← Баляга

Баляга · id 151018

من قضايا البلاغة والنقد عند عبد القادر الجرجاني

حسن إسماعيل عبد الرازق

Полный текст (274 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حينئذ - أن تنظر النظرة السليمة إلى تراقه، ومن خلال هذه النظرة تجد الرؤية واضحة جلية، لا تحتاج معها إلى محاولة تأويل ما قد يتعارض من أقواله تأويلاً لم يخطر لعبد القاهر الجرجاني على بال، وهذه النظرية السليمة هي التي أوصد المتأخرون دونها الأبواب، وأغمضوا العيون، وأصموا الآذان، وعكفوا على مسائل البلاغة من خلال الكتابين، دون مراعاة لطبيعة المرحلة التي كان يكتب فيها عبد القاهر كلا من الكتابين، ودونك بعضاً من هذه الأمثلة التي تطور فهم عبد القاهر لها، وهو يكتب الدلائل، بعد أن كانت رؤيتها غائمة أمام ناظريه، وهو يكتب "الأسرار" وبخاصة ما يتصل منها بالتمثيل -على حد الاستعارة -: يقول عبد القاهر الجرجاني: (أعلم أن الشبه إذا انتزع من الوصف، لم يخل من وجهين: احدهما: أن يكون لأمر يرجع إلى نفسه، والآخر أن يكون لأمر لا يرجع إلى نفسه: فالأول: ما مضى في نحو تشبيه الكلام بالعسل في الحلاوة وذلك أن وجه الشبه هناك، أن كل واحد منهما: يوجب في النفس لذة وحالة محمودة ويصادف منها قبولاً، وهذا حكم واجب" "للحلاوة من حيث هي حلاوة" أو للعسل من حيث هو عسل". وأما الثاني - وهو ما ينتزع منه الشبه لأمر لا يرجع إلى نفسه: فمثاله أن يتعدى الفعل شيء مخصوص يكون له من أجله حكم خاص، نحو

стр. 142

كونه واقعاً في موقعه وعلى الصواب، أو واقعاً غير موقعه، كقولهم "هو كالقابض على الماء، والراقم في الماء" فالشبه هنا منتزع مما بين القبض والماء، وليس بمنتزع من القبض نفسه، وذلك أن فائدة قبض اليد على الشيء أن يحصل فيهان فإذا كان الشيء مما لا يتماسك ففعلك القبض في اليد لغو، وكذلك القصد في الرقم، أن يبقي أثر في الشيء، وإذا فعلته فيما لا يقبله كان فعلك كلا فعلك، وكذلك قولهم (يضرب في حديد بارد)، (وينفخ في غير فحم) (١). ثم قال: "ومن هذا الباب، قولهم (أخذ القوس باربها)، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذ في موقعه ووجوده من أهلهن فلست تشبه من حيث الأخذ نفسه وجنسه، ولكن من حيث الحكم الحاصل له بوقوعه من باري القوس على القوس، وكذلك قولهم (ما زال يفتل منه في الذروة والغارب) الشبه مأخوذ مما بين القتل وما تعدي إليه من الذروة والغارب ول وأفردته لم تجد شبهاً بينه وبين ما يضرب هذا الكلام مثلاً له، لأنه يضرب في الفعل أو القول، يعرف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة وعن الآباء عليك في مرادك إلى مرافقتك والمصير إلى ما تريد منه، وهذا لا يوجد في الفتل من حيث هو فتل" وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشعر من ذروة البعير وغاربه" (٢).

стр. 143

ثم قال أيضاً: ومن الواضح في كون الشبه معلقاً بمجموع الجملتين" حتى لا يقع في الوهم تميز أحداهما عن الأخرى قوله "بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام" وذلك أن المقصود من هذا الكلام التردد بين الأمرين وترجيح الرأي فيهما ولا يتصور التردد والترجيح في الشيء الواحد فلو جهدت وهمك أن تتصور لقولك "تقدم رجلاً" معنى وفائدة ما لم تقل "وتؤخر أخرى" أو تنوه في قلبك كلفت نفسك شططاً" وذكر أبو أحمد العسكري: أن هذا النحو من الكلام يسمى (المماثلة). (١) التمثيل في الأسرار (تشبيه تمثيلي): وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول "مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى" ووزان: هذا أنك تقول: (زيد الأسد) فيكون تشبيهاً على الحقيقة، وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله أنك تقول: (أنت ترقم في الماء) (وتضرب في حديد بارد) و (تنفخ في غير فحم) فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، ولكنك تعلم أن المعنى على قولك: أنت كمن يرقم في الماء وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم، وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في صفة اسمه أو صلته" (١). تلك خمسة أمثلة، أو قل أنها خمسة أمثال من الأمثال التي جعلها عبد القاهر الجرجاني من باب التمثيل - على حد تعبيره - أو التشبيه التمثيلي - على حد قول المتأخرين، ولم يتنبه إلى أنها جميعاً

стр. 144

من باب التمثيل - على حد الاستعارة - على حد تعبيره في الدلائل - أو الاستعارة التمثيلية - على حد تعبير المتأخري ن، وأول هذه الأمثلة: أو الأمثال: قولهم (يضرب في حديد بارد) وهو مثل يضرب لمن يطمع في غير مطمع، كما قال الشاعر: وإذا تألفت القلوب على الهوى ... فالناس تضرب في حديد بارد ويضرب كذلك لمن يطلب الحاجة من غير أهلها، كما قال الشاعر: يا خادع البخلاء ممن أموالهم ... هيهات تضرب في حديد بارد وثانيها: قولهم: (هو ينفخ في غير فحم) ، وهو مثل يضرب كذلك - لمن يعمل في غير فائدة، كما قال الأغلب المجلي: هل غير غارٍ هذا غاراً فانهدم قد قاتلوا لو ينفخون في فحم وصبروا الو صبروا على ألم يعني أن قتلاهم لا يغني شيئاً وثالثها: قولهم (أخذ القوس باربها) وهو مثل يضرب لا عطاء الفعل إلى من يتقنه. ورابعاً: قولهم: (وما زال يفتل منه في الذروة والغارب) وفي حديث الزبير (سأل عائشة الخروج إلى البصرة، فأبت عليه، فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته) والذروة أعلى سنام البعير والكاهل من ذي الخف - وهو ما بين السنام والعنق - والمراد أنه أراد أزالتها عن رأيها كما يفعل بالجمل النفور إذا ما أريد تأنيسه وأزاله نفاره.

