← Тафсир

Тафсир · id 151103

من حاشية إبراهيم السقا على تفسير أبي السعود

إبراهيم السقا

Полный текст (408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾، والمعنى: أن الإفاضةَ من عرفه شرعٌ قديم فلا تغيِّروه. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من جاهليتكم ــ وفي (ش): " [قوله] (١): (من قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ (٢)) (٣) يعني: أمر الشجرة (٤). و (ثم) على هذه القراءة لتفاوت الرتبة." (٥) (ش) (من جاهليتكم): " إشارة إلى أن (استغفر) يتعدى (٦) إلى اثنين: أولهما: بنفسه، والثاني: بـ (من)، استغفر الله من ذنب، وحذف المفعول الثاني هنا؛ للعلم به.

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يجئ (استغفر) في القرآن إلا متعديا للأول فقط. وأما قوله تعالى: [﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (١)] (٢)، ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾ (٣)، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٤)، فالظاهر أن هذه اللام (لام) العلة (٥)، لا (لام) التعدية (٦)، ومجرورها مفعول لأجله (٧)، لا مفعول به (٨)." (٩) (ز)

стр. 108

في تغيير المناسكِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفرُ ذنبَ المستغفِر ويُنعِمُ عليه فهو تعليلٌ للاستغفار، أو للأمر به. ــ وفي (ع): " (من جاهليتكم): المقصود منه: إبداء الجامع بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني: أفيضوا في النهاية. الجاهلية: الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله (١) ورسوله و [شرائع] (٢) الإسلام، والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر وغير ذلك (٣). (٤) وليس المراد منها: الذنوب التي صدرت قبل الإسلام على ما وُهِم." (٥) أهـ وعبارة (ك): " واستغفروا الله من مخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك من جاهليتكم." (٦) (في تغيير المناسك): " على التفسير الأول، والتعميم: إشارة إلى الثاني (٧)." (٨) (ش) (وينعم عليه): " تفسير لرحيم." (٩)

стр. 109

﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ عبادتكم المتعلقة بالحج، وفرغتم منها ــ (وعباداتكم إلخ) في (ق): " أي قضيتم العبادات الحجية، وفرغتم منها." (١) فمعنى قضيتم: أديتم. (٢) وفي (ش): " (وفرغتم)؛ لأن معنى قضيت الحج: أديته وأتممته. والمناسك: جمع منسك، وهو: النسك أي: العبادة (٣). " (٤) وفي (ز): " المناسك: جمع منسك، الذي هو مصدر بمعنى النسك.

стр. 110

﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ أي: فأكثروا ذكره تعالى وبالغوا في ذلك، كما تفعلون بذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. ــ أي: إذا أتممتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج (١)، فاتركوا عادة الجاهلية، واتبعوا سنن الإسلام، واشتغلوا بذكر رب الأنام." (٢) أهـ (أي: فأكثروا ذكره) " الكثرة مستفادة من قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (٣)؛ لأنه في موقع المصدر (٤)، أي ذكرا مثل ذكر آبائكم. " (٥) (سعد) [(وأيامهم) " الأيام (٦) عبارة عن: الحروب والوقائع. " (٧) (سعد)] (٨)

стр. 111

وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ــ قال (ش): " كما يقال: يوم الفخار (١) ويوم بدر (٢). وحيث أطلق يراد به: ذلك، كما بُيِّنَ في الأمثال." (٣) أهـ (وكانت العرب إلخ) " أخرجه (٤)

стр. 112

فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن آيامهم. ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ إما مجرور ــ ابن أبي حاتم عن ابن عباس. " (١) (سيوطي) وفي (ش): " رواه ابن جرير وغيره. " (٢) أهـ (ومحاسن أيامهم) " الضمير للعرب، أو للأباء. " (٣) (ع) وفي (ز): " (فيذكرون مفاخر آبائهم): يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة، والترفع بمآثر (٤) سلفه." (٥) (إما مجرور إلخ) " قال أبو حيان: " جَوَزوا في إعراب ﴿أَشَدَّ﴾ وُجوها، اضطروا إليها؛

стр. 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لاعتقادهم أن ﴿ذِكْرًا﴾ بعده تمييز (١) بعد أفعل التفضيل (٢)، فلا يمكن إقراره تمييزا إلا بهذه التقادير التي قدروها. ووجه إشكال كونه تمييزا: أن (أَفْعَل) التفضيل إذا انتصب ما بعده فإنه [يكون] (٣) غير الذي قبله، نحو: زيد أحسن وجها؛ لأن الوجه ليس زيدا. فإذا كان من جنس ما قبله انخفض، نحو: زيد أفضل رجل، فعلى هذا يقال: اِضرب زيدا كضرب عمرو خالدا أو أشد ضَرْب، بالجر لا بالنصب. وكذا كان قياس الآية في بادئ الرأي (أو أشد ذكر)، فجوزوا في ﴿أَشَدَّ﴾ النصب على وجوه، أحدها: أن يكون معطوفا على موضع الكاف في ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ لأنها نعت (٤) لمصدر محذوف،

стр. 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي: ذكرا كذكركم أو أشد، وجعلوا [الذكر ذاكرا] (١) على جهة المجاز، كما قالوا: شعر شاعر، قاله أبو علي (٢) (٣) وابن جني (٤) (٥) [قلت (٦): وهذا الوجه فات المصنف (٧).] (٨) الثاني: أن يكون معطوفا على ﴿آبَاءَكُمْ﴾ " [بمعنى: أو أشد ذكرا من آبائكم] (٩)، على أن ذكرا من فعل المذكور. " (١٠) قاله الزمخشري (١١).

