← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 151019

صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام

الجلال السيوطي

Полный текст (255 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإذا كان الأمر على ما قلناه وقد علمنا يقينًا أن النبي- ﷺ لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض، وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها، إذ لا يمكن أحدًا من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن أصحابه من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا من طريق تواتر ولا آحاد، علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم. ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدال، لعدوا في جملة المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم، كما نقل أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم، فلما لم يظهر ذلك، دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل، وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه: أحدها ثبوت النبوة بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره وأعجزهم شأنه، وقد تحداهم به، وبسورة من مثله، وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء، فكل عجز عنه، ولم يقدر على شيء منه بوجه إما بأن لا يكون من قواهم ولا من طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه وبديع نظمه، وحسن معانيه. وإما أن يكون ذلك في وسعهم وتحت قدرتهم طبعًا وتركيبًا، ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته، وحجة عليهم في وجوب تصديقه. وإما أن يكون إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان، والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون. وعلى الوجوه كلها فالعجز موجود، والانقطاع حاصل هذا إلى ما شاهدوه من آياته وسائر معجزاته المشهورة عنه الخارجة عن رسوم الطباع الناقضة للعادات كتسبيح الحصى في كفه، وحنين الجزع لمفارقته، وزحف الجبل تحته، وسكوته لما ضربه

стр. 142

برجله، وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليها، وسجود البعير له، ونبوع الماء من أصابعه، حتى توضأ به بشر كثير، وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه، حتى أكل منه عدد جم. وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة، وأمور كثيرة يكثر تعدادها، وهي مشهورة ومجموعة في الكتب التي انتسبت لمعرفة هذا الشأن. فلما استقر بما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم، وثبت ذلك في عقولهم، صحت عندهم نبوته، وظهرت عن غيره بينونته، ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب، ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله تعالى، وإثبات صفاته، وإلى ذلك مما وجدوه في أنفسهم، وفي سائر المصنوعات، من آثار الصنعة، ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعًا حكيمًا عالمًا خبيرًا، تام القدرة، بالغ الحكمة. وقد نبههم الكتاب عليه، ودعاهم إلى تدبره وتأمله، والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة، ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم ما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك، والجوارح التي يتأثر بها القبض والبسط، والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها، كالأضراس الحادثة فيهم عند غنائهم عن الرضاع، وحاجتهم إلى الغذاء فيقع بها الطحن له وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء، والكبد التي يسلك إليه صفاوته، وغنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن، وكالأمعاء التي إليها يرسب ثقل الغذاء وتمجه، فيبرز عن البدن.

стр. 143

وكقوله ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت﴾. وكقوله ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ وما أشبه ذلك من جلال الأدلة، وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول، وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه. فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه، ثم تبينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها. ثم علموا سائر صفاته توقيفًا عن الكتاب النمزل الذي بان حقه، وعن قول النبي- ﷺ المرسل الذي قد ظهر صدقه. ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم كافة عن كافة، قرنًا بعد قرن، فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواترًا واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة. وينقطع فيه العذر، ثم كذلك من بعدهم عصرًا بعد عصر إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة وتقوم به الحجة. فكان ما اعتمده المسلمون في الاستدلال من ذلك أصح وأبين في التوصل إلى المقصود به أقرب، إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني تدرك بالحس وبمقدمات من العلم مركبة عليها لا يقع الخلف في دلالتها. فأما الأعراض فإن التعلق بها: إما أن يكون عسرًا. وإما أن يكون تصحيح الدلالة من جهتها عسرًا متعذرًا. وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها. فمن قائل- لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلًا.

стр. 144

وقائل: إنها قائمة بأنفسها لا تخالف الجواهر في هذه الصفة إلى غير ذلك في الاختلاف فيها. وأوردوا في نفيها شبها قوية، فالاستدلال بها والتعلق بأدلتها لا يصح إلا بعد التخلص من تلك الشبه والانفكاك عنها. والطريقة التي سلكناها سليمة من هذه الآفات، بريئة من هذه العيوب. فقد بان ووضح فساد قول من زعم وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده من الوجه الذي يصححونه في الاستدلال، فإنه غير موحد في الحقيقة، لكنه مستسلم مقلد، وأن سيبله سبيل الذرية في كونها تبعًا للآباء في الإسلام. وثبت أن قائل هذا القول مخطئ، وبين يدي الله ورسوله مقدم، وبعامة الصحابة، وجمهور السلف مزر، وعن طريق السنة عادل، وعن نهجها ناكب. فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف. فلا تشتغل رحمك الله بكلامهم ولا تغتر بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض. وما من كلام نسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه. فكل بكل معارض وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام. وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بعودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعًا، وجعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمه عليه- والجدل لا يبين به حق. ولا تقوم به حجة.

стр. 145

وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين. كلتاهما باطلة، ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه، غير مصحح مذهب، وإن كان مفسدًا به قول خصمه، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ مشتركان فيه كقول الشاعر فيهم: حجج تهافت كالزجاج تخالها *** حقًا وكل كاسر مكسور وإنما كان الأمر كذلك، لأن واحدًا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي ينصرها أصلا صحيحا وإنما هو أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل. فيكثر المقال ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب. قال الله تعالى ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾. فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فإنه ليس من عنده. وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله سبحانه عنه. ثم قال في صفة الحق: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ فإن قيل: إن دلائل النبوة ومعجزات النبي- ﷺ ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر، والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها. قيل: هذه الأخبار، وإن كان شروط التواتر في آحادها معدومة، فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر، ومتعلقة به حينا لأن بعضها يوافق بعضًا ويجانسه، إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز، والأمر المزعج للخواطر،

стр. 146

الناقض لمجرى العادات. ومثال ذلك: أن يروي قوم أن حاتم طي وهب لرجل مائة من الإبل. ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفًا من الغنم. وآخرون أنه وهب لآخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق، وما يشبه ذلك، حتى يكثر عدد ما يروى منه، فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعًا نوعًا فقد ثبت التواتر في جنسها، فقد حصل من جملتها العلم الصحيح بأن حاتمًا سخي. كذلك هذه الأمور فإن لم تثبت أفراد أعيانها تواترًا فقد ثبتت برواية الجم الغفير الذي لا يحصى عددهم، ولا يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم أنه جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في قدرتهم، فصح بذلك أمر نبوته، وبالله التوفيق. فإن قيل: فيجب على هذه المقدمة التي قدمتموها: أن لا يكون الإيمان بالله، ولا معرفة وحدانيته واجبًا على من يعقل قبل أن يبعث إليه رسول، وأن الاختلاف لا يكون بتركته مؤاخذًا عليه معاقبًا، قيل: كذلك نقول: وعليه دل قوله سبحانه ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقوله حكاية عمن استحق العقوبة على ترك الإيمان به وبالبعث ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا بلى﴾. فأقام الحجة عليهم ببعثه الرسل. فلو كانت الحجة لازمة بنفس العقل، لم تكن بعثة الرسل شرطًا لوجوب العقوبة. وقال- ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فدل على أنه الداعي إلى الإيمان وصح أن الدعوة له والحجة إنما تقوم به. هذا آخر كلام الخطابي، وكان إمامًا في الفقه واللغة وغيرها. توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.

