى" ووزان: هذا أنك تقول: (زيد الأسد) فيكون تشبيهاً على الحقيقة، وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله أنك تقول: (أنت ترقم في الماء) (وتضرب في حديد بارد) و (تنفخ في غير فحم) فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك: أنت كمن يرقم في الماء وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صفة اسمه أو صلته" (١).
تلك خمسة أمثلة، أو قل أنها خمسة أمثال من الأمثال التي جعلها عبد القاهر الجرجاني من باب التمثيل - على حد تعبيره - أو التشبيه التمثيلي - على حد قول المتأخرين، ولم يتنبه إلى أنها جميعاً
стр. 144
من باب التمثيل - على حد الاستعارة - على حد تعبيره في الدلائل - أو الاستعارة التمثيلية - على حد تعبير المتأخري ن،
وأول هذه الأمثلة: أو الأمثال: قولهم (يضرب في حديد بارد) وهو مثل يضرب لمن يطمع في غير مطمع، كما قال الشاعر:
وإذا تألفت القلوب على الهوى ... فالناس تضرب في حديد بارد
ويضرب كذلك لمن يطلب الحاجة من غير أهلها، كما قال الشاعر:
يا خادع البخلاء ممن أموالهم ... هيهات تضرب في حديد بارد
وثانيها: قولهم: (هو ينفخ في غير فحم) ، وهو مثل يضرب كذلك - لمن يعمل في غير فائدة، كما قال الأغلب المجلي:
هل غير غارٍ هذا غاراً فانهدم قد قاتلوا لو ينفخون في فحم
وصبروا الو صبروا على ألم
يعني أن قتلاهم لا يغني شيئاً
وثالثها: قولهم (أخذ القوس باربها) وهو مثل يضرب لا عطاء الفعل إلى من يتقنه.
ورابعاً: قولهم: (وما زال يفتل منه في الذروة والغارب) وفي حديث الزبير (سأل عائشة الخروج إلى البصرة، فأبت عليه، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته) والذروة أعلى سنام البعير والكاهل من ذي الخف - وهو ما بين السنام والعنق - والمراد أنه أراد أزالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا ما أريد تأنيسه وأزاله نفاره.
стр. 145
وخامسها: (بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام) .
قال الجاحظ: في البيان والتبيين: لما بايع الناس يزيد بن الوليد وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكو والتحبس، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم): من عبد الله أميراً المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، وهو مثل يضرب لمن يتردد في أمره.
ولو أقتصر الأمر على إيراده أمثله للتمثيل مطلقاً، سواء أكان تشبيهاً تمثيلياً أو استعارة تمثيلية - على حد تعبير المتأخرين - لكان في أماكننا أن نجد مبرراً لهذا، بأن نقول: أنه باب التوسع في إيراد الأنماط البلاغية المتقاربة في المفهوم، ولكن عبد القاهر نفسه يؤكد لك رأيه في أنها جميعها من التشبيه محذوف الوجه والأداة بقوله: "وذكر أبوه أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى المماثلة وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتميل، وليس الأمر كذلك كيف؟ وأنت تقول: "مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى"؟ ووازن هذا: أنك تقول: "زيد الأسط" فيكون تشبيهاً على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله: أنك تقول: أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، لكنك تعلم أن المعنى على قول: أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في