стр. 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو كلام قلق، ومعناه: أنك إذا عطفت ﴿أَشَدَّ﴾ على ﴿آبَاءَكُمْ﴾ كان التقدير: أو قوما أشد ذكرا من آبائكم، فكان القوم مذكورين، والذكر الذي هو تمييز بعد أشد: هو من فعلهم أي من فعل القوم المذكورين؛ لأنه جاء بعد أفعل الذي [هو] (١) صفة للقوم. ومعنى قوله: (من آبائكم) أي من ذكركم لآبائكم. والثالث: أنه بإضمار فعل الكون (٢)، والكلام محمول على المعنى، والتقدير: أو كونوا أشد ذكرا له من ذكركم لآبائكم، ودل عليه: أن معنى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فكونوا ذاكرين. قال أبو البقاء (٣): " وهو أسهل من الوجهين قبله." (٤) لما في الأولين من المجاز، والثاني من القلاقة. وجوزوا الجر في ﴿أَشَدَّ﴾ على وجهين، أحدهما: " بالعطف على (ذكركم)." (٥) قاله الزجاج (٦). والثاني: " بالعطف على الضمير المجرور في ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾. " (٧) قاله الزمخشري.

стр. 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال أبو حيان: " وهذه الوجوه الخمسة كلها ضعيفة، والذي يتبادر إليه الذهن في الآية: أنهم أُمِرُوا [بأن] (١) يذكروا الله ذكرا يماثل ذكر آبائهم أو أشد، وقد ساغ لنا حمل الآية على هذا المعنى بتوجيه واضح ذهلوا عنه، وهو أن يكون ﴿أَشَدَّ﴾ منصوبا على الحال (٢)، وهو نعت لقوله: ﴿ذِكْرًا﴾ لو تأخر، فلما تقدم انتصب على الحال، كقوله: [لِمَيةَ] (٣) مُوحِشًا طَلَلُ (٤)، ولو أُخِّرَ لقيل: أو ذكرا أشد، يعني من [ذكركم آباءكم، ويكون إذ ذاك: أو ذكرا أشد، معطوفا على محل الكاف من] (٥) ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾. ويجوز أن يكون مصدرا لقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، و ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾: في موضع الحال؛ لأنه في التقدير: نعت نكرة (٦) تقدم عليها، ويكون ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ معطوفا على محل الكاف، حالا معطوفة على حال، ويصير كقولك: اِضرب مثل ضرب فلان ضربا، والأصل: اِضرب ضربا مثل ضرب فلان.

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحُسْن [تأخر] (١) ﴿ذِكْرًا﴾ أنه كالفاصلة في حُسْن المقطع، ولو تقدم لكان: فاذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم أو أشد، فكان اللفظ متكررا، وهم يجتنبون كثرة تكرار اللفظ، فلهذا المعنى وحُسْن المقطع تأخر. لا يقال في الوجه الأول: إنه يلزم فيه الفصل بين حرف العطف وهو: ﴿أَوْ﴾، وبين المعطوف الذي هو: ﴿ذِكْرًا﴾: بالحال الذي هو: ﴿أَشَدَّ﴾، وهو غير ظرف ولا مجرور ولا قسم؛ لأن الحال شبية بالظرف، فيجوز فيها ما جاز فيه. وهذا أولى من جعل: ﴿ذِكْرًا﴾ تمييزا، لما في الأوجه السابقة من الضعف، فينبغي أن يُنَزَّه القرآن عنها." (٢) انتهى كلام أبي حيان، وهو نفيس جدا، ولو لم يكن في الكتاب إلا تحرير مثل هذا الموضع لكان جديرا بأن يهتم بتحصيله (٣). وفي أمالي ابن الحاجب (٤): " قول الزمخشري: " إنه معطوف على الضمير المجرور فيه." العطف عليه من غير إعادة الجار، وذلك لا يجوز عنده (٥)، ورَدَّ قراءة حمزة (٦)

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (والأرحامِ) (١) أقبح رد (٢). وقوله (٣): (أن ذكرا من فعل المذكور) يؤدي إلى أن يكون (اِفعل) للمفعول، وهو شاذ كما صرح به في المفصل (٤)، (٥) لا يخرج عليه: سمع منه " أشغل من ذات النحيين (٦) " (٧).

