← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 151019

صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام

الجلال السيوطي

Полный текст (255 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يكره الكلام وينهى عنه، وأخرج عن الربيع قال: أشرف علينا الشافعي يومًا- وفي الدار قوم قد أخذوا في شيء من الكلام- فقال: إما أن تجاورونا بخير، وإما أن تنصرفوا عنا، وأخرج عن المزني قال: كان الشافعي ينهى عن الخوض في الكلام، وأخرج عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول: لو علم الناس ما في الكلام لفروا منه كما يفرون من الأسد أخرج عن يونس بن عبد الأعلى قال قالت أم الشافعي: إنه أبى أن يجالسه حفص الفرد، قال الساجي: وكانت تكون معه يحملها معه إلى كل موضع، وأخرج عن الشافعي قال قالت لي أم المريسي: كلم بشرا أن يكف عن الكلام، فكلمته، فدعاني إلى الكلام. وأخرج عن الربيع قال سأل رجل الشافعي أن هذا يدعو إلى الكلام ونحن لا نجيب في شيء من الكلام. وأخرج من طريق ابن خزيمة سمعت يونس بن عبد الأعلى قال قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بما نهى عنه خلا الشرك خير من أن يبتليه بالكلام. وأخرج عن الربيع قال: قال لي الشافعي: لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابًا كبيرًا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني ولا أحب أن ينسب إلي منه. وأخرج من الزعفراني قال: كان الشافعي يعتم بعمامة كبيرة كأنه أعرابي وبيده هراوة، وكان أذرب الناس لسانا، وكان إذا خيض في مجلسه بالكلام نهى عنه، وقال لسنا بأصحاب كلام. وأخرج عن أبي حاتم قال: قال بعض أصحاب الشافعي: حضر الشافعي، وكلمه رجل في مسجد الجامع في مسألة، فطالت مناظرته له، فخرج

стр. 107

الرجل إلى شيء من الكلام، فقال له: دع هذا، فإن هذا من الكلام. وأخرج عن الربيع قال أنشدنا الشافعي في ذم الكلام: لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعا *** في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتى استخف بدين الله أكثرهم *** وفي الذي حملوا من حقه شغل هذا جميع ما أخرجه الهروي بأسانيده من نصوص الشافعي وأكثره مخرج في مناقب الشافعي لابن أبي حاتم، وللساجي وللبيهقي. وأخرج عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا. إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن رسول الله ﷺ ، . فأما غير ذلك. فإن الكلام فيه غير محمود. قال المؤلف: وقد استقصيت ذكر شدة كرهية أحمد بن حنبل للكلام والرأي وإنكاره على أهلها في كتاب مناقبه. وأخرج عن محمد بن المثنى قال: سمعت بشر الحافي ينتهي عن مخاطبة أهل الأهواء كلهم، ومناظرتهم. وأخرج عن أحمد بن الوزير القاضي قال قلت لأبي عمر الضرير الرجل يتعلم شيئًا من الكلام يرد به على أهل

стр. 108

الجهل، فقال: الكلام كله جهل، وإنك كلما كنت بالجهل أعلم، كنت بالعلم أجهل. وأخرج عن علي بن خشرم قال: كتب إلي بشر بن الحارث: لا تخالف الأئمة فإنه ما أفلح صاحب كلام قط. وأخرج عن أبي عبيد القاسم بن سلام أن رجلًا قال له ما تقول في رأي أهل الكلام؟ فقال: لقد دلك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، وقال: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله﴾ الآية. أما لك فيما دلك عليه ربك من كلامه وسنة نبيه ( ﷺ ما يغنيك عن الجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك الله عن الكلام في ذاته وصفاته إلا حسب ما أطلقه لك، قال: ((فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)). وأخرج عن الحسن اللؤلؤي قال: قال زقر ابن الهذيل قدمت الكوفة على عم لي، فقال لي ما أقدمك؟ قلت: طلب العلم، فأتى بي المسجد، فإذا فيه حلق فأدناني في الحلقة العظيمة. فقال هؤلاء أصحاب الحديث، إذا سمع الرجل منهم لوقعت وعمر فصان نفسه احتيج إليه. ثم أدناني من حلقة أخرى، وقال هؤلاء أهل الأدب والنحو. وإذا بلغ الرجل منهم الغاية أحسن بين يديه جماعًا يعلمهم ثم أدناني من حلقة أخرى. قال هؤلاء الشعراء إذا بلغ الرجل منهم الغاية مدح أو هجا ثم أدناني من حلقة أخرى فقال: هؤلاء أهل الكلام إذا بلغ الرجل منهم الغاية،

стр. 109

قيل زنديق أو مبتدع فاحذرهم. ثم أدناني من حلقة أخرى، فقال هذا أبو حنيفة لا تأخذ عنه اليوم مسألة إلا احتيج لك فيها غدا قال فلزمته. وأخرج عن إسحق ابن راهوية أن عبد الله بن طاهر قال له: يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي ترونها في النزول ما هي؟ فقال له: أيها الأمير هذه الأحاديث رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام، ونقلها العلماء، ولا يجوز أن ترد هي كما جاءت بلا كيف، فإن يكونوا في هذه عدولًا، وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع. فقال له شفاك الله كما شفيتني. وأخرج عن إسحق بن راهوية قال: لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين لقول الله تعالى (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله تعميم ما يجوز التفكير والنظر في أمر المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفًا بالنزول كل ليلة، ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء. وأخرج عن ابن راهوية، أنه قال: في الحديث ((يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل، ويجيء العمل الصالح في أحسن صورة، لا تدرك صفة هذا بالعقول، وقد نهينا عن تكلف علم هذا، وإنما علينا التعيذ والاستسلام:

стр. 110

الطبقة السابعة ثم قال ((الطبقة السابعة)) وأخرج فيه عن عثمان بن سعيد الدارمي قال: لا تكيف هذه الصفات ولا تكذب بها ولا تفسرها. وأخرج عن عثمان بن سعيد قال: ما خاض في هذا الباب أحد ممن كانوا يذكرون إلا سقط. وأخرج عن عثمان بن سعيد قال. على تصديقها، والإيمان بها)). أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله- ﷺ برد، فقالوا: كيف قلنا؟ لم نكلف كيفية في ديننا، ولا نعقله بقلوبنا وليس كمثله شيء من خلقه فيشبه منه فعل، أو صفه بفعالهم وصفاتهم. وأخرج عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي أنه سئل عن الإيمان، فقال: الواجب على جميع أهل العلم والإسلام أن يلزموا القصد للإتباع. وأن يجعلوا الأصول التي نزل بها القرآن وأتت بها السنين من الرسول- ﷺ غايات للعقول، ولا تجعلوا العقول غايات للأصول، فإن الله جل وعز ورسوله- ﷺ قد يفرق بين المشتبهين، ويباين بين المجتمعين في المعقول، تعبدا وبلوى ومحنة. ومتى ورد على المر موارد من وجوه العلم لا يبلغه عقله، أو تنفر منه نفسه، وينأى عنه فهمه، وتبعد عنه معرفته، وقف عنده، واعترف بالتقصير عن إدراك علمه)) وبالحسور عن كنه معرفته. ويعلم أن الله ورسوله- ﷺ -