стр. 145

وخامسها: (بلغني أنك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت والسلام) . قال الجاحظ: في البيان والتبيين: لما بايع الناس يزيد بن الوليد وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكو والتحبس، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم): من عبد الله أميراً المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا ًوتؤخر أخرى، وهو مثل يضرب لمن يتردد في أمره. ولو أقتصر الأمر على إيراده أمثله للتمثيل مطلقاً، سواء أكان تشبيهاً تمثيلياً أو استعارة تمثيلية - على حد تعبير المتأخرين - لكان في أماكننا أن نجد مبرراً لهذا، بأن نقول: أنه باب التوسع في إيراد الأنماط البلاغية المتقاربة في المفهوم، ولكن عبد القاهر نفسه يؤكد لك رأيه في أنها جميعها من التشبيه محذوف الوجه والأداة بقوله: "وذكر أبوه أحمد العسكري أن هذا النحو من الكلام يسمى المماثلة وهذه التسمية توهم أنه شيء غير المراد بالمثل والتميل، وليس الأمر كذلك كيف؟ وأنت تقول: "مثلك مثل من يقدم رجلاً ويؤخر أخرى"؟ ووازن هذا: أنك تقول: "زيد الأسط" فيكون تشبيهاً على الحقيقة وإن كنت لم تصرح بحرف التشبيه، ومثله: أنك تقول: أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد، وتنفخ في غير فحم، فلا تذكر ما يدل صريحاً على أنك تشبه، لكنك تعلم أن المعنى على قول: أنت كمن يرقم في الماء، وكمن يضرب في حديد بارد، وكمن ينفخ في غير فحم وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشبه به ظاهر تقع هذه الأفعال في

стр. 146

صفة اسمه أو صلته" (١). فعبد القاهر الجرجاني يرد على أبي أحمد العسكري في زعمه أن هذا النحو من الكلام (يعني المثل) يسمى: ((الماثلة)) بأن هذه التسمية، توهم أنه غير المراد بالمثل والتمثيل، ثم يشمر عن ساعد الجد في دفع أن يكون هذا النحو من الكلام، غير المثل والتمثيل، وذلك بمحاولة إثبات من باب التشبيه الذي حذفت منه الأداة ووجه الشبه تماماً كما في قولك "زيد الأسد". ويبدو أن أباً أحمد العسكري قد ذكر المماثلة ضمن مصطلحاً لفنون البديع التي أوردها في رسالته (صناعة الشعر). ولئن كانت هذه الرسالة لم تصل إلينا، فإن أباً هلال العسكري فقد ذكر المماثلة ضمن ما نقله عن خاله أبي أحمد العسكري، كما أن الباقلاني قد ذكرها - أيضاً - ضمن ما ذكره من فنون البديع - على هدي من تلك الرسالة - لأنه ذكر صراحة من بعضها أنه ينقل عن أبي أحمد، ونحن لا نستطيع أن ونعرف حكم أبي أحمد على (المماثلة) من حيث هي من قبيل الاستعارة أو من غيرها، لأن الباقلاني الذي ذكرها ضمن فنون البديع -على هدي من رسالة أبي أحمد - يقول: "من البديع: المماثلة وهي ضرب من الاستعارة، وذلك أن تقصد الإشارة إلى معنى، فيضع القائل ألفاظاً تدل عليه، وذلك أن المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصدت الإشارة إليه، ونظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته فكتب إليه

стр. 147

((أما بعد فإني أراد تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فاعتقد على أيهما شئت)) وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب: ((فإن فعلت ذاك وإلا أشرعت إليك الرمح)) فأجابه المهلب لا (فإن أشرع الأمير الرمح، قلبت إليه ظهر المجن .. ) ومن هذا الباب في القرآن ((وثيابك فطهر)) قال الأصمعي ((أراد البدن)). بينما نجد أبا هلال العسكري - في الصناعتين - يقول "وقال قدامه: من أمثله هذا الباب: قول الشاعر: أوردنهم صدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور قال: قد أشار إلى الفجر إشارة ظريفة بغير لفظه وليس في هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرح بذكر الصبح، وقال هو منحور بالكوكب الدري، أي صار في نحره، قم قال أبو هلال: ووضع هذا البيت في باب الاستعارة أولى منه في باب المماثلة (١). فالباقلاني الذي اهتدى برسالة أبي أحمد، يذكر أن المماثلة ضرب من الاستعارة -كما رأيت وأبو الهلال العسكري الذي لا بد أن يكون قد أطلع على رسالة حاله، لأنه نقل منها فنوناً من البديع (٢) يشير إلى أن الاستعارة غير المماثلة. ولهذا فإننا نرجح ألا يكون أبو أحمد قد صرح بأن المماثلة تغاير الاستعارة أو توافقها.

стр. 148

لأنه لو كان قد صرح بأي من الأمرين لما اختلف الناقلان عنه في فهمها لطبيعة المماثلة، ولما حاول عبد القاهر في رده على أبي أحمد أن يثبت أنها مبنية على التشبيه، لأن الاستعارة مبنية عليه - أيضاً - وإذا ما تذكرت الأصل الذي أسلفناه لك، وهو أن عبد القاهر الجرجاني قد تطور بنظرية البيان في كتابه (دلائل الإعجاز) لأن طبيعة المرحلة التي ألف فيها ((أسرار البلاغة)) كانت مغايرة لطبيعة المرحلة التي ألف فيها "دلائل الإعجاز"، لعلمت أن عبد القاهر قد صحح مفهومه عن الأمثال التي حاول في "الأسرار" أن يجعلها تشبيهاً محذوف الوجه والادادة". وغذا ما تتبعت دراسته لهذا النحو من الكلام (يعني الأمثال) لرأيته - بعد أن ميز التشبيه البليغ من الاستعارة يسلكه في عقد الاستعارة بل أنه ليذكر نفس الأمثال التي ذكرت في الأسرا. وإليك أولاً: ما قاله في التفريق بين التشبيه البليغ والاستعارة "وههنا يصل يجب ضبطه: وهو أن جعل المشبه به على ضربين: احدهما: أن تنزله منزله الشيء تذكره بأمر قد ثبت له ، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك: رأيت أسداً. والثاني أن تجعل ذلك كالآمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبه به صراحة على المشبه، فتقول "زيد أسد" وزيد هو الأسد، أو تجيء على وجه يرجع إلى هذا كقولك أن لقتيه لقيت به أسداً، وأن لقيته ليلقينك منه الأسد، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً، أو كونه الأسد وتضع كلامك له.