стр. 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمعروف أن (أَفْعَل) لا يكون إلا للفاعل، نحو: أَضْرَب الناسِ، على أنه فاعل الضرب. فالوجه: أن يقدر جملتين، أي: فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو اذكروا الله حال كونكم أشد ذكرا من ذكر آبائكم: فتكون الكاف نعتا لمصدر محذوف، و ﴿أَشَدَّ﴾ حالا، وهذا أولى؛ لأنه إجراء للكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه: أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل (١)؛ لأن ذلك في المفردات. " (٢) أهـ وأجاب الطيبي " عن الأول: بأنه رد قراءة (والأرحامِ) لشدة الاتصال، وصحح نحو: مررت بزيد وعمرو؛ لضعف الاتصال. وههنا إضافة المصدر إلى الفاعل وهو في حكم الانفصال، على أن من الجائز أن يكون الفاصل هو المصحح للعطف، كما في الرفع على المرفوع المنفصل (٣). وقد ذكر ابن الحاجب في شرح المفصل: " أن بعض النحويين يُجيز في المجرور بالإضافة (٤) دون المجرور بالحرف؛ لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار، لاستقلال كلٍ منهما بمعناه ثم استشهد بالآية (٥)." (٦)

стр. 120

إما مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز، والمعنى: فاذكروا الله ذكرا كائنا مثل ذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ. ــ و[عن] (١) الثاني: بأنه إنما يلزم ما ذُكر أن لو كان (أَفْعَل) من الذكر وبُنْيَ منه، إنما بُنْيَ مما يصح بناؤه منه للفاعل، وهو ﴿أَشَدَّ﴾، وجعل ﴿ذِكْرًا﴾ الذي بمعنى المذكور تمييزا، كأنه قيل: أشد مذكورا، كقولك: أكثر شغلا، وأقبح عورا، وزيد أشد مضروبية من عمرو." (٢) " وعن الثالث: بأنه نظر إلى التوافق بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلى جَعْلِه من عطف المفرد على المفرد، لا من عطف الجملة على الجملة؛ لأنه جعل أحدهما مصدرا والآخر حالا له عامل آخر مما يؤدي إلى تنافر النظم." (٣) (٤) انتهى (سعد) أهـ " (٥). (إما مجرور معطوف على الذكر إلخ) عبارة (ق): " إما مجرور معطوف على الذكر، بجعل الذكر ذاكرا على المجاز، [ولولاه لما صح نصبه؛ لأن المنصوب بعد (أَفْعَل) غير الذي قبله، كقولك: زيدا فَرِهَ عبدا، فالفراهة للعبد لا لزيد، على معنى فَرِهَ عبده، بخلاف المجرور فإنه بعضه] (٦)، والمعنى: فاذكروا الله إلخ ما هنا." (٧) فكتب (ش): " أو كذكر أشد ذكرا: على الإسناد المجازي (٨)، وصفا للشاء بوصف صاحبه، كما يقال: جد جده. فجعل الذكر ذاكرا، حيث أثبت له ذكرا.

стр. 121

أو على ما أضيف إليه بمعنى: أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا. ــ وكذا إذا جعل منصوبا معطوفا على محل الجار والمجرور - كما ذكره ابن جني (١) - يكون من هذا القبيل أيضا. قال أبو حيان: " ووجهه أن ﴿ذِكْرًا﴾ منصوب على التمييز، و (أَفْعَل) إذا ذكر بعده ما ليس من جنسه مما يغايره، انتصب كذلك نحو: زيد أفضل علما. فإن كان من جنسه ولم يغايره، جُرَّ بالإضافة نحو: أفضل عالم." (٢) فكان المتبادر هنا: أشد ذكرٍ، بالجر، فلما انتصب دل على أنه غيره، وأنه جعل للذكر ذكر (٣)، كشعر شاعر، وقوله (٤): (كذكر أشد) مُنَوَّن، لا مضاف." (٥) أهـ وفي (ع): " (بجعل الذكر ذاكرا)؛ لأن التقدير: كذكر أشد ذكرا، والتمييز في معنى الفاعل، أي: أشد ذكره، والضمير: للذكر المتقدم، وقد جعل للذكر ذكر (٦)، فيكون ذاكرا." (٧) أهـ وهذا الوجه مذكور في (ك). (٨) (أو على ما أضيف إليه) هذا الوجه ذكره (ك) قال: " ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ في موضع جَرّ عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشد منهم ذكرا. " (٩) أهـ كتب السعد: " اعترض: بأنه عطف على المضمر المجرور بلا إعادة الجار، وقد منعه (١٠) في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١١).

