← Тараджим

Тараджим · id 1510

محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه

مسعود الندوي

Полный текст (190 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عادت الأمور إلى مجراها ١. ووصلت قافلة الغرباء هذه إلى مصر في ١٨ رجب سنة ١٢٣٤هـ (١٣ مايو ١٨١٩م) وكان عددهم حوالي أربعمائة من بينهم نساء وأطفال ٢. تدمير الدرعية: كان الاستيلاء على الدرعية في أوائل ذي القعدة سنة ١٢٣٣هـ، ولكن استمرت سلسلة تدميرها وإفسادها مدة سنة تقريبا، وأشرف عليها إبراهيم باشا بنفسه فمكث هناك نحو تسعة أشهر، وكان يصدر كل يوم أوامر جديدة ويكره الناس على الامتثال بها. ولما تمت كل هذه المراحل ضربها ضربة لم تسمح لعاصمة آل سعود أن تزدهر مرة أخرى، فقد وصل أمر محمد علي باشا في شعبان سنة ١٢٣٤هـ (يونيو سنة ١٨١٩م) بتدمير الدرعية، ونفذها "أبنه البار" فورا. فماذا كان بعد ذلك. قال ابن بشر: "ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها، وأن يقطعوا نخلها وأشجارها ولا يرحموا صغيرها وكبيرها، فابتدر العساكر مسرعين وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمين، قطعوا الحدائق منها وهدموا الدور والقصور، ونفذ فيها القدر المقدور وأشعلوا في بيوتها النيران، وأخرجوا جميع من كان فيها من السكان، فتركوها خالية المساكن كأن لم يكن بها من قديم ساكن، وتفرق أهلها في النواحي والبلدان، وذلك بتقدير الذي كل يوم هو في شأن" ٣.

стр. 107

لقد كان هذا أسوأ مظهر للجنون الانتقامي المصري، وهذه هي الدرعية التي كانت قرية صغيرة قبل دعوة الشيخ، فوهبتها مركزية وانقلبت إلى مدينة عامرة غنية بجهود آل سعود وتشجيعهم. وابن بشر يذكر في كلمات بليغة غنى هذه المدينة وبهاءها ومركزها التجاري ومشاهداته تحمل أهمية خاصة في هذا المجال ١. تهنئة الحكومة البريطانية: وبعدما تم إحراق الدرعية وتدميرها، وكان إبراهيم يعد العدة للرجوع من بلاد نجد إذ خطرت خاطرة غريبة في بال الحكام الإنجليز في بلادنا، فأرسلوا وفدا خاصا بقيادة جورج فارستر سادلير (Gorg Forester Sadleer) لتقديم التهاني إلى إبراهيم باشا، وليس من العسير الوصول إلى تلك العاطفة التي كانت تكمن وراء هذه الفكرة إذا وضعنا أمام أعيننا هذه الحقيقة بأن حكومة الشركة٢ كانت تبذل كل جهودها لزيادة نفوذها في ناحية الخليج، ولما قوي سلطان أهل نجد على الساحل٣، واشتدت الهجمات البحرية وبدأت بواخرها تتضرر منها، حاولت حكومة بومباي أن تتخلص من هذه المصيبة، فقامت بشن هجوم عنيف على مدينة رأس الخيمة وأحرقته كما مر من قبل. والآن لما علمت حكومة الشركة بالفتوحات المصرية وزوال النجدين، خافت بأن تتضرر مصالحها من الحكومة الجديدة، وقد زاد هذا الخوف بسبب وقوع بعض الحوادث من هذا القبيل بعد الاستيلاء على الدرعية، فقد بدأت الحاميات المصرية الحربية تتجول في النواحي الساحلية من الخليج، ولم تحترم نواحي النفوذ البريطاني، وكان

стр. 108

الحكام الإنجليز مسرورين بهلاك أعدائهم النجديين، ولكنهم أيضا ما كانوا مستعدين لهذه المعاملة السيئة من المصريين ١، ولذلك أرسل الكابتن ج. ف. سادلير إلى الدرعية ليجتمع بإبراهيم باشا. ولكن الحقيقة أن البريطانيين قد أخطئوا في تقدير نيات المصريين، فالمصريون ما كانوا يريدون حكومة دائمة في نجد فضلا عن الخليج، ولكن لعلهم أرسلوا بعض الدوريات إلى البلدان المجاورة إبان نشوة الفتح والاستيلاء على الدرعية. ولكن الحقيقة أنهم ما كانوا يقصدون إقامة حكومة دائمة، ولأجل هذا سافر إبراهيم باشا إلى مصر بعدما دمر الدرعية وترك البلاد على أثره تعاني حال الفوضى والدمار. وعلى كل حال نستمع الآن ما جرى على بعثة سادلير بلسان خبير وهو "هوغارث" وقال: "أرسلت سفينة حربية بريطانية من بومبائي إلى الخليج بدون أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة من المصريين في سنة ١٨١٩ م (١٢٣٤هـ) في موسم الصيف، وكان على ظهرها الكابتن ج. ف. سادلير قائد الفرقة السابعة والأربعين، موفدا خاصا إلى إبراهيم، وكانت مهمته تقديم التهاني إليه على فتح الدرعية واتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء المبرم على الدولة الوهابية بالاشتراك مع الباشا. ومن التعليمات التي وجهت لذلك الضابط: "فإن كان الباشا يريد الاستفادة من المساعدات البريطانية -كما هو الظن الغالب- ترسل قوة بحرية كاملة وقوية على الفور لتساعد الأتراك (المصريين) في الاستيلاء على رأس الخيمة. الخ

стр. 109

ولكن قلما قدرت الخيبة لبعثات سرية في التاريخ كما قدرت لبعثة سادلير". والتفصيل طويل١، ولكن الخلاصة أن سادلير نزل على ساحل العرب حين كان إبراهيم باشا يريد الرجوع إلى وطنه مشبعا من تدمير الدرعية، وأخبر سادلير بأنه لا يعرف أين سيتمكن من الاجتماع به، ولكنه خرج في ٢٨ يونيو سنة ١٨١٩م ووصل إلى شقراء ثم الرس مارا بالدرعية، وقد وجد جنود إبراهيم إلا أنه بنفسه كان قد سافر إلى المدينة، وكان خبر قدوم سادلير قد بلغه، ولكنه لم يكن حريصا على لقائه إلى حد أن يجلس لانتظاره، وفي الأخير أدركه سادلير على مقربة من المدينة واجتمع به في ٨ و ٩ من سبتمبر. وكلمه الباشا كلاما حسنا وبأخلاق، ولكنه لم يعده بشيء، ورجع الوفد البريطاني صفر اليدين إلا أنه قد نال مزية بتجوله في الصحراء لمدة ثلاثة أشهر، فكان أول أوربي عبر الجزيرة العربية من البحر إلى البحر. لقد دمرت الدرعية بأيدي المصريين بحيث لم يتسن لها أن تعمر مرة أخرى، ولم يكن يرى أي أمل في انبعاث النجديين من جديد. وقد أظهر بلنت رأيه بالحرف الواحد في سنة ١٨٨٠م بقوله: "إن الدولة السعودية في العرب ينبغي أن تعرف الآن كقصة من الماضي".٢ وهذا مع أنه خبير واسع الاطلاع بعيد النظر وموال للعرب في الظاهر. وكذلك داوتي (Daughty) في سنة ١٨٧٥م ينقل عن أهل نجد رأيهم فيقول: "إن الرأي السائد على الأقل في نجد أن الدولة الوهابية لا يمكن أن تنبعث من جديد ٣. ويعلق عدو الإسلام زويمر على هذه الحادثة فيقول:

