← Тафсир

Тафсир · id 151103

من حاشية إبراهيم السقا على تفسير أبي السعود

إبراهيم السقا

Полный текст (408 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهو عطفٌ على ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ داخل في حيز الانتظار. وإنما عُدل إلى صيغة الماضي؛ دَلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملةٌ مستأنفةٌ جِيءَ بها إنباءً عن وقوع مضمونها. ــ واللام: للعهد (١). وهو عطف على ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾؛ لأنه خبر معنى. (٢) ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ تذييل للتأكيد. كأنه قيل: وإلى الله ترجع الأمور التي من جملتها إهلاكهم. (٣) وعلى قراءة (قضاء الأمر) عطف على ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾، يعني: أنهم لا ينتظرون إلا إتيان العذاب، وأمره إلى الله." (٤) (ع) وهذا غير رأي المفسر. (٥) (وإنما عدل إلى صيغة إلخ) في (ش): " واختير الماضي في ﴿قُضِيَ﴾ دون إتيان البأس؛ للاهتمام به." (٦)

стр. 247

وقرئ: وقضاءُ الأمر؛ عطفاً على الملائكةُ. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ بالتأنيث على البناءِ للمفعولِ، من الرجع، وقرئ: بالتذكير. وعلى البناء للفاعل بالتأنيث، من الرجوع. ــ (وقرئ: وقضاء الأمر) أي: " قرأ معاذ بن جبل: (وقضاءُ الأمرِ)، على المصدر المرفوع، عطفا على الملائكة (١)." (٢) (ك) وفي السيوطي: " والجر أيضا." (٣) أهـ ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في (ق): " قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم على (٤) أنه من الرجع، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث، غير يعقوب على أنه من الرجوع (٥).

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقرئ أيضا بالتذكير وبناء المفعول." (١) أهـ كتب (ش): " إشارة إلى رَجَع يكون متعديا، ومصدره: الرَجْع ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ (٢)، وعليه قراءة [المجهول] (٣). ولازما، ومصدره: الرجوع، وعليه قراءة المعلوم (٤)، والتذكير والتأنيث. (٥) وإنما لم يجعل المجهول من الرجع؛ لأنها لغة ضعيفة. (٦) " (٧) أهـ فأنت تراه صريحا في ثلاث قراءات، لكن في (ك): [١٣٧/أ] " وقرئ (تَرْجِع) و (تُرْجَع)، على البناء للفاعل والمفعول بالتأنيث والتذكير فيهما." (٨) أهـ وكتب السيوطي على قول (ق): (وقرئ أيضا بالتذكير وبناء المفعول) (٩) أهـ : " هي رواية عن نافع." (١٠)

стр. 249

﴿سَلْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ ــ ﴿سَلْ﴾ (١): " يحتمل أنه أمر من: سال يسال، كخاف يخاف وهاب يهاب. أو من: سأل يسأل بهمزة مفتوحة فيهما، أصله: اسأل كـ" افتح "، ألقيت حركة الهمزة على السين فحذفت تخفيفا، واستغني عن همزة الوصل بحركة السين، فصار: سل بوزن: فل. (٢) و﴿بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾ مفعوله الأول (٣). و﴿كَمْ﴾ مع ما في حيزها في محل نصب أو الخفض مفعول ثان (٤)؛ لأن السؤال يتعدى إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر (عن أو الباء) سألته بكذا، أو عن كذا. وقد يحذف حرف الجر فاحتملت المحلين على التقديرين. (٥) و﴿كَمْ﴾ معلقة (٦) للسؤال.

