وأما الطباق بلفظين من نوعين مختلفين: فمثاله قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي ضالاً فهديناه، فقد طابق هنا بين (ميتاً) و (أحييناه) وهما من نوعين مختلفين، إذ (ميتا) اسم أما (أحيينا) ففعل ماض.
وقول طفيل بن عوف الغنوي:
بساهم الوجه لم تقطع أبا جله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول
وساهم الوجه: أي متعيره من كثرة الجري، صفة لفرسه، والأباجل جميع أبجل، وهو عرق الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان: وهو عرق في اليد يفصد ويوم الروع: أي الفزع، وهو يقصد الحرب، أي أنه يخرج إلى الحرب بفرس قوي من شأنه أن يصان، ولكنه مبذول يوم الروع.
فقد طابق هنا بين (يصان) و (مبذول) وهما من نوعين مختلفتين، فالأول فعل مبني للمجهول، والثاني: اسم مفعول على أن الطباق قد يكون ظاهراً كالذي أسلفناه لك، وقد يكون خفياً، كما في قوله تعالى: "مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً"، فقد طابق هنا بين (اغرقوا) وبين (أدخلوا ناراً).
وقول أبي تمام:
مهما الوحش إلا أن هاتا أو أنس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
стр. 177
(مها الوحش) جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية (هاتا) يعني هذه (قنا الخط) القنا جمع قناة وهي الرمح، والخط موضع باليمامة تصنع فيه الرماح وتنسب إليه الرماح المستقيمة.
والشاعر يمدح نسوة فيقول: هنا كمها الوحش في سعة العين وسوادها وأهدابها إلا أنهن أو أنس ومها الوحش نوافر، وهن كقنا الخط في طول القدر استقامته إلا أن تلك القنا ذوابل وهذه النسوة نواضر.
فقد طابق هنا بين (هاتا) و (تلك)، لأن هاتا اسم إشارة للقريب، وتلك اسم إشارة للبعيد.
وللطباق تقسيم آخر: -بحسب الإثبات والنفي، أو الأمر والنهي - وهو بهذا الاعتبار قسمان:
طباق الإيجاب: وأمثلته: ما تقدم لك من أمثلة.
وطباق السلب: وهو: أن (أن تجمع بين فعلي مصدر واحد، احدهما مثبت، والآخر منفي، أو احدهما أمر والأخر نهي).
فمثال الجمع بين المثبت والمنفي: قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
стр. 178
فقد طابق هنا بني (لا يعلمون) وهو فعل منفي، وبين (يعلمون) وهو فعل مثبت.
وقول الشاعر:
وننكر - إن شئنا - على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
فقد طابق هنا بين (ننكر) وهو فعل مثبت، وبين (لا ينكرون) وهو فعل منفي.
وقول البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم - النوى ... وبشرى إلى الشوق من حيث أعلم
يقيض بمعنى: يهيأ، والنوى: الفراق، والمعنى، أنه يهيأ له الفرق من حيث لا يعلم أسبابه، لأن محبوبته تهجره بلا أسباب، ولكن الشوق يسري إليه من حيث يعلم أسبابه، لأن هذه الأسباب إنما هي حبة لمحبوبته.
وقد طابق هنا بين لا أعلم) وهو فعل منفي وبين (أعلم) وهو فعل مثبت.
стр. 179
ومثال الجمع بين الأمر والنهي: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، فقد طابق هنا بين (لا تخشو) وهو نهي عن خشية الناس، وبين (اخشون) وهو أمر بخشية الله تعالى.
ومن الطباق نوع يسمى تدبيحاً: وهو: أن يذكر في معنى - كالمدح أو غيره - ألوان بقصد الكناية، أو التورية، أما تدبيح الكناية: فكقول أبي تمام - من قصيدة في رثاء محمد بن حميد:
تردي ثياب الموت حمراً؛ فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
ومعنى: تردي ثياب الموت: أي اتخذها رداء، والمراد بثياب الموت: ما كان يلبسه وهو يحارب، وغنما كان حراً لأنها أحمرت بدر القتلى، والسندس: رقيق الحرير، والأول كناية عن القتل، والثاني كناية عن دخول الجنة، وقد طابق بين (حمرا) و (خضر).
وقول ابن حيوس:
إن قرد علم حالهم عن يقين فالقهم يوم نائل أو نزال
تلق ببيض الوجوه، سود مثار النقع، خضر الأكناف، حمر النصال.
والنائل هو: العطاء، النزال بمعنى القتال، ومثار النقع منتشر الغبار، ويقصد عبار الحرب، والأكناف، جمع كنف وهو الجانب
стр. 180
وخضرتها: كناية عن سواد دروعها، لأن العرب تسمي الضارب إلى السواد أخضر، وحمر النصال: كناية عن قتل الأعداء بها، وقوله: بيض الوجوه كناية عن كرمهم، وما بعده كناية عن شجاعتهم.
وأما تدبيج التورية: فكقول الحريري: "قد أزور المحبوب الأصفر، وأغبر العيش الأخضر، وأسود يومي الأبيض وابيض فودي الأسود حتى رثي لي العدو الأزرق، فيا حبذا الموت الأحمر".
ففي قوله: "أزور المحبوب الأصفر" تورية بالذهب.
هذا: ويلحق بالطباق أمران:
أولهما: أن يجمع بين معنيين لا يتنافيان في ذاتهما ، ولكن يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر بسببه، أو لزومه، أو نحوهما: نحو قول الله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" وذلك لأن الشدة لا تقابل الرحمة وإنما تقال اللين الذي هو سبب في الرحمة.
ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِي وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك لأن السكون لا يقابل ابتغاء الفضل، وإنما يقابل الحركة اللازمة لابتغاء الفضل، وقد عدل عن لفظ الحركة، لأن الحركة نوعان: حركة لمصلحة، وحركة لمفسدة، وقد قصدت الحركة الأولى، ولم تقصد الثانية.
стр. 181
ومن فاسد هذا النوع: قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب، أو إساءة مجرم؟
وذلك لأن ضد المحب: هو المبغض، ولكن المجرم قد لا يكون مبغضاً.
وثانيهما: ما يسمى إبهام التضاد: وهو: أن يجمع بين معنيين غير متقابلين، ولكن غير عنهما بلفظين متقابلين في معنييهما الحقيقيين وذلك كقول دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى!
استعار الضحك للمشيب برأسه استعارة تبعية، لظهوره التام برأسه، لأن كلا منهما يشبه الآخر في اللون، وقد طابق بين (ضحك) و (بكى) والضحك - في البيت - لا يضاد البكاء، لأن الضحك في البيت معناه: ظهور الشيب، ولكن المعنيين الحقيقيين متضادان.
وقول أبي تمام - في الشيب -:
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع
والأبيض الناصع هو الشديد البياض، والأسود الأسفع هو الأسود إلى حمرة، وقد استعار (الأسود الأسفع) لما يحدثه منظره في نفسه من الهم والحزن، فمعناه الحقيقي هو الذي يقابل ما قبله لا المجازي.
стр. 182
وقوله أيضاً:
وتنظري خبب الركاب ينصها ... محيى القريض إلى مميت المال
وتنظري بمعنى: انتظري - والخبب: ضرب من العدو، وهو أن يتراوح الفرس في عدوه بين يديه ورجليه، بأن يقوم على أحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة. والركاب: الإبل، وقوله: ينصها: بمعنى يستحثها شديداً.
ومحيي القريض: كناية عن نفسه، ومميت المال: كناية عن الممدوح. والشاهد في البيت هو: أن المراد من (المحيى) والمراد من (المميت) في البيت غير متضادين، ولكن معنييهما الحقيقيين متضادان.
هذا، والفرق بين إيهام التضاد والتدبيج: أن إيهام التضاد يكون بطريق المجاز، أما التدبيج فإنه يكون بطريق الكناية أو التورية.
المقابلة:
والمقابلة نوع من الطباق، وهي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين، أو معان متوافقة، ثم بما يقابلها على الترتيب فمثال مقابلة اثنين باثنين: قول الله تعالى﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ولْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴿ويقول النبي ﷺ : "أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه".
стр. 183
وقول النابغة الذبياني:
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
والمقابلة هنا بين (يسر صديقه) و (يسوء الأعاديا).
وقول الشاعر:
فواعجبا، كيف اتفقنا؟ فناصح ... وفي، ومطوى على الغل غادر
والمقابلة هنا بين (ناصح وفى) وبين (مطوى على الغل غادر).
ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة: قول أبي دلامة،
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل!
والمقابلة هنا بين (أحسن) و (أقبح) وبين (الدين) و (الكفر) وبين (الدنيا) و (الإفلاس).
وقول أبي الطيب المتنبي:
فلا الجود يغني المال، والجد مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجد مدبر
والجد: هو الحظ، وقد قابل هنا بين (الجود) و (البخل) وبين (يفنى) و (يبقى) وبين (مقبل) و (مدبر).
стр. 184
ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى (٥) وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى (٨) وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
فقد قابل هنا بين كل من (أعطى) و (بخل)، (اتقى) و (استغنى)، لأن معنى استغنى: أنه زهد فيما عند الله، فلم يتق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة فلم يتق. وبين (صدق) و (كذب) وبين (اليسرى) و (العسرى).
مثال مقابلة خمسة بخمسة: قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
فقد قابل بين (أزورهم) و (أنثنى) وبين (سواد) و (بياض) وبين (الليل) و (الصبح) وبين (يشفع) و (يغرى) وبين (لي و (بي).
على أنهم قد رجحوا بيت أبي الطيب الآنف الذكر، على بيت أبي دلامة الذي أسلفناه من قبل، وذلك بكثرة المقابلة فيه مع سهولة النظم، وبأن قافية أبي الطيب متمكنة بينما قافية أبي دلالمة مجلوبة لأجل الوزن. والقافية غير أنهم قالوا: أن المقابلة في بيت أبي دلامة أجود منها في بيت أبي الطيب، لأن ضد الليل هو النهار وليس الصبح.
стр. 185
ومن مقابلة ستة بستة: قول عنترة:
على رأس عبدٍ تاج عزيزينه ... وفي رجل حرٍ قيد ذلٍ يشينه
فقد قابل بين (على) و (في) وبين (رأس) و (رجل) وبين (عبد) و (حر) وبين (تاج) و (قيد) وبين (عزل) و (ذل) وبين (يزينه) و (يشينه).
على أن السكاكي قد قال في تعريف المقابلة: "أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطاً شرطت هناك ضده، كقوله تعالى: ﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى ...... ﴿الآيتين؛ لما جعل التيسير مشتركاً بين الإعطاء والإتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير مشتركاً بين أضداد تلك وهي المنع والاستغناء والتكذيب.