стр. 147

ذكر كلام أبي القاسم اللالكائي في كتابه أصول السنة قال في أول كتابه أصول السنة. أما بعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها، والاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول، كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله- ﷺ وصحابته الأخيار والمتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها والمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مما أحدثها المضلون. هذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة، التي عملت عليها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين. واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين. ثم من اقتدى بهم من الأئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين، واجتهد في سلوك سبيل المتقين وكان مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فمن أخذ في مثل هذه المحجة وداوم بهذه الحجج على منهاج الشريعة أحسن في دينه التبعة، في العاجلة والآجلة. وتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، واتقى بالجنة التي يتقي بمثلها، فيتحصن بجملتها، ويستعجل بركتها، ويحمد عاقبتها في المعاد والمآل.

стр. 148

ومن أعرض عنها. وابتغى الحق في غيرها مما يهواه، أو يروم سواها فيما تعداه أخطأ فيما اختار بغيته وأغواه، ومسك به سبل الضلالة، وأرداه في مهاوي الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله، بضرب الأمثال، ودفعها بأنواع المحال، والحيد عنهما بالقيل والقال، مما لم ينزل الله به من سلطان ولا عرفه أهل التأويل واللسان. ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان. فقد استحوذ عليه الشيطان. وأحاط به الخذلان، وأغراه بعصيان الرحمن، حتى كابر نفسه بالزور والبهتان، فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب، وفهمه المقلوب، بتقبيح القبيح من حيث وهم، أو بتحسين الحسن بظنه، فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله، والطعن عليهما ومخاصمًا بالتأويلات البعيدة فيهما أو مسلطًا رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة، حتى يتسق الكتاب والسنة على مذهبه وهيهات أن ينفق. ولو أخذ سبيل المؤمنين وسلك مسلك المتبعين، لبنى مذهبه عليهما واقتدى بهما، ولكنه مصدود، وعن الخير مصروف، فهذه حالته إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة. فأما إذا رجع إلى أصله، وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار، واستقبل أجلهم بهت الجدل والنظر من غير اتفكار. وأخذ في الهزء والتعجب من غير اعتبار، استهزاء بآيات الله وحكمته، واجتراء على دين رسول الله وسنته، وقابلهما

стр. 149

برأي النظام والعلاف والجبائي وابنه الذين هم قلدة دينه. قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله، ولم يتفكروا في معنى آية ففسروها أو تأولوها، على معنى إتباع من سلف صالح علماء الأمة إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة. فيعد رأي هؤلاء حكمة وعلمًا وحججًا وبراهين. ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشوًا وتقليدًا، وحملتهما جهالًا. ثم تخطئة المسلمين. وإنما وجه خطئهم عندهم إعراضهم عما نصبوا من آرائهم لنصرة جدلهم، وترك أتباعهم لمقالتهم، واستحسانهم لمذاهبهم، فهو كما قال الله تعالى ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيام عذاب الحريق﴾. ثم ما قرفوا به المسلمين من التقليد والحشو، ولو كشف لهم عن حقيقة مذاهبهم كانت أصولهم المظلمة وآراؤهم المحدثة وأقاويلهم المنكرة، بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق. إذ لا استناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى

стр. 150

قول سلف الأمة باتفاق مخالف أو موافق. إذ فخره على مخالفيه بحذقه، واستخراج مذاهبه بعقله وفكره، من الدقائق، وإنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق. فليس بحقيق من هذه أصوله أن يغيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما وأذعن لهما واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص أو استحالة أن يطعن عليه، لأنه بإجماع المسلمين على طريق الحق أقوم، وإلى سبيل الرشاد أهدى وأعم، وبنور الاتباع أسعد، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولًا، ولا الاعتصام بسنة رسوله إلا منكرًا متعجبًا ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرًا مستهزئًا، لا شيء عنده إلا مضغ الباطل والتكذيب على الله ورسوله والصالحين من عباده، وإنما دينه الضجاج، والبقباق، والصياح، واللقلاق. ثم إنه من حيث حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام. وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، لم تر دعوتهم انتشرت في عشر منابر من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة، بل كانت داحضة وضيعة مهجورة، وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نائرة. وكان أول ما ظهر من هذه البدع التنازع في القدر، حتى سئل عبد الله ابن عمر، فروى عن رسول الله- ﷺ الخبر بإثبات القدر والإيمان به، وحذر من خلافه. وكذلك عرض على ابن عباس وأبي سعيد

стр. 151

الخدري وغيرهم فصنعا مثل ذلك، وحث العلماء على اجتناب هؤلاء، ونبهوا المسلمين من مكالمتهم، خوفًا أن يضلوا مسلمًا عن دينه بشبهة، وامتحان، أو بزخرف قول من لسان. فمضت على هذا القرون يتواصل الأولون للآخرين حتى ضرب الدهر ضرباته، وأبدى من نفسه حدثاته، وظهر قوم أجلاف، زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق العقول، وأهدى إلى التحقق، وأحسن نظرًا منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم. ورغبوا عن مكالمتهم لقلة فهمهم، وأن نصرة مذهبهم في الجدال معهم، حتى أبدلوا من الطيب خبيثًا، ومن القديم حديثًا، وعدلوا عما كان عليه رسول الله- ﷺ وبعثه الله به، وأوجب عليه دعوة الخلق إليه، وامتن على عباده بإتمام نعمته عليهم بالهداية إلى سبيله فقال تعالى ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾. فوعظ الله عباده بكتابه؛ وحثهم على إتباع سنة رسوله ليبين لهم حكمته، ويدعو إلى دينه بكتابه وسنته فقال في آية أخرى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، لا بالجدال والخصومة، فرغبوا عنها وعولوا على غيرها، فسلكوا بأنفسهم مسلك المضلين، وخاضوا مع الخائضين، ودخلوا في ميدان المتحيرين، وابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة رغبة للغلبة وقهر المخالفين للمقابلة. ثم اتخذوها دينًا واعتقادًا [بعد] ما كانت دلائل الخصومات