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأجيب بوجوه: الأول: أن المنع فيما إذا كان الجار حرفا؛ لأن اتصاله أشد، ولهذا جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الجملة، ولم يجز بين الحرف ومجروره. الثاني: أن المجرور هنا في حكم المنفصل؛ لكونه فاعل المصدر. الثالث: أن المراد العطف من حيث المعنى، وأما بحسب اللفظ فهو على حذف مضاف معطوف على الذكر، أي: [أو] (١) ذكر قوم أشد ذكرا. والكل ضعيف." (٢) أهـ قال (ش): " وترك جوابا آخر، هو: أن بعض النحاة (٣) يراه جائزا بلا إعادة جار. " (٤) أهـ وفي (ع): " (أو على ما أضيف إليه): بناء على مذهب الكوفيين (٥) المُجوزين للعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض في السعة، أما عن البصريين (٦) فلا يجوز ذلك في السعة، ولكونه مبنيا على مذهب ضعيف مخالف للقياس؛ لأن الضمير المجرور كبعض الكلمة متصلا [كاسمه] (٧)، والجار والمجرور كشاء واحد على ماصرح به المصنف (٨) وصاحب (ك) في

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تفسير: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (١) حكم بضعف هذا الوجه، [حيث قال: " أو على ما أضيف إليه." (٢) على ضعف.] (٣) وفيه إشارة إلى دفع المخالفة بين كلامي (ك)، حيث جَوَّزَ هنا العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، ومنعه في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. (٤) لأن المراد بالجواز هنا: الجواز على ضعف، وهو لا ينافي المنع منه على المختار؛ ولذا قال فيما سيأتي: " وليس بسديد. " (٥) وأما ما قيل: من أن المنع إنما هو فيما إذا كان الجار حرفا؛ لأن اتصاله أشد، ولذا جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الجملة، وإن لم يَجُزْ بين الحرف ومجروره، وأن المجرور هنا في حكم المنفصل؛ لكونه فاعل المصدر، وأن المراد العطف من حيث المعنى، وأما بحسب اللفظ فهو على حذف مضاف معطوف على الذكر، أي: وكذكر قوم أشد ذكرا، فلا يخفى ضعفه. أما الأول: فلأن الفرق المذكور مع عدم كونه موثوقا به، وكذا لم يوجد في الكتب المعتبرة غير مفيد، وأن عبارة (ك) فيما سيأتي نص في عدم الفرق. وأما الثاني: فلأن الإضافة معنوية (٦)، فكيف يحكم بكونها في حكم الانفصال، وكونه فاعلا في المعنى يؤكد الاتصال. وأما الثالث: فلأن " حرف الجر مع أصالته لا يعمل مقدرا في الاختيار إلا في: الله لأفعلن (٧)."

стр. 124

أو منصوب بالعطف على ﴿آبَاءَكُمْ﴾ ــ نص عليه الرضي (١)، فكيف يعمل اسم المضاف بتقدير حرف الجر." (٢) أهـ (أو منصوب إلخ) هذا الوجه ذكره (ك) بعد الذي قبله مقتصرا عليهما قال: " أو في موضع نصب [عطف] (٣) على ﴿آبَاءَكُمْ﴾. " (٤) إلخ ما هنا. كتب (السعد): " (على أن ذكرا من فعل المذكور) يعني: أن الأفعال المتعدية إضافات بين الفاعل والمفعول، فالذكر مثلا من حيث الإضافة إلى [الفاعل] (٥) ذاكرية، ومن حيث الإضافة إلى المفعول مذكورية. وتحقيقه: أن المصدر عبارة عن (أن) مع الفعل، والفعل قد يؤخذ مبنيا للفاعل، أي: [أن ذَكَر] (٦) أو يَذْكُر، وقد يؤخذ مبنيا للمفعول، أي: أن ذُكِرَ أو يُذْكَر. والمعنى على الأول: كذكر قوم أشد ذاكرية لآبائهم، وعلى الثاني: كذكركم قوما أشد مذكورية لكم. فليتأمل (٧).

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعترض ابن الحاجب: " بأن أفعل للمفعول شاذ، لا يرجع إليه إلا بثبت." (١) (٢) فالوجه: أن هذا من عطف الجملتين، أي: (اذكروا ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو اذكروا الله حال كونكم أشد ذكرا من ذكر آبائكم)، وليس من عطف المفرد؛ ليلزم التشارك في العامل. وأجيب: بأن أفعل هو لفظ ﴿أَشَدَّ﴾، وما هو إلا للفاعل، ولا يلزم من [جعل تمييزه] (٣) مصدرا من المبني للمفعول (٤) محذور، كما إذا جعل من الألوان والعيوب، مثل: أشد بياضا وعورا، أو من غير الثلاثي المجرد، مثل: أشد دحرجة واستخراجا. وإذا أريد الدلالة على أن مضروبية زيد أشد من مضروبية عمرو، فهل طريق سوى أن يقال: أشد مضروبية؟ ! فهذا مثله. وما ذكر من الوجه بعيد جدا؛ لظهور كونه من عطف المفرد، وعدم انسياق الذهن إلى ما ذكره. واعلم أن ههنا وجها ظاهرا لم يذهبوا إليه، وهو: أن يكون نصبا عطفا على ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾، [أو جرا عطفا على (ذكركم)] (٥)، والمعنى: ذكرا أشد ذكرا، على الإسناد المجازي؛ وصفا للشاء بوصف صاحبه، كما تقول جد جده، وشديد الصفرة صفرته.