стр. 110

"لقد انتهت هذه الحركة بخيبة كاملة، ولقد ثبت الآن أن وجودها السياسي كان مجرد تمثيلية رائعة" ١. يقول عدو الإسلام والعرب هذا في موضع آخر: "ينبغي أن نعرف أن الدولة السعودية في العرب قد أصبحت من عداد الأساطير الماضية" ٢. إلا أن الأيام قد أثبتت بأن هذه الآراء كلها كانت كاذبة، فلقد سلمت أمانة الجزيرة العربية إلى أولئك النجديين مرة أخرى وبسعة وقوة أكثر مما كانتا من قبل. نعم إن الدرعية لم يقدر لها أن تزدهر من جديد، والنشأة الجديدة للدولة النجدية كانت من مدينة أخرى في الناحية نفسها وهي "الرياض" وهي عاصمتهم الآن. رثاء الدرعية: لقد تركت مأساة الدرعية أثرا عظيما مؤلما جدا في نفوس أهل نجد ومحبيهم، وهذا لا يحتاج إلى بيان. ولعل البكاة قد بكوا حسب استطاعتهم وأحوالهم وأسبلوا دماء لا دموعا، ونحن نحب أن نشير الآن إلى قصيدة واحدة فقط قيلت في رثاء الدرعية، وهي مما قاله العالم النجدي الشهير الشيخ عبد العزيز نجل الشيخ حمد بن ناصر (م سنة ١٢٢٥هـ) أحد تلامذة شيخ الإسلام. مع أننا لا نجد فيها تلك القوة التي نراها في رثاء الأندلس٣ للشريف الرندي أو مرثية بغداد لسعدي

стр. 111

(الشيرازي) ١. ولكن مع ذلك فيها أنين وألم، وهي مرآة صادقة لشعور الصبر والشكر الذي كانت تتحلى به هذه الأمة المؤمنة. ومطلع القصيدة هو: إليك إله العرش أشكو تضرعا ... وأدعوك في ضراء ربي لتسمعا وعلى سبيل المثال نورد بعض الأبيات: وكم قتلوا من عصبة الحق فتية ... هداة وضاة ساجدين وركعا وكم دمروا من مربع كان آهلا ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا مضوا وانقضت أيامهم حين أوردوا ... ثناء وذكرا طيبه قد تضوعا فجازاهم الله الكريم بفضله ... جنانا ورضوانا من الله أرفعا إلى أن قال: ألا أيها الإخوان صبرا فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيرا وأنفعا ولا تيئسوا من كشف ما ناب أنه ... إذا شاء ربي كشف ذاك تمزعا٢ ومن أيام تدمير الدرعية تنتهي الدولة السياسية التي أسسها ورباها الشيخ بنفسه، أما نشأة نجد من جديد٣ وازدهاره فهو خارج عن نطاق بحثنا، فلذلك نترك هنا قصة حكومات نجد ولنتوجه إلى مؤلفات الشيخ وتراثه الفكري.

стр. 112

نعم أرى من المناسب هنا أن أذكر الفروق التي كانت توجد بين الجيش النجدي والجيش المصري، وفي أخلاق وطبائع محمد علي وإبراهيم باشا. الغزاة المصريون: استمرت المعارك بين المصريين والنجديين مدة طويلة وفي البداية لحقت بالمصريين خسائر فادحة، وكان النصر حليف النجديين إلا أنهم لم ينحرفوا قيد أنملة عن القواعد الحربية الإسلامية، ومهما قيل من الشدة والتقشف في جنودهم، ولكن من المستحيل أن يؤتي بمثال واحد من الضعف الخلقي أو الغش والفجور. أما محمد علي وإبراهيم وأصحابهما فيظهر من أعمالهم كأنهم لم يصبهم مس من الإسلام، ويظهر من تصرفاتهم مدى انحطاط المسلمين عامة في بداية القرن الثالث عشر الهجري. وللاطلاع على المميزات والفوارق بين الجيش المصري والجيش النجدي يكفي أن نسمع رواية واحدة رواها لنا المؤرخ المصري المشهور عبد الرحمن الجبرتي. ذكر في حوادث سنة ١٢٢٧هـ في صدد ذكره لانهزام المصريين ويحدث عن ضابط مصري كبير. "ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع أين لنا بالنصر؟ وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين، ولا ينتحل مذهبا وصحبتنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا أذان ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين، والقوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون

стр. 113

صفوفا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذنون وصلوا صلاة الخوف، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون من ذلك؛ لأنهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته" ١. ولا نستبيح أن نلوث قلمنا بذكر تلك الفواحش التي ارتكبها الجيش المصري في بدر ونواحيه حسب رواية هذا الضابط المصري، ولكن يكفي للإشارة إليها أن نقول: إن أعراض أهل العلم والشرف لم تبق محفوظة من اعتدائهم ٢. وهذه كانت رواية ضابط عسكري مصري، وإليك رواية الجبرتي نفسه فقد قال في حوادث رمضان سنة ١٢٣٣هـ. "وارتحل جملة من العساكر في دفعات ثلاث برا وبحرا يتلو بعضهم بعضا في شعبان ورمضان، وبرز عرضي خليل باشا إلى خارج باب النصر، وترددوا في الخروج والدخول، واستباحوا الفطر في رمضان بحجة السفر، فيجلس الكثير منهم بالأسواق يأكلون ويشربون ويمرون بالشوارع وبأيديهم أقصاب للدخان والتتن من غير احتشام ولا احترام لشهر الصوم، وفي اعتقادهم الخروج بقصد الجهاد وغزو الكفار المخالفين لدين الإسلام" ٣. وإذا كان هذا مبلغ احترامهم وتقديرهم للدين ولنظام الإسلام، فما هو العجب إذا جن جنون إبراهيم باشا بعد تدمير الدرعية والاستيلاء على نجد إذ يشكو الجبرتي من الكبر والأنانية في فاتح نجد فقال:

стр. 114

"ورجع إبراهيم باشا من هذه الغيبة متعاظما في نفسه جدا، وداخله من الغرور ما لا مزيد عليه حتى إن المشايخ لما ذهبوا للسلام لم يقم لهم، ولم يرد ﵈ فجلسوا وجعلوا يهنئونه بالسلامة، فلم يجبهم ولا بالإشارة بل جعل يحادث شخصا سخرية عنده. وقاموا على مثل ذلك منصرفين ومنكسفين ومنكسري الخاطر"١. وهل هذا يحتاج إلى تعليق؟ خيانة محمد علي ومظالمه: لا نريد أن نعيد هنا قصة المظالم التي ارتكبها محمد علي من جديد، ولكن بركهارت الذي زار الحجاز والجزيرة العربية في عهد محمد علي، ولا يمكن أن يتهم بالعطف على الوهابيين، قد ذكر لنا القصة المفصلة لتلك المظالم٢ وهو معتمد عليه وموثوق به. ويحمل بعض المعلقين مسئولية الغدر والخيانة والمكر الذي ارتكبه إبراهيم على عاتق محمد علي. يقول هوغارث: "إن الغدر والخيانة اللتين عومل بهما الملك المخلوع وعامة الوهابيين ترجع العهدة فيها إلى محمد على أكثر من إبراهيم" ٣. ويذكر بركهارت أكثر من مرة أن محمد علي كان قد نجح في تقديم الرشوة إلى البدو. "وقد كان للرشوة النصيب الأوفر في إمالة البدو إلى المصريين".