стр. 250

الخطاب للرسول ﷺ ــ ولا يعلقه إلا الاستفهام كهذه الآية، و ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (١)، وعلق وإن لم يكن من أفعال القلوب؛ لأنه سبب للعلم، والعلم يعلق فكذا سببه (٢). " (٣) (ز) (والخطاب) أي الأمري كما في (ك): " أمر للرسول إلخ." (٤) (للرسول) قال (ع): " كما هو الأصل في الخطاب: من أن يكون لمعين." (٥) أهـ وفي (ش): " قدم كونه أمرا للرسول؛ لكونه الأصل في الأمر والخطاب أن يكون لمعين، وقد يكون لغيره كـ ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ (٦). والنَكتة فيه إذا صدر منه تعالى: أن المخلوقات في عظمته سواء." (٧) أهـ

стр. 251

أو لكل أحدٍ من أهل الخطابِ. والمرادُ بالسؤال: تبكيتهم وتقريعهم بذلك، وتقرير لمجيء البينات. ــ (أو لكل أحد): " جعل الخطاب لكل من يصلح منه السؤال (١)؛ للدلالة على أنهم يستحقون التقريع (٢) من كل أحد، بكمال جحودهم للحق بعد غاية وضوحه." (٣) (ع) (وتقريعهم): " أي تقريع بني إسرائيل وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحق بعد وضوح الآيات، لا أن يجيبوا فيعلم من جوابهم أمر، كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد يقول لمن حضر: سله: كم أنعمت عليه؟ ! (٤) وربط الآية بما قبلها: أن الضمير في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ إن كان لأهل العلم فهو كالدليل عليه، وإن كان لـ ﴿مَن يُعْجِبُكَ﴾ فهو بيان لحال المعاندين من أهل الكتاب، بعد بيان حال المنافقين من أهل الشرك (٥)." (٦) (ع)

стр. 252

﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ مُعجِزَةٌ ظاهرة على أيدي الأنبياءِ ﵈، ــ وفي (ز): " (والمراد بهذا السؤال تقريعهم) يعني: أن السؤال المأمور به الرسول، أو كل أحد، يقصد به تقريع بني إسرائيل، [لا] (١) أن يجيبوا ويخبروا عن تلك الآيات ليعلمها السائل؛ لأنه ﵇ كان عالما بها، بإعلام الله إياها له، واشتهر ذلك بين أمته، بحيث استغنوا عن سؤال بني إسرائيل. (٢) فهو سؤال تقريع وتوبيخ؛ لأنه تعالى أمر بالإسلام ونهى عن الكفر بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿فَإِن زَلَلْتُم﴾ (٤) أي: أعرضتم عن هذا التكليف استحقيتم التهديد بـ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥)، ثم هددهم بـ ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ (٦) إلخ، ثم ثلث التهديد بـ ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ﴾، يعني الحاضرين، كم آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، فلا جرم استوجبوا العقاب. (٧) وهذا تنبيه للحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب." (٨) أهـ (معجزة ظاهرة إلخ): " فالآية بمعنى: العلامة، كما هو أصل اللغة (٩). والبينة: من بان اللازم (١٠)، والمراد بها: المعجزات الظاهرة الدلالة على صدق الرسول ﵊.

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتخصيص إيتاء المعجزات بأهل الكتاب مع عمومه للكل؛ لأنهم أعلم من غيرهم بالمعجزات، وكيفية دلالتها على الصدق؛ لعلمهم بمعجزات الأنبياء السابقة (١)." (٢) (ع) وفي (ز): " الآية: البينة التي آتاهم إياها، يحتمل أنها معجزات أنبيائهم على ما هو المعنى اللغوي، كفلق البحر لهم، وإنجائهم من عدوهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم موسى (٣)، والعصى، واليد البيضاء، وإنزال التوراة إلى غير ذلك. (٤) ويحتمل أنها: آيات كتبهم على ما هو المتعارف من آيات القرآن وغيره، فإن في التوراة والإنجيل آيات دالة على نبوة محمد (٥) وصحة شريعته، فكفروا بها حيث لم يؤمنوا ولم يبينوا نعته. (٦) وهذا معنى قول (ق): " الآية البينة: معجزة، أو آية في الكتب شاهدة على الحق والصواب." (٧)." (٨) أهـ وفي (ش): " وجوز في الآية أن تكون المعجزة؛ لأنها علامة النبوة، وأصل معنى الآية في اللغة: العلامة. ومن جملتها الكتب الإلهية، والعرف خصها بها عند الإطلاق؛ فلذلك حملها عليها ثانيا." (٩) أهـ