стр. 149

وأما في الأول: فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير والقياس يقتضى أن يقال في هذا الضرب - أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته -أنه تشبيه - على حد المبالغة - ويقتصر على هذا القدر، ولا يسمى استعارة (١). (٢) (التمثيل في الدلائل) استعارة تمثيلية: ثم أنظر كيف صحح عبد القاهر مفهومه عن الأمثال، وكيف أنه يسلكها، في عقد الاستعارة: فيقول: "وأما التمثيل الذي يكون مجازاً لمجيئك به -على حد الاستعارة فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: (أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى) فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ًويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: رأيت أسداً: (رأيت رجلاً كالأسد) ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة. وكذلك تقول للرجل يعمل غير معمل (أراد تنفخ في غير فحم) و (تخط على الماء) فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك. وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه: (ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد) فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على

стр. 150

أنه لم يزل يرفق صاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويقتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم - (فلان يقود فلاناً). يعني به: أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك فيسكن ويثبت في مكانه، حتى يتمكن من أخذه. وهذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه التمثيل، ثم لم يفصحوا به وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثلاً (١).

стр. 151

((الفصل الرابع)) (قضية البديع) ١) كلمة (البديع) وتطورها حتى عبد القاهر الجرجاني. ٢) منزلة البديع من البلاغة. أ - البديع في نظر عبد القاهر. ب - البديع في نظر الخطيب. ٣) تقسيم محسنات البديع إلى معنوية، ولفظيه: أ - من المحسنات المعنوية: (الطباق وأقسامه وبلاغته - مراعاة النظير وبلاغتها - الأرصاد وبلاغته - المشاكلة وبلاغتها المزاوجة وبلاغتها - العكس وبلاغته - التورية وبلاغتها حسن التعليل وبلاغته - تأكيد المدح بما يشبه الذم وبلاغته - تأكيد الذم بما يشبه المدح وبلاغته - مواضع التأنق في الكلام). ب - ومن المحسنات اللفظية: (الجناس وأقسامه وفروعه وبلاغته - السجع وأقسامه وفروعه وبلاغته).

стр. 152

((البديع)) قال صاحب اللسان: بدع الشيء يبدعه بدعاً بدعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه .. والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدفن بعد الإكمال، وقال أبو عدنان: المبتدع: الذي يأتي أمراً على شبه لم يكن ابتدأه إياه، وفلان بدع في هذا الأمر: أي أول، لم يسبقه أحد، ويقال: ما هو مني ببدع، وبديع، قال الاحوص: فخرت، فانتمت، فقلت: انظريني ... ليس جهل أتيته ببديع والبديع: الحدث العجيب، والبديع: المبدع، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وأحداثه إياها، والله تعالى - كما قال سبحانه - "بديع السموات والأرض". لا يقدر الحمس على جبابه إلا بطول السير وانجذابه وترك ما أبدع من ركابه وفي الحديث: أرجلاً أتى النبي ﷺ )

стр. 153

فقال: يا رسول الله: إني أبدع بي فاحملني، أي انقطع بي لكلال راحلتي .. كأنه قد جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليها من عادة السير إبداعاً، أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها" (١). وبعد: فقد رأيت أن كلمة البديع في اللغة العربية قد دارت حول معنى واحد هو: الجديد والمحدث، والمخترع. ومن هنا تستطيع أن تعرف سر تسمية هذا العلم الذي عرفه المتأخرون بأنه علم "يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رماية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة على المعنى المراد (٢). كما أنه يمكنك أيضاً - أن تضع يديك على نقطة البداية التي منها عرف "البديع" طريقه إلى أن يكون موضع قبول واستحسان، أو رد واسترذال حتى صنفت في فنونه كتب الأدب والنقد، ومن بعدها كتب البلاغة فحسب، حتى صار علماً إله خصائصه ومميزاته: ولم يكن هذا المصطلح معروفاً في العصر الجاهلي، أو في صدر الإسلام، وإنما كان وليد فترة أغرم فيها المحدثون بتتبع فنون البديع في الشعر العربي والنسج على منوالها، فأكثروا من هذه الفنون في أشعارهم حتى سموها باسم (البديع)، وذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين.

стр. 154

وكان إكثار الشعراء في هذه الفترة من ألوان البديع، وتفننهم في تزيين أشعارهم بها مدعاة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أن يقول: "والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأريت على كل لسان (١) ". على أن العرب لم تكن تفاضل بين الشعراء على أساس من (البديع) وإنما كانت تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن - كما يقول القاضي الجرجاني - بشرف المعنى وصحته - وجزالة اللفظ واستقامته. وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغرز، ولمن كثرت سوائر أمثاله، وشوارد أبياته ولم تكن تعبأ بالتجنيس، والمطابقة ولا تحفل بالإبداع (الإتيان بالبديع) والاستعارة، إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض، وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها، ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصد، فلما أفضى الشعر إلى المحدثين، ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميزها عن أخواتها، في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها، فسموه البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومتقصد ومشرط (٢). وعبارة القاضي الجرجاني هذه، على جانب كبير من الأهمية في مجال التاريخ للبديع، فقد ربطت بين المعنى اللغوي الذي أوردناه لكلمة