стр. 115

ويذكر أمثلة كثيرة لمظالم محمد علي وسفكه الدماء. وقال هو نفسه في موضع آخر: "وكان دور الفلوس أكبر من قوة جيوش محمد علي في إرساء دولته على العرب ١. وفي جانب آخر يذكر شاهد عيان آخر حالة النجديين وهو السياح الأسباني المعروف باديا (علي بك عباسي) ، وإليك روايته وكان موجودا في مكة عندما دخلها النجديون فاتحين: "ما كانت أيديهم تصل إلى أي شيء حتى يعرفوا بأنه للعدو أو للمشرك، وما كانوا يحاولون أخذه غصبا، وكانوا يشترون جميع حاجاتهم بالفلوس وهكذا كانوا يدفعون الأجرة على كل خدمة، ولما كانوا يتبعون أوامر رئيسهم اتباعا أعمى كانوا مستعدين لكل بذل في امتثال أوامره" ٢. قال بركهارت سائح آخر وهو متثبت أكثر من "علي بك": وكان قد وصل إلى مكة في سنة ١٩١٤م أي عند استيلاء محمد علي عليها وكتبه تشهد بصحة روايته ودقة نظره فقال: "ولقد كان الشعور القوي المخلص للقضاء على التقاليد السيئة هو الذي يعمل عمله تحت إجراءات الوهابيين؟ فإنهم لم يخونوا العهد قط مع أغدر عدو، ولو قارنا سلوكهم بسلوك الأتراك (المصريين) فسنضطر إلى أن نذكر جميع تلك المساوئ التي يتلوث بها الأتراك" ٣. وكتاب بركهارت مليء بالمدح والثناء على سعود وعبد الله ٤.

стр. 116

الباب الثالث المؤلفات لقد كتب المجاهد والسياسي العربي الشهير الأمير شكيب أرسلان في شأن حكيم الشرق والمفكر السياسي الأول في العالم الإسلامي المعاصر السيد جمال الدين الأفغاني، وما أحسن ما كتب. "وبالجملة فإنه لم يكن يحفل بوفرة التصانيف، وإنما كان يؤلف أمما ويصنف ممالك" ١. ومن الممكن أن تعاد هذه الجملة في حق شيخ الإسلام أيضا بتغيير طفيف، ولكن مع ذلك فالذي كتبه الشيخ في الدعوة والتبليغ ليس بقليل، ومرتبته عظيمة من الناحية العلمية أيضا. فلا توجد في هذه المكتوبات تنطعات المتكلمين ولا تكلفات الفقهاء المتأخرين الذين سيطرت عليهم العلوم اليونانية، ولكنها على طريقة المحدثين تماما، فكل ما قاله في كلمات واضحة مستدلا بنصوص من الكتاب والسنة وكفى-!! إن الحق لا يحتاج إلى تجميل ولا تزوير، فإنه يحمل في طياته جاذبية كامنة. ومن أهم مميزات مؤلفاته أنها لم يصبها أدنى كدر من اليونان والعلوم اليونانية في حين نرى في بلادنا الهند أن كبار المجددين لم يستطيعوا أن يتجنبوا التعقيدات اليونانية والإشراقية، ولكن أسلوب الشيخ قرآني محض، وأدلته كلها مأخوذة من القرآن والسنة. ومزية أخرى أنه بعيد كل البعد عن المصطلحات الصوفية، وإن هذا الخليط

стр. 117

المركب من الفلسفة اليونانية وفيدا١ الذي سماه الناس تصوفا قد نخر أسس الدين الإسلامي٢. والمجددون في الهند الإسلامية قد وقعوا في خطأ جسيم إذ ما زالوا يقدمون للناس هذا الأفيون، وإن الأفيون هو أفيون على كل حال مهما قدمت له من عقاقير وجرعات إلا أن آثاره السيئة لا بد وأن تفسد الأعضاء الرئيسية في الجسد.٣ ونتيجة لذلك فلم يستطع المسلمون في الهند أن يتخلصوا من هذه الأحاليل إلى يومنا هذا. وإن العلاج الناجح الذي قدمه شيخ الإسلام والحذر الكامل الذي يوجد عنده من هذا المخدر لقد أديا إلى تخليص المسلمين في نجد وأطرافه من هذه الورطة إلى الأبد. أما أسلوب الشيخ فهو واضح لا يوجد فيه أي تعقيد إلا أن اللغة٤ ليست عالية جدا كما نشاهدها عند ابن تيمية (م سنة ٧٢٨هـ) وابن القيم (م سنة ٧٥٦هـ) والشاه ولي الله (م ١١٧٦هـ) ﵏.

стр. 118

ولكن هناك جوهرة ثمينة أخرى في مكتوباته، ونادرا ما نراها في التراث الإسلامي كله. وقد انعدمت بعد القرن الثامن الهجري. وإن سمحتم نعبر عنها "بالروح" كما يقول إقبال، فإن كل سطر من سطوره مملوء بالتأثير، ولعل سببه كامن في ذلك الشعور الديني الوقاد الذي كان يقض مضجعه طوال حياته. إذن - لابد أنه كان متصفا بشيء ما. حيث استطاع أن يغير أحوال نجد وما حوله رأسا على عقب في لمحة خاطفة. وبالجملة فإن جميع مؤلفاته الصغيرة والكبيرة مليئة من هذا التأثير، ويظهر هذا أشد وأكثر في رسائله. وقد عرفنا من مؤلفات الشيخ الكتب التالية: ١- كتاب التوحيد: وهذه الرسالة هي أشهر مؤلفات الشيخ، وكما أن كتاب "تقوية الإيمان" للشيخ إسماعيل الشهيد (ش سنة ١٢٤٦هـ) ١ قد أسيئت سمعته في مجالس أصحاب الأفكار الفاسدة في الهند، فكذلك "أدعياء العقيدة الطيبة" في العرب والعجم لا ينظرون إلى كتاب التوحيد نظرة طيبة. والاسم الكامل لهذا الكتاب هو "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، وذكر فيه الشيخ حقيقة التوحيد وحدوده،

стр. 119

والشرك ومفاسده، وفصل القول في جميع تلك الطرق التي تؤدي إليه كالاستعاذة والاستغاثة بغير الله، والتوسل ودعاء غير الله والنذر والذبح لغيره والسحر والكهانة والتطير وغيرها. ولم يأت بأفكاره إلا القليل١، بل اكتفى في كل باب بذكر براهين واضحة وصريحة من الكتاب والسنة. ولقد حظي هذا الكتاب بالقبول العام، وسارعت إليه الأيدي وطبع مرات كل منها عدة آلاف وترجم بلغات عديدة. وترجم بلغة "اردو" عدة تراجم. ولم أعرف هل ترجم بالإنجليزية أولا٢؟ وقد ألف علماء نجد شروحا عديدة لهذا الكتاب، وبعضها مفيدة جدا وغزيرة العلم. وذكر بروكلمان شرحين ٣: ١. الدر النضيد لأحمد بن حسن النجدي، وقد طبع في دهلي سنة ١٣١١هـ. ٢. فتح الله الحميد المجيد لحامد بن محمد بن حسن، وقد طبع في أمر تسر سنة ١٨٩٧م. أما الأول فلم أطلع عليه وأما الثاني فناقص وغير مهم، ولكن بروكلمان غفل عن ذكر أهم الشروح وهو "فتح المجيد"، وقد بدأ تأليفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام (م سنة ١٢٣٢هـ) إلا أنه لم يتم، فأكمله الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام (م سنة ١٢٨٥هـ) ، وأضاف إليها زيادات كثيرة، والذي نراه أمامنا هو من

стр. 120

ترتيب الشيخ ابن حسن نفسه، وتوجد في هذا الشرح بحوث مفصلة لكل المسائل ووردت نصوص طويلة عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله -، وهكذا صار هذا الشرح كتابا جامعا مفيدا. وقد طبع للمرة الأولى في المطبع الأنصاري في دهلي سنة ١٣١١هـ. ومرة أخرى في المطبعة السلفية بمصر على نفقة الشيخ عبد الرحمن القصيبي التاجر المعروف في البحرين على ورق عادي سنة ١٣٤٧هـ ووزع مجانا. وقد طبع الآن للمرة الثالثة في مطبعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة تحت إشراف الشيخ محمد حامد الفقي طبعة أنيقة جدا (سنة ١٣٥٧هـ) ، وقد ذكر الشيخ محمد حامد الفقي أحوال المصنف في مستهله أخذا من عنوان المجد. وخرج الناشر بعض الأحاديث أيضا، وحاول أن يشير إلى المواضع الصحيحة من كتب الإمام ابن تيمية وابن القيم؛ لأن المؤلف ذكرها بدون إشارة إلى مصادرها. وبذلك سهلت المراجعة. وزيادة على هذا الشرح الطويل المفصل الذي هو إكمال للشرح الذي بدأه الشيخ سليمان بن عبد الله وتركه ناقصا ١. كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن علق بعض التعليقات باسم "قرة عيون الموحدين" (طبع مطبعة المنار سنة ١٣٤٦هـ) ولم أطلع على هذا الكتاب ولكن محمد حامد الفقي ذكر بعض النصوص منه في حواشي فتح المجيد. ٢- كشف الشبهات: ونستطيع أن نسميه تكملة لكتاب التوحيد، والحقيقة أن جميع كتب الشيخ تتعلق