стр. 254

وآيةٌ ناطقة بحقّية الإسلامِ المأمورِ بالدخول فيه. وكم خبريةٌ، ــ وفي السعد: " (وهذا السؤال) أي: [السؤال] (١) المأمور به للرسول، أو لكل أحد؛ لقصد تقريع بني إسرائيل، لا لقصد أن يجيبوا فيعلم من جوابهم أمر. والآيات المؤتاة: يحتمل أن تكون معجزات أنبيائهم، على ما هو المعنى اللغوي، وأن [تكون] (٢) آيات كتبهم، على ما هو المتعارف من آيات القرآن وغيره." (٣) أهـ وهو ما في (ك): " ﴿مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام." (٤) أهـ (أو آية ناطقة) في نسخة (وآية) والواو فيها بمعنى (أو)، أو على أصلها، وهو بمعنى قول غيره، أو آية في الكتب. قال (ع): " الآية بالمعنى المتعارف، أعني: طائفة من القرآن وغيره. وبينة: من بان المتعدي، وهي الآيات المتضمنة نعت الرسول ﵇، وتحقيق نبوته، وتصديق ما جاء به." (٥) (ع) (وكم خبرية (٦) إلخ)

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال السعد: " فإن قيل على تقدير الخبرية: ما معنى السؤال؟ وعلى تقدير الاستفهام: كيف يكون السؤال للتقريع، والاستفهام للتقرير، ومعنى التقريع: الاستنكار والاستبعاد، ومعنى التقرير: التحقيق والتثبيت؟ قلنا على تقدير الخبرية: فالسؤال عن حالهم وفعلهم في مباشرة أسباب التقريع. [وعلى تقدير الاستفهام فمعنى التقرير: الحمل على الإقرار، وهو لا ينافي التقريع." (١) أهـ وفي (ش): " على تقدير الخبرية: فالسؤال عن حالهم وفعلهم في مباشرة أسباب التقريع] (٢)، أو عن الآيات الكثيرة: ما فعلوا بها. وعلى تقدير الاستفهام فمعنى التقرير: الحمل على الإقرار، فإن التقرير له معنيان هذا والتثبيت، والأول لا ينافي التقريع." (٣) أهـ ومثل (ز): " [التقرير] (٤) والتثبيت بـ" أضربت زيدا؟ " بمعنى: ضربته." (٥) أهـ وفي (ع): " (وكم خبرية) و ﴿سَلْ﴾ معلق عنه، والمسئول عنه: محذوف، والجملة: مبتدأة لا محل لها من الإعراب، مبنية لاستحقاقهم التقريع، كأنه قيل: سل بني إسرائيل عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه، فقد آتيناهم آيات كثيرة مبينة." (٦) " وبما حررنا اندفع ما قال أبو حيان: " أجاز الزمخشري الخبرية (٧)، وليس بجيد؛ لأن فيه اقتطاعا للجملة التي هي فيها عن جملة السؤال؛ لأنه يصير المعنى: سل بني إسرائيل، وما ذكر المسئول عنه، ثم قال: كثيرا من الآيات أتيناهم، فيصير هذا الكلام مفلتا مما قبله؛ لأن

стр. 256

أو استفهاميةٌ ــ جملة آتيناهم صار خبرا، فلا يتعلق به ﴿سَلْ﴾، وأنت ترى معنى هذا الكلام، ومصب السؤال على هذه الجملة، وهذا لا يكون إلا في الاستفهامية، ويحتاج في تقدير الخبرية إلى تقدير حذف وهو المفعول الثاني لـ ﴿سَلْ﴾، ويكون المعنى: سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم أخبر أن كثيرا من الآيات آتيناهم." (١) كذا ذكر السيوطي (٢) كلام أبي حيان. واختصره (ع) فقال: " وبما حررنا اندفع ما قال أبو حيان: من أن جعل ﴿كَمْ﴾ خبرية اقتطاعا للجملة التي هي فيها من جملة السؤال، فيصير الكلام مفلتا مما قبله، وأنت ترى مصب السؤال على هذه الجملة." (٣) (أو استفهامية): " والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ﴿سَلْ﴾، و ﴿سَلْ﴾: معلق، وقيل: في موضع المصدر أي: سلهم هذا السؤال، وقيل: في موضع الحال أي: سلهم قائلا كم آتيناهم." (٤) (ع) زاد (ش): " وقيل: بيان للمقصود، أي: سلهم جواب هذا السؤال." (٥) أهـ

