← Баляга

Баляга · id 151018

من قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (274 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إلى فساد النظم وسوء تأليفه، كما أنهم قد رأوا سلامة النظم في العمل بقوانين النحو، ورأوا فساد النظم في عدم العمل بها فبإن له بذلك أن النظم ليس إلا تتبع معاني النحو فيما بين الكلم. ولعلك على ذكر مما أسلفناه لك من أن عبد القاهر الجرجاني قد استنبط هذا القول من تصرف القاضي الجرجاني في وساطته بين المتبني وخصومه وأنه قد استشهد بما استحسنه القاضي الجرجاني من أبيات للبحتري وغيره، وبما استقبحه من أبيات أخرى لبعض الشعراء، وأن الأولى قد أرجع القاضي الجرجاني حسنها إلى سلامة النظم، ولم يزد على هذا وأن الثانية قد أرجع قبحها إلى فساد النظم وهلهلة النسج وسوء التأليف، وأنها لم تجس على قوانين النحو. وفي هذا الفصل الذي نعرضه عليك الآن: يذكر أن مزايا النظم إنما تكون وتحدث بسبب المعاني والأغراض التي يقصدها البليغ، غذ ليس للفروق والوجوه التي تحدث في النظم، من تعريف، وتنكير، وتقديم، وتأخير غيرها، مزيه حتى تكون ملائمة ومناسبة للأغراض التي يقصدها البليغ. وقد اسلفنا لك أن هذا المعنى قد استقاه من فصل عقده القاضي الجرجاني عن مواقع الكلام، حيث ذكر أن النقد الأدبي السليم أنما هو ذلك الذي يوجه إلى جوهر الكلام وموقعه، ومكانه من النظم، ثم اهتمامه بمناسبة الألفاظ لمعانيها، ومعرفة ما بينهما من أسباب ووشائج قربي،

стр. 72

وأن القاضي الجرجاني قد كان يقصد بهذه المعاني: الأغراض التي يقصدها الأديب بشعره أو نثره، والتي أشار غليها في مقدمة وساطته بقوله "ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك ولا هزلك بمنزلة جدك ولا تعرضك مثل تصريحك، بل ترتب كلا مرتبته وتوفيه حقه، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والباس بيتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه" (١). وهذا المعنى هذا الذي عبر عنه المتأخرون من البلاغيين في تعريفهم للبلاغة أنهم: مطابقة الكلام لمقتضى الحال (٢). يقول عبد القاهر الجرجاني: "فصل في أن هذه المزايا بحسب المعاني والأغراض التي توم". "وغذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم أعلم أن ليست

стр. 73

المزية واجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض. تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التفكير في (سودد) من قوله (تنقل في خلفي سودد) وفي (دهر) من قوله: (فلو أذنبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي كل شيء ولا غذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعلة في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي إلا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، ويحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي توم، وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدي في الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ وفي موقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وتركيبة إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب: كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم". سابعاً: تفاوت درجات النظم بتفاوت صنعته: إذا كان الحاذقون بصنعة الكلام يختلفون في طريقة صياغتهم للمعاني ويتفاوتون في طريقة تعبيرهم عن الأغراض والمقاصد التي يعبرون عنها

стр. 74

فإن أساليبهم تختلف باختلاف مهاراتهم في صياغة هذه المعاني، وفي التعبير عن أغراض ومقاصدهم، ومن ثم فإن النظم يختلف ويتفاوت باختلاف الصنعة والمهارة، والحذق وتفاوتها من أديب إلى آخر. ولهذا فإن عبد القاهر الجرجاني قد وجد أن النظم يتفاوت بتفاوت الصنعة فنوفه إلى هذه الأنماط: الأول: النمط العالي من النظم: وهو ذلك النظم الذي تتحد فيه أجزاء الكلام، وتتماسك ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول ويحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وصنعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في الوقت الذي يضع بيساره هناك وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لهذا اللون من الكلام حصر، ولا قانون يحيط به، ولكنه يأتي على وجوه شتى منها: المزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر وقوله أيضاً: إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها

стр. 75

ومنها العكس، كما في قول سليمان بن داود القضاعي: فبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء وبينا نعمة، إذا حلا يؤس ... وبؤس إذا تعقبه ثراء ومنها التمثيل، كما في قول كثير: وأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخيلت مما بيننا وتخلت: لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت وكقول البحتري: لعمرك أنا والزمان كما حنت ... على الأضعف الموهون عادية الأقوى ومنها التقسيم - وخصوصاً إذا قسمت ثم جمعت - كقول حسان: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع ومن التقسيم - وهو في غاية الحسن - قول القائل: لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبداً لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما سر من حادث، أوساء مطرداً فقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غداً فقوله: (سنستجد خلاف الحالتين غدا) جمع لما قسم لطيف، وقد ازداد لطفاً بحسن ما بناه عليه ولطف ما توصل به غليه من قوله:

стр. 76

(فقد سكنت إلى أني وأنكم) وهذا النمط من النظم يعرفه عبد القاهر بأنه: ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعاً واحداً، ويسميه بأنه النمط العالي ويفخم من أمره بأنه الباب الأعظم الذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمه فيه (١). الثاني: النمط الأوسط: وهذا النوع من النظم - وأن لم يبلغ النمط العالي - فإنه قد حسن لفظه ونظمه، فبدت روعته من ناحيتي اللفظ والنظم معاً، كما ترى في قول عبد الله بن المعتز: وأني على أشفاق عيني من العدا ... لتجمع مني نظرة ثم أطرق فترى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف إنما جاء من جعله النظر يجمح وهذه رؤية قاصرة، فإن طلاوة البيت وظرفه إنما كانا لأنه قال في البيت (وأني) حتى دخل اللام في قوله (لتجمح) لم قوله (مني ثم لقوله (نظرة) ولم يقل (النظر) - مثلاً - ثم لمكان (ثم) في قوله (أطرق)، وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي: اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله (على إشفاق عيني من العدا).