وبهذا لا يكون في بيت أبي دلامة مقابلة - عند السكاكي - لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، بل شرط فيهما الاجتماع أيضاً.
بلاغة الطباق والمقابلة:
يقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 186
فقد قابل في هذه الآية بين (تؤتى) و (تنزع) وبين (تعز) و (تذل)، ولما كان الغرض من هذه الآية الكريمة هو: تصوير القدرة في أوسع معانيها، وبيان السلطان في أشمل مظاهره وأكملها، فإن ذلك لا يتم إلا بالجمع بين الضدين، والحكم بأنه يقدر على الأمرين: الإيتاء أو ما في معناه، والنزع أو ما في معناه، وكذلك: الإعزاز والإذلال.
على أن ذكر المقابل لابد منه في صياغة مثل هذا الغرض، لأنه قد يقدر شخص على الإيتاء ولكنه لا يقدر على نزع، ويستطيع إنسان أن يعز، ولكنه قد يعجز عن الإذلال، ومع هذا فإنك لا تضن عليه بوصفه بالقدرة، ولكن المضنون به عليه هو الحكم له بالقدرة التامة والسلطان الشامل.
وبالإضافة إلى هذا فإن الطباق والمقابلة من الأمور الفطرية المركوزة في الطباع، والتي لهما علاقة وثيقة ببلاغة الكلام، فالضد أكثر خطوراً. بالبال عند ذكر ضده - كما يقولون -.
وقد أكمل الفخر الرازي - في نهاية الإيجاز - خطة عبد القاهر في "باب النظم الذي يتحد في الوضع" فأدرج - الطباق والمقابلة في هذا الباب، لأنهما من مقتضيات الأحوال، وموجبات الأغراض (١).
стр. 187
٢) مراعاة النظير:
وهي: "أن يجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه، بغير تضاد بينهما.
ومثاله: قول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، لأن الشمس والقمر سماويان، ولا تضاد بينهما.
وقول بعضهم للوزير المهلبي: أنت أيها الوزير: "إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق، يوسفي العفو، محمدي الخلق".
فالتناسب هنا بين (إسماعيل) و (شعيب) و (يوسف) و (محمد) لأنهم أنبياء، وبين (الوعد) و (التوفيق) و (العفو) و (الخلق) لأنها أخلاق.
وقول أسيد بن عنقاء الفزاري:
كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر.
والثريا: مجموعة من الكواكب، والشعرى: كوكب، والتناسب هنا في جمع (الثريا) و (الشعرى) و (القمر) وهي كواكب.
وفي جمعه (الجبين) و (الخد) و (الوجهة) لأنها من راد واحد.
стр. 188
وقول ابن خفاجة - في وصف فرس أشقر:
من جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس
والجلنار هو زهر الرمان، والآس هو: الريحان: أراد أن يشبه جد فرسه بالجلنار في طراوته، وأذنه بورق الآس في انتصابها.
والتناسب هنا في جمعه (الجلنار) و (الآسى) لأنهما من الزهورة وجمعه (الخد) و (الأذن) لأنهما من مكان واحد.
وقول البحتري في صفة الأبل الانضاء:
كالقسي المعطفات، بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار.
والقس جمع قوسي، والبرية المنحوتة، والأوتار جمع وتر وهو الخيط الجامع بين طرفي القوس، والإضراب ببل هنا للترقي إذ الأسهم أرق من القسى، والأوتار أرق من الأسهم، والمراد هو تشبيه الأبل المهازيل بذلك في الرقة.
والتناسب هنا بين (القسى) و (الأسهم) و (الأوتار) وهي أدوات الحرب.
وقول ابن رشيق القيرواني يمدح أبا علي تميماً بن المعز بن باديس:
أصح وأقوى ما سمعناه ي الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم.
стр. 189
أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم!
والحيا: هو المطر، وقد ناسب هنا بين (الصحة) و (القوة)، و (السماع) و (الخير المأثور) و (الأحاديث) و (الرواية) ثم ناسب بين (السيل) و (الحيا) و (البحر) و (كف تميم).
هذا إلى ما في البيت الثاني عن سلامة الترتيب في العنعنة إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر، تماماً كما يقع في سند الأحاديث، فالسيول أصلها المطر، والمطر. أصله البحر، وقد جعل كف الممدوح أصلاً للبحر على سبيل المبالغة.
(ومن مراعاة النظير) لون يسمى: تشابه الأطراف: وهو (أن تختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى).
ومثاله قول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وذلك لأن اللطف، وهو ما لا تدركه الأبصار مطلقاً، إذ هو المراد هنا - يناسب ما لا يدرك بالبصر، كما أن الخبرة تناسب من يدرك شيئاً لأن من يدرك الشيء يكون خبيراً به.
على أن اللطف - هنا - إذا أريد به معنى الرأفة، فإن الآية تكون من إيهام التناسب الذي سيأتيك بعد قليل.
وقول الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ
стр. 190
لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فقد ختم الآية بقوله (الغني الحميد) ليبين بهذا أن ماله ليس لحاجة، وإنما هو غني عنه جواد به، فإذا ما جاد به حمده المنعم عليه.