стр. 121

بالتوحيد، ويمكن أن يقال إنها كلها تكملة لكتاب التوحيد إلا أن كشف الشبهات لا يوجد فيه إلا التوحيد، وقد أزيلت فيه تلك الشبهات التي كانت تعرض للعامة حول التوحيد الخالص. فإن بعضهم ينادي الولي أو الغوث، وبعضهم يضل وينحرف من باب التوسل والاستغاثة، وقد أخطأ بعضهم في فهم الشفاعة. وقد أزيلت كل هذه الشكوك في هذا الكتاب. وطريق الاستدلال قرآني خالص لا يوجد فيه أدنى غموض، ولا نرى أي أثر للطريقة الجدلية التي توجد عند المتأخرين. وهي رسالة صغيرة إلا أنها كنز من المعلومات والفوائد، وقد طبعت مرات وعندنا نسخة طبعت في مجموعة عيسى بن رميح النجدي (٥٦ - ٧٢) . ٣- الأصول الثلاثة وأدلتها: معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الرسول، هذه هي الأصول الثلاثة التي وضحت في هذه الرسالة في أسلوب جذاب. إنها رسالة صغيرة جدا. ٤ - شروط الصلاة وأركانها: وقد شرحت في هذه الرسالة شروط الصلاة: الإسلام، العقل، التميز، رفع الحدث، إزالة النجاسة، ستر العورة، دخول الوقت، استقبال القبلة، والنية، وذكرت أركان الصلاة وواجباتها.

стр. 122

٥- القواعد الأربعة: ذكرت في هذه الرسالة بعض نواحي التوحيد على طريقة مؤثرة وسهلة وهذه القواعد الأربعة: أولاها: أن كفار العرب كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام بهذا. وثانيتها: أن كفار العرب أيضا كانوا يدعون أولياء من دون الله للقربة والشفاعة، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وثالثتها: أن الرسول ﷺ قاتل عباد الملائكة والأنبياء والصالحين وعباد الأشجار والأحجار والشمس والقمر على حد سواء، ولم يفرق بين أنواع المشركين. ورابعتها: أن مشركي هذا الزمان أحط درجة من مشركي ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يوحدون الله عند الشدائد على الأقل، وأما مشركو هذا الزمان فإنهم يدعون أولياء من دون الله في كل حال. وقد وضحت هذه القواعد الأربع بالآيات القرآنية: وقد طبع هذه الرسائل الثلاث عيسى بن رميح النجدي في مجموعته (١-٢٧) مطبعة المنار القاهرة سنة ١٣٤٠هـ. وكذلك توجد هذه الرسائل في مجموعة الكتاب المفيد المطبوع في مكة سنة ١٣٤٣هـ.

стр. 123

٦- أصول الإيمان: وقد بينت أبواب مختلفة من الإيمان بالأحاديث، ويظهر من عبارة في البداية أن بعض أولاد الشيخ قد أضاف إليها، ونصها: "وقد زاد فيه بعض أولاده زيادة حسنة". لقد طبع للمرة الأولى في دهلي وطبع في هذه الأيام "في مجموعة الحديث النجدية"- (القاهرة مطبعة المنار سنة ١٢٤٢هـ) (ص: ٢٠٩ - ٢٤٠) . ٧- كتاب فضل الإسلام: وقد وضحت فيه مفاسد البدع والشرك كما وضحت شروط الإسلام. مجموعة الحديث النجدية (٢٤٢ - ٢٥٥) . ٨- كتاب الكبائر: ذكرت فيه جميع أقسام الكبائر واحدة واحدة مفصلة في أبواب، وقد دعمت الأبواب كلها بنصوص الكتاب والسنة، والحق أن المصنف لم يكتب من عنده إلا القليل ولا شك أن جمع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية بأسلوب لائق هو عمل جليل في نفسه. مجموعة الحديث النجدية (٢٥٨ - ٣١٠) .

стр. 124

٩- نصيحة المسلمين١: هذا كتاب مستقل قد جمعت فيه أحاديث تتعلق بجميع نواحي التعليمات الإسلامية، وإن المصنف لم يأت بشيء من عنده إلا القليل بل ما جاء بشيء أصلا. مجموعة الحديث (٣١٢ - ٤٤٤) ١٠- ستة مواقع من السيرة: رسالة مختصرة توضح ستة أحداث من السيرة النبوية. والمواضع الستة هي: ١. ابتداء نزول الوحي. ٢. تعليم التوحيد والرد على الكفار. ٣. قصة "تلك الغرانيق العلى" ٢. ٤. ختام أبي طالب. ٥. منافع الهجرة وعظاتها.

стр. 125

٦. قصة الارتداد بعد وفاة الرسول ﷺ . (مجموعة الكتاب المفيد ١٩ - ٢٣) ١١- تفسير الفاتحة: وهو تفسير موجز جدا لسورة الفاتحة إلا أن حماسة الشيخ للتوحيد تبدو واضحة جلية في كل سطر. (مجموعة الكتاب المفيد ١٨ - ١٩) ١٢- مسائل الجاهلية: ذكر فيها شيخ الإسلام مائة وإحدى وثلاثين مسألة خالف الرسول ﷺ فيها معتقدات أهل الجاهلية، وقد ألف الأستاذ محمود شكري الألوسي (م سنة ١٣٤٢هـ) شرحا لهذه الرسالة. (الزهراء ٤٤ - ٥٢) ١٣- تفسير الشهادة: تفسير لكلمة لا إله إلا الله وقد ذكرت فيها أهمية التوحيد في أسلوب أخاذ وواضح (٧٨ - ٨٠) .

стр. 126

١٤- تفسير لبعض سور القرآن١: إنها مجموعة لبعض تعليقات الشيخ على آيات وسور مختلفة من القرآن وقد استنبط عشرات من المسائل من آية واحدة وهذه هي أهم مزاياها. ١٥- كتاب السيرة: ملخص من كتاب السيرة لابن هشام وتوجد نسخة قديمة طيبة لهذا الكتاب في مكتبة بتنة ٢. ١٦- الهدي النبوي: وهو ملخص لزاد المعاد للإمام ابن القيم ﵀، وقد كتب على عنوان الكتاب "الهدي النبوي" فقط، وتوجد له نسخة خطية في مكتبة بتنة ٣. وللشيخ عدة رسائل صغيرة أخرى غير ما ذكرنا ولا أرى حاجة إلى ذكرها. وتوجد بعض هذه الرسائل في روضة الأفكار٤ وكذلك أجوبة لبعض الاستفسارات ٥.