стр. 111

لو كشف عن علة ذلك الحادث، وأبان وأوضح عن سببه، وعن المراد من مخرجه، لأدركته عقولنا، ولو كان كل ما أتى به الحكم من الله ، والأمر بتعبده، أتانا مكشوفًا بيانه، موضحة علته، لم تكن للعباد بلوى ولا محنة، وإنما المحن الغلاظ والبلوى الشديدة للأمور والفروض التي لا تنكشف عللها، ليسلم العباد بها تسليمًا، ويقفوا عندها إيمانًا. ولولا وصفناه كان الذي سبق إليه فكر العقول منا أن واجبا في كل ما سأل رسول الله- ﷺ ربه أن يجيبه، وأن ينزل عليه، فيه شفاء ليزداد الناس به علمًا، ولملكوته فهمًا. ولسنا نرى الأمر كذلك، فقد سألوا رسول الله- ﷺ وسأل رسول الله- ﷺ ربه عن الروح، فلما أجابه قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. وعلى ذلك خالف ربنا بين من أنزل من شرائعه، وأعلام دينه، ومعالم فروضه وعباداته في الأمم الخوالي، فأحل لطائفة ما رحمه على أمة، وحرم على أمة ما أطلقه لغيرها من أمة، وحظر على آخرين ما أباحه لمن سواهم، وكذلك الأمر فيما أنزل من كتبه. وخالف بينهما في أحكامها، كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وصحف من مضى من الرسل، ليسلم الموفق منهم لأمره ونهيه، وينكص المخذول منهم على عقبيه نفارًا من التفريق بين المجتمعين، وعن الجمع بين المتفرقين، وعلموا أن السلامة فيما أنزل عليهم في الابتاع والتقليد، لما أمروا به، والإعراض عن طلب التكيف فيما أجمل لهم، وعن الغلو والإيغال في التماس نهاياتها للوقوع على أقصى مداخلها،

стр. 112

إذ كان ذلك لا يبلغ أبدًا، فإن دون كل بيان بيانًا، وفوق كل متعلق غامض، متعلق أغمض منه. وإذا كان الأمر كذلك فالواجب الوقوف عند المستبهم منه، ومن أجل ذلك أثنى الله على الراسخين في العلم بأنهم إذا أفضى ببعضهم الأمر إلى ما جهلوه، آمنوا به، ووكلوا إلى الله . ومن أجل ذلك ذم الله الغالين في طلب مأوى عنهم علمه وطوى عنهم خبره، فقال: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ .. إلى قوله ﴿وما يذكر إلى أولو الألباب﴾. ومن أجل بعض ما ذكرنا اشتد الخلفاء المهديون على ذوي الجدل والكلام في الدين وعلى ذوي المنازعات والخصواما في الإسلام والإيمان، ومتى نجم منهم ناجم في دهر، أطفوه، وأخمدوا ذكره وأنعموا عقوبته. فمنهم من سيره إلى طرف. ومنهم من ألزمه قعر محبس، إشفاقًا على الدين من فتنه، وحذارا على المسلمين من خدعات شبهته، كما فعله الإمام الموفق عمر بن الخطاب ﵁، حين سأله صبيغ عن ((الذاريات ذروا)) وأشباهه، فسيره إلى الشام وزجر الناس عن مجالسته. وفعله علي بن أبي طالب- ﵁ بعبد الله بن سبأ، فسيره إلى المدائن. ولقد أتى محمد بن سيرين رجل من أهل الكلام. فقال ائذن لي أحدثك بحديث: قال: لا أفعل. قال: فأتلو عليك آية من كتاب الله ((قال: لا ولا هذا فقيل له في ذلك، فقال ابن سيرين: لم آمن أن يذكر لي ذكرًا يقدج به قلبي. وقد بين الله ما بالعباد إليه حاجة في عاجلهم ومعادهم، وأوضح لهم سبيل النجاة والتهلكة وأمر ونهى وأحل وحرم وفرض وسن، فما أمر العباد

стр. 113

عن أمر، سلموا بائتماره والعمل عليه، وما نهينا عنه من شيء سلموا بترك ركوبه، ومتى عتوا عن ظاهر ما أمروا به، ونهوا عنه، ليبلغوا القصوى من غاية علم أمره ونهيه، لم يؤمن عليه الحيرة ولا غلبة الشبهة على قلبه وفهمه. ومن أجل ذلك، قال عبد الله بن مسعود ﵁: وما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة. ولقد سأل سائل ابن عباس ﵄ عن آية من كتاب الله، فقال: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر. وقال أيوب السختياني: لا تحدثوا الناس بما يجهلون فتضروهم، وما منع الله تعالى رسوله محمد- ﷺ البيان عن بعض ما سأله إلا وقد علم أن ذلك المنع إعطاء، وأن المنع أجدى على الأمة وأسلم لهم في بدئهم وعاقبتهم، ولولا ذلك لكان من سأل من المشركين والأمم الكافرين رسلهم وأنبياءهم الآيات، وصنوف العجائب والبينات معذورين، ولكانت الرسل في ترك أسعافهم مذمومين، ولكان كلما سألوا من آية دونها آية، وفوقها أخرى، حتى أفضى ببعضهم إلى أن سأله أن يروا ربهم جهرة. وسأل بعضهم رسولنا عن الدليل على أمره تفجير الأنهار والينابيع، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا)) الآيات، ولو كان الأمر في ذلك على عقول البشر، لقد كانوا يرون أن منعهم الدليل على صدق ما أتت به أنبياؤهم ورسلهم غير نظر لهم، لأن زيادة البيان إلى البيان تسكين.

стр. 114

النفوس عن نفارها، وطمأنينة القلوب، وطيب طباع الإيمان غير أن الله منعهم ما سألوا، إذ فوق ما سألوا آيات لا يوقف على منتهاها، فلم يكن يجب أن لو كان ذلك كذلك إيمان على أحد حتى يبلغ من غاية المعرفة بأمور الله ما أحاط به علم الله، ثم كذلك الأمر الذي لا يعذر به عبد أن يسأله، بل الأمر فيه إلى الله فيما يوفق، ويخذل، وفيما يبين ويبهم، وفيما يشرح ويمنع، حتى يكون العباد في كل وقت مسلمين لأحكامه لا يتعقبونها بتكييف ولا مسألة عن غاية مراده فيها. ولقد ذكر يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أنه قال: ما من ذنب يلقى الله به عبد بعد الشرك بالله، أعظم من أن يلقاه بهذا الكلام، قال فقلت له: فإن صاحبنا الليث بن سعد كان يقول: لو رأيت رجلًا من أهل الكلام يمشي على الماء، فلا تركن إليه. فقال الشافعي: لقد قصر إن رأيته يمشي في الهواء، فلا تركن إليه. وقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي قال: مذهبي في أهل الكلام مذهب عمر في صبيغ، تقنع رؤوسهم بالسياط، ويسيرون من البلاد. هذا الفصل أملاه ((البوشنجي)) فدون تأليفًا مستقلًا، ويمسى مسألة التسليم لأمر الله والنهي عن الدخول في كيفيته. والبوشنجي هذا من أئمة الشافعية، قال ابن السبكي في الطبقات: كان من أجلاء الأئمة، شيخ أهل الحديث في زمانه، شيع ابن خزيمة جنازته. فسئل عن مسألة فقال: لا أفتي حتى يواريه لحده. وأخرج الهروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: كان أبي وأبو زرعة