стр. 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذَكَر (١) في ﴿شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٢) أنه من الإسناد المجازي (٣)؛ لأن التمييز فاعل معنى. وفي تفسير الكواشي (٤) هنا ما ليس للناظر فيه إلا التعجب والسكوت. (٥) " (٦) أهـ وفي (ع): " (وذكرا من فعل): بمعنى المفعول، أي: من المبنى للمفعول، بناء على أن المفضل عليه ﴿آبَاءَكُمْ﴾. " ومعنى كون المصدر من الفعل المبني للفاعل أو المفعول: أن الواضع وضع المصدر للحدث مطلقا من غير نظر إلى ما يحتاج إليه في وجوده، ووضع الفعل للحدث المنسوب إلى محله أو ما يقوم مقامه." (٧) نص عليه الرضي في بحث المصدر. فالمصدر وإن كان أصلا للفعل من حيث الصيغة، لكنه من حيث النسبة إلى المحل أو ما يقوم مقامه فرع له؛ ولذا يعمل لأجل المشابهة به، ففي كونه مبنيا للفاعل أو المفعول مأخوذ منه. وإنما لم يقل من المبني للمفعول مع كونه أشهر؛ للدلالة على أنه مأخوذ من فعل مسند إلى المفعول به. " (٨)

стр. 127

وذكرا من فعل المذكور بمعنى: أو كذكركم أشد مذكور من آبائكم، أو بمضمر دل عليه المعنى تقديره: أو كونوا أشد ذكرا لله منكم لآبائكم. ــ (وذكر من فعل مذكور) " يعني أن ﴿ذِكْرًا﴾ [مصدرا] (١) استعمل في الهيئة المفعولية (٢) للمذكور، فإن مصادر الأفعال المتعدية موضوعة لمعنى شاء ينفعل بين الفاعل والمفعول، فباعتبار تعلقه بذات الفاعل تحدث الهيئة الفاعلية، وباعتبار تعلقه بذات المفعول تحدث الهيئة المفعولية، فألفاظ المصادر النسبية موضوعة للمعنى المصدري النسبي، وقد تستعمل ويراد بها: الحاصل بالمصدر، سواء كان هيئة حاصلة للفاعل أو المفعول." (٣) (ز) (وأشد مذكورية) عبارة (ق): " أشد مذكورا." (٤) فكتب (ع): " الظاهر أن يقول: أشد مذكورية. قال الزمخشري في حواشي (ك): " المصدر يأتي من فُعِلَ كما يأتي من فَعَلَ كقوله: ﴿مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٥) يعني: من بعد كونهم مغلوبين." (٦) فكذلك قوله: ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أي: قوما أبلغ في كونهم مذكورين. " (٧) (أو بمضمر) " أي: أو هو منصوب بفعل مقدر، حذف اعتمادا على دلالة المقام عليه، والتقدير: ما ذكره. ويحتمل أن التقدير: اذكروه ذكرا أشد من ذكركم، فيكون أشد نصبا على النعت للمصدر المحذوف مع عامله." (٨) (ز) (أو كونوا إلخ) قال (ع): " أي: ليكن ذكركم الله أشد من ذكركم لآبائكم، فإن التمييز فاعل في المعنى. قال أبو حيان في النهر: " فهذه خمسة وجوه ضعيفة." (٩)

стр. 128

﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ تفصيل للذاكرين ــ [وقد ساغ لنا (١) ونقل ما سبق في السيوطي (٢)، ثم قال: (ع)] (٣) " وفيه أن الظاهر على هذا الوجه أن يقال: ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ بدون ﴿ذِكْرًا﴾، بأن يكون معطوفا على ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ صفة للذكر المقدر، وأن الظاهر الذكر الموصوف بالأشدية لا طلبه حال الأشدية." (٤) (تفصيل للذاكرين) " إلى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا، ومكثر يَطْلُب به خير الدارين. أريد به الحث على الإكثار والإرشاد إليه." (٥) (ق) وكذا (ك) قال: " ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه، [فإن] (٦) الناس مِن بَين مُقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يَطْلُب خير الدارين، فكونوا من المكثرين." (٧) أهـ

стр. 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكتب السعد: " (فإن الناس إلخ) بيان لوجه ربط الكلام بما قبله، وأصل التركيب: (الناس مُقل ومكثر) لا غير، فزيد لفظ (بَين) بمعنى: أنه محاط بهما، متردد بينهما، لا يتجاوزهما، وكلمة (مِن) بمعنى: أنه كائن من بينهما، لا يبتدأ من موضع آخر. وحصر المُقل في طالب الدنيا فقط؛ لأن طالب الآخرة بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة في الدنيا - لا يوجد في الدنيا. وقيل: لأن ذلك ليس بمشروع؛ لأن الإنسان محتفٍ بآفات الدنيا فلابد من الاستعاذة عنها أيضا. ورد: بأن عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد، وأيضا الحكم إنما هو بوجود القسمين، لا بمشروعيتهما، على أن قولنا: منهم كذا ومنهم كذا، لا يفيد الحصر، بل ربما يشعر بوجود قسم آخر، لكنه فسره بذلك على وفق الوجود. " (١) أهـ وقال (ش) بعد نقل [عبار] (٢) (ك) (٣): " وههنا فائدة وهي: أن (مِن بين) تستعمل للتقسيم استعمالا فصيحا، كما في عبارة الزمخشري. قال المدقق (٤) في الكشف: " أصله فإن الناس مقل ومكثر، على التقسيم، فزيدت (بين)؛ تصويرا للإحاطة وعدم التجاوز؛ ليصير من باب الكناية (٥)، التي هي أبلغ.