стр. 152

والمغايظات وظللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين، وتسموا بالسنة والجماعة ومن تحيز عنهم، وسموه بالجهل والغباوة، فأجابهم إلى ذلك من لم يكن له قدم في معرفة السنة، ولم يسع في طلبها بما يلحق فيها من المشقة، وطلب لنفسه الدعة والراحة. واقتصر على اسمه دون رسمه لاستعجال الرياسة ومحبة اشتهار الذكر عند العامة، والتلقب بإمام أهل السنة وجعل دأبه: الاستخفاف بنقله الأخبار، وتزهيد الناس أن يتدينوا بالآثار بجهله بطريقها وصعوبة المرام بمعرفة معانيها وتصور فهمه عن مواقع الشريعة منها ورسوم التدين بها. حتى عفت رسوم الشرائع الشريفة، ومعاني الأسانيد القديمة، وفتحت دواوين الأمثال والشبهة، وطويت دلائل الكتاب والسنة. وانقراض من كان يتدين بحججها، للأخذ بالثقة، وبتمسك بها للضنة، ويصون سمعه عن هذه البدع المحدثة. وثار كل من أراد صاحب مقالة. ووجد على ذلك الأصحاب والأتباع، وتوهم أنه ذاق حلاوة السنة والجماعة بتفادي بدعته، وكلا، إنه كما ظنه، أو خطر بباله. إذ أهل السنة لا يرغبون عن طرائقهم من الإتباع، وإن نشروا بالمناشير ولا يستوحشون لمخالفة أحد بزخرف قول من غرور أو بضرب أمثال زور. فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة. ولم يكن لهم قهر ولا ذلك أعظم مما تركهم السلف على تلك الحالة يموتون من الغيظ كمدا ودردًا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلًا، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقًا، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلًا، حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من

стр. 153

الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشبه في الحجج، وبلغوا من التدقيق في اللجج، فصاروا أقرانًا وأخدانًا، وعلى المداهنة خلانًا وإخوانًا، بعد أن كانوا في الله أعداء وأضدادًا، وفي الهجرة في الله أعوانًا، يكفرونهم في وجوههم عيانًا، ويلعنونهم جهارًا. وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين. ونسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا، وأن يمسكنا بالإسلام والسنة، ويعصمنا بهما بفضله ورحمته، إنه على ما يشاء قدير. فهلم الآن إلى تدين المتبعين، وسيرة المتمسكين، وسبيل المقتدين بكتاب الله وسنته، والمتأدبين بشرائعه وحكمته الذين قالوا ﴿ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين﴾ وتنكبوا سبيل المكذبين بصفات الله وتوحيد رب العالمين. فاتخذوا كتاب الله إمامًا وآياته فرقانًا. ونصبوا الحق بين أعينهم عيانًا، وسنن رسول الله- ﷺ جنة وسلاحًا. واتخذوا طرقها منهاجًا، وجعلوها برهانًا فلقوا الحكمة. ووقوا من شر الهوى والبدعة لامتثالهم أمر الله تعالى في إتباع الرسول، وتركهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق. يقول الله تعالى فيما يحث على إتباع دينه، والاعتصام بحبله والاقتداء برسوله- ﷺ ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾. وقال ﵎ ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾. وقال تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾

стр. 154

وقال ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم الألباب﴾. وقال تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم﴾. وقال تعالى ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. ثم أوجب الله طاعته وطاعة رسوله، فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾. وقال تعالى ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. وقال ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. وقال ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾. وقال تعالى ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، قيل في تفسيره إلى الكتاب والسنة. ثم حذرهم من خلافه والاعتراض عليه، فقال ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. وقال تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا﴾. وقال تعالى ﴿فليحذر الذين يخالفهم عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾.

стр. 155

وروى العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله- ﷺ موعظة دمعت منها الأعين، ووجلت منها القلوب. قلنا يا رسول الله: موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة. وروى عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله- ﷺ خطًا ثم خط خطوطًا يمينًا وشمالًا. ثم قال هذا سبيل على كل سبيل منها شيطان؟ يدعو الله. ثم قرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. وعن ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا: فقد كفيتم. فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الإتباع وذم التكلف والاختراع. فمن اقتص هذه الآثار كان من المتبعين. وكان أولاهم بهذا الاسم وأحقهم بهذا الرسم. أصحاب الحديث لاختصاصهم برسول الله- ﷺ وأتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له وتحملهم علمه وحفظهم أنفاسه وأفعاله. فأخذوا عنه الإسلام مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة، ولا سفير بينهم وبينه واصلة فحاولوها عيانًا. وحفظوا عنه شفاها: وتلقفوه من فيه رطبا، وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقا. وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينًا.

стр. 156

فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله- ﷺ مشافهة لم يشبه لبس ولا شبهة. ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحايل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والضافة عن الضافة، والجماعة عن الجماعة. أخذ كف بكف؛ وتمسك خلف بسلف، كالخروف يتلو بعضها بعضًا، ويتسق أخراها على أولاها رصفا ونظما. فهؤلاء الذين تمهدت بنقلهم الشريعة: وانحفظت بهم أصول السنة؛ فوجبت بذلك لهم المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمعونة، فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته؛ وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فحري أن يكونوا أولى الناس به في حياته ووفاته. وكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلفون في أمره. ثم كل من اعتقد مذهبًا فإلى صاحب مقالته التي أخذ بها ينتسب، وإلى رأيه يستند إلى أصحاب الحديث؛ فإن صاحب مقالتهم رسول الله- ﷺ فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون؛ وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون؛ فمن يوازيهم في شرف الذكر، أو يباهيهم في ساحة الفخر؛ وعلو الاسم، إذ اسمهم مأخوذ من معاني الكتاب والسنة، يشتمل عليها لتحققهم بها أو لاختصاصهم بأحدها، فهم مترددون في انتسابهم إلى الحديث، بين ما ذكر الله سبحانه في كتابه، فقال تعالى ذكره ﴿الله نزل أحسن الحديث﴾ فهو القرآن فهم حملة القرآن، وأهله، وقراؤه، وحفظته. وبين أن ينتموا إلى حيث رسول الله- ﷺ ، فهم نقلته وحملته.