стр. 77

وإن أردت أعجب من ذلك، فأنظر إلى قوله: سألت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير "فإنك ترى هذه الاستعارة - على لطفها وغرابتها - إنما ثم لها الحسن وأنتهى إلى حيث انتهى بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك وموازنته لها، وأن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، فأزل كلا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه فقل: سألت شعاب الحي بوجوه كالدنانير على حين دعا أنصاره، ثم أنظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والطلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها (١). الثالث: النمط الأدنى: وهو ذلك القول الذي لا يحتاج في نظمه إلى فكر أو روية، بل ترى سبيله سبيل من يعمد إلى لآلئ فينظمها في سلك حتى يمنعها من التفرق والتبدد، وكذلك إذا كان المعنى لا يحتاج في نظمه إلى أكثر من أن تعطف لفظاً على مثله، كما في قول الجاحظ (من خطبة كتاب الحيوان).

стр. 78

"جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الأنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة" (١).

стр. 79

صنيع المتأخرين بنظرية النظم كان عبد القاهر الجرجاني ينظر إلى البلاغة على أنها علم "واحد" يدور حول نظرية النظم، وعن هذا النظم تتفرع موضوعات البلاغة الأساسية المتمثلة في المعاني المأخوذة من تتبع معاني النحو فيما بين الكلم، ومن هذه المعاني تتكون صور البيان المتمثلة في التشبيه والمجاز، والكناية، والقيم الجمالية المتمثلة في ألوان البديع، كالجناس والطباق، والسجع، ونحوها مما يكون حسنة راجعاً إلى جمال المعنى قبل أن يكون زينة للألفاظ ولكن المتأخرين قد نظروا إلى البلاغة على أنها علوم "ثلاثة" هي علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع، وصحيح "أنهم قالوا: أن علم البيان لا بد فيه من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المرطب" (١). ولكن هذا القول المنطقي الجاف ليس كافياً، فقد قالوا هذا، ثم تناولوا المعاني بعيداً عن الصور البيانية، وتناولوا الصور البيانية بعيداً عن المعاني فحالوا بذلك بين البلاغة والنقد الذي يمارس تقويم النصوص الأدبية على أسس من معايير الجمال البلاغي التي تعتمد الذوق السليم أساساً في فهم دقائق المعاني ولطائفها وأدراك الصور البيانية، وأنماط التعبير عنها، وتذوق الجمال البديعي من بين أساليبها. ولكنك قد رأيت كيف أن عبد القاهر الجرجاني قد أظهر لك مزية النظم

стр. 80

بين الصور البيانية، فبين مزايا لطائف المعاني ودقائقها في أحداث الصور البيانية الرائعة، بل وفي أحداث قيم الجمال البديعي بينها (١). كانت نظرة عبد القاهر الجرجاني إلى البلاغة - إذن - مخالفة تماماً لنظرة المتأخرين إليها - فقد كان ينظر إلى البلاغة على أنها ذوق وإحساس، وجمال في التغيير، ولهذا فإنه قد جعل الذوق البلاغي السليم هو المعيار الصحيح لفهم البلاغة وبحث قضاياها، ودراسة مسائلها. أما المتأخرون فإنهم كانوا ينظرون إليها على أنها قواعد علمية بحتة، يجب ضبطها بتعاريف جامعة مانعة، ولهذا فإنهم قد حكموا المنطق في الحكم على القضايا البلاغية التي تضمنها تراث عبد القاهر الجرجاني. وبمعنى آخر: فإن عبد القاهر قد كان ينظر إلى البلاغة بمنظار الذوق الأدبي السليم، بينما نظر المتأخرون إليها بمنظار المنطق العلمي الجاف، وشتان ما بين النظريتين! ! وسنناقش أمرين من الأمور التي عكست نظرة المتأخرين إلى النظم الذي دارت حوله البلاغة في فكر عبد القاهر: أولاً: اللفظ والمعنى: زعم الخطيب القزويني أن في كلام عبد القاهر الجرجاني - عندما ذكر في مواضع كتابة الدلائل أن الفصاحة صفة "راجعة" إلى المعنى، وفي مواضع

стр. 81

أخرى أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه - تناقضاً، فحاول التوفيق بين هذين القولين، بأنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة -كما صرح به - وحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ أراد أنها من صفاتها باعتبار أفادتها المعاني عند التركي، وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المجرورة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب. ولكن سعد الدين التفتازاني - وقد فهم ما قاله عبد القاهر في الدلائل حتى فهمه - يرد على الخطيب قائلاً: فكأنه لم يتصفح دلائل الإعجاز حق التصفح ليطع على ما هو مقصود الشيخ، فإن محصول كلامه فيه هو: أن الفصاحة تطلق على معنيين: احدهما: ما مر في صدور المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ، والثاني، وصف في الكلام يقع به التفاضل ويثبت به الإعجاز، وعليه يطلق البلاغة والبراعة والبيان، وما شاكل ذلك ولا نزاع - أيضاً - في أن الموصوف بها عرفاً هو اللفظ، إذ يقال: لفظ "فصيح ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها هو اللفظ أالمعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين ويقول: أن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود فهناك ألفاظ ومعان أول، ومعان ثان: فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ في النطق على حذوها اسم: النظم، والصورة والخواص، والمزايا، والكيفيات