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم زيدت (من) الاتصالية (١)؛ مبالغة. كقول الشاعر: وَالنَّاسُ مِن بَيْنَ مَرْحُوبٍ وَمَحْجُوبِ (٢) كأنهم ناشئون من البين [ليبتدئ] (٣) تقسيمهم منه ألبتة، فجعل ابتداءهم منه بمنزلة ابتداء التقسيم. ويجوز أن تجعل (من) بيانية (٤) نظرا إلى إقحام (بين)، والأول أبلغ. " (٥) أهـ فإن قلت: الأقسام لاتنحصر فيما ذكر، فإن من الناس من لا يطلب إلا الآخرة؟ ! قلت: ليس المقصود حصر أقسام الناس مطلقا، بل لما ذكر قوله (٦): (أن تبتغوا من فضل الله) قسم أهل الطلب إلى مُقل ومكثر، وهم لا يخلون عنهما، ولو سلم فإن من لا يطلب إلا الآخرة سيذكره بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٧)، فإن من باع نفسه لله صار كأنه مولاه.

стр. 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: حَصَر المُقل في طالب الدنيا؛ لأن طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد في الدنيا. وقيل: لأن ذلك ليس بمشروع؛ فإن المرء مبتلى بآفات الدنيا فلا بد له منها. ورد: بأن عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد، وأيضا التقسيم بـ (منهم)، و (منهم) لا يفيد الحصر، وفيه نظر. وقيل: قسم اللهُ الناسَ هنا إلى أربع فرق: الكافرون الذين لا هَمَّ إلا الدنيا، وهم الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق. (١) والمقتصدون الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. (٢) والمنافقون الذين حَلَتْ ألسنتُهم، ومَرَّتْ عقائدُهم وضمائرُهم، وهم الذين قيل فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ (٣) إلخ. والسابقون البائعون أنفسهم، الرابحون، وهم: المرادون بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي (٤)﴾ (٥) إلخ. والمراد بالإكثار: الإكثار من ذكر الله وطلب ما عنده. " (٦) أهـ وفي (ع): " (تفصيل إلخ): يعني قوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ جملة معترضة (٧)

стр. 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بين الأمرين المتعاطفين (١) (٢). و(الفاء) لتفصيل ماعليه الناس في الذكر (٣) بحسب نفس الأمر، فإن من يذكر الله بطلب الآخرة غير موجود؛ إذ ما من أحد إلا وله حاجة عاجلة إليه - تعالى -، والذكر بقدر الحاجة؛ ولذا كان طالب الدنيا مُقلا في الذكر أي: آتياً بالذكر القليل. وطالب الدنيا والآخرة مكثر. وأما ما يقوله بعض جهال الصوفية (٤): من أن عبادتنا لذاته تعالى فارغة عن الأغراض والأعراض. فقد قال الإمام (٥) في الإحياء (٦): " إنه جهل وكفر؛ لأن عدم التعليل في الأفعال مختص بذاته تعالى." (٧) نعم، إن عبادته تعالى قد تكون لطلب رضاه، لا لخوف مكروه، أو لنيل محبوب، لكن الذكر من أجل حسنات الآخرة يطلبه خُلْصُ عباده، قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٨).

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعلم أن الله - سبحانه - (١) قرن في هذا التفصيل: الذكر مع الدعاء، فذهب الإمام أبو حيان إلى: " أنه تفصيل للداعين المأمورين بالذكر." (٢) والافتتاح بالذكر؛ لكونه مفتاحا للإجابة. فَصَّل سبحانه بعد الفراغ عن بيان مناسك الحج الداعين في تلك المواقف: بأن منهم من يطلب حسنة الدنيا بعد الفراغ عن العبادات الحجية. ومنهم من يطلب حسنة الدارين؛ إرشادا إلى طريق الدعاء وحثا عليه. ففي قوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ التفات (٣) من الخطاب إلى الغيبة؛ حطاً لطالب الدنيا عن ساحة عز الحضور. وقال المصنف (٤) وصاحب (ك): " تفصيل للذاكرين مطلقا حجاجا كانوا أو غيرهم. " (٥) (٦) رعاية للتناسب بما قبله وبما بعده، وإبقاءً للناس على عمومه، كما هو الظاهر والمطابق لما

стр. 134

إلى من يطلب بذكر الله الدنيا، وإلى من يطلب به خير الدارين. ــ سيأتي من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ (١) إلخ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ (٢) إلخ (٣). واقتران الذكر بالدعاء؛ إشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة لا مجرد التفوه بالنطق به." (٤) أهـ (إلى من إلخ) في (ق): " إلى مُقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا." (٥) قال (ع): " وهو الكافر؛ لكونه منكرا للآخرة، على ما في المعالم (٦) وغيره أن المراد به: " المشركون، كانوا لايسألون في الحج إلا الدنيا." (٧) " (٨)