ومن هذا الضرب قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وذلك لأنه لما قال: (وإن تغفر لهم) أوهم ذلك أنه سيقول في الفاصلة (الغفور الرحيم) ولكنه بالتأمل والإمعان في الآية الكريمة نجد أنه يجب أن تكون الفاصلة هي (العزيز الحكيم) - كما في الآية الكريمة -، وذلك لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس له فوقه أحد يود عليه حكمه فلابد أنه هو (العزيز) وذلك لأن العزيز في صفات الله تعالى: هو الغالب ولابد أن يوصف (بالحكيم) أيضاً - لأن الحكيم هو من يضع الشيء في محله، والله تعالى كذلك، غير أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة، فكان الوصف بقوله (الحكيم) احتراساً حسناًن وعلى هذا فإن المعنى: وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لا حد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.
ومما يلحق بمراعاة النظير: ما يسمى بإيهام التناسب: وهو: أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين بكون لهما معنيان متناسبان ولكنهما غير مقصودين، كما في قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)
стр. 191
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ فالمراد من النجوم في الآية الكريمة: النبات الذي لا ساق له، ولا مناسبة بينه وبين الشمس والقمر بهذا المعنى، ولكنه يناسبهما إذا كان بمعنى الكوكب.
بلاغة مراعاة النظير:
يقول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ فجمع بين الشمس والقمر وهما متناسبان، لتقارنهما في الخيال، وكونها كوكبين سماويين يبددان ظلام الكون، وإذا كان الغرض من هذا الجمع هو الحكم عليهما بأنهما يجريان بحسبان معلوم المقدار، لا يزيدان عليه، ولا ينقصان عنه، وفي ذلك نظام الكائنات واختلاف الفصول والأوقات وحساب الشهور والسنين إذا كان ذلك هو الغرس فإن هذا الصنيع - وهو الجمع بين الشمس والقمر - أقصر الطرق في أداء ذلك الغرض وإيصاله إلى النفوس على أنه من الممكن أن يقال - في غير القرآن - الشمس بحسبان، والقمر بحسبان، ولكنه يكون لغواً من القول وباطلاً من التأليف، لأنه أطناب لا داعي يستدعيه، ولا غرض يستوحيه.
فأسلوب مراعاة النظير - وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد - مما تقتضيه الأحوال، وتستدعيه الأغراض (١).
стр. 192
على أن الفخر الرازي قد أدرجه هو الآخر، في باب النظم الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع، كما لخطة عبد القاهر التي رسمها في هذا الشأن.
٣) الارصاد أو التسهيم:
ويسميه قدامة والعسكري باسم التوشيح: وهو: أن يجعل قبل العجز من العقرة أو البيت ما يدل على العجز. إذا عرف الروي، وقد افتخر به ابن نباته السعدي في قوله:
حذها إذا أنشدت في القوم من طرب صدورها عرفت منها قوانيها
ومثال الارصاد قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
فالارصاد هنا في قوله تعالى (ليظلمهم)، لأنه يدل على أن العجز من مادتا الظلم، ويعين كون المادة من الظلم مختومة بنون بعد واو، معرفة الروي في الآيات الكريمة قبلها وهو: النون.
وقول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً - لا أبا لك - يسأم.
стр. 193
والارصاد هنا في (سئمت)
وقول عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع.
والارصاد هنا في قوله: (إذا لم تستطع).
وقول البحتري:
أبكيكما دمعاً - ولو أني على ... قدر الجوى أبكي - بكيتكما كماً
والجوى: حرقة العشق أو الحزن. والارصاد هنا في قوله: (أبكيكما دمعاً)، لأنه لا يبقى عندهم إلا بكاء الدم وقوله - أيضاً -:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحللي وليس الذي حرمته بحرام.
والارصاد هنا في قوله (حرمته):
بلاغة الارصاد:
سبق أن أسلفنا لك أن في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ارصاداً محله: (يظلمهم) وقد دل هذا الارصاد على أن عجز الآية من مادة الظلم، إذ لا معنى لأن يقال في غير القرآن - مثلاً - ولكن كانوا أنفسهم ينفعون أو يمنعون من الهلاك
стр. 194
أو غير ذلك، وأن كون المادة الروى هي النون بعد الواو، معلوم من روى الآية السابقة وهي قوله تعالى، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وإذا كان الغرض من هذه الآية: هو نفس أن يكون من الله تعالى ظلم للعباد، وإثبات ظلمهم لأنفسهم، كان من طبيعة هذا مثل هذا الأسلوب الذي يؤدي به مثل هذا الغرض: أن يدل أوله على آخره، وسابقه على لاحقه: فقد روى أنه لما بلغت قراءة النبي ﷺ ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ قال عبد الله بن أبي سرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقال النبي ﷺ : "كذلك أنزلت".
على أن الجاحظ قد أورد قول عبد الله بن المقفع: ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر: البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته.
وإذا تعلق غرس المتكلم بمثل هذا، كان ما أسموه باسم "الارصاد" من صميم البلاغة، لأنه مما يقتضيه المقام (١).
٤) المشاكلة:
وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير تحقيقاً
стр. 195
وتقديراً.
أما وقوع اللفظ في صحبة غيره تحقيقاً، فكقول أبي الرقعق احمد بن محمد الأنطاكي:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت اطبخوا إلى جبة وقميصاً
فكأنه قال: خيطوا لي جبة وقميصاً.
وقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. فالمشاكلة هنا في إطلاق لفظ (سيئة) على جزاء السيئة.
وقول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل.
والأفناء جمع فن وهو الجماعة. والمشاكلة هنا في قوله (بنيت الجار)، لأن الجار لا يبنى وإنما أتى بهذا اللفظ مشاكلة قبل المنزل. لأن المقصود، قبل بناء المنزل، والمقدر كالمذكور.