стр. 115

يتيهان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين، ويقولان: لا يفلح صاحب الكلام أبدًا، وينكران وضع الكتب بالرأي بغير آثار ويأمران بهجران من يفعل ذلك. وأخرج عن الزجاج النحوي قال: من أفنى عمره في طلب الخلاف لم يصح له مأوى يأويه، ولا محل يكون فيه، فإن أخذ بظاهر الكتاب سلم في الآخر من العتاب، وأخرج عن الهيثم بن كليب أنشدنا القتيبي في صفة أهل الكلام: ودع من يقول بالكلام ناحية *** فما يقول الكلام ذو ورع كل فريق فبدوهم حسن *** ثم يصيرون بعد الشنع أكثر ما فيه أن يقال له *** لم يك في قوله بمتقطع وأخرج عن الهيثم قال: وأنشدنا القتيبي لعبد الله بن مصعب: ترى المرء يعجبه أن يقول *** وأسلم للمرء أن لا يقولا فأمسك عليك فضول الكلام *** فإن لكل كلام فضولا ولا تصبحن أخا بدعة *** ولا تسمعن له الدهر قيلا فإن مقالتهم كالظلال *** توشك أفياؤها أن تزولا وقد أحكم الله آياته *** وكان الرسول عليها دليلا وأوضح للمسلمين السبيل *** فلا تقفون سواها سبيلا وأخرج عن جعفر الفرغاني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب- والقلب إذا عرى من الهيبة بالله عرى من الإيمان.

стр. 116

وأخرج عن ممشاذ الدينوري أنه كان كثيرًا ما يقول: يا أصحابنا لا دمن إحدى ثلاث: إما ركوب الأهوال ومباشرة الحقائق، وإما الاشتغال بالأوراد وإما تعلم هذا العلم قبل أن يقصدكم أصحاب الكلام فيخرجوكم من دينكم وأخرج عن سهل بن عبد الله قال: احتفظوا بالسواد على البياض فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة: وأخرج عن سهل بن عبد الله في قوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ قال: على الإيمان والسنة ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ قال: الكفر والبدعة. وأخرج عن أبي عمرو بن نجيد: سمعت أبا عثمان قال: من أمر السنة على نفسه يخلق بالحكمة. ومن أمر البدعة على نفسه نطق بالبدعة وقرأ ((وإن تطيعوه تهتدوا)). وأخرج عن ابن محمد المرتعش قال: سئل أبو حفص ما البدعة؟ قال: التعدي في الأحكام والتهاون بالسنن وإتباع الآراء والأهواء وترك الاقتداء والإتباع، وأخرج عن أبي على الجوزجاني أنه سئل كيف الطريق إلى الله؟ قال: أصح الطريق وأعمرها وأبعدها من الشبه، إتباع الكتاب والسنة قولًا وفعلًا وعزمًا وعقدًا ونيةً، لأن الله تعالى قال ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ فسأله كيف الطريق إلى إتباع السنة قال: مجانبة البدع وإتباع ما اجتمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام وأهله والتباعد من مجالس الكلام وأهله ولزوم طريقة الاقتداء والإتباع. بذلك أمر النبي- ﷺ بقوله (ثم

стр. 117

أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾. وأخرج عن ابن أبي حاتم قال كان أبي وأبو زرعة يقولون: من طلب الدين بالكلام ضل. وأخرج عن أبي سعيد الاصطخري أن رجلًا قال له: أيجوز الاستنجاء بالعظم؟ قال: لا: قال لم؟ قال: لأن رسول الله- ﷺ قال: هو زاد إخوانكم من الجن، قال: فقال له: الإنس أفضل أم الجن؟ قال: بل الإنس قال: فلم نجوز الاستنجاء بالماء، وهو زاد الإنس، فنل عليه وأخذ بحلقه، وهو يقول: يا زنديق تعارض رسول الله- ﷺ وجعل يخنقه، فلولا أنهم أدركوه لقتله. وأخرج عن أبي العباس بن سريج أنه سئل ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله)) وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام. وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. وأخرج عن أحمد بن محمد بن أبي سعد أن قال: من جلس للمناظرة على الغلبة فأوله جدال وصياح، وأوسطه حب العلو على الخلق، وآخره حقد وغضب، ومن جلس للمناصحة فأول كلامه موعظة، وأوسطه دلالة، وآخره بركة. وأخرج عن أبي عمرو بن مطر قال: سئل ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات. فقال: بدعة ابتدعوها ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد

стр. 118

وإسحق ويحيى بن يحيى وابن المبارك ومحمد بن يحيى وأبي حنيفة ومحمد ابن الحسن وأبي يوسف يتكلمون في ذلك وينهون عن الخوض فيه ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة، فإياك والخوض فيه والنظر في كتبهم بحال. وأخرج عن أبي بكر بن بسطام قال: سألت أبا بكر بن سيار عن الخوض في الكلام، فنهاني عنه أشد النهي. وقال: عليك بالكتاب والسنة وما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فإني رأيت المسلمين في أقطار الأرض ينهون عن ذلك، وينكرونه ويأمرون بالكتاب والسنة. الطبقة الثامنة ثم قال «الطبقة الثامنة» وأخرج فيه من طريق أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا زيد الفقيه المروزي يقول: أتيت أبا الحسن الأشعري بالبصرة فأخذت عنه شيئاً من الكلام، فرأيت من ليلتي في المنام كأني عميت فقصصتها على المعبر فقال: إنك تأخذ علمًا تضل به فأمسكت عن الأشعري، فرآني بعد في الطريق فقال لي: يا أبا زيد أما تأنف أن ترجع إلى خراسان

стр. 119

عالماً بالفروع جاهلًا بالأصول، فقصصت عليه الرؤيا فقال: اكتمها علي ههنا. وأخرج عن أبي الأشعث. قال: قال رجل لبشر بن أحمد أبي سهل الاسفراييني: إنما أتعلم الكلام لأعرف به الدين فغضب، وقال: أو كان السلف من علمائنا كفارًا؟ وأخرج عن أبي محمد الحسن بن أحمد البغدادي الحريري قال: الجلوس للمذاكرة فتح باب الفائدة، وأخرج عن أبي منصور الأزهري في قوله- ﷺ إن من طلب العلم جهلًا. قال يعني علم الكلام وعلم النجوم، وأخرج عن أبي يعقوب ابن زوران الفقيه الفارسي مفتي الحرم بمكة. قال: أجبت عن مسألة في الكلام فرجعت إلى بيتي وما في قلبي من كل ما من الله به على المؤمنين من شيء، حتى قمت، فاغتسلت وسجدت وتضرعت وتبت وبكيت حتى رد علي. وأخرج عن إبراهيم الخواص قال ما كنت زندقة ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة في الدين إلا من قبل الكلام والجدال والمراء. وقال: سمعت الثقة يحكي أن عبد الله بن عدي الصابوني لما حمل إلى بخاري أحضر أبو بكر الشاشي القفال ليكلمه، فقال: لا أكلمه إنه متكلم فقيل له من تكلم؟ قال الأردئي، وسمعت أحمد بن حمزة وأبا علي الحداد يقولان وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد النهاوندي على الإنكار على أهل الكلام. وهجر أبا الفوارس القرمسيني لذلك، قال أحمد بن حمزة: لما اشتد الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس سألوا أبا عبد الله الدينوري، فقال لقيت ألف شيخ على ما عليه النهاوندي.