стр. 135

والمراد به الحث على الإكثار والانتظام في سلك الآخرين. ﴿مَن يَقُولُ﴾ أي: في ذكره: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ أي اجعل إيتاءَنا ومنحتنا في الدنيا خاصة. ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي من حظ ونصيب؛ لاقتصار همه على الدنيا، فهو بيان لحاله في الآخرة. ــ (والمراد به الحث إلخ) " أي: المقصود من إيراد هذه الجملة المعترضة: الحث على الإكثار من الذكر، حيث نفى عن المُقل نصيب الآخرة، وأثبت للمكثر نصيب الدارين." (١) (أي: اجعل إيتاءَنا) " إشارة إلى أن المفعول الثاني متروك؛ لأن هَمَّه الدنيا نفسها، كما أن هَمَّ طالب الدارين الحسنة." (٢) (سعد). وفي (ع): " يعني أن المفعول الثاني متروك، نَزَّل الفعل بالقياس إليه منزلة اللازم (٣)، ذهابا إلى العموم الفعلي، كما في قولنا: فلان يعطي، أي: اجعل كل إيتاءٍ لنا في [الدنيا] (٤)؛ للإشارة إلى أن هَمَّه مقصور على مطالب الدنيا." (٥) أهـ (من حظ إلخ) " من خُلُق به، إذا لاق (٦)؛ ولذا قال بعضهم: لا يستعمل إلا فيما له خطر.

стр. 136

أو من طلب خلاق، فهو بيان لحاله في الدنيا، وتأكيد لقصر دعائه على المطالب الدنيوية. ــ وقيل: من الخَلْق، كأنه النصيب الذي خُلِق له وقُدِر، كما أن النصيب سُمي به؛ لأنه نُصِب له. وعن الراغب (١): " هو ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة لخلقه." (٢) وعلى الوجه الأول: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ إخبار من الله ببيان حاله في الآخرة. وعلى الثاني: بيان لحاله في الدنيا، وتصريح بما عُلم ضمنا من قوله: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ تقريرا له وتأكيدا لكون هَمّه مقصورا على الدنيا. وقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ حينئذ متعلق بخلاق، حال منه، لا بالطلب؛ إذ لا طلب في الآخرة، وإنما فيها الحظ و (٣) الحرمان." (٤) (ع) وفي السعد: " (أو من طلب إلخ) فإن قيل: الطلب إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فليس إلا الحظ والحرمان، قلنا: لفظ في الآخرة ليس ظرفا للطلب، بل معناه: ليس له في حق الآخرة، وبالنسبة إليها طلب نصيب أصلا." (٥) أهـ وفي (ش): " قيل: المراد ما له في شأن الآخرة طلب خلاق؛ ليدفع أنه ليس في الآخرة طلب، إنما فيها حظ وحرمان. وقيل: كونها لا طلب فيها - ممنوع، فإن المؤمنين يطلبون فيها زيادة الدرجات، والكافرين يطلبون الخلاص، لكون ما طلبوه ليس نصيبا مقدرا لهم." (٦) أهـ

стр. 137

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي: الصحة والكفاف والتوفيق للخير ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ هي: الثواب والرحمة ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بالعفو والمغفرة. ــ (هي الصحة إلخ) " يريد أن الحسنة وإن كانت نكرة في الإثبات لا تعم، إلا أنها مطلقة، فتنصرف إلى الكامل، والحسنة الكاملة في الدنيا: ما يشمل جميع حسناتها، وكذا في قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (١). (٢) وقوله (٣): (الصحة): أي صحة البدن والعقل. و(الكفاف): " بالفتح من الرزق: القوت، وهو ما كف عن الناس أي: أغنى، في الحديث: (اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا) (٤) " كذا في الصحاح (٥). (والتوفيق للخير): أي: [جعل] (٦) الأسباب مهيئة لتحصيل ما هو خير في الدارين من الاعتقادات والأعمال والأقوال." (٧) (ع)

стр. 138

وروي عن علي ﵁ أن الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، وفي الآخرة: الحور، ــ (وروي عن علي (١) كذا وعن الحسن (٢)) قال السيوطي: " أخرجه ابن جرير." (٣) لكن في (ق): " وقول علي: كذا، وقول الحسن: كذا أمثلة للمراد بها." (٤) أهـ

стр. 139

وعذاب النار امرأة السوء، وعن الحسن أن الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقنا عذاب النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار. ــ قال (ش): " وكَوْن ما نقل تمثيلا (١) ظاهر، ولا ينبغي الحصر." (٢) أهـ وفي (ع): " (أمثلة): أي ليس تعيينا للمراد؛ إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا. " (٣) أهـ (السوء) " يصح فيه فتح السين وضمها (٤)." (٥) (ش)