стр. 127

الباب الرابع الدعوة وحقيقتها ألاعيب السياسة: كان الشيخ محمد عبده (م سنة ١٣٢٣هـ) العالم المصلح في مصر الجديدة، والرفيق الخاص للسيد جمال الدين الأفغاني يستعيذ بالله من السياسة ومفاسدها، وقوله معروف "ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته". وهذا صحيح إلى حد كبير، فإن أهل السياسة لا يفرقون بين الحلال والحرام في سبيل البلوغ إلى غاياتهم؛ ولذلك فهم ينجحون في مسخ الحقائق ولو إلى حين. إن دعوة شيخ الإسلام التي تسمى "الوهابية" ليست شيئا جديدا، فإنه لا يقدم شيئا غير التعليم الصحيح للكتاب والسنة، إلا أن دعوته أسيئت سمعتها بين الناس باسم الوهابية للأغراض السياسية. وكأنها دعوة إلى دين غير الإسلام. ومن سوء الحظ اشتركت ثلاث طوائف في التشنيع على أهل نجد، فنشبت حروب مباشرة مع الحكومة التركية والمصرية، واستمرت سلسلة الحرب مدة طويلة، وحدث قتال مرة أو مرتين مع حكومة الهند أيضا، وهكذا اشتركت الحكومات الثلاث واتباعها بحماس شديد في هذه المهمة. وزيادة على هذا كله اشتد غضب أشراف مكة وأنصارهم بسبب انقطاع مواردهم من الهدايا والنذور١. وكذلك عامة سياح أوربا من الإنجليز وغيرهم ما كان بوسعهم

стр. 128

أن يلقوا نظرة رضي واطمئنان على هذه النهضة الدينية الصحيحة في جزيرة العرب. وملخص القول أن الدول والجماعات المختلفة لم تأل جهدا في التشنيع على دعوة الشيخ وذمها لأغراض مختلفة. وكان من نتيجة ذلك أن الوهابية صارت شيئا مخيفا. وعلى أثر ذلك سميت دعوة التجديد والإمامة التي قام بها السيد أحمد الشهيد البريلوي والشيخ إسماعيل الشهيد الدهلوي بالوهابية، وجعلت كأنها دعوة خارجة عن الإسلام. وكان من الممكن أن نلتمس الأعذار لقبول هذه التهم المفتراة في الماضي، وذلك لأن كتب أهل نجد ما كانت توجد إلا قليلا، وإن علماء نجد أنفسهم ما كانوا يهتمون بنشر الدعوة خارج بلادهم إلا قليلا. ولذلك كان من الممكن جدا لأي شخص أن يحمل آراء كاذبة بصدق نية وإخلاص. ولكن اليوم إذ انتشرت كتب الشيخ وكتب تلامذته وراجت فلا يقبل عذر الجهل وعدم العلم. مذهبه الفقهي: بعبارة موجزة نستطيع أن نقول: إن شيخ الإسلام كان يحب أن يرى الدين في صورته الأصلية، وكان مولعا باتباع السلف الصالح في العقائد والأعمال، وكان يتبع مذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (م سنة ٢٤١هـ) في الفروع الفقهية. لكنه إذا وجد حديثا يخالف مذهب الحنابلة فلا يمنعه مانع من العمل بذلك الحديث. "وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة في الفروع، ولا ندعي الاجتهاد. وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان "١. وإنه يستدل في بعض الأحيان بأقوال الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم إلا أنه لم

стр. 129

يعلق ربقة تقليدهما في عنقه. فإنه يقتدي بابن تيمية وابن القيم حيث وافقا الكتاب والسنة حسب علمه، ولكنه يحب ذلك الإمام أو العالم، لأنه يسعى إلى العمل بالكتاب والسنة على وجه تام. "الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة "١. والحقيقة أنه في الفروع الفقهية يتبع المذهب الحنبلي إلا أنه لا يجبر الآخرين على اتباعه، فهو يطلب من الشافعي أن يكون شافعيا، ومن الحنفي أن يكون حنفيا. أن البدع والتقاليد الواهية لم يجزها أي إمام، ومن هو أشد من فقهاء الحنفية في تحريم الأغاني والمزامير؟ ولكن الذين ينتسبون إلى المذهب الحنفي أمام أعيننا هل تركوا شيئا؟ وما الذي لم يرتكبوه؟ ولتوضيح مذهب الشيخ الفقهي نذكر نصا آخر: "ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأربعة دون الغير لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة.. الخ. ولا نستحق الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيه، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذناه وتركنا المذهب كارث الجد والأخوة فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة٢.

стр. 130

العقائد: إنه في باب العقائد على مذهب السلف وهو إقرار ما ورد من الصفات الإلهية في القرآن والأحاديث الصحيحة كما ورد والتسليم به، والإيمان بظاهره مع نفي الكيفية. وهذا هو مذهب السلف، فقد كانت مسألة الصفات من المسائل التي اختلف فيها علماء الإسلام، فقد نفت جماعة الصفات كلها حذرا من التشبيه والتجسيم، وهو تعطيل الباري، وجماعة أخرى أثبتت الصفات فوصلت إلى التشبيه والتكييف، وهذا أيضا تعد وتجاوز عن الحد؛ فإن ذات الله منزهة عن الجسمية. وأما الأشاعرة المتكلمون فبدءوا يؤولون الآيات والأحاديث خوفا من التعطيل والتشبيه، فقالوا إن المراد من الاستواء هو الاستيلاء، وفسروا "يد الله" بالنعمة والقدرة ويزعمون أن المراد بقوله تعالى "فإنك بأعيننا" الحفظ والرعاية.. الخ، ولكن السلف ومن تبعهم لا يرضون بهذه التأويلات. فمن أين علمتم أن ما أردتم من هذه الكلمات هو ما أراده الله تعالى. ثم إن المتأولين قد يضطرون إلى تأويلات بعيدة في بعض الآيات والأحاديث حتى أن القارئ لا يتمالك من الضحك. وإذا راجعت كتاب مشكل الحديث لابن فورك (م سنة ٤٠٦هـ) تجد أمثلة كثيرة من هذا النوع الذي يتمخض فيه الجبل ثم لا يلد إلا فأرا. وإن مسلك السلف بعيد كل البعد من هذا التكييف والتعطيل والتأويل، ومن الممكن أن يعبر عن مذهب السلف بلسان ابن تيمية ﵀ هكذا: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ومذهب السلف مذهب بين مذهبين وهدى بين ضلالتين إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات١.

стр. 131

وهكذا فمذهب السلف بين الإثبات والنفي، فهم لا يؤولون اليد والعين وغيرهما من الصفات، بل يؤمنون بظاهرها مع نفي التمثيل. أي أنهم لا يريدون بهذه الصفات ما يراد بها إذا أضيفت إلى الإنسان؛ لأن الله منزه عن الكيفية والجسمية. فالله هو الذي يعلم الكيف والحقيقة، وواجبنا هو الإيمان بدون أخذ ولا رد، وخير ما يعبر به عن مسلك السلف الصالح هو قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١. ومذهب السلف هذا ليست مذهب الحنابلة فقط، أو الإمام ابن تيمية أو الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، بل هو مذهب أئمة الإسلام قاطبة. الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم. فالأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومحمد بن حسن وسعد بن معاذ المروزي وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري والبخاري والترمذي وأبو داود السجستاني وغيرهم كلهم كانوا على هذا المسلك٢. والإمام أبو الحسن الأشعري نفسه قد ثبت عنه الرجوع، ونقل تأييده عن إمام الحرمين، وكان هذا هو مذهب جميع الصحابة والتابعين، ولقد انفتح باب التأويل بعد أن راجت سوق العقليات. الأشاعرة المتأخرون وعامة علماء المسلمين المتأخرين كان مذهبهم التأويل. وكل ما يدرس الآن باسم العقائد في المدارس هو مذهب أهل التأويل هذا، لكن هذه المعاني هي أحد احتمالات تلك الألفاظ، ويمكن أن تذكر عشرات من التأويلات غير هذه، فمن أين ثبت أن تأويلكم هو نفس المراد الإلهي، فإن كنا لا نجزم -وحقا لا نجزم