стр. 120

الطبقة التاسعة ثم قال ((الطبقة التاسعة)) وقال سمعت محمد بن عمر الفقيه أبا الفوارس يقول: سمعت سهل بن محمد الصعلوكي يقول: أقل ما في الكلام من الخسار سقوط هيبة الله من القلب، سمعت منصور بن العباس يقول: ما أحصى ما سمعت أبا الطيب يقول: أنهاكم عن الكلام وتعودون إليه والله الموعد، سمعت عبد الواحد أحمد، سمعت أبا الطيب يقول: لما توفي أبي وعقدت مجلس الفقه عاودني في مجلس الكلام وقالوا: هو من مجالس أبيك فلا تقطعه فما زالوا بي حتى حضرت مجلس الكلام، فجرى مسألة، فقمت ورجعت عن ذلك. وسمعت عبد الواحد بن ياسين المؤدب يقول: رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب بأمره [فأخرجت] من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك. وسمعت عبد الرحمن بن محمد بن الحسين يقول: وجدت أبا حامد الاسفرايني أبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله. وسمعت أحمد بن أبي رافع وخلقا يذكرون من شدة أبي حامد علي الباقلاني، قال: وأنا بلغت رسالة أبي سعيد إلى ابنه سالم ببغداد: إن كنت تريد أن ترجع إلى هراه فلا تقرب الباقلاني.

стр. 121

وسمعت أبي يقول سمعت أبا المظفر جبال بن أحمد الترمذي إمام أهل ترمذ يخشى على أهل الكلام الزندقة، وسمعت محمد بن عبد الرحمن الدباسي يقول: رأيت أبا منصور الحاكم ذكر بين يديه شيء من الكلام، فأدخل أصبعيه في أذنيه. وسمعت عبد الرحمن بن محمد البجلي يقول: سمعت هيصم بن محمد ابن إبراهيم بن هيصم يقول: كنت نظمت في شيء من كلام الأشعث وعلقني فمررت بالصابوني: أبي نصر فسمعت يقول وهو يزكيها رجل البينة وراء الحجة فرجعت وسمعت يحيى بن عمار النيهمي يقول: العلوم خمسة: علم هو حياة الدين وهو علم التوحيد، وعلم هو قوت الدين، وهو العظة والذكر وعلم هو دواء الدين وهو الفقه، وعلم هو داء الدين وهو أخبار فتن السلف، وعلم هو هلاك الدين وهو علم الكلام. قال المؤلف: ووجدت هذا الكلام لأبي منصور الماليني البستي قال ورأيت يحيى بن عمار ما لا أحصى على المنبر ينكر على أهل الكلام. وكذلك رأيت عمر بن إبراهيم ومشايخنا سمعت الحسن بن أبي أسامة المكي سمعت أبي يقول: لعن الله أبا ذر يعني عبد بن أحمد الهروي فإنه أول من حمل الكلام إلى الحرام، وأول من بثه في المغاربة، وسمعت منصور بن إسماعيل سمعت الحسين بن شعيب الفقيه يقول ليحيى بن عمار: سمعت سالمًا، يقول: من لم يقرأ الكلام لم يدن لله دينه. فقلت هل ورئت أباك وسمعت

стр. 122

علي بن محمد الأنصاري يقول سمعت الحسن بن هاني يقول: كلنا قرأ الكلام، ولكنا عقلنا فسكتنا، وحمق أبو الجودي والديناري فافتصحا. وسمعت طاهر بن محمد الماليني يقول شهدت الديناري يستتيبه أبو سعد الزاهد فما رأيته كذلك اليوم في الذل وأدركت مجلس سالم في الجامع يغسل في عهد يحيى بن عمار وعمر بن إبراهيم عن شورى، وسمعت منصور بن إسماعيل الفقيه يحمد الله على ذلك، وجاء سالم يتوب فقال يحيى بن عمار للحاجب: قل له أتينا بكتب الكلام نحرقها بالنار، ولم يأذن له. قال المؤلف ثم إني لا أعلم أني سمعت في عمري بشرا واحدا في بلدتنا يقر على نفسه أو يصرح بشيء من الكلام وهو يعرفه، أو يظهر شيئا من كتبهم، إلا من أحد وجوه أربعة: أحدها: أن يكون رجل علم منه أنه قرأ الكلام؛ فهو يحلف أنه إنما قرأه ليصول به على خصمه، لا ليدين به دينا. والثاني. رجل أخذ عنه .... أنه إنما أخذ عن النقل لا الكلام. والثالث. قوم لحقهم داء من العجب، حتى لحظتهم الأعين بالهوان بصحبة أهل التهمة والركون إليهم. فهم إذا خلوا يتناجون. وإذا برزا يتاجون. والرابع. رجل ظهرت عليه شيء من كتب الكلام بخطه أو قراءته، أو أخذه حيًا أو ميتًا، فكلهم يحمل من أعباء الذل والهجران والطرد ما لا يحمله عيار. ولا تعاد مرضاهم ولا تشيع جنائزهم على أنك لا تعدم منهم قلة الورع وقسوة القلب وقلة الود وسوء الصلاة، والاستخفاف بالسنة، والتهاون بالحديث، والوضع من أهله. وترك الجماعة.

стр. 123

وقد سمعت بعض المتهمين: يقول: وما الكلام؟ كلما خرج من الفم من النطق فهو كلام فهو والله حمق ظاهره أن يكون تلبسه بالشافعي الإمام المطلبي باعتزائه الكاذب إليه وزعمه الباهت عليه. وهو من أشد خلق الله تعالى على المتكليم وأثقله عليهم كما نظمنا عنه من أقاويله الغر في ذمهم. ثم هذا المراوغ يدعي أنه لا يدري ما الكلام، وهؤلاء أئمة الإسلام، وكل هذا التحذير وإيذانه قديمًا بالضرر الكبير، فليبرزوا به إذن من الخباء، وليخرجوا الطبل من الكساء، ويقيموا الخطأ على أولئك السادة الهداة. ويسيروا بنا إلى مسلم أدركه في الكلام رشدًا ولقي به خيرًا، فلا والله لا دين المتناجين دين، ولا رأي المنسارين. ثم أخرج عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا رأيت قومًا يتناجون في أمر دينهم بشيء، فاعلم أنه تأسيس ضلالة، وسمعت إسماعيل بن علي يقول: سمعت فاخر بن معاد يقول لبعض أهل الكلام: إن جئتني بالكلام هشمت أسنانك. وقرأت كتاب محمود الأمير يحث فيه على كشف أستار هذه الطائفة والإفصاح بعيبهم، ويقول فيه: لم يخف أن القرآن يصرح به في الكتاتيب ويجهر به في المحاريب. وحديث المصطفى- ﷺ يقرأ في الجوامع، ويسمع في المجامع، وتشد إليه الرحال، والفقهاء في القلانس مفصحون في المجالس، وأن الكلام في الخفايا، يدس به في الزوايا. قد ألبس أهله ذله، وأشعرهم ظلمه. يرمون بالألحاظ، ويخرجون من الحفاظ، يسب بهم أولادهم ويتبرأ منهم أوداؤهم.