стр. 157

فلا شك أنهم يستحقون هذا الاسم لوجود المعنيين فيهم لمشاهدتنا أن اقتباس الناس الكتاب والسنة فيهم، واعتماد البرية في تصحيحها عليهم، لأنا ما سمعنا عن القرون التي قبلنا، ولا رأينا نحن في زماننا مبتدعًا رأس في إقراء القرآن، وأخذ الناس عنه في زمن من الأزمان ولا ارتفعت لأحد منهم راية في رواية حديث رسول الله- ﷺ فيما خلا من الأيام، ولا اقتدى بهم أحد في دين الله، ولا شريعة من شرائع الإسلام. فالحمد لله الذي كمل لهذه الطائفة سهام الإسلام، وشرفهم بجوامع هذه الأقسام، وميزهم من جميع الأنام حيث أعزهم الله بدينه، ورفعهم بكتابه، وعلا ذكرهم بسنته، وهداهم إلى طريقته، وطريقة رسوله. فهي الطائفة، المنصورة، والفرقة الناجية، والعصبة الهادية، والجماعة العادلة، المتمسكة بالسنة التي لا تريد برسول الله- ﷺ بديلًا. ولا عن قوله تبديلًا. ولا عن سنته تحويلًا، لا يثنيهم عنها تقلب الأعصار والأزمان، ولا يلويهم عن سننها ابتداع من كاد الإسلام ليصد عن سبيل الله ويبغيها عوجًا، ويصدف عن طرقه جدلًا ولجاجًا ظنًا منه كاذبًا، وتخمينًا باطلًا إنه يطفي نور الله، والله متمم نوره ولو كره الكافرون. واغتاظ به الجاحدون، فإنهم السواد الأعظم والجمهور الأضخم، فيهم العلم والحكم، والعقل والحلم، والخلافة والسيادة، والملك والسياسة، وهم أصحاب الجمعات، والمشاهد، والجماعات، والمساجد والمناسك والأعياد، والحج، والجهاد، وباذلوا المعروف للصادر والوارد، وعمار الثغور والقناطر الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واتبعوا رسوله على منهاجه، الذين أذكارهم في الزهد مشهورة وأنفاسهم على الأوقات محفوظة، وآثارهم على الزمان متنوعة، ومواعظهم

стр. 158

للخلق زاجرة، وإلى طرق الآخرة داعية. فحياتهم للخلق منبهة، ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة. وقبورهم مزارة، ورموسهم على الدهر غير دراسة وعلى تطاول الأيام غير ناسية. يعرف الله إلى القلوب محبتهم، ويبعثهم على حفظ مودتهم، يزارون في قبورهم كأنهم أحياء في بيوتهم، لينشر الله لهم بعد موتهم الأعلام حتى لا تندرس أذكارهم على الأعوام، ولا تبلى أساميهم على الأيام. فرحمة الله عليهم ورضوانه، وجمعنا وإياهم في دار السلام. ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف، أو عالم من خلف قائمًا لله بحقه وناصحًا لدينه، فيما يصر فهمته إلى جميع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته، ويجتهد في تصنيفه، ويتعب نفسه في تهذيبه رغبة منه في إحياء سنته وتجديد شريعته وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكني بهما من أهل ملته. أو لزجر غال في بدعته، أو متشيع يدعو إلى ضلالته، أو مفتتن بهما لقلة بصيرته، فأفرغت في ذلك جهدي، وأتعبت فيه نفسي- رجاء ثواب الله واستنجاز موعده في استبصار جاهل، واستنقاذ ضال، وتقويم عادل، وهداية حائر. وأسأل الله التوفيق فيما أرومه، والإقالة من الخطأ فيما أنحوه وأقصده. وقد كان تكررت مسألة أهل العلم إياي عودًا وبدأ في شرح اعتقاد مذاهب أهل الحديث قدس الله أرواحهم. وجعل ذكرنا لهم رحمة ومغفرة، فأجبتهم إلى مسألتهم لما رأيت فيه من الفائدة الحاصلة والمنفعة السنية التامة وخاصة في هذه الأزمنة التي تناسى علماؤها رسوم مذاهب أهل السنة

стр. 159

واشتغلوا عنها بما أحدثوا من العلوم الحديثة حتى ضاعت الأصول القديمة التي أسست عليها الشريعة. وكان علماء السلف إليها يدعون، وإلى طرقها يهدون، وعليها يعولون. فجددت هذه الطريقة ليعرف معانيها وحججها ولا يقتصر على سماع اسمها دون رسمها. فابتدأت بشرح هذا الكتاب بعد أن تصفحت عامة كتب الأئمة الماضين ﵃ أجمعين، وعرفت مذاهبهم وما سلكوا من الطرق في تصانيفهم ليعرفوا به المسلمين وما نقلوا من الحجج في هذه المسائل التي حدث الخلاف فيها بين أهل السنة، وبين من انتسب إلى المسلمين ففصلت هذه المسائل. وبينت في تراجمها أن تلك المسألة متى حدث في الإسلام الاختلاف فيها، ومن الذي أحدثها وتقولها ليعرف حدوثها، وأنه لا أصل لتلك المقالة في الصدر الأول من الصحابة، ثم استدل على صحة مذاهب أهل السنة بما ورد في كتاب الله تعالى فيها وبما روى عن رسول الله- ﷺ فإن وجدت فيهما جميعًا ذكرتهما. وإن وجدت في أحدهما دون الآخر ذكرته، وإن لم أجد فيهما إلا عن الصحابة الذين أمر الله ورسوله أن يقتدي بهم، ويهتدي بأقوالهم، ويستضاء بأنوارهم لمشاهدتهم الوحي والتنزيل ومعرفتهم معاني التأويل احتججت بها. فإن لم يكن فيها أثر عن صحابي فعن التابعين لهم بإحسان الذين في قولهم الشفاء والهدى، والتدين بقولهم القرابة إلى الله والزلفى. فإذا رأيناهم قد أجمعوا على شيء عولنا عليه. ومن أنكروا قوله أوردوا عليه بدعته أو كفروه حكمنا به واعتقدناه. ولم يزل من لدن رسول الله- ﷺ إلى يومنا هذا قوم يحفظون هذه الطريقة ويتدينون بها. وإنما هلك من حاد عن هذه الطريقة بجهله طرق الإتباع. وكان في الإسلام من تؤخذ عنه هذه الطريقة قوم معدودون. أذكر أساميهم في ابتداء هذا الكتاب لتعرف أساميهم، فيكثر الترحم عليهم والدعاء لهم،

стр. 160

لما حفظوا علينا هذه الطريقة، وأرشدونا إلى سنن هذه الشريعة. ولم آل في تصنيف هذا الكتاب ونظمه على سبيل السنة والجماعة. ولم أسلك فيه طريق التعصب على أحد من الناس. لأن من سلك طرق الأخبار فمن الميل بعيد، لأن ما يتدين به شرع مقول أو أثر منقول، أو حكاية عن إمام مقبول وإنما الحيف يقع في كلام من تكلف الاختراع، ونصر الابتداع. فأما من سلك بنفسه مسلك الأتباع فالهوى والإحادة عنه بعيدة ومن العصبية سليم وعلى طرق الحق مستقيم. ونسأل الله دوام ما أنعم به علينا من إتباع السنة والجماعة وإتمامهما علينا في ديننا ودنيانا وآخرتنا بفضله ورحمته. إنه على ما يشاء قدير. [باب ذكر من ترسم بالإمامة في السنة] ثم قال ((باب)) سياق ذكر من ترسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طرق الاستقامة بعد رسول الله- ﷺ إمام الأئمة. فمن الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف. وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعقبة بن عامر الجهني، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وحذيفة بن أسد الغفاري، وأبو أمامة جعدي بن عجلان، وجندب بن عبد الله، وأبو مسعود عقبة بن عمرو، وعمير بن حبيب بن جمامة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة، وعائشة، وأم سلمة.