стр. 82

ونحو ذلك، ويحكم قطعاً - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليها وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة - وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في ألفاظها المنطقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها. فحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، يريد بهما تلك المعاني الأول، وحيث ينفي أن تكون من صفاتهما يريد بالألفاظ: الألفاظ المنطوقة، وبالمعاني المعاني الثواني التي جعلت مطروحة على الطريق وسوى فيها بين الخاصة والعامة (١). والصواب في جانب السعد، لأن عبد القاهر قد صرح مرازاً بهذا فقد نقل السعد نبذاً من أقواله في هذا المعنى ومنها: أن المعنى تتبين بالألفاظ ولم يكن لترتيب المعاني سبيل إلا بترتيب الألفاظ في النطق تجوزوا، فعبروا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب (٢)، وإذا ما وصفوا اللفظ بما يدل على تفخيمه لم يريدوا اللفظ المنطوق، ولكن معنى اللفظ الذي دل به على المعنى الثاني

стр. 83

والسبب: أنهم لو جعلوا أوصافاً للمعاني لما فهم أنها صفات للمعاني الأول المفهومة أعنى الزيادات، والكيفيات، والخصوصيات، فجعلوا كالمواضعة فيها بينهم (١) - أن يقولوا: اللفظ، وهم يريدون الصورة التي حدثت في المعنى والخاصية التي تجددت فيه، وقولنا: صورة تمثيل وقياس لما ندركه بعقولنا على ما ندركه بأبصارنا فكما أن تبين إنسان من إنسان يكون بخصوصية توجد في هذا دون ذلك يوجد بين المعنى في بيت وبينه في بيت آخر فرق، فعبرنا عن ذلك بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وليس هذا من مبدعاتنا، بل هو مشهور في كلامهم وكفاك قول الجاحظ: وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير ومن النقاد المحدثين (٢) من جاري الخطيب القزويني في زعمه من أن في رأي عبد القاهر الجرجاني تناقضاً حول اللفظ والمعنى ولم يفطن إلى ما فطن إليه سعد الدين التفتازاني مما أوردناه لك آنفاً، فمضى يقول: "وقد فطن الخطيب القزويني إلى هذا التناقض في رأي عبد القاهر" ثم يقول: "والعقل عند عبد القاهر هو كل شيء، وهذا العقل هو الذي يصطنع الفكرة وينظمها وينسقها وبعد أن تأخذ الفكرة مكانها من العقل مرتبة منسقة تهبط على القلم كتابة وعلى اللسان شعراً وخطابة.

стр. 84

وليس للألفاظ في هذا موضع من المواضع يحسب لها" على أن من هؤلاء النقاد المحدثين من يرى أن عبد القاهر قد تأثر بآراء كثير من سابقيه وحذا حذوهم في الاعتداد بالصياغة وأنها نظير التصوير والنقش وأن جل أفكاره كانت دائرة حول هذه الصياغة وأنه أفاد أفادة كبيرة من أنصار أصحاب اللفظ وترجيحه على المعنى ولكنه قد تجلت أصالته بعد ذلك في ثورته على معاصريه ممن اشتطوا في نصرة اللفظ حتى غفلوا به عن الغاية وممن اعتدوا بما يروقهم من معنى أو من حسن مجازي في الألفاظ مغفلين أمر الصورة الأدبية، وكان لعبد القاهر فضل لا يدانيه فيه ناقد عربي في توثيق الصلة بين الصياغة والمعنى وفي الاعتداد في ذلك بالألفاظ من حيث دلالتها وموقعها مجازية كانت أو حقيقية، وبيان تأثيرها في تأليف الصورة الأدبية، وبالرغم من أن عبد القاهر قد ثار على اعتبار الألفاظ من حيث هي ألفاظ لم يدانه ناقد عربي في بيان قيمة الألفاظ وصلتها بعملية الفكر اللغوية، وتأثيرها في الصورة الأدبية (١). ويمكننا أن نقول: أن عبد القاهر الجرجاني قد اهتم بصياغته الصورة الأدبية اهتماماً كبيراً، ولكنه في الوقت نفسه ينكر أن يكون للفظ وحده مزية في الإعجاز. ثانياً: قيام علم المعاني على أساس نظرية النظم: أخذ المتأخرون تعريف عبد القاهر لنظرية النظم، وهو "تتبع معاني

стр. 85

النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام " -مع تحوير في العبارة - وجعلوه تعريفاً لعلم المعاني، فقد قال السكاكي: علم المعاني هو: تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليتحرز بالوقوف عليها من الخطأ في تطبيق الكلام على ما تقتضى الحال ذكره (١). وأنت تجد لفظه "التتبع" "في كلا التعرفين، غير أن السكاكي قد استبدل "بمعاني النحو" "خواص تراكيب الكلام" وقد اعترض الخطيب على تعريف السكاكي بأن "التتبع" ليس بعلم ولا صادق عليه فلا يصح تعريف شيء من العلوم به، ولكنه عرفه بقوله" هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال (٢) ". أما السعد فإنه وأن يكن قد دافع عن تعريف السكاكي، فإنه قد ذكر أن الأوضح أن يقال: "أنه علم يعرف به كيفية تطبيق الكلام العربي ليقتضى الحال" (٣). ولعل السكاكي إنما تحرز من أن يأتي بعبارة معاني النحو التي وجدها في تعريف النظم حتى يكون حديثه خاصاً بالبلاغة بعيداً عن علم النحو ولكنك قد وجدت أن معاني النحو هي نفسها مسائل علم المعاني