وشهد رجل عند شريح فقال: "إنك لسيط الشهادة"، أي مستمر في حفظها، لأن السيوط في الأصل: إنطلاق الشعر وإمتداده، فقال الرجل: "إنها لم تجعد عني" أي أنهما لم تقصر عن إدراكه وحفظه، والتجعد في الأصل، ضد السيوطة، فقد عبر عن عدم تقصيره في إدراكه للشهادة بلفظ (لم تجعد) لوقوعه في صحبة قوله
стр. 196
(سيط الشهادة) مشاكلة.
على أن الذي سوغ بناء الجار - والجار لا يبنى - وسوغ تجعيد الشهادة - والشهادة لا تجعد - إنما هو مراعاة المشاكلة إذ لولا بناء الدار لم يكن ليصح بناء الجار، ولولا سبوط الشهادة، لم يكن ليصح تجعيدها.
ومن المشاكلة . قول الصاحب بن عباد في قاض شهد عنده برؤية هلال الفطر فلم يقبل شهادته:
أترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى؟
سرق العبد، كأن ... العبد أموال اليتامى؟
فقد جعل العيد مسروقاً، لوقوعه في صحبة أموال اليتامى:
وأما وقوع اللفظ في صحبه غيره تقديراً: فمثاله قول الله تعالى ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
والمعنى: تطهير الله، فقد عبر عن تطهير الله بلفظ الصبغة، للمشاكلة وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ، لأن قرينة الحال - وهي سبب النزول من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر - دلت على ذلك، فقد كان النصارى يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا
стр. 197
بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وظهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا.
بلاغة المشاكلة:
قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فعبر بلفظ السيئة عن الاقتصاص، لوقوع الاقتصاص في صحبة السيئة وقد ساق الخطيب هذه الآية نفسها (شاهداً على المجاز المرسل الذي تكون علاقته السببية وعلق عليها بقوله: "تجوز بلفظ السيئة عن الاقتصاص، لأنه سبب عنها، تهتداه يسوقها شاهداً على المشاكلة".
وهو بهذا الخلط قد أوقع غيره ممن تابعوه في هذا الخلط أيضاً فراحوا يفصلون بين المشاكلة والمجاز والكناية بفواصل لا يقرها عقل.
غير أن الذي نطمئن إليه هو أن المشاكلة داخلة في إطار المجاز، غير أن منها ما ينطوي تحت المجاز المرسل كما في الآية التي أسلفناها لك ومنها ما ينطوي تحت المجاز بالاستعارة، كما في قول أبي الرقعمق (أحمد بن محمد الأنطاكي من شعراء اليتيمية والمتوفي سنة ٣٩٩ هـ) - وقد كان له أخوان أربعة ينادمهم أيام كافور الإخشيدي، فجاء، رسولهم في يوم قارس البرد، وليست له كسوة تقيه شر البرد، فقال له: "إخوانك يقرئونك السلام ويقولون لك: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاةً سمينة
стр. 198
فاشتد علينا ما نطبخ لك منها، فكتب إليهم:
إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إلى خصوصاً
قالوا: أقترح شيئاً نجد لك طبخت ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصاً
فقد عبر الشاعر عن الخياطة بالطبخ، تشبيهاً لها به في كونها مما ينبغي أن تكون موضع رغبتهم ومحل عنايتهم، فإذا كانت رغبتهم قد اتجهت إلى الطبخ ليطعموه، فينبغي أن تكون منهم مثل تلك الرغبة في خياطة جبة وقميصها يتقي قارس البرد ويعتصم من أذاه، فلا حرج - إذن - من تطبيق الاستعارة التي أساسها التشبيه على هذا الأسلوب، وعلاقة المشابهة - وهنا - واضحة - كما رأيت -.
ولهذا فإن أسلوب المشاكلة من البيان، وهو من البلاغة في التصميم.
٥) المزاوجة:
ومعناها، أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء، بأن يرتب على كل منهما معنى مرتب على الآخر. كما في قول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها البحر.
فقد زاوج هنا بين نهي الناهي، وأصاختها إلى الواشي في
стр. 199
أن رتب عليهما لحاجة ما.
وقوله - أيضاً -:
إذا احتربت - يوماً - ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى، ففاضت دموعها.
فقد زاوج بين (الاحتراب) و (تكر القربى) في أن رتب عليهما فيضان شيء.
بلاغة المزاوجة:
في بيت البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر
الذي زاوج فيه بين نهي الناهي وأصاختها إلى الواشي الواقعيين في الشرط والجزاء، حيث رتب عليهما لجاح شيء نقول: إذا كان الغرض من هذا البيت هو: تصوير حالة مع معشوقته، من أنه لا يزيد، نهي الناهي عن حبها إلا تمكيناً في الهوى وثباتاً في الحب، أما هي فسرعان ما يزعزعها الوشاة، فتمعن في الهجر وتسرف في القطيعة فشتان ما بين اللجاجين.
стр. 200
وإذا كان الشأن في العاشق والمعشوق أن يوصفا بما ذكره البحتري، وكانت المبالغة في توفير هذا الوصف لكليهما مما يتعلق بها الغرض، ويتفاوت فيها المتكلمون قوة وضعفاً، فصنيع البحتري مما يقتضيه المقام وهو من البلاغة في الصميم.