стр. 161

ومن التابعين من أهل المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسليمان بن بشار، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وابنه محمد بن علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، وكعب بن مانع الأحبار وزيد بن أسلم. ومن الطبقة الثانية محمد بن مسلم الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعبد الله بن يزيد بن هرمز، وزيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسين، وجعفر بن محمد الصادق. ومن الطبقة الثالثة: أبو عبد الله مالك بن أنس الفقيه وعبد العزيز بن سلمة- ومن بعدهم ابنه عبد الملك بن عبد العزيز، وإسماعيل الماجشون بن أبي أويس، وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، ومن عد علمه معهم يحيى بن أبي كثير اليمامي. ومن أهل مكة أو من يعد منهم: عطاء وطاووس ومجاهد وابن أبي مليكة. ومن بعدهم من الطبقة: عمرو بن دينار، وعبد الله بن طاووس، ثم ابن جريح، ونافع بن عمر الجمحي، وسفيان بن عيينة، وفضيل بن عياض، ومحمد بن مسلم الطائفي، ويحيى بن سليم الطائفي، ثم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الفقيه، ثم عبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله ابن الزبير الحميدي. ومن أهل الشام والجزيرة، أو من يعد فيهما من التابعين: عبد الله بن محيريز، ورجاء بن حيوة وعبادة بن نسي، وميمون بن مهران، وعبد الكريم ابن مالك الجزري. ثمن من بعدهم: عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، ومحمد ابن الوليد الزهري، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وعبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، وعبد الله بن شودب، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري ..

стр. 162

ثم من بعدهم: أبو مسهر الدمشقي، وهشام بن عمار الدمشقي، ومحمد بن سلمان المصيصي المعروف بلوين. ومن أهل مصر حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة ومن بعدهم: عبد الله بن وهب، وأشهب بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن القاسم، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي والربيع بن سليمان المرادي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري. ومن أهل الكوفة: علقمة بن قيس، وعامر بن شراحيل الشعبي، وأبو البحتري بن فيروز، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وطلحة بن مصرف، وزيد بن الحارث، والحكم بن عتيبة، ومالك بن مغول، وأبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، وعبد الملك بن أبحر، وحمزة بن حبيب الزيات المقري. ثم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، وسفيان الثوري، وشريك بن عبد الله القاضي، وزيد بن قدامة، وأبو بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن محمد بن المحاربي، ويحيى بن عبد الملك ابن أبي غنية، ووكيع ابن الجراح، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وجعفر ابن عون، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد ابن عبد الله ابن يونس، وأبو بكر بن شيبة، وأخوه عثمان، وأبو كرب محمد بن العلاء الهمداني. ومن أهل البصرة: أبو العالية رفيع بن مهران، والحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين أبي، وأبو قلابه عبد الله بن زيد الجرمي، ومن بعدهم أبو بكر أيوب بن أبي تهيمة السختياني، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن عون. وسليمان التيمي، وأبو عمرو العلاء، ثم حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، ومعاذ بن معاذ، ثم عبد الرحمن بن مهدي،

стр. 163

ووهب بن جرير. ثم أبو الحسن علي بن عبد الله جعفر بن المديني وعباس ابن عبد العظيم العنبري، ومحمد بن بشار، وسهل بن عبد الله التستري، ومن أهل واسط هشيم بن بشير الواسطي، وعمر بن عون، وشاد بن فياض، ووهب بن بقية، وأحمد بن سنان. ومن أهل بغداد: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وأبو زكريا يحيى ابن معين. وأبو عبيد القاسم بن سلام، أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وأبو خثمة زهير بن حرب، والحسن بن الصباح البزاز. وأحمد بن إبراهيم الدورقي. ومحمد بن جرير الطبري. وأحمد بن سليمان النجاد الفقيه. وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش المقري. ومن أهل الموصل المعافي بن عمران الموصلي. ومن أخل خراسان أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي، والفضل بن موسى السيناني، والنضر بن محمد المروزي، والنضر بن شميل المازني، ونعيم بن حماد المروزي، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهوية المروزي، وأحمد بن سيار المروزي، ومحمد بن نصر المروزي ويحيى بن يحيى النيسابوري، ومحمد بن يحيى الدهلي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وحميد بن زبحونة النسوي، وأبو قدامة عبد الله بن سعيد السرخسي، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويعقوب بن سفيان النسوي، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، نزيل البصرة، وأبو عبد الرحمن النسوي، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ومحمد بن إسحق بن خزيمة، ومحمد بن عقيل البلخي، ومن أهل الرأي: إبراهيم بن موسى الفرا، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي. وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، وأبو عبد الله محمد بن مسلم بن واره، أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي، نزيل أصبهان، ومن بعدهم: عبد الرحمن بن أبي حاتم.

стр. 164

ومن أهل طبرستان: إسماعيل بن سعيد الشالنجي، والحسين بن علي الطبري. وأبو نعيم عبد الملك بن عدي استرابادي، وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان القزويني. ثم قال: سياق ما روى عن النبي- ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم، والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم الحديثة، وآرائهم الخبيثة. وأورد فيه جملة من الأحاديث السابقة من كتاب ذم الكلام، وجملة من الآثار السابقة عن الصحابة والتابعين. ومما أورد فيه مما لم يتقدم ذكره ما أخرجه عن علي بن أبي طالب قال: سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنين بأن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله وأخرج من طريق الأصمعي عن الخليل ابن أحمد قال: قل ما كان جدل إلا أني بعده جدل يبطله. وأخرج عن صالح المرى قال: قال هرم بن حيان. صاحب الكلام على إحدى منزلتين: إن قصر فيه خصم، وإن أعرق فيه أثم. وأخرج من طريق منصور بن أبي مزاحم قال: حدثني الثقة من أهل الكوفة قال: تقدم حماد بن أبي حنيفة إلى شريك بن