стр. 86

بل أن النظم إنما هو نظرية عبد القاهر في البلاغة، يقول الخطيب: ثم أن المقصود من علم المعاني منحصر في ثمانية أبواب: أولها: أحوال الإسناد الخبري، وثانيها: أحوال المسند إليه وثالثها: أحوال المسند ورابعها: أحوال متعلقات الفعل وخامسها: القصر وسادسها: الإنشاء وسابعها: الفصل والوصل وثامنها: الإيجاز والأطناب والمساواة. ووجه الحصر: أن الكلام أما خبر أو إنشاء لأنه أما أن يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أو لا يكون لها خارج: الأول الخبر، والثاني الإنشاء ثم الخبر لا بد له من إسناد ومستند إليه ومسند وأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى ثم السند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلاً أو متصلاً به أو في معناه كاسم الفاعل ونحوه وهذا هو الباب الرابع ثم الإسناد والتعلق كل واحد منهما يكون أما بقصر أو بغير قصر وهذا هو الباب الخامس والإنشاء هو الباب السادس ثم الجملة إذا قورنت بأخرى فتكون الثانية أما معطوفة على الأولى أو غير معطوفة وهذا هو الباب السابع ولفظ الكلام البيع أما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد عليه وهذا هو الباب الثامن. وقد ترتب على قيام علم المعاني على إنقاض نظرية النظم ما يلي: أولاً: عرفوا البلاغة بما ينطبق على معنى النظم فقالوا: بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته ولهذا يقول الخطيب - بعد أن عرف البلاغة -: وهذا - أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال هو

стр. 87

الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم - حيث يقول: "النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام". ثانياً: قسموا البلاغة إلى علومها الثلاثة، المعاني والبيان والبديع لأنهم جعلوا مرجع البلاغة إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره وهذا التمييز منه ما يتبين في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحس وهو ما عدا التعقيد المعنوي أما ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد فهو علم المعاني وأما ما يحرز به عن التعقيد المعنوي فهو علم البيان وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع (١). ثالثاً: أخرجوا محسنات البديع من عقد النظم

стр. 88

الفصل الثاني (قضية التقديم والتأخير) (١) حملة عبد القاهر على القدماء لعدم اهتمامهم بهذه القضية. (١) عرض مسائل التقديم والتأخير: أ) التقديم في الاستفهام. ب) التقديم في النفي. ج) التقديم في الخبر المثبت. د) ما يرى تقديمه كاللازم. هـ) تقديم النكرة على الفعل وتقديم الفعل عليها.

стр. 89

التقديم والتأخير يرى عبد القاهر الجرجاني: أنه باب كثير الفوائد، جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضى بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان، غير أنه لم يجد أحداً قد اعتمد فيه شيئاً يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، فقد ظنوا أنه يكفي أن يقال في كل شيء قدم في موضع من الكلام أنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكروا من أين كانت تلك العناية ولم كان أهم؟ ولهذا صغر أم التقديم والتأخير في نفوسهم، وهونوا الخطب فيه. كما أنه من الخطأ أيضاً - أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين فيجعل مفيداً في بعض الكلام، وغير مفيد في البعض الآخر، وأن يعمل تارة بالعناية، وتارة أخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب حتى تطرد لهذا قوافيه، ولذلك سجعه. ذلك لأنه من البعيد أن يكون في جملة، النظم ما يدل تارة ولا يدل تارة أخرى. وقد مضى الأمام عبد القاهر الجرجاني على هدي من هذه الأسس في بحثه لمسائل التقديم والتأخير:

стр. 90

يقول الإمام: "فصل: القول في التقديم: هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعه، ويفضى بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان: وأعلم أن تقديم الشيء على وجهين تقديم يقال أنه على نية التأخير وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه كخبر المبتدأ، غذا قدمته على المبتدأ، والمفعول، إذا قدمته على الفاعل كقولك "منطلق زيد" و" ضرب عمراً زيد" معلوم أن (منطلق) و (عمراً) لم، يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعاً بذلك، وكون ذلك مفعولاً ومنصوباً من أجله كما يكون إذا أخرت. وتقديم لا على نية التأخير: ولكن على أن تنقل الشيء من حكم إلى حكم، وتجعله باباً غير بابه وإعراباً غير إعرابه، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منها أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبراً له فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا: ومثاله: ما تصنعه (بزيد) و (المنطلق) حيث تقول مرة: "زيد المنطلق) وأخرى: (المنطلق زيد) فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكاً على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون خبر مبتدأ - كما كان

стр. 91

بل على أن تنقله عن كونه خبراً إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر زيداً على أن يكون مبتدأ - كما كان - بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبراً. وأظهر من هذا: قولنا (ضربت زيداً)، و (زيد ضربته) لم تقدم زيداً على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل - كما كان - ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر له، وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فأني أتبعه بجملة من الشرح. وأعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئاً يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب: -وهو يذكر الفاعل والمفعول -: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعني - وأن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم - ولم يذكروا في ذلك مثالاً، وقال النحويون: أن معنى ذلك: أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي، يخرج فيعبث ويفسد ويكثر منه الأذى: أنهم يريدون قتله ولا يبالون من كان القتل منه ولا يعينهم منه شيء فإذا قتل وأراد مريد الأحبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي، فيقول قتل الخارجي زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجي لأنه يعلم أن ليس في أن يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له