стр. 155

(البديع)، وهو الجديد والمحدث والمخترع، وبين المعنى الذي قصده العلماء الذين كان لهم قصب السبق في التأليف في ميدانه. فلم تكن العرب تعرف هذه التسمية لوجوه تحسين الكلام، لا في العصر الجاهلي، ولا في عصر صدر الإسلام، بل أنها لم تكن تحفل بالبديع ولا تهتم به، لأن أساس المفاضلة بين الشعراء لم يكن باستعمال البديع وإنما كان بحسن الإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، وغزارة البديهة، وكثرة الأمثال السائرة، ولكن المحدثين من أمثال بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس هم الذين جروا وراء الأبيات التي كانت تحمل ألواناً من ألوان البديع، وتكلفوا شعراً على منوالها، وسموه بهذا الاسم. وفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري: عنيت طائفة المتفلسفة بشؤون البلاغة، متأثرة بكثرة ما نقل عن اليونان من فلسفة، مما جعل الكثيرين منهم يتخذون معايير البلاغة اليونانية أساساً في تقويم الشعر العربي، ولكن البحتري قد جأر بالشكور منهم قائلاً: كلفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغني عن صدقه كذبه لم يكن ذو القروح يلهج بالمنطق، ما نوعه، وما سببه! وناصر البحتري أصحاب البلاغة العربية الخالصة، ومضى يقول الشعر متبعاً خطى الأقدمين، ومتأثر في الوقت نفسه - بطريقة أبي تمام، وهي الطريقة التي كانت تحفى بمحسنات البديع، والفلسفة

стр. 156

والفكر العميق، ولكنه لم يستسغ إغراق الشعر في الفلسفة، أو التعمق في استخراج المعاني، كما كان يصنع أبو تمام، ولم يكن كذلك يكثر من استخدام البديع كما كان يكثر أبو تمام. وبهذا ظهر البحتري ممثلاً لمذهب القدماء في الشعر، كما ظهر أبو تمام ممثلاً لمذهب المجددين فيه. وقد تعرض أبو تمام لحملات عنيفة من اللغويين المحافظين، وأصحاب البلاغة العربية الخالصة. وها هو عبد الله بن المعتز يتجرد - في سنة ٢٧٤ هـ - للدفاع عن اللغويين، والرد على المتفلسفة، بتأليف كتابه: (البديع) معلناً غايته منذ السطور الأولى من كتابه، وهي: أن يثبت للمحدثين ممن يجرون وراء الفلسفة، ويتكلفون استخدام البديع، أنهم لم يخترعوا البديع الذين يلهجون به، فيقول: "قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة، وأحاديث الرسول ﷺ وسلم - وكلام الصحابة، والإعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين، ، من الكلام الذي سماه المحدثون (البديع) ليعلم أن بشاراً، ومسلماً، وأبا نواس، ومن تقيلهم، وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكن كنز في أشعارهم، فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه، ثم أن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرغ عليه، وأكثر بنيه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض،

стр. 157

وتلك عقبى الإفراط، ونمرة الإسراف، وإنما كان يقول الشاعر في هذا الفن: البيت أو البيتين في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت "بديع"، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادراً، ويزداد خطوة بين الكلام المرسل (١). وعلى هذا فإن أول من وضع هذا الاسم المحسنات الكلام إنما هو عبد الله بن المعتز، بتصنيفه كتاب (البديع)، وهو - وإن لم يقصد بهذه التسمية ما قصده المتأخرون من البلاغيين -كالخطيب القزويني - إذا جعلها شاملة للجديد والمخترع -إلا أنه جعل أنواع البديع خمسة، وهي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد الإعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي ثم أتبعها بذكر بعض محاسن الكلام والشعر، فعد منها ثلاثة عشر نوعاً. على أن عبد الله بن المعتز -وإن لم يكن مقصده من كتابه هو وضع المعيار الحقيقي للشاعر في نظمه، أو الأديب في نثره، بل كان مقصده، هو الرد على من يلهجون باستخدام البديع أنه أصيل في اللغة العربية - إلا أنه كان شاعراً حساساً، يعرف ما الفنون البديع من أثر في نفوس السامعين، ولكنه -في الوقت نفسه - كان يعيب الإكثار منها، والإفراط في تتبعها، ويفهم من هذا: أن معيار الجودة عنده: إنما هو بحسن موقع هذه الألوان البديعية موقعها من الكلام، وإنما

стр. 158

يكون ذلك إذا جاءت مناسبة لمكانها من الجملة أو البيت، دون عمد أو قصد من الأديب أو الشاعر. وإنما كان أصحاب البلاغة العربية الخالصة قد وجدوا في عبد الله بن المعتز مدافعاً عن مذهبهم وطريقتهم، فلقد وجد المتفلسفة ممن يجرون وراء معايير البلاغة اليونانية في قدامه بين جعفر المتوفي سنة ٣٣٧ هـ مؤيدا لذهبهم ومدافعاً عن طريقتهم: فقد تجرد هو الآخر لتأليف كتابه "نقد الشعر" مبيناً في أول صفحة من كتابه: أنه لم يجد أحداً وضع في نقد الشعر، وتخليص جيده من رديئة كتاباً، وأنه قد وجد الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، وقليلاً ما يصيبون وكأنه بهذا يقول: أن نقد الشعر علم لم يستطع فهمه أحد من قبله، لأنه لا يكفي -في نقد الشعر - أن تورد ألواناً من فنون البديع، مستدلاً على وجودها في الشعر الجاهلي والإسلامي، والقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة وكلام الصحابة، وإنما النقد الحقيقي للشعر هو: أن تميز جيده من رديئة. ولهذا فإنه قد ذكر هدفه من تأليف كتابه، وهو: ذكر أسباب الجودة وأحوالها، ليكون ما يوجد من الشعر قد اجتمعت فيه الأوصاف المجمودة كلها، وخلا من الخلا المذمومة بأسرها، يسمى شعراً في غاية الجودة، ربما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعراً في غاية الرداءة، وما يجتمع فيه من المحاليين أسباب ينزل له اسم بحسب قرية من الجيد ومن الرديء، أو وقوفه في الوسط الذي يقال لما كان فيه:

стр. 159

صالح، أو متوسط، أو لا جيد، ولا رديء (١). وفي القرن الرابع الهجري نجد عصر الموازنة بين الشعراء، والتوسط بينهم وبين خصومهم، ومن الكتب التي اهتمت بالبديع في ذلك الفترة: كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي سنة ٣٩٢ هـ، وقد سرد القاضي الجرجاني في هذا الكتاب ألوان البديع التي كانت دائرة حتى عصره، وهي: التجنيس، والمطابقة، وجمع الأوصاف، والتقفيه، والترصيع. غير أن القاضي الجرجاني لم يورد هذه الألوان البديعية لأنه يجعلها من معاييره البلاغية والنقدية في وساطته بين المتنبي وخصومه، وإنما أوردها ليبين أنها من ألوان الصنعة التي أُغرم بها المحدثون، كأبي تمام -فأكثروا منها، فباعدت بينهم وبين طبعهم، فلم يسترسلوا له. ذلك بأنه - في وساطته - لا يؤلف كتاباً في البديع، فذلك له مجال آخر وتعهد به القاضي الجرجاني، ولا ندري: أو في بعهده أم لا؟ ، فقد قال - بعد أن أورد هذه الفنون -: "ولنا في استيفاء هذا الكلام وتحديد هذه إلا ضرب قول "سنفرد له كتاباً يحتمل استعصاؤه فيه "وإنما ذكر ما ذكر من ألوان البديع توطئه لما يذكره على

стр. 160

أثره وتدريجاً إلى ما بعده ليكون كالشاهد المقبول قوله، وبمنزلة المسلم أمره. والدليل على أن القاضي الجرجاني لم يكن يعجب بألوان البديع إعجابه بالاسترسال للطبع: أنه قارن بين أبيات في الغزل لأبي تمام، قد ملأها بألوان البديع والصنعة، من طباق وجناس، واستعارة، وبين أبيات لإعرابي قد استرسل لطبعه، وجرى على سجيته، فلم يحفل بإبداع أو صنعه، ففضل قول الإعرابي على قول أبي تمام. على أننا نجد بعض الأدباء في القرن الخامس الهجري ينصرف إلى تقنين البلاغة وتفريع ألوان البديع، كأبي هلال العسكري المتوفي سنة ٣١٥ في كتابة: (الصناعتين) وابن رشيق القيرواني المتوفي سنة ٤٦٣ هـ في كتابة و"العمدة في صناعتا لشغر ونقده". أما أبو هلال فقد استقصى فنون البديع التي سجلها النقاد من قبله: وذكر أن فنون البديع خمسة وثلاثون فناً، وأنه زاد على ما أورده السابقون ستة فنون، والتقى بعبد الله بن المعتز في عشرة فنون هي: الاستعارة، والتطبيق أو الطباق، والتجنيس أو الجناس، والكناية والتعريض، ورد الإعجاز على الصدور، والالتفات، والاعتراض، والرجوع وتجاهل المعارف، والمذهب الكلامي، والتقى بقدامة في اثنى عشر فناً، هي: المقابلة، وصحة التقسمي، وصحة التفسير، والإشارة، والأرداف والتوابع، والغلو، والمبالغة، والعكس والتبديل، والترصيع، والإيغال

стр. 161

والتوشيع، والتكسيل، والتقسيم. أما الستة التي وضعها فهي: التشطير، والمجاورة، والاستشهاد، والاحتجاج، والمضاعفة، والتطلف، والتطريز. وتبقى سبعة فنون لم يذكر لها أصلاً ويبدو أنه نقلها من رسالة خاله أبي أحمد السكري "صناعة الشعر"، وتلك الفنون هي السائلة، والتذييل، والاستطراد، وجمع المؤتلف والمختلف، والسلب والإيجاب والاستثناء، والتعطف. على أن الفنون الستة التي ذكر أنه قد اكتشفها وسماها بأسمائها لم تجد لها مجالاً في ميدان البديع، ومن ثم فإن صنيعه هذا لا يعد اكتشافاً، ولا يرقى إلى درجة الابتكار. غير أن التطريز -وهو أن يقع في أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية في الوزن، فيكون فيها كالطراز للثوب كما في قول أحمد بن طاهر: إذا أبو قاسم جاءت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر وإن اضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النير: الشمس والمقر! وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر! من لم يكن حذراً من حد صولته ... لم يدر المزعجان: الخوف والحذر!

стр. 162

فهو ما يمكن أن نجد له مكاناً بين المحسنات البديعية الأخرى (١). وأما أصحاب العمدة، فإنه قد تحدث هو الآخر من خلال كتابه عن فنون البديع، وأضاف إليها أربعة، هي: "الاتساع" و"الاطراد"، و"نفي الشيء بإيجابه" و"التفريغ". وهكذا تعددت فنون البديع وتفرعت -قبل عبد القاهر الجرجاني - ولم يكن القصد من تنويعها أو تفريعها في الغالب -هو الحكم على النصوص الأدبية بالجودة أو الرداءة - كما هو الحال عند الامدي والقاضي الجرجاني - وإنما كان الغرض هو إظهار مدى ما للمؤلفين من قدرة على اكتشاف الألوان البديعة المتناثرة بين ثنايا النصوص الأدبية - كما هو الحال عند أبي هلال وابن رشيق -.

стр. 163

((منزلة البيع من البلاغة)) عرفت مما أسلفنا لك: أن البديع - في أصل تسميته - لم يكن هو المحسن، وإنما كان الجديد المحدث المخترع، وأنه إنما سمى بذلك لأن الشعراء المجددين أغرسوا بالأبيات التي تحمله، فاتبعوها ونسجوا على منوالها. وقد عرفت أيضاً، أن أول من ألت في البديع وهو ابن المعتز قد جمع هذه الفنون التي شملت ما هو محسن في نظر المتأخرين، وما هو من صميم علمي المعاني والبيان كما أن غيره من ألفوا في البلاغة قد جمعوا هذه الفنون على أنها هي البلاغة نفسها، والتي أرجعوا إليها مزية البلاغة -كالرماني - أو ارجعوا إليها مزية البلاغة، والحسن جميعاً كأبي هلال العسكري، وابن رشيق القيرواني. ولهذا، فإنه ليس بمعقول أن ينحي البديع عن البلاغة -كما فعل الخطيب القزويني، إذا جعله تابعاً لعلمي المعاني والبيان، لا يقصد لذاته، ولا يؤم لنفسه - ولهذا - أيضاً - فإنك سترى عبد القاهر الجرجاني، يضع البديع في موضعه الصحيح من البلاغة، فلا يفرده عنها، ولا يجعل حسنه تابعاً، وإنما يجعل هذا الحسن من صميم العنى:

стр. 164

نظرة عبد القاهر الجرجاني إلى البديع: وضع عبد القاهر الجرجاني (البديع) موضعه الحقيقي من علم البلاغة: فقد جعل بعض فنونه -كالمزاوجة، والتقسيم، والعكس، من النمط الأعلى من النظم، وقد علمت أن النظم هو أساس البلاغة التي تفرعت منهتاً مسائل علم المعاني، وصور البيان، وقيم الجمال البلاغي: المعنوية منها واللفظية - على حد سواء - وقد كانت ألوان البديع حتى عصر عبد القاهر الجرجاني داخلة في إطار علم البيان، من حيث الدراسة والتصنيف، بل أن بعض صور البيان -كالاستعارة والتمثيل - كانت معدودة -من قبله - في فنون البديع. على أن عبد القاهر الجرجاني لم يكن يجعل البديع علماً مستقلاً، بل أنه لم يكن يجعل فنون البديع إلا صوراً من صور البيان، ندخل في إطار نظرية النظم مثلما تدخل صور البيان، ولهذا فإنه يسلك المزاوجة، والعكس، والتقسيم، والسجع، والاستعارة، والتشبيه في عقد النظم، ويجعلها من النظم الذي يتحد في الوضع، ويدق فيه المصنع، بل أنه ليمتدحه بأنه النمط العالي، والباب الأعظم، والذي لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمة فيه" (١).

стр. 165

ومما هو أصل في أن يدي النظر، وبغض المسلك في توخي المعاني: أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني، يضع ببينه في حال ما يضع بيساره هناك، وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين: فمن المزاوجة قول البحتري: إذا ما نهى الناهي، فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر ومن العكس قول سليمان بن داود القضاعي: فبينا المرء في علياء أهوى ... ومنحط أتيح له اعتلاء وبينا نعمة إذ حال بؤس ... وبؤس إذ تعقبه ثراء ومن التمثيل قول كثير عزة: وأني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت: لكالمرتجي ظل الغمامة، كلما ... تبوأ منها للمقبل اضمحلت ومن التقسيم - وخصوصاً إذا قسمت ثم جمعت - قول حسان بن ثابت: قوم غذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشباعهم نفعوا

стр. 166

سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق -فاعلم - شرها البدع ومن تشبيه شيئين بشيئين: قول الفردزق: والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصبح بجانبيه نهار على أنه من الكلام ما لا يحتاج إلى فكر وروية لينتظم، بل أنه لا يحتاج إلى أكثر من أن تضم بعضه إلى بعض، صنيع من يعمد إلى لآلئ لينظمها في سلك حتى يمنعها من التفرق، كما في قول النابغة في الثناء السجوع: "أيفا خرك الملك اللخمي"؟ فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولا خصمك خير من رأسه، ولخطؤك خير من صوابه، ولعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه" (١). وهكذا يسلك عبد القاهر الجرجاني فنون البديع في عقد النظم، ولهذا: فإن المزية فيها إنما هي بحسب المعاني التي وضعت لها، والأغراض التي دعت إليها، فليس لسهولة الألفاظ فيها، وسلامتها مما يثقل على اللسان اعتداد حتى يكون قد ألف منها كلام، ثم كان ذلك الكلام صحيحاً في نظمه، والغرض الذي أريد به" (٢).

стр. 167

ولهذا نعم العلماء من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، كالذي صنع أبو تمام في قوله: ذهبت بمذهبه السماحة، والتوت فيه الظنون: أمذهب أم مذهب؟ فإذا ما نظرت إلى تجنيسه في: (أمذهب أم مذهب؟ ) فاستضعفته، وإلى تجنيس من قال: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني فاستحسنته، لم تشك بحال في أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللفظ، ولكن: لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني، وذلك لأنك رأيت أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفاً مكرره، لا تجد لها فائدة -وإن وجدت - إلا مكلفاً متحملة، ورأيت الأخر قد أعاد عليك للفظه كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفاها: ولهذه النكتة كان التجنيس -وخصوصاً المستوفي منه (١). فعبد القاهر الجرجاني لا يعتبر فنون البديع علماً مستقلاً، لأنه لم يفردها بالذكر، وإنما يدخلها في باب النمط العالي من النظم الذي

стр. 168

لا تجد سلطان المزية يعظم في شيء كعظمة فيه، ولا يجعل حسنها عرضياً، بل جعله حسناً ذاتياً، لأن الجناس والسجع وغيرهما مما يظن أن الحسن فيه راجع إلى اللفظ، كل ذلك حسنه راجع إلى المعنى، لأنه لا يحسن إلا غذا كان المعنى هو الذي قد طلبه. فالبديع عند عبد القاهر الجرجاني إنما هو في أكرم مكان من البلاغة وأرفعه. البديع في نظر السكاكي: لم يعرض السكاكي لألوان البديع على أنها عدم "مستفل" عن علمي كالمعاني والبيان، بل عرض لها على أنها تشارك مسائل العلمين في تزيين الكلام بأبهى الحلل والوصول به إلى أعلى درجات التحسين. على أنه لم يشر إلى أن هناك فرقاً بين هذه الألوان وبين غيرها من مباحث هذين العلمي، بل أنه ليذكر ضمن هذه الألوان: الالتفات، والإيجاز والأطناب، وينبه القارئ إلى أنها قد سلفت في علم المعاني. على أن صنيع السكاكي بوضعه فنون البديع في هذا الموضع الذي - أشرنا إليه، له ما يبرره عنده؟ ذلك لأنه عندما عرف علم المعاني بأنه "تتبع خواص تراكيب الكلام

стр. 169

في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره: ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره "وعرف علم البيان بأنه "معرفة إيراد المعنى على كلام ما يقتضى الحال ذكره "وعرف علم البيان بأنه "معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، والنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه "ثم حصر علم المعاني في مسائلة التي عرض لها وكذلك حصر علم البيان، هذا الحصر بعد هذا التحديد للعلمين جعل هذه المحسنات البديعية لا تندرج ضمن مسائل العلمين، ولما كان تعريفه البلاغة بقوله: "هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفيه خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه، والمجاز، والكناية على وجهها "شاملاً لهذه المحسنات جعلها متضافرة مع مسائل العلمين في البلوغ بالكلام إلى أعلى درجات التحسين والتزيين. ولهذا فإنه بعد أن انتهى من علمي المعاني والبيان قال (١): "وإذا تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حلة التزيين، وبرقية أعلى درجات التحسين، فها هنا وجوه مخصوصة كثيراً ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، فلا علينا أن نشير إلى الأعرف منها، وهي قسمان: قسم يرجع إلى المعنى وقسيم يرجع إلى اللفظ".