стр. 124

باب: كراهية أخذ العلم عن المتكلمين وأصل البدع ثم قال (باب) كراهية أخذ العلم من المتكلمين وأهل البدع. وأخرج فيه عن أنس مرفوعًا، وابن عباس موقوفًا: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه. وأخرج أبي أمية اللخمي أن رسول الله- ﷺ قال. إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عن الأصاغر. قال ابن المبارك: هم أهل البدع وأخرج عن محمد بن إبراهيم الماستوي أنه ذكر أهل الكلام، فقال: أما استفتاء أخذ منهم. أو أخذ حديث عنهم فهو من عظائم أمور الدين. وأخرج عن علي بن عبد الله بن نجيح المدني قال يوسف بن خالد سقط حديثه من أجل الكلام، وكل من كان صاحب كلام فليس بشيء. قلت: هذا آخر ما لخصته من كتاب ذم الكلام للهروي، وقد اشتمل على نصوص أعيان أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وأتباعهم والمجتهدين أرباب المذاهب وأقرانهم وأصحابهم، وأتباع مذاهبهم والمحدثين والصوفية، ومع ذلك فبقيت نصوص أخرى لم يوردها وأنا متتبعها، ومستوفيها هنا إن شاء الله تعالى. والهروي هذا شيخ الإسلام الحافظ

стр. 125

الإمام الزاهد أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري. من ذرية أبي أيوب الأنصاري. كان حنبليًا حافظًا للحديث، بارعًا في اللغة، آية في التصوف والوعظ، إمامًا متفننا، قائمًا بنصر السنة ورد المبتدعة. وهو صاحب كتاب منازل السائرين. مات في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. كلام الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية ذكر ما وقفت عليه من كلام الحارث بن أسد المحاسبي في ذلك. والحارث هذا قد عده الأستاذ أبو منصور التميمي في الطبقة الأولى من أصحاب الشافعي وقال إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام والزهد والورع والمعرفة. مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قال في كتابه: الرعاية ((باب الغرة بالجدال وحسن البصر بالاحتجاج)) والرد على أهل الأديان. وفرقة جدلة خصمة مغترة بالجدال، والرد على المختلفين من أهل الأهواء وأهل الأديان. يتأول في ذلك أنه لا يصح لأحد عمل حتى يصح

стр. 126

إيمانه، والقول بسنة النبي- ﷺ فليس عند أحدهم أحد يعرف ربه، ولا يقول عليه الحق غيره، أو من كان مثله. ثم هم فرقتان: فرقة ضالة مضلة لا تفطن لضلالته، لا تساعها في الحجاج، ومعرفتها بدقائق مذاهب الكلام، وحسن العبارة بالرد على من خالفها، فهم عند أنفسهم من القائلين على الله بالحق، والرادين لكل ضلالة، لا أحد أعلم منهم بالله، ولا أولى به منهم. والفرقة الثانية من المغترين بالجدل والبصر بالحجاج، تقول بالحق ولا تدين بغيره، وقد اغترت بالجدل. ترى أنه لا يصح لها قول دون الفحص والنظر وقيام الحجة على من خالفها، فقد اغترت بذلك، حتى قطعت أعمارهم بالاشتغال عن الله وعمى عليها أكثر ذنوبها وخطاياها، وهي تظن أن ذلك أولى بها وأقرب لها إلى ربها، وهي أيضًا لا تسلم في مجادلتها من أن تخطئ في تأويلها، وقولها: إلا أن اعتقادها السنة مع اغترارها. ثم قال: (باب) ما تنفى به الغرة بالجدل والحجاج: أما الفرقة الضالة فإنها تنفي ذلك بأن ترجع إلى نفسها، فتعلم أن من القرآن محكمًا ومتشابهًا، وكذلك (من) السنة فلا يقضى بمتشابه على محكم، ويقضى بالمحكم على المتشابه، وأن الخطأ في التأويل لا يحصى، فتتهم نفسها وتعلم أن الله سائلها عما تدين به. والجماعة قد مضت على الهدى وسنة نبيها- ﷺ فلا تخرج من إجماعها وإن حسن ذلك في عقولها فإن تثبتت كما وصفت لك أبصرت ضلالها ولم تغتر بشدة حجاجها إذا علمت أن غيرها ممن خالفها شديد الحجاج.

стр. 127

بصير بالجدل، وهو عندها ضال مضل، وكذلك لا تأمن أن تكون هي عند الله كذلك، وإن أبصرت الجدل والخصومة، فإن اتهمت نفسها على الآراء والتأويل، وتثبتت عند المتشابه فقضت بالمحكم عليه، وأوقفت فيما لم يجعل لها النظر فيه. ولم تخرج عن إجماع من مضي زالت عنها غرتها وثابت إلى ربها من ضلالها. وأما الفرقة المصيبة للحق مع غرتها (عن الله)، بالخصومات والجدل عما هو أولى بها، فإنما تنفي غرتها بذلك، بأن تعلم أن الله تعبد من مضي بما تعبدها. وقد أدرك كثير منهم أهل البدع والأهواء فما جعل عمره ولا دينه غرضًا للخصومات، ولا اشتغل بذلك عن النظر لنفسه والعمل ليوم فقره، إلا أن يرى موضع حاجة يظن أنه إن تكلم بالحق قبل منه. فيقول بالحق ويحذر أن يخطي على الله فيرد الباطل بالباطل، فكانوا على ذلك، وذموا الجدل والخصومات. ورووا ذلك عن النبي- ﷺ رواه عنه أبو أمامة أنه قال: ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل. وذم الله تعالى ذلك فقال ﴿ألد الخصام﴾ وقال لقريش ﴿بل هم قوم خصموم﴾ فذم المراء والجدل فليرجع إلى نفسه، فيقول لها: إنما تدعينني إلى الإتباع والسنة بجدلك لأهل الأهواء ودعائك لهم بالجدل، والمراء ترك السنة، لأن النبي- ﷺ نهى بسنته عن الجدل والخصومات وغضب على أصحابه حتى كأنما فقئ في