стр. 165

عبد الله وهو قاض في شهادة قال له شريك: لا أقبل شهادتك. قال: لم؟ قال: أما أني لم أطعن عليك في بطن، ولا فرج، ولكن حتى تدع الخصومة في الدين أجزت شهادتك. وأخرج عن الفضيل بن عياض قال: لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله، وأخرج عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شرًا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل. وأخرج عن الحسن بن عبد العزيز قال: كان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام ويقول أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت والعلم لله إنما قال: أخطأ. وأخرج عن ابن لال الفقيه قال: حدثنا عبد الرحمن بن حمدان قال: كان أبو علي بن خالويه أقبل على الكلام وكنت أنهاه فلا نتهي، فجاءني ذات يوم، فقال: أنا تائب، فقلت أحدث شيء؟ قال نعم، رأيت في هذه الليلة كأني دخلت البيت الذي نحن فيه فوجدت رائحة المسك فجعلت أتتبع الرائحة حتى وجدته يلوح من المحبرة. فقلت إن الخير في الحديث. وأخرج عن مصعب الزبيري قال: طلب رجل من إسحق بن أبي إسرائيل أن يناظره في مسألة خلق القرآن، فامتنع، ثم قال: أما إني

стр. 166

أقدرك على ذلك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي، وأنشد شعرًا قيل من أكثر من عشرين سنة: أأتعد بعد ما رجفت عظامي *** وكان الموت أقرب ما يليني أجادل كل معترض خصيم *** وأجعل دينه غرضًا لديني وأترك ما علمت لرأي غيري *** وليس الرأي كالعلم اليقيني وما أنا والخصومة وهي لبس *** تصرف في الشمال وفي اليمين وقد سنت لنا سنن قوام *** يلحن بكل فج أو وجين وكان الحق ليس به حفاء *** أغر كغرة العلق المبين وما عرض لنا منهاج جهم *** بمنهاج ابن آمنة الأمين فأما ما علمت فقد كفاني *** وأما ما جهلت فجنبوني فلست مكفرًا أحدًا يصلي *** ولم أجرمكموا أن تكفروني قال مصعب: رأيت أهل بلدنا- يعني أهل المدينة- ينهون عن الكلام في الدين. قال مصعب: وبلغني عن مالك بن أنس أنه كان يقول: الكلام في الدين كله أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه. ولا أحب الكلام إلا فيما كان تحته عمل. وأما الكلام في الله: فالسكوت عنه، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما كان تحته عمل. وأخرج عن سفيان ابن عيينه أنه كان ينشد قول ابن شبرمة: إذا قلت جدوا في العبادة واصبروا *** أصروا وقالوا الخصومة أفضل

стр. 167

خلاف لأصحاب النبي وبدعة *** وهم لسبيل الحق أعمى وأجهل وأخرج عن الأصمعي أنه كان يقول: إذا سمعته يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة. هذا آخر ما لخصته من كتاب السنة للالكائي. واللالكائي هذا، قال الذهبي في العبر هو: أبو القاسم منة الله بن الحسن الطبري الحافظ الفقيه الشافعي، تفقه على الشيخ أبي حامد، وصف كتبًا. ومات في رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة. كلام الآجري في كتابه ((الشريعة)) ذكر ما وقفت عليه من كلام الحافظ أبي بكر الآجري في ذلك قال في كتابه ((الشريعة)) (باب) ذكر ذم الجدال والخصومات في الدين. وأورد فيه جملة من الأحاديث، والآثار السابقة. ثم قال: لما سمع هذا أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لم يماروا في الدين، ولم يجادلوا وحذروا المسلمين المراء والجدال وأمروهم بالأخذ بالسنن وبما كان عليه الصحابة، وهذا طريق أهل الحق ممن وفقه الله.

стр. 168

وأخرج عن معن بن عيسى قال: جاء رجل متهم بالإرجاء إلى إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك، قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعني. قال فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟ قال نتبعه، فقال مالك: يا عبد الله بعث الله محمدًا- ﷺ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل. وأخرج عن هشام بن حسان قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعالى حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أنت أضللت دينك فالتمسه. وأخرج عن عبد الكريم الجزري قال: ما خاصم ورع قط في الدين، وأخرج عن وهب بن منبه قال: دع المراء والجدال فإنك بين رجلين: رجل هو أعلم منك فكيف تماري وتجادل من هو أعلم منك، ورجل أنت أعلم منه، فكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه ولا يطيعك. ثم قال الآجري: فإن قال قائل: فإن جاء رجل قد علمه الله علمًا، فجاءه رجل يسأله مسألة في الدين ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره حتى يثبت عليه الحجة، ويرد عليه قوله؟ قيل له: هذا الذي نهينا عنه وهذا الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين، فإن قال: فماذا يصنع؟ قيل له: إن كان الذي

стр. 169

يسألك مسألة مسترشدًا إلى طريق الحق لا مناظرًا، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة وقول الصحاةبة وقول أئمة المسلمين، وإن كان يريد مناظرتك ومجادلتك. فهذا الذي كره لك العلماء فلا تناظره واحذره على دينك كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعًا، فإن قال فندعم يتكلمون بالباطل ونسكت عنهم، قيل له سكوتك عنهم وهجرتك لما كلموا به أشد عليهم من مناظرتك لهم. كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين. ثم أخرج عن أيوب السختياني أنه قال: لست براد عليهم أشد من السكوت، وأخرج عن ابن عباس قال: لا نجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. ثم قال الآجري: ألم تسمع إلى قول أبي قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم. أو لم تسمع إلى قول الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه. ألم تسمع إلى قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل، ثم قال: بلغني عن المهتدي لله أنه قال: ما قطع بين- يعني الواثق- إلا شيخًا جيء به من المصيصة قال له: يا أمير المؤمنين أخبرني عن هذا الذي تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه رسول الله- ﷺ ؟

стр. 170

قال لا، قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق؟ قال لا، قال فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال لا. قال فشيء دعا إليه عثمان بعدهم؟ قال لا؟ . قال فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال لا قال الشيخ: فشيء لم يدع إليه رسول الله- ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه، ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه، فإن قلت علموه: وسكتوا عنه، وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنا فيالكع ابن لكع تجهل النبي- ﷺ والخلفاء الراشدين شيئا تعلمه أنت وأصحابك؟ ! قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائمًا ودخل وهو يضحك. ثم جعل يقول: صدق ليس يخلو إما أن نقول علموه أو جهلوه فإن قلنا علموه وسكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، وإن قلنا جهلوه فكيف يجهل النبي- ﷺ وأصحابه شيئا نعلمه نحن وأصحابنا. ثم قال: اعطوا هذا الشيخ نفقة وأخرجوه عنا. ثم قال الآجري: وبعد هذا فنأمر بحفظ السنن عن رسول الله- ﷺ وأصحابه والتباعين لهم بإحسان وقول أئمة المسلمين مثل مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام، ومن كان على طريقة هؤلاء من العلماء، وننبذ ما سواهم ولا نناظر ولا نجادل ولا نخاصم. وإذا لقينا صاحب بدعة في طريق أخذنا في طريق غيره، وإذا حضرنا مجلسًا نحن فيه قمنا منه هكذا أدبنا من مضى من سلفنا، ثم أخرج من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في غيره.