стр. 257

مقرِّرةٌ، ومحلها النصبُ على المفعولية ــ وفي السعد: " و ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ قيل: في موضع المصدر، أي: سلهم هذا السؤال. وقيل: المفعول به، وقيل: بيان للمقصود، كأنه قال: سلهم عن جواب هذا السؤال. وقيل: في موضع الحال أي: سلهم قائلا كم آتيناهم." (١) أهـ (مقررة): " من التقرير بمعنى: حمل المخاطب على الإقرار، أو بمعنى: التحقيق والتثبيت. وما قيل: أن معنى التقريع: الاستنكار والاستبعاد، وهو لا يجامع التحقيق والتثبيت، ففيه: أن التقريع إنما هو على جحودهم الحق وإنكارهم المجامع لإيتاء الآيات، لا على الإيتاء حتى ينافيه (٢)." (٣) (ع) (ومحلها النصب): " أي محل ﴿كَمْ﴾: النصب على أنه مفعول ثان لـ" آتينا "؛ لأنه بعده فعل غير مشتغل عنه بضميره (٤). كأنه قيل: كم آية آتيناهم." (٥) (ع) قال (ز): " كل موضع يكون فيه ما بعد (كم) - استفهامية أو خبرية - فعل غير مشتغل عنه بضميره، أو متعلق ضميره، كان في محل النصب بذلك الفعل حسبما يقتضيه العامل.

стр. 258

أو الرفع بالابتداء على حذف العائدِ من الخبر ــ فإن اقتضى مفعولا به، كان مفعولا به نحو: كم رجلا أو رجلِ ضربت، أو مفعولا مطلقا كان كذلك نحو: كم ضربةَ أو ضربةِ ضربت، أو ظرفا كان كذلك نحو: كم يومِ أو يوما صمت (١)." (٢) أهـ " وقال السهيلي (٣): " المفعول الأول له." " (٤) سيوطي وفي السعد: " وأما كلمة ﴿كَمْ﴾ فمفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَاهُم﴾." (٥) أهـ (أو الرفع بالابتداء): " أي: يجوز أن يكون ﴿كَمْ﴾ في محل الرفع بالابتداء. والجملة بعدها في محل رفع خبر، والعائد محذوف (٦) أي: كم آية آتيناهم إياها." (٧) (ز)

стр. 259

و ﴿آيَةٍ﴾ مميزها. ــ وفي السيوطي: " (على حذف العائد) من جملة ﴿آتَيْنَاهُم﴾ التي هي خبره، والتقدير: أتيناهموه، أو أتيناهموها. قال أبو حيان: " وهذا لا يجوز إلا في الشعر، فلا يخرج عليه القرآن مع إمكان ما هو أرجح منه." (١)." (٢) أهـ وفي (ع): " (على حذف العائد) والأصل: كم آتيناهم إياها، وهو ضعيف على ما في الرضي (٣). وقال أبو حيان: " وهذا عند البصريين لا يجوز إلا في الشعر، أو شاذ من القول." (٤)." (٥) (و ﴿آيَةٍ﴾ مميزها) قال السعد: " و ﴿مِّنْ آيَةٍ﴾ تمييز على زيادة (من). قالوا: إذا فصل بين (كم) ومميزها، حسن أن يؤتى بـ (من) (٦)." (٧) أهـ