стр. 92

ومتطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه. ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلاً، وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر الفاعل، فيقول: قتل زيد رجلاً، ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته وموضع الندرة فيه وبعده كان من الظن، ومعلوم أنه لم يكن ناد رأوا بعيداً من حيث كان واقعاً بالذي وقع به ولكن من حيث كان واقعاً من الذي وقع منه، فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير، وقد وقع في ظنون الناس: أنه يكفي أن يقال: أنه قدم للعناية، ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية ولم كان أهم؟ ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم وهونوا الخطب فيه، حتى أنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرباً من التكلف وأن لم تر ظناً أزري على صاحبه من هذا وشبهه. وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار، والفصل والوصل ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك بل فيما أن لم تعلمه لم يضرك

стр. 93

لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة ومنعهم أن يعرفوا - مقاديرها وصد أوجههم عن الجهة التي هي فيها، والشق الذي - يحويها (١). (أ) التقديم في الاستفهام بالهمزة إذا بدأت بالفعل فقلت: أفعلت؟ كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من الاستفهام أن تعلم وجوده ولكنك إذا بدأت بالاسم، فقلت: أأنت فعلت؟ كان الشك في الفاعل من هو؟ وكان التردد فيه، ولهذا فأنه لا يجوز لك أن تقول: أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ لأن الشك في الفعل لا في الفاعل، فكان من الواجب تقديمه كما أنه لا يجوز لك أن تقول: أكتبت هذا الكتاب؟ ، لأن الشك في الفاعل لا في الفعل، وذلك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد أمام عينيك: أموجود أم لا؟ وكذلك الشأن في الهمزة إذا كانت للتقرير، فقول الله تعالى -حكاية عن قول نمروذ -: "أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ "لا شبهه في أنهم لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر لهم بأنه منه كان، ولهذا أشاروا إلى الفعل في قولهم "أأنت فعلت هذا" وقال هو ﵇ -في الجواب: "بل فعله كبريهم هذا" ولو كان التقرير بالفعل

стр. 94

لكان الجواب: فعلت أو لم أفعل، فالهمزة في هذا، وما شاكله من الأمثلة تقرير بفعل قد كان وإنكار له لما كان؟ وتوبيخ لفاعله عليه" (١). وقد تأتي الهمزة لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله وماله: قول الله تعالى: أفأصناكم وبكم بالبنين وأتخذ من الملائكة إناثاً؟ أنكم لتقولون قولاً عظيماً "وقوله تعالى أصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون؟ فالآية الأولى تنكر اختصاصهم بالبنين، والآية الثانية تنكر اصطفاء البنات على البنين. ولكن إذا قدم الاسم على الفعل صار الإنكار منصباً على الفعل، وذلك كقولك لرجل انتحل شعراً: أأنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، لست ممن يحسن مثله، فأنت بهذا قد أنكرت أن يكون هو القائل ولكنك لم تنكر الشعر. هذا هو الفرق بين تقديم الاسم، وتقديم الفعل إذا كان الفعل ماضياً أما إذا كان الفعل مضارعاً، وأردت به الحال، كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، فإذا قلت: أتفعل؟ كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم أن الفعل كائن وإذا قلت: أأنت تفعل؟ كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهراً، لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن، أو على أنك تريد أن تنكر أن يكون هو الفاعل.

стр. 95

ومثال تقديم الاسم لأن القصد هو الإقرار بأنه الفاعل: قوله تعالى ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ يقصد بذلك أن يقرره بأن يتعب نفسه في إقناع الناس بدينه حتى كأنه يحاول إكراههم على الإيمان ومثال تقديمه لأن القصد هو إنكار أن يكون هو الفاعل: قوله تعالى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ففي الآية الكريمة إنكار أن يكون المشركون هم الذين يقسمون ﵀ (١). وإذا أردت بالمضارع المستقبل، وقدمت الفعل: كان المعنى على أنك تنكر الفعل نفسه وتزعم أنه لا يكون أو أنه لا ينبغي أن يكون: فمثال الأول: قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟ فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل وإنكار منه أن يقدر على ذلك ويستطيعه. ومنه قول الله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾. ومثال الثاني: قولك للرجل يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهب في غير الطريق؟ أتغرر بنفسك؟ ومنه قول الشاعر: أأترك -إن قلت - دارهم خالدٍ زيارته؟ إني أذن - للئيم!

стр. 96

وجملة الأمر: أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل (١) سواء أكان بمعنى أنه لا يكون، أو يكون، أو كان بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون. والأول: هو التكذيبي، والثاني هو التوبيخي - كما عرفا فيما بعد - وأن بدأت بالاسم، فقلت: أأنت تمنعني؟ أأنت تأخذ على يدي؟ كنت قد وجهت الإنكار إلى نفس الضمير، وأبيت أن يكون بموضع أن يجيء منه الفعل وأن يكون بتلك المثابة، وصرت كأنك قولت: أن غيرك كالذي يستطيع منعي والأخر على يدي، ولست بذاك، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك. وقد تجعله لا يجيء منه الفعل، لأن نفسه تاباه، ولا ترتضيه، كأن تقول أهو يسأل فلاناً؟ هو أرفع همة من ذلك، أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذاك. وقد تجعله لا يفعله لصغر قدره، وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو، كقولك: أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصر همه من ذلك، وأقل رغبة في الخير مما تظن (٢). ويبين عبد القاهر: أن تفسير الاستفهام بالإنكار في مثل هذا، فيه بعض التجوز، أما الذي هو محض المعنى وحقيقته، فهو إنما يراد بالاستفهام تنبيه السامع، حتى يرجع إلى نفسه لتخجل ويرتدع ويعيا