فقد رتب البحتري لجاج الهوى على نهي الناهي له عن حبها ثم يمضي يرتب اللجاج على أصاختها إلى الواشي فظن قبل ذكر المتعلق أنه من نوع بجاجة حتى يتواءما في الحب ويستويا في الصباية والهوى، فلما ذكر المعلق علم أنه ليس من نوعه، وإن كن لا يقل عنه في بابه (١).
هذا، وقد أسلفنا لك أن عبد القاهر الجرجاني قد أدخل المزاوجة في باب النظم الذي يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع فسلكها في عقد النظم الذي تفرغت منه مسائل البلاغة.
٦) العكس والتبديل:
وهو: "أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر".
وله وجوه:
أولاً: أن يقع بين أحد طرفي جملة ما وأضيف إليه ، كقولهم "عادات السادات، سادات العادات".
стр. 201
وكقولك: (شعر الأمير، أمير الشعر).
وثانيها: أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين ، كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.
وكقول الحمامي:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سوداً
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
وحرب: جد معاوية بن أبي سفيان، والحدثان: الدهرن والمقدار القدر، وسعدن بمعنى: ذهلن.
والعكس واضح من البيت الثاني:
وثالثها: أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين ، كما في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقول أبي الطيب المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
والمعنى: أن المجد والمال في الدنيا مثلاً زمان، لأن المال - في رأي أبي الطيب - سبيل إلى المجد، كما أن المجد سبيل للحصول
стр. 202
على المال.
بلاغة العكس والتبديل:
في قول الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وقد وقع العكس بين متعلقي فعلين في جملتين، فقد تعلق الفعل في الأول بالحي الخارج من الميت، كالإنسان يخرج من النطفة - كما يقولون - وتعلق الفعل في الثانية بالميت الخارج من الحي، كالبيضة التي تخرج من الدجاجة - كما يقولون - وقد تقدم الحي على الميت في التعلق الأول، ثم عكس في الثاني.
وإذا كان الغرض من هذه الآية تصوير مظهرين من مظاهر القدرة التي تفوق جميع القدر، وكان إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة وأدل على سعة السلطان من عكسه، وهو إخراج الميت من الحي، كان الأول جديراً بالتصوير ثم يتلوه الثاني، وبدون هذا ينعكس الغرض ولا يتم المراد.
ولهذا كان أسلوب العكس من البلاغة في الصميم، لأنه مما يقتضيه المقام (١).
стр. 203
٧) التورية:
وهي: أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويراد به البعيد منهما.
وهي نوعان:
مجردة، ومرشحة.
أما المجردة: فهي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم المورى به، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فالتورية هنا في قوله: (استوى) وله معنيان: قريب، وهو استقر، وليس مراداً، وبعيد، وهو: استولى وهو المراد، بدليل استحالة الاستقرار الحسي على الله تعالى، وهذه الاستحالة هي القرينة التي صرفت اللفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.
والتورية هنا مجردة، لأنها لم تقترن بما يلائم المعنى القريب، وقيل: أن التورية هنا مرشحة، لأن قوله تعالى: على العرش، يلائم المعنى القريب.
وأما المرشحة: فهي التي قرن بها ما يلائم المورى به، أي المعنى القريب.
стр. 204
والترشيح أما أن يكون قبل التورية، وأما أن يكون بعدها:
ومثال ما كان الترشيح فيها قبلها: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.
فالتورية هنا في قوله تعالى: "بأيد" لأن اللفظ هنا، له معنيان: قريب، وهو: جمع يد وهي الجارحة، ولكنه ليس مراداً، لاستحالة ذلك على الله تعالى، وبعيد، وهو: القوة، وهو المراد، والاستحالة قرينة صارفة للفظ عن المعنى القريب إلى المعنى البعيد.
أما الترشيح هنا فقد جاء قبل التورية، وهو قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا﴾.
ومنه قول يحيى بن منصور الحنفي:
فلما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضنا الجفون على وتر
قوله أنخنا: كناية عن إقامتهم بدارهم واكتفائهم بأنفسهم، والكريهة هي الحرب، والوتر: هو النار.
والتورية هنا في قوله (الجفون) لأن هذا اللفظ له معنيان:
стр. 205
قريب وهو: أجفان العيون، وليس مراداً، وبعيد، وهو أجفان السيوف.
والترشيح هنا في قوله (أغضينا)، لأنه مما يلائم العين، وقد جاء قبل التورية، والقرينة هنا حالية، وهي أنه يتحدث عن الحرب التي تستخدم فيها السيوف، وهذه القرينة هي التي صرفت اللفظ عن معناه القريب إلى معناه البعيد.
أما ما كان الترشيح فيها بعدها، فمثاله: قول القاضي الإمام أبي الفضل عياض في صيغية باردة:
كأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعاً من الحلل.
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل.
فكانون من أشهر السنة الشمسية، ويقع في زمن البرد، وتموز: شهر منها يقع في زمن الدفء، والحلل، جمع حلة: وهي: التوب والغزالة: هي الشمس، وخرفت بمعنى: قل عقلها مجازاً، والجدي: برج ملاصق للدلو، والحمل: أول بروج الربيع ويعني: أن الشمس قد خرفت فنزلت في برج الجدي وقت الحلول ببرج الحمل، والجدي برج البرد، والحمل برج الدفء، والتورية هنا في قوله (الغزالة) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب، وهو:
стр. 206
الظبية، وليس مراداً، بقرينه الحديث عن بروج الشمس، وبعيد وهو: الشمس، وهو المراد.
والترشيح هنا: في قوله: (خرفت) وقد جاء بعد التورية - كما ترى -.