стр. 128

وجهه حب الرمان- جمرة الغضب- إذ خرج عليهم (وهم) يختصمون، وهم أولي الخلق بالفهم والبصر بالحجاج، فقال: ألهذا بعثتم أم بهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. انظروا ما أمرتم به، فاعملوا به، وما نهيتم عنه فانتهوا. ثم هو في نفسه- ﷺ قد بعث إلى جميع أهل الأديان، فما جادلهم إلا بما تلى عليهم من التنزيل، ولو شاء كلمهم بالمقاييس ودقيق الكلام. ولو كان ذلك هدي كان أولى به وعليه أقوى، فلم يقم عليه الحجة إلا بالتنزيل، وضرب عن جدلهم بالدقائق وعلم أن ذلك رضى ومحبة لربه. فترك الجدل والخصومات من السنة. ونرجع إليها أيضًا بأخرى من التذكرة، فنقول: إني لو نجوت وعطب أهل الأرض من أهل الأهواء ما ضرني ذلك ولو عطبت ونجوا ما نفعني، فإقامتي الحجة عليهم وتركي أن أقيم الحجة على نفسي، لله من تضييع أمره، حتى أؤدي ما أمرني به، وأنتهي عما نهاني عنه. وأربح أيام عمري ليوم فقري وفاقتي أولى بي. فقد شغلني عن نفسي و (عن العمل) نجاتي. ومع ذلك ما يؤمنني أن أقيم الحجة ببعض التأويل أو القياس أرى أنه هدى، وهو عند الله (ضلال) كذب عليه. وقد تبين لي ذلك فيما مضى من عمري، فقد كنت أقول القول ثم يتبين لي أنه خطأ فأرجع عنه، فما كانت حالي عند ربي أن لو مت على حالي تلك، فلذلك لا آمن مثلها، ثم أموت عليها، قبل أن أعرف خطئي. فإذا أنا قد أهلكت نفسي بطلبي لنجاة غيري.

стр. 129

ومع ذلك أنه لو كانت المجادلة من السنة ولم أكن أشتغل بها عن العمل لآخرتي، وأمنت الخطأ في حجاجي لما كان لكلامهم موضع فيه بر وخير في آخرتي، إذا لم أر أحدًا منهم رجع عن قوله ولا تاب من بدعته، فلو كان ذلك كذلك لكنت معنيًا بنفسي فكيف وقد نهيت عن الجدل وهو يشغلني عن العمل لنجاتي، ومع ذلك أتعرض للخطأ على الله والكذب عليه، أو في دينه، وأنا لا أشعر. فإذا رجع إلى نفسه بذلك، أبصر غرته. واهتم بنفسه، وعلم أنه كان في غرور وزخرف من رأيه، وأنه قد مضى عمره بترك ما هو أولى به، فحينئذ يهتم للعمل، ويتفقد عيوبه، والتوبة منها قبل لقاء ربه .

стр. 130

كلام البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد ذكر ما وقفت عليه من كلام البخاري صاحب الصحيح في ذلك، وهو من الموصوفين بالاجتهاد. قال في كتابه (خلق أفعال العباد): المعروف عن أحمد وأهل العلم أنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبينه الرسول- ﷺ قال تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. ثم أخرج من طريق مرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي- ﷺ قومًا يتدارون فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه ببعضًا، فلا تضربوا بعضه ببعض، ما علمتم منه، فقولوا، (وما أشكل عليكم) فكلوه إلى عالمه. وأخرج من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن النبي- ﷺ قال: إنكم: ما اختلفتم في شيء، فردوه إلى الله وإلى محمد- ﷺ . وأخرج حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.

стр. 131

قال: وأمر عمر أن ترد الجهالات إلى الكتاب والسنة. قال البخاري: فكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخوق فإنه يعرف ويرد جهله إلى الكتاب والسنة. فمن أبى بعد العلم به كان معاندًا. قال الله تعالى ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾. وقال ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا. قال البخاري: وكل من اشتبه عليه شيء فأولى له أن يكله إلى عالمه لحديث ابن عمرو. ولا يدخل في المتشابهات إلا ما بين له. ثم أخرج حديث عائشة في قوله: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فهم الذين على الله، فاحذروهم.

стр. 132

كلام ابن جرير الطبري في كتاب صريح السنة ذكر ما وقفت عليه من كلام أبي جعفر بن جرير الطبري في ذلك، وهو أحد الأئمة المجتهدين، له مذهب مستقل فيه تصانيف مدونة، وأتباع كانوا يفتون بقوله ويحكمون، منهم المعافى بن زكريا الجريري وغيره. قال ابن السمعاني في الأنساب: الجريري- بفتح الجيم وكسر الراء- نسبة إلى مذهب ابن جرير الطبري. وقال الخطيب: كان ابن جرير أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره. فكان عارفًا بكتاب الله، عارفًا بالقراءات بصيرًا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن. عالمًا بالسنن وطرقها، وصحيحها، وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم. وله كتب كثيرة في التفسير والآثار وأصول الفقه وفروعه. وقال ابن السبكي في الطبقات: كان مجتهدًا مطلقًا أحد أئمة الدنيا، وكان تفقه أولًا للشافعي. أخذ عن الزعفراني، والربيع المرادي، ثم استقل وألف كتبًا في مذهب نفسه. مات سنة عشر وثلاثمائة. قلت: وهو عندي المبعوث على رأس المائة الثالثة، وقد بسطت ترجمته في طبقات المفسرين.

стр. 133

قال في كتابه المسمى صريح السنة: الحمد لله مفلح الحق وناصره، ومدحض الباطل وما حقه، الذي اختار الإسلام لنفسه دينًا فأمر به وحاطه وتوكل بحفظه، وضمن إظهارها على الدين كله، ولو كره المشركون ثم اصطفى من خلقه رسلًا؛ ابتعثهم بالدعاء إليه، وأمرهم بالقيام به، والصبر على ما نابهم فيه من جهلة خلقه، وامتحنهم من المحن بصنوف وابتلاهم من البلاء بضروب، تكريمًا لهم غير تدليل وتشريف غير تخسير، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، فكان أرفعهم عنده درجة أحدهم إمضاء لأمره مع شدة المحنة، وأقربهم إليه زلفى أحسنهم نفادًا لما أرسله به مع عظم البلية. يقول الله في محكم كتابه لنبيه- ﷺ ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ وقال له- ﷺ ولأتباعه رضوان الله عليهم ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا. إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلى المؤمنون، وزلزلوا زلزالًا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلى غرورا﴾. وقال تعالى ﴿ألم أحسن الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن الكاذبين﴾. فلم يخل جل ثناؤه أحدًا من مكرمي رسله ومقربي أوليائه من محنة في عاجله دون آجله ليستوجب بصبره عليها من ربه من