стр. 170

وكأن السكاكي بصنيعه هذا يشير إلى أن من هذه المحسنا ما يمكن رجوعه إلى علم المعاني، كالطباق ونحوه، ومنها ما يمكن أن يرجع إلى مسائل البيان كالمشاكلة ونحوها. ويمكن أن يقال -أيضاً: أن السكاكي بعد أن انتهى من علمي المعاني والبيان، عرض لتعريف البلاغة والفصاحة وهما من قبيل المقدمات لهذين العلمين - ولا ينفي عنهما هذا الاسم تأخير السكاكي لهما ووضعهما في ذيلهما - ثم ضم إليهما هذه المحسنات. وهذا الصنيع من السكاكي، يشير إلى أن محسنات البديع -عنده - من قبيل المقدمات التي لا بد منها لطالب على المعاني والبيان (١). البديع في نظر الخطيب القزويني: خدعت طريقة السكاكي -التي أسلفناها لك في عرضه لفنون البديع - الخطيب القزويني، فراح يجعل فنون البديع علماً مستقلاً عن علمي المعاني والبيان، مع أن البديع قد خالط العلمين منذ بداية التأليف في البلاغة حتى عصر الخطيب القزويني. وليس هذا فحسب، بل أنه قضى على ألوان البديع بأن تكون "حلي مزينة، تكسو الكلام بهجة، بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدلالة، وانهما

стр. 171

عرضية ليست بالذاتية (١) "، فكان بهذا العمل أول الجانبين على البديع ممن ألفوا في البلاغة نوضعه هذا الوضع الشائن البغيض. يقول الخطيب القزويني في تعريفه لعلم البديع: "هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال، ووضوح الدلالة (٢) ".

стр. 172

تقسيم محسنات البديع: قسم السكاكي محسنات البديع إلى قسمين: قسم يرجع إلى المعنى، وقسم يرجع إلى الألفاظ، وتابعه الخطيب القزويني في هذا التقسيم: فقال بعد أن عرف علم البديع بأنه "علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة " -: وهذه الوجوه ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى، وضرب يرجع إلى اللفظ. وليس معنى هذا أن القسم الأول أنما هو تحسين للمعنى فحسب، وإن الثاني إنما هو تحسين للفظ فحسب، ولكن المقصود بهذا التقسيم: أن القسم الأول منه - وهو المعنوي - إنما تحسينه يرجع إلى المعنى أولاً وبالذات، وأن تبع ذلك تحسين للفظ كما في المشاكلة، لما فيها من إبهام المجانسة اللفظية وأن القسم التالي منه -وهو اللفظي - إنما تحسينه يرجع إلى اللفظ أولاً وبالذات وأن نبع ذلك تحسين للمعنى (١). وقد رأيت أن عبد القاهر الجرجاني قد رأى أن الحسن لا يمكن أن يكون للفظ في حد ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى أن ما يتوهم فيه في يد "الفكرة في حد ذاته من غير نظر إلى المعنى، حتى أن ما يتوهم فيه في بد "الفكرة أن الحسن لا يتعدى فيه النفط والجرس، كالتجنيس موقع معنييهما من العقل جسداً، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً،

стр. 173

ولهذا استقبح في قول أبي تمام: ذهبت بمذهبه السماحة والتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب؟ واستحسن في قول أبي الفتاح البستي: ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني لأنه في الأول لم يزدك على أن أسمعك حروفاً مكررة، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، وفي الثاني أعاد عليك للفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها؟ وإنما قدم المعنوي على اللفظي: لأن المقصود الأصلي هو المعاني، والألفاظ توابع وقوالب لها، ولهذا قالوا: لولا المعاني ما كانت الألفاظ، ولم يقولوا: لولا الألفاظ ما كانت المعاني (١). فمن المحسنات المعنوية: ١) الطباق: ويسمى المطابقة -أيضاً - وهي - في اللغة -: الموافقة والطباق في اصطلاح البلاغيين:

стр. 174

هو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة. وهذا التقابل أن يكون بلفظين من نوع واحد، كأن يكونا: أسمين، أو فعلين، أو حرفين، وأما أن يكون بلفظين من نوعين مختلفين. فمثال الطباق بلفظين من نوع واحد - وهما أسمان - قول الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ فقط طابق بين "أيقاظ" و "رقو" وهو أسمان. ومثال الطابق بلفظين من نوع واحد وهما فعلان -: قول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، فقط طابق بين (تؤتي) و (تنزع) كما أنه قد طابق بين (تعز) و (تذل). وقول النبي ﷺ : "أنكم لتكثرون عن الفزع، وتقلون عند الطمع"، فقد طابق بين (تكثرون) و (تقلون). وقول أبي صخر الهذلي (١): أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

стр. 175

فقد طابق بين (أبكى) و (أضحك) كما أنه قد طابق بين (أمات) و (أحيا). وقول بشار بن برد: إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم فقد طابق بين (نبه) و (نم) كما أنه قد طابق بين: أيقظتك ونم - وإن كان الفعلان الأخران مختلفين، فأولهما ماض، وثانيهما: أمر. ومثال الطباق بلفظين من نوع واحد -وهما حرفان: قول الله تعالى: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" فقد طابق هنا بين لام الملك المؤذن بالانتفاع، وبين (علي) التي للاستعلاء المؤذن بالتحمل والضرر. وقول الشاعر: على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لأعلى، ولا ليا فقد طابق هنا بين قوله (علي) وقوله (ليا)، والمعنى: أنه تحمل الهوى وقاسي منه العذاب، وقد كان هذا موجباً لمدحه لا لذمه، ولكنه مع كل هذا فإنه راس بأن يخلص منه، وليس عليه ذم، ولا له مدح.