وقد تقترن التورية بما يلائم المعنى البعيد، أو بما يلائم المعنيين معاً، ولكنها تكون مجردة.
فمثال ما يلائم المعنى البعيد: قول عماد الدين:
أرى العقد في ثغره محكماً ... يرينا الصحاح من الجوهر.
فالتورية هنا في (الصحاح) لأن معناها القريب هو: كتاب الجوهري في اللغة، وليس هذا المعنى مراداً، ومعناها البعيد: أسنان محبوبه، وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى البعيد، وهو قوله: (في ثغره).
ومثال ما يلاءم المعنيين جميعاً: قول الشاعر:
ومولع بفاخ؛ ... يمدها وشباك.
قالت لي العين: ماذا ... يصيد؟ قلت: كراك!
стр. 207
فالتورية هنا قوله: (كراكي)، لأن معناها القريب: أنها جمع كركي - وهو طائر رمادي اللون يأوي إلى الماء، ومعناها البعيد: نوم العين، وهو المراد. وقوله: (يصيد) يلائم المعنى القريب، وقوله (العين) يلائم المعنى البعيد.
على أن التورية التي قرنت بما يلائم المعنى القريب، تسمى مهيأة. والتي قرنت بما يلائم المعنى البعيد، تسمى: مبينة والتورية ضربان: ضرب يستحكم حتى يصيد اعتقاداً، فلا يدرك عدم إرادة المعنى القريب ألا يتأمل وطور نظر.
كما في قول الشاعر:
حملناهم طراً على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابساً
والتورية هنا في قوله (الدهم) ومعناها القريب: الفرس الأسود، ومعناه البعيد: القيد من الحديد، وهو المراد بقرينة ما ذكره من خلع الدماء عليهم بالطعان حتى صارت لهم كالملابس، إذ لا يصح بعد - هذا أن يكون المراد حملهم على الأفراس.
والضرب الثاني: لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيء يجري في الخاطر، وأنت تعرف حاله، فلا يحتاج عدم إرادة المعنى القريب فيه إلى تأمل وطول نظر.
стр. 208
وذلك كما في قول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع:
لولا التطير بالخلاف، وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضاً
لقضيت نحبي في فنائك خدمة ... لأكون مندوباً قضى مفروضاً
والخلاف، مخالفة العرف والعادة، والنحب: الأجل، والمندوب: اسم مفعول من الندب والتورية هنا في قوله: (مندوباً) لأن هذا اللفظ له معنيان: قريب، وهو: السنون من السنة، وليس مراداً وبعيد، وهو: المرثى، وهو المراد هنا، لأن المعنى: لأكون ميتاً مرئياً قضى مفروضاً عليه وهو: الموت حزناً على ذلك المريض.
والشاهد هنا في أن عدم إرادة المعنى القريب واضح لا يحتاج إلى تأمل.
بلاغة التورية:
قال ابن يعقوب المغربي (١) في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ - الأيدي: جمع يد، واليد لها معنيان قريب وهو الجارحة المعلومة، وبعيد، وهو: القدرة التي إطلاق اليد عليها مجاز، والمراد بها هنا: المعنى البعيد الذي هو القوة والقدرة، والقرينة: استحالة الجارحة على الله تعالى، وقد تقدم منه وجه خفائها فتكون تورية وإن كانت مجازاً، وقد قرنت
стр. 209
بما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة - وهو البناء - لأنه إنما يعهد بالجارحة والمعهود بالقوة: الإيجاد والخلق، فقد رشح فيها معنى التورية، وأصلها الذي هو الخفاء بوجود ما يبعد عن المراد مع خفاء القرينة. وهذا - أعنى: كون اليد أطلقت على معناها المجازي البعيد بقرينة خفية فكانت تورية - مبنى على ما اشتهر بين أهل الظاهر من المفسرين الذين يقتصرون على ما يبدو، ولم يظهر لهم هنا للأيدي إلا المعنى البعيد.
وأما عند من يوسم بالتحقيق، ممن يمارس مقتضى تراكيب البيان، فالكلام تمثيل على سبيل الاستعارة وهو: أن مجموع "بنيناها بأيد" نقل عن أصله على طريق التشبيه، وأصله: وضع لبنة وما يشبهها على أخرى بقوة الأيدي، إلى الإيجاد بالقوة، لأن النفس بالمحسوس أعرف .....
فمبنى التورية عند ابن يعقوب على خفاء القرينة، مع كون المراد بعيداً وإن لم نسلم له بهذا الشرط، فكم من مجاز قد خفيت قرينته وبعدت عن كثير من الأذهان، ويكون مع هذا واقعاً موقعه من الروعة والخلابة والسحر والجمال. وكم من تورية - في عرفهم - ظهرت قرينتها، ومع هذا فإنهم لم يضنوا عليها بهذا الاسم.
стр. 210
والعصام يقول (١) في تعريف التورية: "فالمختصر الواضح أن يقال: هو: أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة "ثم قال: "فهو داخل في أصل البلاغة، فكيف عد من البديع؟ ".
فتعريف العصام للتورية ينطبق على تعريفهم للمجاز سوى تقييده بخفاء القرينة - وقد علمت أن هذا قيد غير كاف للفصل بينهما - كما أسلفنا -.
ولهذا فإن الذي نطمئن إليه هو: أن التورية من باب المجاز إذا كان العنى المورى عنه مجازياً، وأما إذا كان حقيقياً: فهي من باب المشترك، وهو مجازاً وحقيقة على خلاف قارفي موطنه من كتب الأصول.