стр. 132

فلماذا نورط أنفسنا في هذا الخطر. فالأسلم أن نعتقد ونؤمن بكل ما ورد في الشرع بلا تعطيل ولا تكييف كطريقة السلف. هذا هو رأي الصالحين الأوائل وهو نفسه طريقة أهل التوحيد والسنة المخلصين وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أيضا يعتقدون هذا. " ... وبالجملة فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها ونقرها كما جاءت مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل "١. ومذهب السلف في باب الصفات مشهور ومعروف، فحسبنا أن نقول: إن شيخ الإسلام كان يعتقد عقيدة السلف. ولم يبتل أحد في هذا الصدد بعد القرون الأولى مثل الإمام ابن تيمية (م سنة ٧٢٨هـ) ، فإن أفكار الأشاعرة والمتكلمين كانت قد استولت على الأدمغة، وتأصلت في الأذهان إلى حد أن الناس كانوا ينظرون إلى طريق الحق أنه طريقة الجهال وناقصي العقول. وعلى كل حال فقد كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب متمسكا بمذهب السلف بكل قوة، كما كان الإمام ابن تيمية ﵀. وللتفصيل في هذه المسألة يرجع إلى كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين للألوسي، فقد أتى المصنف الفاضل بخلاصة المسألة كلها. وقد ذكر نصوصا من مؤلفات ابن تيمية وابن الجوزي (م سنة ٦٤٤هـ) والشيخ عبد القادر الجيلاني (م سنة ٥٦٥هـ) والإمام أبي الحسن الأشعري (م سنة ٣٣٤) . التوحيد ومستلزماته: لقد اهتم الشيخ اهتماما بالغا في جميع كتبه ورسائله بالتوحيد، بل الأولى أن يقال إن كتبه كلها ليس فيها إلا التوحيد٢، فكانت دعوته دعوة التوحيد وكان شعاره "لا إله إلا

стр. 133

الله"، وكان يوضح معاني هذه الكلمة لكل واحد، ويسعى إلى ترسيخ حقيقتها في الأذهان، ولذلك كان متبعوه يدعون باسم الموحدين في بعض الأحيان. فما هو التوحيد؟ التوحيد هو إخلاص العبادة لله تعالى فقط، والأمر واضح جدا ولكن حبائل الشيطان واسعة جدا أيضا، فكان يجب لإخلاص التوحيد أن يجتنب الإنسان جميع تلك الأعمال والأقوال التي يوجد فيها أدنى شبهة للشرك. وشيخ الإسلام لم يأل جهدا في توضيح هذه الأعمال والأقوال، فقد بين مضراتها ومفاسدها، وحاول سد جميع الطرق التي تؤدي إلى هذه المفاسد. لكن الأمة التي كانت قد ظهرت برسالة التوحيد إلى جميع أنحاء العالم قد وضعت في شراك عبادة القبور والأضرحة وغيرها حتى إن نداء التوحيد لما قرع مسامعها أنكرته واستغربته، فإذا قدمت إليها نصوص الكتاب والسنة أولتها. حتى إن زعماء التوحيد وحاملي لوائه قد استقبلوا بشتائم "الوهابي" ومشرك وخارجي وغيرها من الشتائم الفقهية والمذهبية، فكانت جريمة شيخ الإسلام هي أنه جهر بدعوة التوحيد، وأكد على الناس اجتناب الشرك وأنجاسه وذم الأوثان من دون الله، ونهى عن الحلف بغير الله والنذر لغيره وعبادة القبور بكل تصريح ووضوح، فإن كان هذا ذنبا فيجب على كل مسلم أن يرتكب هذا الذنب بكل إخلاص. وفيما يلي نذكر بوضوح تلك الأمور الخاصة التي تبعد عن التوحيد وتقرب إلى الشرك في رأي شيخ الإسلام وأهل السنة: ١- دعاء غير الله في المصائب أو دعاء غيره مع الله. فأدعياء "العقيدة" الجهال أو ناقصو الثقافة إذا دعوا غير الله في المصائب مثل: يا رفاعي، يا بدوي، يا عبد القادر، أو كما يقولون عندنا: يا رانا بير بهور، يا مخدوم، يا

стр. 134

"مخدوم منهجن" وغير ذلك. فهذا كله ليس منزها عن شوائب الشرك١.فإن جانب العبادة ظاهر في هذا النداء، وإن كنا لا نبحث عن نية الداعي أو منزلة المدعو، فمن الممكن جدا أن لا يقصد الداعي العبادة أو الإشراك، ولكن العبد إذا نادى مخلوقا آخر في المصيبة، وطلب منه دفعها أو جلب منفعة فهذا يخالف التوحيد تمام المخالفة. وإن دينا كاملا كدين الإسلام لا يوجد فيه أي مجال لمثل هذا. فالذي يذكر غير الله في المصائب لا يخلو من حالتين: ١. إما أنه جاهل لا يعرف التعاليم الصحيحة من الكتاب والسنة، فأتباع شيخ الإسلام يحاولون أن يوضحوا له الطريق الصحيح ويأمرونه بأن يجتنب هذه الأمور في المستقبل. ٢. فإن كان أحد يدعو غير الله لدفع الضرر أو جلب الخير بعد ما عرف الأحكام الشرعية، فإنهم يعتبرونه مشركا ولا يرضون بأي مجاملة أو مجاراة مع هؤلاء. ويحتجون بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢. ٢- الاستغاثة: أي طلب الغوث من غير الله فحكمه حكم دعاء غير الله. يقول أبو يزيد البسطامي": استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون٣.،" وروى

стр. 135

الطبراني عن النبي ﷺ أنه قال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله تعالى "١. وملخص القول أن الاستغاثة بغير الله سواء كان حيا٢ أو ميتا حرام قطعا، وينافي عقيدة التوحيد الإسلامي كل المنافاة. ٣- التوسل: وكلمة التوسل تستعمل لثلاثة معان: ١. التوسل بطاعة الرسول ﷺ فهذا فرض ولا يكمل الإيمان إلا به. ٢. التوسل بدعاء الرسول ﷺ وشفاعته، وهذا كان في حياته ﷺ ، وسيكون يوم القيامة حينما يتوجه الخلق يتوسل بشفاعة الرسول ﵊. ٣. التوسل الذي يتوسل فيه إلى الله تعالى بذوات الأنبياء والصالحين فهذا لم يعمل به الصحابة في حياة النبي ﷺ ولا بعد وفاته، لا عند الاستسقاء ولا غيره، لا عند القبر ولا بعيدا عن القبر. لم ينقل عن الصحابة أي توسل غير مشروع في أي مناسبة، توسل كأنه يحلف فيه على الله تعالى بذات رسول أو ولي، وإن الأدعية المأثورة لا يوجد فيها أي أثر لهذا التوسل. هذه هي الصور الثلاثة للتوسل فالصورة الأولى منها (أي التوسل بالإيمان برسول الله ﷺ وطاعته) مشروعة دائما. والصورة الثانية أي التوسل بدعاء رسول الله ﷺ وشفاعته (لا ذاته) فهذا كان نافعا ومطلوبا بلا شك في حياة الرسول ﷺ ومن أنكر

стр. 136

التوسل بأحد هاتين الصورتين فهو كافر مرتد كما صرح به الإمام ابن تيمية ﵀ ولكن قد تعذرت الصورة الثانية بعد وفاة الرسول ﷺ ، وقد نقل السلام على القبور وقول "السلام عليكم" لمخاطبة أهل القبور، ولكن طلب الدعاء من الميت أو الغائب فهذه بدعة.١. ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ في جمع حافل من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بدون إنكار أحد منهم:- " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"٢.فلأمر ما توسل الصحابة بالعباس ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ . ولما كان هذا التوسل بطلب الدعاء وهو متعذر بعد وفاة الرسول ﷺ توسل الفاروق بعم رسول الله ﷺ أي طلب منه أن يدعو. أما الثالثة وهي التوسل بذوات الأنبياء والصالحين أي الحلف على الله تعالى باسم الأولياء والصالحين كأن يقول أحد: "أسألك بجاه عبدك أو بحرمته"، فاختلف العلماء فيه. والرواية الصحيحة عند الحنابلة أنه مكروه تحريما، وهو المنقول عن الإمام أبي حنيفة وغيره من فقهاء الحنفية. فالتوسل بالأنبياء أو الأولياء أو الأماكن المقدسة وطلب الدعاء بحقهم مكروه تحريما عند الحنفية، ويستدلون لاحق للمخلوق على الخالق وهذا حق واضح. وهو نفسه مذهب الإمام ابن تيمية ﵀ وعليه عمل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومتبعيه؛ فإنهم لا يبيحون التوسل بذات نبي أو ولي، وإنهم لم يأتوا في هذا بشيء جديد سوى أنهم طبقوا ما اتفق عليه الحنفية والحنابلة. والشيخ عز الدين بن عبد السلام هو الوحيد من العلماء المتقدمين من يبيح التوسل