стр. 176

وأما الطباق بلفظين من نوعين مختلفين: فمثاله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي ضالاً فهديناه، فقد طابق هنا بين (ميتاً) و (أحييناه) وهما من نوعين مختلفين، إذ (ميتا) اسم أما (أحيينا) ففعل ماض. وقول طفيل بن عوف الغنوي: بساهم الوجه لم تقطع أبا جله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول وساهم الوجه: أي متعيره من كثرة الجري، صفة لفرسه، والأباجل جميع أبجل، وهو عرق الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان: وهو عرق في اليد يفصد ويوم الروع: أي الفزع، وهو يقصد الحرب، أي أنه يخرج إلى الحرب بفرس قوي من شأنه أن يصان، ولكنه مبذول يوم الروع. فقد طابق هنا بين (يصان) و (مبذول) وهما من نوعين مختلفتين، فالأول فعل مبني للمجهول، والثاني: اسم مفعول على أن الطباق قد يكون ظاهراً كالذي أسلفناه لك، وقد يكون خفياً، كما في قوله تعالى: "مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً"، فقد طابق هنا بين (اغرقوا) وبين (أدخلوا ناراً). وقول أبي تمام: مهما الوحش إلا أن هاتا أو أنس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل

стр. 177

(مها الوحش) جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية (هاتا) يعني هذه (قنا الخط) القنا جمع قناة وهي الرمح، والخط موضع باليمامة تصنع فيه الرماح وتنسب إليه الرماح المستقيمة. والشاعر يمدح نسوة فيقول: هنا كمها الوحش في سعة العين وسوادها وأهدابها إلا أنهن أو أنس ومها الوحش نوافر، وهن كقنا الخط في طول القدر استقامته إلا أن تلك القنا ذوابل وهذه النسوة نواضر. فقد طابق هنا بين (هاتا) و (تلك)، لأن هاتا اسم إشارة للقريب، وتلك اسم إشارة للبعيد. وللطباق تقسيم آخر: -بحسب الإثبات والنفي، أو الأمر والنهي - وهو بهذا الاعتبار قسمان: طباق الإيجاب: وأمثلته: ما تقدم لك من أمثلة. وطباق السلب: وهو: أن (أن تجمع بين فعلي مصدر واحد، احدهما مثبت، والآخر منفي، أو احدهما أمر والأخر نهي). فمثال الجمع بين المثبت والمنفي: قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

стр. 178

فقد طابق هنا بني (لا يعلمون) وهو فعل منفي، وبين (يعلمون) وهو فعل مثبت. وقول الشاعر: وننكر - إن شئنا - على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول فقد طابق هنا بين (ننكر) وهو فعل مثبت، وبين (لا ينكرون) وهو فعل منفي. وقول البحتري: يقيض لي من حيث لا أعلم - النوى ... وبشرى إلى الشوق من حيث أعلم يقيض بمعنى: يهيأ، والنوى: الفراق، والمعنى، أنه يهيأ له الفرق من حيث لا يعلم أسبابه، لأن محبوبته تهجره بلا أسباب، ولكن الشوق يسري إليه من حيث يعلم أسبابه، لأن هذه الأسباب إنما هي حبة لمحبوبته. وقد طابق هنا بين لا أعلم) وهو فعل منفي وبين (أعلم) وهو فعل مثبت.

стр. 179

ومثال الجمع بين الأمر والنهي: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، فقد طابق هنا بين (لا تخشو) وهو نهي عن خشية الناس، وبين (اخشون) وهو أمر بخشية الله تعالى. ومن الطباق نوع يسمى تدبيحاً: وهو: أن يذكر في معنى - كالمدح أو غيره - ألوان بقصد الكناية، أو التورية، أما تدبيح الكناية: فكقول أبي تمام - من قصيدة في رثاء محمد بن حميد: تردي ثياب الموت حمراً؛ فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر ومعنى: تردي ثياب الموت: أي اتخذها رداء، والمراد بثياب الموت: ما كان يلبسه وهو يحارب، وغنما كان حراً لأنها أحمرت بدر القتلى، والسندس: رقيق الحرير، والأول كناية عن القتل، والثاني كناية عن دخول الجنة، وقد طابق بين (حمرا) و (خضر). وقول ابن حيوس: إن قرد علم حالهم عن يقين فالقهم يوم نائل أو نزال تلق ببيض الوجوه، سود مثار النقع، خضر الأكناف، حمر النصال. والنائل هو: العطاء، النزال بمعنى القتال، ومثار النقع منتشر الغبار، ويقصد عبار الحرب، والأكناف، جمع كنف وهو الجانب

стр. 180

وخضرتها: كناية عن سواد دروعها، لأن العرب تسمي الضارب إلى السواد أخضر، وحمر النصال: كناية عن قتل الأعداء بها، وقوله: بيض الوجوه كناية عن كرمهم، وما بعده كناية عن شجاعتهم. وأما تدبيج التورية: فكقول الحريري: "قد أزور المحبوب الأصفر، وأغبر العيش الأخضر، وأسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثي لي العدو الأزرق، فيا حبذا الموت الأحمر". ففي قوله: "أزور المحبوب الأصفر" تورية بالذهب. هذا: ويلحق بالطباق أمران: أولهما: أن يجمع بين معنيين لا يتنافيان في ذاتهما ، ولكن يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر بسببه، أو لزومه، أو نحوهما: نحو قول الله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" وذلك لأن الشدة لا تقابل الرحمة وإنما تقال اللين الذي هو سبب في الرحمة. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِي وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك لأن السكون لا يقابل ابتغاء الفضل، وإنما يقابل الحركة اللازمة لابتغاء الفضل، وقد عدل عن لفظ الحركة، لأن الحركة نوعان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، وقد قصدت الحركة الأولى، ولم تقصد الثانية.
следующие страницы →