стр. 97

بالجواب، ولو كان للإنكار حقيقة، لكان ينبغي ألا يجيء فيما لا يقول عاقل أن يكون حتى ينكر عليه، كقولهم: أتصعد إلى السماء؟ -أتستطيع أن تنقل الجبال؟ أألى رد ما مضى سبيل؟ ولهذا: فإنه لا يقرر بالمحال، وبما لا يقول إنسان أنه يكون إلا على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له: أنك في دعواك ما ادعيت -بمنزله من يطمع في الممتنع". ومن هذا الضرب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ فليس أسماع الصم مما يدعيه أحد، فيكون ذلك للإنكار وإنما المعنى فيه على التمثيل والتشبيه، وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون أو أنه يستطيع أسماعهم، منزلة من يرى أن يسمع الصم ويهدي العمي. والسر في أن الله تعالى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولم يقل: ﴿أتسمع الصم﴾ هو: أن يقال للنبي ﷺ : أأنت خصوصاً قد أوتيت مقدرة أسماع الصم أو هداية العمي (١)؟ ومن لطيف ذلك: قول ابن أبي عيينة: فدع الوعيد، فما وعيدك ضائري د أطنين أجنحة الذباب يضير؟ فقد جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير.

стр. 98

وإذا قدم المفعول فإن الإنكار يتجه إلى أن يوقع به مثل ذلك الفعل ولهذا قدم (غير) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ وكان له من الحسن والمزية والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل: أأتخذ غير الله ولياً؟ وأتدعون غير الله؟ وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ ولياً وأن يرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك، وأن يكون جهل أجهل، وعمى أعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: أأتخذ غير الله ولياً؟ وذلك لأن الإنكار حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك. (ب) التقديم في النفي إذا قلت (ما فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلاً لم يثبت أنه مفعول، ولكنك إذا قلت (ما أنا فعلت) كنت قد نفيت عنك فعلا ًثبت أنه مفعول، ومنه قول أبي الطيب المتنبي: وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب ناراً فالمعنى -كما لا يخفي أن السقم ثابت موجود، ولكنه ليس هو الجالب له.

стр. 99

ومثله في الوضوح قوله - أيضاً -: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ولكن لشعري فيك من نفسه شعر! فالشعر مفعول على القطع، والنفي والنفي موجه إلى أن يكون هو وحده القائل (١) له. والدليل على أن هناك فرقاً بين تقديم الاسم وتقديم الفعل: أمران: أحدهما: أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) وذلك لأنك عندما قدمت الفعل - نفيته من غير أن يثبت أن مفعول، فيصبح أن تنفيه بعد ذلك عن جميع الناس، ولكن لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس)، لما فيه من تناقض، وذلك أن تقديم الاسم في النفي يدل على أن الفعل قد وقع من غيرك، فإذا ما نفيته بعد ذلك عن جميع الناس جاء التناقض. وثانيهما: أنك إذا قلت: (ماضربت إلا زيدأ) كان كلاماً مستقيماً ولكنك إذا قلت: (ما أنا ضربت إلا زيداً) كان لغواً من القول وذلك لأن نقص النفي بإلا يقتضى أن تكون قد ذربت زيداً، وتقديمك ضميرك وإبلاؤه حرب النفي يقتضى نفي أن تكون ضربته، وهنا يأتي التناقض (٢). على أنك تجد هذا الفرق -أيضاً - في تقديم المفعول وتأخيره: فإذا قلت: (ما ضربت زيداً)، فقدمت الفعل، كان المعنى: أنك

стр. 100

لقد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، وتركته مبهماً محتملاً. ولكنك إذا قلت: ما زيداً ضربت، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضرباً وقع منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه، فإنه يصح لك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيداً، ولا أحداً من الناس) ولكنه لا يصح لك في الوجه الثاني أن تقول هذا، فلو قلت: (ما زيداً ضربت، ولا أحداً من الناس) كان قولاً فاسداً، لما فيه من تناقض - كما أسلفت - ويصح لك أيضاً أن تقول: (ماضيت زيداً، ولكن أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات ضده، ولا يصح لك أن تقول: (مازيداً ضربت، ولكن أكرمت) وذلك لأنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا، فالواجب -إذن - أن تقول: (ما زيداً ضربت، ولكن عمراً) وحكم الجار والمجرور في ذلك حكم المفعول به، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر: وإذا قلت: (ما بهذا أمرتك) كنت قد أمرته بشيء غيره (١). (جـ) التقديم في الخبر المثبت: إذا جئت بالذي أردت أن تحدث عنه بفعل فقدمت ذكرهن ثم بنيت

стр. 101

الفعل عليه فقلت: زيد قد فعل وأنا فعلت، وأنت فعلت اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل، إلا أن المعنى ينقسم قسمين: أحدهما: واضح جلى وهو: أن يكون الفعل قد أردت أن تنص فيه على واحد فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر، أو دون كل أحد، ومثال ذلك: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت في بابه ترد بذلك على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتبت فيه كما كتبت ومن البين في ذلك: قولهم في المثل: "أتعلمني بحب أن حرشته؟ ). وثانيهما: ما يقصد به تكيد الحكم ، وتقويته وتقرره في ذهن السامع وتمكنه منه كقولك: (هو يعطي الجزيل) و (هو يحب الثناء) لا تريد أن تزعم أنه ليس ههنا من يعطي الجزيل ويجب الثناء غيره ولا أن تعرض بإنسان ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء علبة، وأن تمكن ذلك في نفسه، ومثاله (١) في الشعر قول المعذل ابن عبد الله الليثي من شعراء الحماسة: هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا فالشاعر لم يرد أن يدعي تفردهم بهذه الصفة، وأنها ليست لغيرهم كما أنه لم يرد أن يعرض يقوم آخرين، فينفي أنهم أصحابها، وإنما أراد: أنهم فرسان، يمتهدون صهوات الخيل، ويقتعدون الجياد منها