стр. 137

بالذات المقدسة للنبي صلى الله عليه وسلم١ فإن قال أحد: "اللهم إني أتوسل إليك بنبيك وحبيبك محمد" ﷺ أو: "اللهم إني أسألك بجاه صفيك ونبيك محمد" ﷺ فهذا جائز عنده. ولا عجب إن زل عالم مجتهد مثل عز الدين بن عبد السلام أمام الذات المقدسة والمرتبة العليا للنبي ﷺ . ومن المتأخرين الشوكاني (م سنة ١٢٥١هـ) يبيح التوسل بالنبي ﷺ . أما التوسل بالأولياء والصالحين فلم ينقل عن أحد من الأئمة. فإن حاول بعض المتأخرين تجويزه فهذا ترويج لأمر مشتبه لا أصل له، وفتح لباب البدع بدون فائدة٢.وكل ما أقصده هنا هو توضيح مذهب شيخ الإسلام، وليس هذا محل نقاش فقهي، وسنذكر عدة كتب في باب المراجع تتعلق بهذا الموضوع. وكتاب التوسل والوسيلة للإمام ابن تيمية ﵀ وغيره من مؤلفاته وفتاويه مملوءة من هذه المباحث. وعلى سبيل الإجمال يمكن الاستفادة من كتاب جلاء العينين (٢٦٩ - ٣١٥) للأدلة ومناقشات الجانبين. ٤- الاستعاذة: من مقتضيات التوحيد أن لا يستعاذ بشيء من المخلوقين دون الله وأسمائه وصفاته. وبناء على هذا الأصل استدل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ على أن القرآن كلام الله وغير مخلوق بحديث " أعوذ بكلمات الله التامات "٣ أي أن كلام الله تعالى إن كان مخلوقا يلزم أن الرسول ﷺ قد استعاذ بمخلوق حينما استعاذ بكلمات الله، ومعنى ذلك أنه كان من المسلم به إلى ذلك الزمان أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز.

стр. 138

ولو لم يكن كذلك لرد عليه المخالفون. والقرآن نفسه يذم الكفار بأنهم يستعيذون بغير الله أي الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١، ولذلك اعترض شيخ الإسلام على قول صاحب "البردة": يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم ... ولا شك بأن قوله "مالي من ألوذ به سواك" لا يليق إلا بالله تعالى. وحتى الشوكاني مع تساهله في مسألة التوسل قد اعترض على هذا الشعر٢. ٥- الحلف بغير الله: إن الحلف بغير الله أيضا ينافي التوحيد، وليست هذه المسألة مما اختلف فيه، بل قد اتفق عليها العلماء لكن العوام بل حتى بعض الخواص قد وقعوا في هذه البلية. وجميع بلاد المسلمين قد راج فيها الحلف بالأنبياء والأولياء حتى لو أنكرت على أحد ونهيته عن هذا يتهمك باللادينية أو على الأقل بالوهابية بدلا من أن يمتنع عنه، مع أن الترمذي أخرج حديث رسول الله ﷺ " من حلف بغير الله فقد أشرك " ٣٤ فقد سمى الحلف بغير الله شركا. وهل هناك نهي أشد من هذا. ولهذا قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك".

стр. 139

فلا يجوز عنده الحلف أو الاستغاثة بغيره أبدا. إلا أن الإمام أبا يوسف يبيح قوله "بمعاقد العز من عرشك"، لأن مالك معاقد العز في العرش هو الله . ولا يراد من "معقد العز من عرشك" إلا الله تعالى، ولكن الإمام أبا حنيفة يكره ذلك أيضا. أما الدعاء بحق فلان فهو مكروه تحريما عند الجميع كما مر من قبل. فدعاء غير الله والاستغاثة بغير الله والتوسل بالأنبياء والصالحين والاستعاذة بغير الله والحلف بغير الله كل هذه الأشياء من نوع واحد. وكلها تحمل في طياتها جراثيم الشرك وتنافي التوحيد كل المنافاة. ولذلك لا يمكن أن تباح هذه التوهمات والخرافات في الدين الخالص، وكل ما ارتكب محمد بن عبد الوهاب من جريمة هو أنه نهى عن هذه المكروهات نهيا تاما، وقد أنقذ بذلك عامة الناس ولو في ناحية واحدة من الأرض. ٦- زيارة القبور: إن زيارة القبور مشروعة ولا شك بشرط أن لا تخرج عن حدود الزيارة. ويجوز للمسلم أن يزور قبور الأنبياء والصالحين وعامة المسلمين، وحتى قبور غير المسلمين لمن أراد العبرة والعظة، وزيارة قبور المسلمين سنة وقد رغب فيه الشرع لمن أراد أن يدعو لأهل القبور. ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه لا ينكرون زيارة القبور إلا أنهم يخالفون مخالفة شديدة تلك البدع التي تفعل عند القبور. فإنهم ينكرون على الذين يستغيثون بالقبور ويطلبون من الموتى دعاء وشفاعة. وزيارة القبور التي نراها في أيامنا ليست زيارة ولكنها ترويج لأسواق البدع والخرافات. فطلب الدعاء من صاحب القبر أو الدعاء بواسطته، أو الدعاء عند القبر نفسه بقصد التقرب إلى الله كل هذه الأمور لا تجوز أبدا، والموحدون ينكرون كل هذا.

стр. 140

إن الأحاديث قد نهت عن بناء المساجد على القبور وهي كثيرة مشهورة وصحيحة في هذا الباب١، ولذلك لم يتردد أتباع محمد بن عبد الوهاب في هدمها؛ لأنها محرمة في الشرع، وقد اتخذت هذه القبور أوثانا بعكس ما أمر به الشارع تماما. وهذا منكر فمن وجد قوة فعليه أن لا يتردد في استئصال هذه البدعة. وأتباع محمد بن عبد الوهاب ليسوا هم الحكام المنفردين الذين اعتنوا بهدم القباب، بل إنه كان من المعمول به من عصر الإمام الشافعي (سنة ١٥٠ - ٢٠٤هـ) أي في أواخر القرن الثاني، وقد ذكر ذلك الإمام الشافعي في كتاب الأم بأن الحكام كانوا يهدمون ما بنى على القبور، والفقهاء لا ينتقدون عليهم وذكر هذا القول النووي في شرح مسلم٢. وكذلك نقله ابن حجر الهيتمي في الزواجر، وذكر من أقوال الفقهاء: "وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار.. الخ "٣. وبعد هذا التفصيل كله يتبين لكل بصير بأن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ما كان يدعو إلى دين جديد، ولا أنه أنشأ مذهبا فقهيا جديدا فهو نفسه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (م سنة ٢٤١هـ) ، وأن دعوته هي دعوة الكتاب والسنة فقط. فكل ما يريده هو من الأحناف أن يكونوا حنفيين خالصين، ويطالب الشافعيين أيضا بهذا. فالذي يفعل الآن عند قبر الإمام الشافعي (م سنة ٢٠٤هـ) في مصر هل كان

стр. 141

من الممكن أن يبيحه هو بأي صورة؟ وهكذا حال جميع الأئمة فإنهم ما كانوا يبيحون البدع ولا يتهاونون فيها ولا يمكن أن يكون هذا. فأتباع محمد بن عبد الوهاب إنما يدعون المسلمين أن ينتهوا من هذه البدع ويتركوها. والذي لا يمتنع بعد تنبيهات متكررة فإنهم يعاملونه بشدة. وشدتهم هذه في العمل توصف بعدة من الشتائم الفقهية، وعلى هذا الأساس افتريت عليهم افتراءات لا أصل لها بمجرد الظن والقياس. ومن الصعب جدا أن نذكر في هذا الكتاب تلك الشتائم والافتراءات التي سودت مئات من الصفحات ولكن مع ذلك فسنقدم في الصفحات الآتية نماذج من تلك الافتراءات الكاذبة.