стр. 171

قال: ((باب)) تحذير النبي- ﷺ أمته الذين يجادلون بمتشابه القرآن وعقوبة الإمام لمن يجادل فيه وأورد فيه حديث عائشة وقصة صبيغ. ثم قال لما رآه عمر يسأل عن متشابه القرآن علم أنه مفتون قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من الحلال والحرام وطلب علم سنن رسول الله- ﷺ أولى به. ثم قال ((باب)) ذكر هجرة أهل البدع والأهواء: ينبغي لكل من تمسك بالسنة أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة والرافضية والناصبة وكل من نسبه أئمة المسلمين إلى أنه مبتدع بدعة ضلالة، فلا ينبغي أن يكلمه ولا يسلم عليه ولا يجالس ولا يصلى خلفه ولا يزوج، ولا يتزوج إليه ولا يشارك ولا يعامل ولا يناظر ولا يجادل بل يذلك بالهوان له وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك. فإن قال قائل فلم لا أناظره وأجادله وأرد عليه قوله؟ قيل له لا يؤمن عليك أن تناظره وتسمع منه كلامًا يفسد عليك قلبك ويخدعك بباطله الذي زين له الشيطان فتهلك أنت، وهذا الذي ذكرته لك قول من تقدم من أئمة المسلمين وموافق لسنة رسول الله- ﷺ . ثم أورد جملة من الأحاديث والآثار السابقة. ثم قال: ((باب)) عقوبة الإمام والأمير لأهل الأهواء: ينبغي لإمام المسلمين ولأمرائه في كل بلد إذا صح عنده مذهب رجل من أهل الأهواء ممن قد أظهره أن يعاقبه العقوبة الشديد، فمن استحق منهم أن يقتله قتله ومن

стр. 172

(استحق) أن يضربه ويحبسه وينفيه فعل به ذلك، كما جلد عمر بن الخطاب صبيغًا ونفاه وحرمه عطاءه وأمر الناس بهجرته وحرق علي بن أبي طالب الزنادقة وقال: لما سمعت القول قولا منكرًا *** أججت ناري ودعوت قنيرا وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة في القدرية: أن استتبهم فإن تابوا وإلا فاضرب أعناقهم. وضرب هشام بن عبد الملك عنق غيلان وصلبه ولم تزل الأمراء بعدهم في كل زمان يعاقبون أهل الأهواء على حسب ما يرون ولا ينكره العلماء. ثم أخرج عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله- ﷺ إذا حدث في أمتي البدع فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقيل للوليد بن مسلم أحد رواة الحديث: ما إظهار العلم؟ قال إظهار السنة له. هذا ما لخصته من كتاب الآجري، وهو الإمام أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي الحافظ صاحب التصانيف. مات بمكة في الحرم سنة ستين وثلاثمائة. كلام أبي طالب المكي في قوت القلوب ذكر ما وقفت عليه من كلام أبي طالب المكي في ذلك:

стр. 173

قال في كتابه ((قوت القلوب)) (باب) ذكر العلم، وطريقة السلف وذم ما أحدث المتأخرون من الكلام. ثم قال كان الناس في القرن الأول يجتهد كل لنفسه، والكتب والمجموعات محدثة. والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله. والحكاية عنه في كل شيء. والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني فهذه المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة عشرين ومائة وبعد وفاة كل الصحابة وكبار التابعين. ويقال إن أول كتاب صنف في الإسلام: كتاب ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن عطاء، ومجاهد، وأصحاب ابن عباس بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني وجمع فيه سننا منثورة مبوبة. ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس في الفقه، ثم جمع ابن عيينة كتاب الجامع والتفسير في أحرف في علم القرآن، وفي الأحاديث المتفرقة وجامع سفيان الثوري صنفه أيضا في هذه المدة، فهذه

стр. 174

خمس كتب من أوائل ما جمع بعد وفاة الحسن وسعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة من الهجرة، وقيل سنة ستين ومائة بعد القرن الأول، وبعد صدر من القرن الثاني، وكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء، من طبقات الصحابة الأربعة، ومن بعد الطبقة الأولى من خيار التابعين، هم الذين انقرضوا قبل وضع الكتب، ثم ظهرت بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام، وكتب المتكلمين بالرأي والهوى، والمعقول، والقياس. وذهب علم اليقين، وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى، وإلهام الرشد، والنفس ((فخلف من بعدهم خلف)) والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا، فصار المتكلمون يدعون علماء. والقصاص يسمون عارفين، والرواة النقلة علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين. ثم قال: وفي الحديث ((ما ضل قل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم قرأ (ما ضربوه لك إلا جدلًا، بل هم قوم خصمون).

стр. 175

وفي بعض الحديث: ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)). قال: هم أهل الجدل الذين عنى الله ، فاحذروهم. وعن بعض السلف: يكون في آخر الزمن علماء يغلق عنهم باب العمل، ويفتح عليهم باب الجدل. وفي بعض الأخبار إنكم في زمان ألهمتم فيه العمل، وسيأتي قوم يلهمون الجدل وروينا عن بعض العلماء: إذا أراد الله بعبده خيرًا، فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل. وإذا أراد الله بعبده شرًا، أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل. وفي الحديث المشهور عن رسول الله- ﷺ ((أبغض الخلق إلى الله الألد الخصم)). وقد روينا في الخبر: الحيا والعى شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. وفي بعضها: العي عن اللسان لا عي القلب. وفي الخبر الآخر: إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا- الخلا هو الحشيش الرطب- وعن ابن مسعود إنكم في زمان خيركم فيه المسارع. ويأتي بعدكم زمان يكون خيركم فيه المتثبت- يعني: لبيان الحق باليقين في القرن الأول ولكثرة الشبهات بالالتباس في مثل زماننا هذا. وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يلقيه الله في

стр. 176

القلب. وكان أحمد بن حنبل يقول: العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهامًا عن غير تعليم. وكان يقول: علماء أهل الكلام زنادقة. وقد روينا حديثا في علماء السوء شديدا نعوذ بالله من أهله، ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه، قد رويناه مرة مسندا من طريق، ورويناه موقوفًا على معاذ بن جبل وإنما أذكره موقوفًا على معاذ بن جبل أحب إلي. وحدثونا عن منذر بن علي عن ابن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل يقول فيه: قال رسول الله- ﷺ ووقفته أنا على معاذ بن جبل قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع. وفي الكلام تنميق وزيادة، ولا يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصمت سلامة وعلم. ومن العلماء من يخزن علمه، ولا يحب أن يوجد عند غيره، فذلك في الدرك الأول من النار. ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان، فإن رد إليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه، غضب فذلك بحق في الدرك الثاني من النار. ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلًا، فذلك في الدرك الثالث من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه المفتيا. فيفتي بالخطأ والله يبغض المتكلفين، فذلك في الدرك الرابع من النار. ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه، فذلك الدرك الخامس من النار.