стр. 140

﴿أُوْلَئِكَ﴾ ــ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ قال (ك): " الداعون بالحسنتين ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ (١) أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. أو من أجل ما كسبوا، كقوله: ﴿مِّمَّا خَطِيآتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (٢) أو لهم نصيب مما دعوا به (٣)، يعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا (٤)، واستحقاقهم في الآخرة. وسمي الدعاء كسبا (٥)؛ لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب (٦): (بما كسبت أيديكم) (٧)، ويجوز أن يكون ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إلى الفريقين جميعا، وأن لكل فريق [منهم] (٨) نصيبا من جنس ما كسبوا". (٩)

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتب السعد: " (أولئك الداعون إلخ) يعني: يحتمل أن يكون إشارة إلى الفريق الثاني، وحينئذ إن جعل كسبهم عبارة عما عملوا من الحسنات، فـ (من) للبعضية (١) على تقدير مضاف، أي: من جنس ما كسبوا، أو للسببية (٢) من غير افتقار إلى اعتبار حذف. وحاصله: أن (من) للابتداء (٣)، والمبدأ بمنزلة المادة، أو بمنزلة الفاعل. وإن جعل عبارة عن دعائهم وطلبهم إيتاء الحسنتين، فـ (من) للبعضية بمعنى: أنهم لا يعطون إلا البعض مما طلبوا، وهو القدر الذي استوجبوه في الدنيا نظرا إلى المصالح، وفي الآخرة نظرا إلى الاستحقاق، إذ الصانع حكيم لا يفعل ما ليس [بمصلحته] (٤)، ولا يُعطيِ ما ليس بِمُستحَق. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الفريقين، (ومن) للابتداء المادي على حذف المضاف دون السببي؛ لأن ما أعطي الفريق الأول من المطالب الدنيوية ليست بسبب أعماله الرديئة. ولا يبعد المعنى الثالث أيضا، وإن لم يذكره بناء على ما [في جعل] (٥) الكسب عبارة عن

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دعائهم من التكلف (١) ". (٢) أهـ فأنت تراه جعل احتمالات (من) كلها في الاحتمال الأول في الإشارة، وليس في الثاني إلا الابتداء على تقدير المضاف، أو الثالث على ما فيه. وظاهر المفسر (٣) خلاف هذا كـ (ق)، إلا أن (ق) قال: " ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ أي: من جنسه، وهو: جزاؤه، أو من أجله، أو مما دعوا به، نعطيهم منه ما قدرنا." (٤) أهـ فكتب (ع): " (أي من جنسه) " يحتمل التبعيض على نحوهما من جنس واحد، والابتداء أي: مبدأهما جنس واحد، وهذا أقرب؛ لأن الجنس (٥) هو: الحسنة المطلقة، والنوعان (٦) الدنيوي والأخروي، والحمل على البيان ليس بالوجه ". (٧) كذا في الكشف. أهـ

стр. 143

إشارة إلى الفريق الثاني ــ [لكن هذا مما يتعلق بعبارة (ك) (١). وكتب (٢)] (٣): (فهو جزاؤه (٤)): وجزاء الشاء: مماثل له في القدر والوصف، من كونه نافعا وضارا. قال الله (٥): ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (٦)." (٧) أهـ (إشارة إلى الفريق الثاني) في (ش): " قدمه؛ لأنه هو [الجزل] (٨) (٩). ولأن الفريق الأول قد بين حالهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُ (١٠) فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (١١)، فالمناسب تخصيص (١٢) هذا بالثاني (١٣)،

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى هذا ينبغي حمل قوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) على أنه لا يناقشهم؛ ليسرع وصولهم إلى الفوز بالسعادة الأبدية." (٢) أهـ وفي (ع): " (إشارة إلى الفريق الثاني): وهذا أقرب إلى النظم؛ لأن قوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إلخ في مقابلة قوله: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (٣). والتعبير باسم الإشارة (٤)؛ للدلالة على أن اتصافهم بما سبق عِلَّة (٥) للحكم المذكور،

стр. 145

باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوتِ الجميلةِ، وما فيه من معنى البعد؛ لما مر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضلِ، وقيل: إليهما معاً، فالتنوينُ في قولِهِ تعالَى: ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ على الأول: للتفخيم، وعلى الثاني: للتنويعِ، ــ ولذلك ترك العاطف (١) ههنا؛ لكونه كالنتيجة لما قبله كما مر في: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (٢)، بخلاف: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. (٣) وأما حَمْل ﴿أُوْلَئِكَ﴾ على التعظيم فمما لا يظهر وجهه؛ لأن اسم الإشارة إنما يتوصل به إلى تعظيم المشار إليه بالبعيد، و ﴿أُوْلَئِكَ﴾ ليس مختصا بالبعيد (٤)." (٥) أهـ (باعتبار اتصافهم إلخ) لبيان علة الحكم. (وما فيه من معنى البعد) وما عن (ع): طريقة. (وقيل: إليهما): أي إشارة إليهما (٦)، وهو مقابل لـ (إشارة إلى الفريق الثاني).
следующие страницы →