стр. 134

الكرامة ما أعده له، ومن المنزلة لديه ما كتبه له. ثم جعل تعالى ذكره- علماء كل أمة نبي ابتعثه منهم ورثته من بعده، والقوام بالدين بعد اخترامه إليه وقبضه، الذابين عن عراه وأسبابه، والحامين عن أعلامه وشرائعه، والناصبين دونه لمن عانده وجادله، والدافعين عنه كيد الشيطان وضلاله، فضلهم بشرف العلم، وكرمهم بوقار الحلم؛ وجعلهم للدين وأهله أعلامًا، وللإسلام والهدى منارًا، وللخلق قادة وللعباد أئمة وسادة، إليهم مفزعهم عند الحاجة، وبهم استغاثتهم عند النائبة لا يثنيهم عن التعطف والتحنن عليهم سوء ما بهم من أنفسهم، يولون ولا يصدهم عن الرقة عليهم، والرأفة بهم قبح ما إليه يأتون. تحريا منهم طلب جزيل ثواب الله فيهم. وتوخيًا طلب رضي الله في الأخذ بالفضل عليهم. ثم جعل جل ذكره علماء أمة نبينا- ﷺ من أفضل علماء الأمم التي خلت قبلها فيما كان قسم لهم من المنازل والدرجات والمناقب والمكرمات، فكمل وأجزل لهم فيه حظًا، ونصيبًا مع ابتلاء الله أفاضلها بمنافقيها، وامتحانه خيارها بشرارها؛ ورفعها بسفلها ووضعائها، فلم يكن يثنيهم ما كانوا به مهم يبتلون، ولا كان يصدهم ما في الله منهم يلقون عن النصيحة لله في عباده وبلاده أيام حياتهم. بل كانوا بعلمهم على جهلهم يعودون. وبحملهم لسفههم يتعهدون وبفضلهم على نقصهم يأخذون. بل كان لا يرضى كثير منهم ما أزلفه لنفسه عند الله من فضل ذلك أيام حياته، وادخر منه من كريم الذخائر لديه قبل مماته، حتى تبقى لمن بعده آثارًا على الأيام باقية. ولهم إلى الرشاد هادية جزاهم الله عن أمة نبيهم- ﷺ أفضل ما جزى عالم أمة عنهم وحباهم من الثواب أجزل الثواب. وجعلنا ممن

стр. 135

قسم له من صالح ما قسم لهم، وألحقنا بمنازلهم وكرمنا بحبهم، ومعرفة حقوقهم، وأعاذنا والمسلمين جميعًا من مرديات الأهواء ومضلات الآراء، إنه سميع الدعاء. ثم إنه لم يزل من بعد مضي رسول الله- ﷺ لسبيله حوادث في كل دهر تحدث ونوازل في كل عصر تنزل يفزع فيها الجاهل إلى العالم فيكشف فيها العالم سدف الظلام عن الجاهل بالعلم الذي أتاه الله وفضله به على غيره. إما من أثر وإما من نظر: فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله- ﷺ من الحوادث التي تنازعت فيها أمته واختلافها في أفضلهم بعده- ﷺ وأحقهم بالإمامة وأولاهم بالخلافة. ثم القول في أعمال العباد طاعاتها ومعاصيها. وهل هي بقضاء الله وقدره أم الأمر في ذلك مفوض إليهم؟ ثم القول في الإيمان هل هو قول وعمل، أم هو قول بغير عمل؟ وهل يزيد وينقص أم لا زيادة له ولا نقصان؟ ثم القول في القرآن: هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ ثم رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ثم القول في إلفاظهم بالقرآن؟ ثم حدث في دهرنا هذا حمقات خاض فيها أهل الجهل والعناد- نوكي الأمة- والرعاع يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها منها القول: في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره؟ ونحن نبين الصواب لدينا من القول في ذلك. ثم تكلم على المسائل المذكورة مسألة مسألة بالأثر. ثم قال: وأما القول في إلفاظ العباد بالقرآن، ولا أثر فيه نعلمه عن صحاب مضى، ولا تابعي قفى، إلا عمن في قوله الغنى والشفاء، وفي اتباعه

стр. 136

الرشد والهدى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأول أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: اللفظية جماعة تقول: الله حتى تسمع كلام الله ممن يسمع، ثم سمعت جماعة من أصحابنا يذكرون عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال هو غير مخلوق فهو مبتدع، ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله: إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه وفيه الكفاية والمقنع، وهو: الإمام المتبع. وأما القول في الاسم أهو المسمى أم هو غير المسمى؟ فإنه من الحمقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتتبع، ولا قول من إمام فيستمع. فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين اهـ. * * * ذكر ما وقفت عليه من كلام أبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي في ذلك رأيت له رسالة في الغنية عن الكلام. كلام أبي أحمد بن محمد الخطابي في رسالته الغنية عن الكلام قال في أولها: عصمنا الله وإياك أخي من الأهواء المضلة والآراء المغوية والفتن المحيرة، ورزقنا وإياك الثبات على السنة، والتمسك بها ولزوم الطريقة المستقيمة التي درج عليها السلف، وانتهجها بعدهم صالحو الخلف، وجنبنا وإياك مداحض البدع وثنيات طرقها العادلة عن نهج الحق وسواء الواضحة، وأعاذنا وإياك من حيرة الجهل وتعاطي الباطل، والقول بما ليس لنا به علم والدخول فيما لا يعنينا، والتكلف لما قد كفينا الخوض فيه ونهينا عنه. ونعمنا وإياك بما عملنا، وجعله سببًا لنجاتنا، ولا جعله وبالا علينا برحمته. وقفت على مقالك أخي وليك الله بالحسنى، وما وصفته من أمرنا ناحيتك، وما ظهر بها من مقالات أهل الكلام وخوض الخائضين فيها، وميل بعض

стр. 137

منتحلي السنة إليها واغترارهم بها. أو اعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة، وجنة لها يذب ب عنها، ويذاد بسلاحه عن حرمها، وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك بمجالسهم، وتعذر الأمر عليك في مقارقتهم، لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله؛ وبين أن تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره، وكلا الأمرين يصعب عليك. أما القبول فلأن الدين يمنعك منه، ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه. وأما الرد والمقابلة، فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول. ويؤاخذونك بقوانين الجدل ولا يقنعون منك بظواهر الأمور. وسألتني أن أمدك بما يحضرنا في نصرة الحق من علم وبيان. وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان، وأن أسألك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها، ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها، فرأيت إسعافك به لازمًا في حق الدين .. وواجب النصيحة لجماعة المسلمين، فإن الدين النصيحة. واعلم أخي أدام الله سعادتك أن هذه الفتنة قد عمت اليوم، وشملت وشاعت في البلاد واستفاضت، فلا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله تعالى. وذلك مصداق قول النبي- ﷺ : ((إن الدين بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)) فنحن اليوم في ذلك الزمان وبين أهله فلا تنكر ما نشاهده منه. وسلوا الله العافية من البلاء، وأحمده على ما وهب لك من السلامة، وحاطك به من الرعاية وجميل الولاية. ثم إني تدبرت هذا الشأن، فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته: يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم وفضل

стр. 138

ذكاء وذهن، ويوهمه أنه إن رضي في عمله ومذهبه بظاهر من السنة. واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة للعامة، وعد واحدًا من الجمهور والكافة، فإنه قد ضل فهمه، واضمحل لفظه وذهنه. فحركهم بذلك على التنطح في النظر والتبدع لمخالفة السنة والأثر ليبينوا بذلك من طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، فاختدعهم بهذه المحجة حتى استنزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في مشبهات تعلقوا بزخارفها وتاهوا عن حقائقها، فلم يخلصوا منها إلى شفا نفس ولا قبلوها بيقين علم. ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض، وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم. ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله- ﷺ ولسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها، وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزندق، ونسبوهم إلى ضعف المنة وسوء المعرفة، لمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله ولو سلكوا سبيل القصد، ووقعوا عندما انتهى بهم التوقيف. لوجدوا برد التقى وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. واعلم أدام الله توفيقك أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزًا عنه ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة. وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء وهذه النحل والأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة، وأضربوا