стр. 102

أما سر كون تقديم المحدث عنه بالفعل أكد لإثبات ذلك الفعل له فهو: أنه لا يؤتي بالاسم سري من العوامل إلا لحديث قد نوى إسناده إليه فإذا قلت/ عبد الله فقد أشعرت قلبه بهذا أنك أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت: -مثلاً - قام أو قلت: خرج أو قلت قدم فقد علم ما جئت به، وقد وطأت له، وقدمت الإعلام فيه فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له، المطمئن إليه، وذلك -لا محالة - أشد لثبوته، وأنفى له، وأدخل - في التحقيق (١) ويشهد لما قاله عبد القاهر، من أن تقديم المحدث عنه يقتضى تأكيد الخبر وتحقيقه: أننا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء في كل مقام يحتاج إلى تأكيد الخبر وتقويته ومنها: (أ) ما سبق فيه إنكار منكر، كأن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: (أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي) وكقول الناس) (هو يعلم ذاك وأن أنكر) و (هو يعلم الكذب فيما قال وأن حلف عليه). وكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وذلك لأن الكاذب ولاسيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.

стр. 103

(ب) ما اعترض فيه شك ، كأن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فتقول: (أنا أعلم ولكني أدار به). (جـ) في تكذيب مدع ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وذلك لأن قولهم: (آمنا) دعوى منهم بأنه ملم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به فالمقام مقام تكذيب. (د) فيما القياس في مثله أن لا يكون، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وذلك لأن - عبادتهم لها تقتضى ألا تكون مخلوقة. (هـ) فيما يستغرب من الأمر ، وذلك كأن تقول: (ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعيا باليسير؟ أيزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء؟ ! ) (و) في الوعد والضمان: كقولك: (أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر) وذلك لأن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد. (ي) في المدح ، كقولك: (أنت تعطي الجزيل) (أنت تقرى في المحل (أنت تجود حين لا يجود أحد)، وكما في قول زهير بن ابي سلمى: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفري: تقطع من فري الشيء يفريه إذا قطعه والخلق: التقدير،

стр. 104

والذي ينصع شيئاً من الجلد ونحوه على مثال سابق كالمزادة والفعل يقدر ثم يقطع، والمعنى: أنت تنفذ ما عزمت عليه بخلاف غيرك، فإنه يقول ولا يفعل والشاهد في قوله: (ولأنت تفري) حيث قدم المحدث عنه وهو ضمير المخاطب على الخبر الفعلي المثبت لتأكيد مدحه". (ز) في الفخر كما في قول طرفه بن العبد: نحن في المشتاة ندعو الجفلي لا ترى الآدب منا ينتفر والحفلي: الدعوة العامة إلى الطعام والنفري: الدعوة الخاصة والآدب الداعي إلى الطعام من أدب بأدب مأدبة والمشتى والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي أن الذين يأدبون المآدب منا لا يثتقرون الضيوف ولا ينتقوقهم كما يشهد لعبد القاهر -أيضاً -: أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه ولكن: يؤتي به غير مبني على اسم: فإذا أخبرت بالخروج - مثلاً - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: (قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه. وكذلك: إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد في أنه يركب أولا يركب كان خبرك فيه

стр. 105

أن تقول: (قد ركب). فإن جئت بمثل هذا في صلة كلام ووضعته بعد واو الحال، حسن حينئذ وذلك كقولك: (جئته وهو قد ركب) وذلك لأن الحكم يتغير إذا صارت الجملة في مثل هذا الموضع ويصير الأمر بمعرض الشك، لأنه إنما يقول هذا من ظن أن يصادفه في منزله، وأن يصل إليه من قبل أن يركب. وإذا ما استبطأت إنساناً فقتل: (أتانا والشمس قد طلعت) كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول: (أتانا وقد طلعت الشمس). فإذا ما أردت وصف إنسان بالعجلة قلت: (أتى والشمس لم تطلع) وكان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه من أن تقول (أتى وولم تطلع الشمس بعد) وهو بعد هذا كلام لا يكاد يجيء إلا نابياً. فالكلام البليغ في مثل هذا: أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه. فإذا كان الفعل بعد واو الحال مضارعاً لم يصلح إلا مبنياً على اسم، كقولك: (رأيته وهو يكتب) و (دخلت عليه وهو يملي الحديث). وكقول النابعة الجمدي: تمززتها والديك يدعو صياحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا تمزز الشراب: شربه ممصا، وهو يقصد أنه قد شرب الخمر، والمراد

стр. 106

بدعاء الديك الصياح: قرية، والمراد من دنو بني نعش وهي كواكب قرب الغروب، والشاهد في قوله: (والديك يدعو صياحه) حيث جاء الفعل مبنياً على الاسم بعد واو الحال. فكل ذلك لا يصلح إلا إذا كان الفعل فيه ميناً على الاسم فلو قلت: أيته ويكتب ودخلت عليه ويملي الحديث، وتمززتها ويدعو الديك صياحه لم يكن شيئاً. على أنك قد تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. فإنه لا يخفي على من له ذوق أنه لوجيء في ذلك بالفعل غير مبني على - الاسم فقيل أن وليي الله الذي نزل الكتاب ويتولى الصالحين، واكتتبها فتملي عليه، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فيوزعون. لوجد اللفظ قد نبأ عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها. (د) مما يرى تقديمه كاللازم "مثل" و "غير ": وذلك كما في قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة له، يغزي فيها أباً.