стр. 142

الباب الخامس افتراءات وأكاذيب الوهابية: إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها "بالوهابية"، ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه التسمية أن يثبتوا أنها دين خارج عن الإسلام. واتحد الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها "شبحا مخيفا" بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين، ورأى الأوربيون فيها خطرا على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية، فالحركة السنوسية في المغرب تناقض الدعوة النجدية في الفروع الفقهية، ولكن مع ذلك يقال إنها نتيجة لدعوة شيخ الإسلام. وهذا بسبب أن الحركة السنوسية ما زالت خطرا على الطليان بسبب أعمالها في سبيل الجهاد مدة طويلة. وكذلك حركة التجديد والإمامة في الهند، قد ألحقت بنجد إلحاقا تاما حتى زعم أهلها فضلا عن الآخرين أنهما واحدة. ولا شك أن المأخذ الأصلي (الكتاب والسنة) واحد، ولكن توجد فروق واضحة في أساليب الدعوة وطرقها مع توافقهما في الأصول. ولكن الحقيقة التي لا تجحد أن حركة تجديد الجهاد التي قام بها السيد أحمد الشهيد (سنة ١٢٤٦هـ / ١٨٣١م) ، والشيخ إسماعيل الشهيد (١٢٤٦) لم تتأثر أبدا بالدعوة النجدية١. وعلى كل حال فنظرا إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء فلا أرى حرجا في هذه التسمية. فلو كانت النسبة إلى داعي حركة الإصلاح والتجديد محمد بن عبد الوهاب فكان ينبغي أن يقال لأصحابه "محمديون"، ولكن من البديهي أن الأعداء ما كانت تتحقق غاياتهم في تسميتهم بالمحمدي، ولذلك نسبوا هذه الجماعة إلى والده وهو الشيخ عبد الوهاب، وهكذا اشتهر هذا الاسم "الوهابي أو الوهابية"، ثم راجت هذه النسبة حتى إن كثيرا من

стр. 143

المؤرخين والمترجمين نسبوا راية التجديد والإصلاح إلى عبد الوهاب. وعلى سبيل المثال يراجع كتاب برائجس (٢: ١٣٤) . ولقد بالغ برائجس١ (Rrydges) في زعمه الباطل حتى كتب "إن ولد صاحب الدعوة "محمد" كان ضريرا (ص: ١٣٤) وهذا باطل في باطل، مع أن الصواب أن الشيخ حسين٢ بن محمد بن عبد الوهاب وهو النجل الأكبر لشيخ الإسلام كان ضريرا. وان "هنتر" أكبر خصوم المجاهدين في الهند أيضا مبتلى بهذا الوهم، فإنه حينما يترجم إحدى رسائل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يصف المصنف بأنه حفيد مؤسس الجماعة٣. ولم ينفرد هذان بهذا الزعم بل هناك طائفة ابتليت بالوهم نفسه. فقد ذكر "ني بور" أول السياح الأوربيين الذين تجولوا في بادية العرب - أن مؤسس الجماعة هو عبد الوهاب، ويقول: إن ولده "يخلفه الآن٤ " ومن الجدير بالذكر أن "ني بور" كان موجودا في البلاد العربية سنة ١٧٦٤م أي قبل وفاة الشيخ بثمان وعشرين سنة. ومن أغرب الأوهام ما وقع فيه رئيس المبشرين المسيحيين الراهب "زويمر" فقد ظن الوهابية أو الوهابي دينا أو مذهبا مستقلا كما يشاع. ثم رأى أن الإمام ابن القيم (م سنة ٧٥١هـ) تشبه أفكاره وآراؤه الوهابيين فقال بدون تردد "إنه وهابي"، ولكن يسمي نفسه حنبليا٥. ولكن المسكين لم يعرف أن اصطلاح الوهابية ما راج إلا بعد ابن القيم بأربعة قرون أو أكثر.

стр. 144

ولم نجد حجة قاطعة تدلنا على أول من نادى بهذا الاسم، ولكن الظاهران المخالفين اتهموهم بهذه التسمية في حياة شيخ الإسلام نفسه. وهذا هو رأي مرغليوث١. ومع أنه ليس حجة في هذا الباب إلا أن هناك قرائن أخرى تؤيد هذا٢. وقد ورد هذا اللفظ في قصيدة للملا عمران بن رضوان والغالب أنه أحد معاصري شيخ الإسلام٣ فقد قال: إن كان تابع أحمد متوهبا ... فأنا المقر بأنني وهابي٤ ومعاصر مصري آخر قد ذهب إلى هذا الرأي، وأن الأعداء كانوا قد بدءوا في استعمال هذا اللقب في أيام الحروب الأولى٥. ولكن "ني بور" المعاصر الأوروبي لشيخ الإسلام لم يستعمل اصطلاح الوهابية أصلا٦. فيظهر من هذا أن اصطلاح الوهابية لم يكن معروفا إلى ذلك الوقت (١٧٦٤م) . ولكنه يسمي دعوة الشيخ بدين جديد (New Religion) مع أنه في النهاية يعبر عن "مذهب عبد الوهاب الجديد" بالمحمدية٧، وبعد مدة قصيرة من وفاة شيخ الإسلام نجد سائحين آخرين يتكلمان في الحركة النجدية ودعوتها وهما: "علي بيك

стр. 145

عباسي باديا" (سنة ١٨٠٧م) و "برك هارت" (سنة ١٨١٤م) . أما (باديا) فقد وصل إلى الحجاز قبل احتلال المصريين، ومع الأسف لم توجد رحلته الأصلية حتى نعرف هل استعمل هذا الاصطلاح أم لا؟ والمقتطفات التي أتى بها (هوغارث) لا تسفر عن رأي صحيح١. وأما برك هارت فقد جاء إلى الحجاز بعد استيلاء محمد علي المصري في سنة ١٢٢٩هـ / ١٨١٤م، وألف مذكرة في أخبار الوهابيين في سنة ١٨١٦م، وقد نشرت هذه المذكرة فيما بعد في مجلدين باسم (مذكرات في البدو والوهابيين) Wahhabys) and The Bedouins on The Notes ((سنة ١٨٣١م) وقد أكثر من استعمال كلمة (الوهابي فقلما تجد صفحة من المجلد الثاني تخلو عن هذا اللفظ. وفي أيام قريبة منه رتب عبد الرحمن الجبرتي (م سنة ١٢٣٨هـ) تاريخه، وهو أيضا يكثر من استعمال هذا الاصطلاح٢. فيقول في حوادث سنة ١٢١٨هـ: "وحضر صحبة الحاج كثير من أهل مكة هروبا من الوهابي، ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه٣. ويظهر من هذا أن هذا الاصطلاح كان شائعا أيام الغارة المصرية، والكتاب فيما بعد يذكرون هذه الجماعة باسم "الوهابي" دائما. وقد قلنا آنفا: إن مجرد التسمية لا حرج فيه ولكن هذا الاسم قد أشيع وكأنه مذهب خارج عن الإسلام. وهذا ما نشكو منه ولهذا أوليته عناية خاصة في صدد ذكر الافتراءات. أول المفترين: وأول من بدأ نسبة الأكاذيب والافتراءات إلى شيخ الإسلام في حياته هو سليمان
следующие страницы →