стр. 139

عنها لما تحققوا من فتنتها، وحذروه من سوء مغبتها، وقد كانوا على سنة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم، لما هداهم الله له من توفيقه، وشرح به صدورهم من نور معرفته. ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته، وتوقيف السنة وبيانها، غناء، وممدوحة عما سواهما وأن الحجة قد وقعت بهما والعلة أزيحت بمكانهما. فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم بها، واعترضهم الملحدون بشبههم، والمتحذلقون بجدلهم، حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل، لم يقووهم، ولم يظهروا في الحجاج عليهم، فكان ذلك ضلة من الرأي، غبنا منه، وخدعة من الشيطان، والله المستعان. فإن قال هؤلاء القوم فإنكم قد أنكرتم الكلام ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها. وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقًا، وإن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟ قلنا إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف. ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصائع، ونرغب عنها إلى ما هو أضح بيانًا، وأصح برهانًا، وإنما هو الشيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه. وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون

стр. 140

لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور، ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء. فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والانقطاع على سالكها، وبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع وإثبات توحيده وصفاته، وسائر ما ادعى على أهل الكلام تعذر الوصول إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه، ومن الطريقة التي يسلكونها ويزعمون أن من لم يتوصل إليه من تلك الوجوه كان مقلدًا غير موحد على الحقيقة، هو أن الله تعالى لما أراد إكرام من هداه لمعرفته بعث رسوله محمد- ﷺ بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا وقال له ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. وقال- ﷺ في خطبة الوداع وفي مقامات له شتى وبحضرته عامة أصحابه: ألا هل بلغت؟ وكان الذي أنزل إليه من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله (اليوم اكملت لكم دينكم) فلم يترك- ﷺ شيئًا من أمر الدين، قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله، إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال. ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت وزمان، ولو أخر عنه البيان، لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز.

стр. 141

وإذا كان الأمر على ما قلناه وقد علمنا يقينًا أن النبي- ﷺ لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها، إذ لا يمكن أحدًا من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن أصحابه من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا من طريق تواتر ولا آحاد، علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم. ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدال، لعدوا في جملة المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم، كما نقل أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم، فلما لم يظهر ذلك، دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل، وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه: أحدها ثبوت النبوة بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره وأعجزهم شأنه، وقد تحداهم به، وبسورة من مثله، وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء، فكل عجز عنه، ولم يقدر على شيء منه بوجه إما بأن لا يكون من قواهم ولا من طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه وبديع نظمه، وحسن معانيه. وإما أن يكون ذلك في وسعهم وتحت قدرتهم طبعًا وتركيبًا، ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته، وحجة عليهم في وجوب تصديقه. وإما أن يكون إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان، والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون. وعلى الوجوه كلها فالعجز موجود، والانقطاع حاصل هذا إلى ما شاهدوه من آياته وسائر معجزاته المشهورة عنه الخارجة عن رسوم الطباع الناقضة للعادات كتسبيح الحصى في كفه، وحنين الجزع لمفارقته، وزحف الجبل تحته، وسكوته لما ضربه

стр. 142

برجله، وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليها، وسجود البعير له، ونبوع الماء من أصابعه، حتى توضأ به بشر كثير، وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه، حتى أكل منه عدد جم. وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة، وأمور كثيرة يكثر تعدادها، وهي مشهورة ومجموعة في الكتب التي انتسبت لمعرفة هذا الشأن. فلما استقر بما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم، وثبت ذلك في عقولهم، صحت عندهم نبوته، وظهرت عن غيره بينونته، ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته، وإلى ذلك مما وجدوه في أنفسهم، وفي سائر المصنوعات، من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعًا حكيمًا عالمًا خبيرًا، تام القدرة، بالغ الحكمة. وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة، ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم ما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك، والجوارح التي يتأثر بها القبض والبسط، والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها، كالأضراس الحادثة فيهم عند غنائهم عن الرضاع، وحاجتهم إلى الغذاء فيقع بها الطحن له وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء، والكبد التي يسلك إليه صفاوته، وغنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن، وكالأمعاء التي إليها يرسب ثقل الغذاء وتمجه، فيبرز عن البدن.

стр. 143

وكقوله ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت﴾. وكقوله ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ وما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه. فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم تبينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها. ثم علموا سائر صفاته توقيفًا عن الكتاب النمزل الذي بان حقه، وعن قول النبي- ﷺ المرسل الذي قد ظهر صدقه. ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم كافة عن كافة، قرنًا بعد قرن، فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواترًا واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة. وينقطع فيه العذر، ثم كذلك من بعدهم عصرًا بعد عصر إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة وتقوم به الحجة. فكان ما اعتمده المسلمون في الاستدلال من ذلك أصح وأبين في التوصل إلى المقصود به أقرب، إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني تدرك بالحس وبمقدمات من العلم مركبة عليها لا يقع الخلف في دلالتها. فأما الأعراض فإن التعلق بها: إما أن يكون عسرًا. وإما أن يكون تصحيح الدلالة من جهتها عسرًا متعذرًا. وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها. فمن قائل- لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلًا.

стр. 144

وقائل: إنها قائمة بأنفسها لا تخالف الجواهر في هذه الصفة إلى غير ذلك في الاختلاف فيها. وأوردوا في نفيها شبها قوية، فالاستدلال بها والتعلق بأدلتها لا يصح إلا بعد التخلص من تلك الشبه والانفكاك عنها. والطريقة التي سلكناها سليمة من هذه الآفات، بريئة من هذه العيوب. فقد بان ووضح فساد قول من زعم وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده من الوجه الذي يصححونه في الاستدلال، فإنه غير موحد في الحقيقة، لكنه مستسلم مقلد، وأن سيبله سبيل الذرية في كونها تبعًا للآباء في الإسلام. وثبت أن قائل هذا القول مخطئ، وبين يدي الله ورسوله مقدم، وبعامة الصحابة، وجمهور السلف مزر، وعن طريق السنة عادل، وعن نهجها ناكب. فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف. فلا تشتغل رحمك الله بكلامهم ولا تغتر بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض. وما من كلام نسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه. فكل بكل معارض وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام. وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بعودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعًا، وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه عليه- والجدل لا يبين به حق. ولا تقوم به حجة.

стр. 145

وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين. كلتاهما باطلة، ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه، غير مصحح مذهب، وإن كان مفسدًا به قول خصمه، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ مشتركان فيه كقول الشاعر فيهم: حجج تهافت كالزجاج تخالها *** حقًا وكل كاسر مكسور وإنما كان الأمر كذلك، لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي ينصرها أصلا صحيحا وإنما هو أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل. فيكثر المقال ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب. قال الله تعالى ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فإنه ليس من عنده. وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله سبحانه عنه. ثم قال في صفة الحق: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ فإن قيل: إن دلائل النبوة ومعجزات النبي- ﷺ ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر، والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها. قيل: هذه الأخبار، وإن كان شروط التواتر في آحادها معدومة، فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر، ومتعلقة به حينا لأن بعضها يوافق بعضًا ويجانسه، إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز، والأمر المزعج للخواطر،
следующие страницы →