وعلى أية حال فإن التورية عائدة على الأسلوب بالتحسين الذاتي لا العرضي (٢).
وإنما عدت من البديع، لأن المعنى القريب فيها: لسرعة إدراكه قبل البعيد. يكون كالحجاب، فيظهر من ورائه للطفه بصورة الوجه
стр. 211
البرقع الجميل.
٨) المبالغة:
وهي: أن يدعي لوصف بلوغه - في الشدة أو الضعف - حداً مستحيلاً، أو مستبعداً.
وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
التبليغ: وهو من بلغ الفارس إذا مد يده بعنان فرسه ليزيد من جريه (١)، وهو أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف جداً ممكناً عقلاً وعادة.
ومثاله قول امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً، فلم ينضح بماء فيغسل
ومعنى عادي: أنه والى بينهما بأن صرع الثاني أثر الأول في شرط واحد، والثور: ذكر الوحش، ولا نعجة: أنثاه وقوله: دراكا بمعنى: متتابع، ومعنى لم ينضح: لم يرشح بعرق فيغسل به جسده
стр. 212
أو يفصل منه لما يصحب العرق من الوسخ.
فقد وصف الدرس بأنه أدرك ثوراً، وبقرة وحشيين في مضمار واحد، ولم يعرق، وهذا وصف ممكن عقلاً وعاد.
وقول أبي الطيب المتنبي:
واصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب.
قفيته: بمعنى أتبعته، وضمير المفعول في؟ ؟ ؟ ؟ للوحش، والضمير في به: لفرسه.
والمعنى: أنه يصرع بفرسه بقر الوحش، ثم ينزل عنه وهو في نشاطه حين ركبه، وهذا وصف ممكن عقلاً وعادة.
القسم الثاني:
الإغراق: وهو من قولهم: أغرق الفرس، إذا استوفى الحد في جريه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً ممكناً عقلاً ولكنه مستحيل عادة.
ومثاله قول عمير بن الإيهم التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتعه الكرامة حيث مالا
стр. 213
فقد ادعى الشاعر أن جاره لا يميل عنه إلى جهة ألا وهو يتبعه الكرامة، وهذا وصف ممكن عقلاً ولكنه مستحيل عادة.
وقول أبي الطيب المتنبي:
كفي بجسمي نحولاً أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني!
فقد ادعى أبو الطيب أنه بلغ من الضعف والحول إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يستدل عليه إلا بالكلام.
وهذا وصف ممكن عقلاً، ولكنه مستحيل عادة.
ومثله قول ابن الفارض:
كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت، فلم تهد العيون لرؤيتي!
على أن التبليغ والأعراق مقبولان، وذلك لإمكان الوصف في التبليغ عقلاً وعادة، ولا مكان الوصف في الإغراق وعقلاً وإن لم يكن ممكناً عادة.
والقسم الثالث:
الغلو: من قولهم: غلا في الأمر، إذا جاوز الحد فيه، وهو: أن يدعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حداً مستحيلاً عقلاً وعادة.
ومثاله قول أبي نواس:
стр. 214
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق!
فقد ادعى أبو نواس أن ممدوحه قد أخاف أهل الشرك قاطبة، حتى أنه قد أخاف من لم يخلق منهم وهذا وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولهذا فإنه غير مقبول.
وإنما يقبل العلو في حالات ثلاث:
الأولى: أن يدخل عليه ما يقربه إلى الصحة، نحو لفظة (يكاد) في قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإضاءة الزيت من غير أن تمسه النار، أمر مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه من الإمكان لفظه (يكاد) ومن هنا كان الغلو في الآية الكريمة مقبولاً.
وفي قول ابن حمد يس الصقلي - يصف فرساً -:
ويكاد يخرج مسرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق.
فخروج الفرس عن ظله من شدة السرعة وصف مستحيل عقلاً وعادة، ولكن الذي قربه إلى الصحة هو قوله (ويكاد) ولهذا كان الغلو هنا مقبولاً.
ومما يقرب الغلو إلى الصحة: لفظ (لو) و (لولا)، وحرف التشبيه، و (يخيل) وما أشبهها.
стр. 215
والثانية: أن يتضمن الغلو نوعاً حسناً من التخييل، كما في قول أبي الطيب المتنبي:
أقبلت تبسم، والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا
عقدت سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليه لأمكنا
والخبب: ضرب من العدو، وسنابك الخيل أطراف حوافرها، والعثير: الغبار، والعنق: السير السريع يقول: أنك أقبلت مبتسماً، وجيادك عوابس لكثرة ما عليها من حديد الدروع والقنا، وقد بلغت سرعتها أن سنابكها أثارت غباراً انعقد فوقها وأصبح كالأرض، حتى أنها لو أرادت أن تسير مسرعة عليه لأمكنها ذلك، وهذه مبالغة مقبولة، لأن الذي سوغها ما فيها من تخييل حسن، وهو ادعاؤه كثرة الغبار وجعله كالأرض في الهواء.
وقد جمع القاضي الارجاني بين التخييل الحسن ووجود ما يقرب إلى الصحة - في قوله - يصف الليل بالطول -
يخيل لي: أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
وسمر الشهب بالدجى: أحكمت فيها بالمسامير، والدجى: جمع دجية وهي الظلمة، والأهداب: جمع هدب، وهو شعر أشفار العينين.