стр. 107

عضد الدولة في عمته: مثلك يثنى المزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه وقولهم (مثلك رعي الحق والحرمة) وكقول البعثري - عندما قال له الحجاج: لأحملنك على الأدهم: يريد القيد، فقال - على سبيل المغالطة -: ومثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه "بمثل" إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، ولكنهم يعنون: أن كل من كان مثله ي الحال والصفة، كان من مقتضى القياس وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو لا يفعل، وكذلك حكم (غير) إذا سلك بها هذا المسلك كقول أبي الطيب: وغيري يأكل المعروف سحتاً وتشحب عنده بيض الأيادي فإنه لم يرد أن يعرض - مثلاً بشاعر سواه فيزعم أن الذي اتهم به عند الممدوح، من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه ولكنه أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممكن يكفر النعمة ويلؤم (١). على أن استعمال (مثل) و (غير) شيء مركوز في الطباع وهو جار في عادة كل قوم فلو تصفحت الكلام وجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (٢).

стр. 108

(هـ) تقديم النكرة على الفعل وتقديم الفعل عليها: إذا قدمت الفعل على النكرة، فقلت: أجاءك رجل؟ كنت تريد أن تسأله هل كان محي من أخد من الرجال إليه، وإذا قدمت الاسم فقلت: أرجل جاء؟ كنت تسأله عن جنس من جاءه: أرجل أم أمرأه؟ وإنما يكون ذلك إذا كنت قد علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي تماماً كما إذا كانت تريد أن تعرف عين الآتي فقلت: أزيد جاءك أم عمرو؟ والمسألة الأولى لا يجوز فيها تقديم الاسم لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل والسؤال عن الفاعل يكون أما عن عينه أو عن جنسه وإذا كان ذلك كذلك كان محالاً أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنه لا يبقى بعد الجنس إلا العين، والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه. على أنك إذا وصفت النكرة فقلت: أرجل طويل جاءك أم قصير كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم قصارهم فأن وصفت النكرة بالجملة فقلت: أرجل كنت قد عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه؟ كان السؤال عن المعطي أكان ممن عرفه من قبل أم كان إنساناً، لم يعرفه من قبل. وحكم الابتداء بالنكرة في الاستفهام حكم الخبر: فإذا قلت (رجل جاءني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لامرأة، ويكون الكلام حينئذ مع من عرف أن قد أتاك آت فإذا لم ترد ذلك كان عليك أن

стр. 109

تقدم الفعل فتقول جاءني رجل) وقولهم: (شر أهر ذانابٍ) إنما قدم فيه شر" لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أن رجل لأمرأة. والدليل على ذلك قول العلماء: أنه إنما يصلح لأنه بمعنى (ما أهر ذاناب الاشر) وأنت لا تقول: ما جاءني إلى رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد جاءتك امرأة. وذلك لأن الخبر ينقص النفي إنما يكون حيث يراد قصر الفعل على شيء ونفيه عما عداه فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيته عن كل ما عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم ومتى لم يرد بالفكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره. وليس معنى قول عبد القاهر: أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم (شر أهر ذاناب) لأنه أريد به الجنس أن معنى (شر) و (الشر) سواء ولكن عرضه أن يبين أن الغرض من الكلام: أن الذي أهز ذا الناب إنما هو من جنس الشر لا من جنس الخير، كما أنه إذا قال في قولهم "أرجل جاء أم امرأة أن السؤال عن الجنس لم يرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال الرجل أم المرأة أتاك ولكنه يعني أن المعنى على

стр. 110

أنك سألت عن الآتي: أهو من جنس الرجال أم من جنس النساء؟ فالنكرة - أذن - على أصلها من كونها لواحد من الجنس، غير أن القصد منك لم يقع على كونه واحداً وإثماً وقع على كونه من جنس الرجال. وفي عكس هذا إذا قلت: (أرجل جاءك أم رجلان؟ ) كان القصد منك إلى كونه واحداً دون كونه رجلاً. وههنا أصل ينبهك إليه عبد القاهر وهو إنه إذا ما كان في اللفظ دليل على أمرين، ثم قصده أحدهما دون الآخر صار هذا الآخر كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ. وإذا ما نظرت فيما قدمه عبد القاهر من قول سيبويه: "أنك قلت عبد الله فنبهته ثم بنيت عليه الفعل" وجدته يطابق هذا، وذلك لأن التنبيه لا يكون إلا على شيء معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على شيء معلوم كذلك فإذا ما بدأت بالنكرة فقلت: رجل وأنت لا تقصد بها الجنس وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لامرأة، كان محالاً أن تقول أني قدمته لأنبه المخاطب له لأنه يخرج بك إلى أن ت قول: أني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه، وذلك مما لا يشك في أنه محال (١). وخلاصة رأي عبد القاهر - في إفادة تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي التخصيص أو تقوى الحكم - أن هذا الرأي يدور غالباً حول أداة النفي فإن كانت سابقة على المسند إليه - أيا كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً وإن لم تسبقه أداة نفي بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً
следующие страницы →