стр. 177

ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلًا وذكرًا في الناس. فذلك في الدرك السادس من النار. ومن العلماء من يستفزه الزهو والعجب، فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف، فذلك في الدرك السابع من النار. فعليك بالصمت، فبه تغلب الشيطان. وإياك أن تضحك من غير عجب، أو تمشي من غير أدب. وقال في موضع آخر: وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا، وكان للصالحين معاني وطرائق يسلكونها ويتساءلون عنها، قد خفيت في وقتنا، وكان لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها، ويطلبون أربابها، قد عفت آثارها عندنا لقلة الطالبين لها وعدم الراغبين فيها، وفقد العلماء لها، وذهاب السالكين طريقها؛ منها علم طلب الحلال، وعلم الورع في المكاسب والمعاملات، وعلم الإخلاص، وعلم نفاق العمل والعلم، وعلم آفات النفوس وفساد الأعمال، والفرق بين نفاق القلب ونفاق النفس، وبين إظهار النفس شهوتها وإخفائها ذلك، والفرق بين سكون القلب وسكون النفس والفرق بين خواطر الروح والنفس وخاطر الإيمان والعقل، وعلم حقائق الأحوال وحال طرائق العمال وتلوينات الشواهد على المريدين، وعلم القبض والبسط والتحقق بصفات العبودية والتخلق بأخلاق الربوبية وتفاوت مشاهدات العلماء، إلى غير ذلك مما لا نذكره من علم التوحيد

стр. 178

ومعرفة معاني الصفات، وعلوم المكاشفات بتجلي الذات، وإظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات وظهور المعاني الدالة على النظر والإعراض والتقريب والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة والإجبار والاختيار. وقد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولًا ورسمنا أصولًا، تنبه على فروعها وتدل على أشكالها لمن وفق لتدبرها، وأريد بتذكرها وجعل له نصيب منها. وقال بعض علمائنا: أعرف للمتقدمين سبعين علمًا كانوا يتحاورنها ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد، وأعرف في زماننا هذا علومًا كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور قد ظهرت، وسميت علومًا لم تكن فيما مضى تعرف. وقال في موضع آخر: وقد ابتدع الناس علومًا لم تكن تعرف فيما سلف، منها علم الكلام والجدل وعلوم المقاييس والنظر والاستدلال على سنن الرسول- ﷺ بأدلة الرأي والمعقول، ومنها إيثار العقل والتمييز على ظواهر القرآن والآثار. وقال في بعض علماء الخلف: العلوم تسعة: أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، فأما الأربع المعروفة: فعلم الإيمان وعلم القرآن وعلم الآثار وعلم الفتاوى، وأما الخمسة المحدثة: فالنحو والعروض وعلم الجدل وعلم المعقول بالنظر والقصص. وكان السلف يستحبون العي والبله عن علوم المعقول وقد جعله رسول

стр. 179

الله- ﷺ من الإيمان وقرنه بالحياء فقال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. وقال: أبغض الخلق إلى الله البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل الباقر الخلا بلسانها، يعني الحشيش الرطب. وقال في حديث آخر: العي عي اللسان لا عي القلب. وقال: إن الله كره لكم البيان كل البيان، وفي الخبر المشهور: إن الله يبغض الثرثارين المتشدقين المتفيهقين، فمن غلب عليه هذا الوصف وكان متشدقًا بليغًا في علم الرأي والمعقول أعمى للقلب عن الشاهدة اليقين وعلم الإيمان، كان إلى النفاق أقرب وعن الإيمان أبعد. وقال في موضع آخر: كان إبراهيم الحربي يقول: صحبت الفقهاء وأصحاب الحديث وأهل العربية واللغة سبعين سنة ما سمعت هذه المسائل التي أحدثت في هذا الوقت من أحد منهم قط. وأحرج على من كان من أهل الكلام والجدال أن يحضر مجلسي أو يسألني عن شيء فإنه لا علم لي بالكلام ولا أقول به ولو عرفته ما حدثته: وقال في موضع آخر: وقد قال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء، وما سكت عنه السلف فالكلام فيه بدعة. وما أحدث الناس أيضًا الرد على المبتدعة بعلم الرأي والمعقول قد كان هذا فيما سلف بدعة؛ لم يكن من سيرة القدماء الرد على المبتدعين إلا بالسنن والآثار لا يعلم الكلام والقياس والنظر. قيل لعبد الرحمن بن مهدي إن فلا ناصف كتابًا يرد فيه على المبتدعة قال: بأي شيء بالكتاب والسنة؟ قال: لا- لكن بعلم

стр. 180

المعقول والنظر، فقال: أخطأ السنة ورد بدعة ببدعة، وهجر أحمد بن حنبل الحارث بن أسد المحاسبي وكان من أهل العلم برده على المبتدعة بعلم الكلام. وقال له ليس السنة أن ترد عليهم ولا يناظرون، إنما السنة أن يخبروا بالآثار والسنن. فإن قبلوها وإلا هجروا في الله. وقال أيضًا: إذا رددت عليه بعلم المعقول والجدل ألجأتهم إلى رد ما جئت به بالقياس والجدل فيكون سببًا لرد الحق، وكذلك أيضًا هجر أبا ثور صاحب الشافعي لما تكلم بجواب المبتدعة في رد الصفات حين سئل عن الحديث إن الله خلق آدم على صورته، فغضب أحمد، فرجع عن ذلك أبو ثور واعتذر. وهكذا سيرة السلف أنه لا يستمع إلى مبتدع ولا يرد عليه بالجدل والنظر لأنه بدعة ولكن يخبر بالسنن فإن لم يرجع وإلا عرف ببدعته وهجر في الله. وهذا طريق لا يسلكه في زمانك هذا إلا من عرف سيرة المتقدمين وكان من المتقين. * * * هذا ما لخصته من كلام أبي طالب، وأبو طالب هذا أحد أئمة المالكية ترجمه الذهبي في العبر فقال: هو محمد بن علي بن عطية الحارثي العجمي، ثم المكي صاحب قوت القلوب وله مصنفات، وكان من أهل الجبل، وسكن مكة فنسب إليها وتزهد وسلك، ولقي الصوفي، وصنف ووعظ، مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
следующие страницы →