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (ق): " و ﴿آيَةٍ﴾ مميزها، و ﴿مِّنْ﴾ للفصل." (١) أهـ فذكر (ش) ما للسعد (٢) ثم قال: " وهذا معنى قوله: (و ﴿مِّنْ﴾ للفصل). [ويحتمل أن يريد الفصل بين المفعول والتمييز، إذا وقع بعد الفعل] (٣) المتعدي، سواء كانت (كم) استفهامية أو خبرية. وأنكر الرضي: زيادة (من) في مميز الاستفهامية، وقال: " لم يوجد في كتب العربية ولا في الاستعمال." (٤) وحمل بعضهم كلامه على إذا لم يكن بينهما فاصل، وكلام الزمخشري: على ما إذا وقع بينهما فاصل. وكلام النحاة مخالف له. قال السمين في إعرابه: " يجوز دخول (من) على مميز (كم) استفهامية أو خبرية، سواء وليها مميزها، أو فصل بينهما بجملة أو ظرف أو جار ومجرور، على ما قرره النحاة." (٥) وكذا في البحر. (٦) فما جمع به غير صحيح. وكان الظاهر (كم آتاهم)، لكنه روعي حال التكلم، وهو جائز." (٧) أهـ وفي (ع): " (و ﴿مِّنْ﴾ للفصل) أي: كلمة ﴿مِّنْ﴾ للفصل بين كون آية مفعولا لـ" آتينا "، وبين كونها مميزا لـ (كم).

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الرضي: " وإذا كان الفصل بين (كم) الخبرية ومميزها بفعل متعد، وجب الإتيان بـ (من)؛ لئلا يلتبس المميز بمفعول ذلك المتعدي نحو: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ﴾ (١)، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ (٢)، وحال (كم) الاستفهامية المجرور مميزها مع الفصل، كحال (كم) الخبرية في جميع ما ذكرنا." (٣) أهـ وقال الفاضل اليمني (٤): وتبعه المحقق التفتازاني (٥): " إذا فصل بين (كم) ومميزها، حسن أن يؤتى بـ (من)." فبمطلق الفصل إتيان (من) حسن، وبالفصل بالفعل المتعدي واجب. وعبارة المصنف تحتمل الوجهين. وما قيل: أنه أنكر الرضي زيادة (من) في مميز (كم) الاستفهامية، ونَفَى ثبوته في الاستعمال وفي كتاب من كتب النحو، ولم يبال بما وقع من تجويز الزمخشري في هذه الآية فوَهم؛ لأن الكلام إنما هو في زيادة بلا فصل، وأما مع الفصل فمعترف به كما مر (٦). " (٧)

стр. 262

﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ التي هي آياته الباهرةِ؛ فإنها سببٌ للهدى الذي هو أجلُّ النعم. وتبديلُها جعلُها سبباً للضلالة ــ (التي هي آياته) في (ق): " أي: آياته إلخ." (١) ما هنا. " إشارة إلى أن نعمة الله من وضع المظهر موضع المضمر بغير اللفظ السابق؛ لتعظيم الآيات (٢)." (٣) (ع) وفي السيوطي: " يريد أن ذكر النعمة هنا من وضع الظاهر موضع المضمر بغير لفظه السابق؛ تصريحا بكونها نعمة؛ لقصد مزيد التقريع." قاله الطيبي (٤) والسعد (٥)." (٦) أهـ (فإنها سبب [للهدى] (٧)) تعليل لأنها نعمة. (وتبديلها جعلها إلخ): " هذا على تقدير أن يراد بالآيات: المعجزات.

стр. 263

وازديادِ الرِّجس، أو تحريفها، أو تأويلها الزائغ. ــ وقوله: (أو تحريفها إلخ) (١) على تقدير أن يراد بالآيات: الكتب. وفرق آخر وهو: أن التبديل قد يكون في الذات نحو: بدلت الدراهم بالدنانير، وهو الوجه الثاني. وقد يكون في الصفات نحو: بدلت الحلقة خاتما، وهو الوجه الأول (٢). وقال أبو حيان: " حذف حرف الجر من نعمة، والمفعول الثاني؛ لدلالة المعنى عليه، والتقدير: (ومن يبدل بنعمة الله كفرا)، ودل على ذلك ترتيب جواب الشرط عليه." (٣) " (٤) (ع) وفي (ش): " والتبديل: التغيير، وذلك يكون في الذات نحو: بدلت الدراهم دنانير، أو في الأوصاف نحو: بدلت الحلقة خاتما. والوجه الأول: ناظر إلى تفسير الآية بالمعجزة، والثاني: إلى تفسيرها بالكتب. وهذا ناظر إلى معنى التبديل، فالأول: تبديل ما هو حقه، والثاني: تبديل أنفسها بالتحريف والتأويل، والنعمة حينئذ من وضع المظهر موضع المضمر؛ ليدل على أنها نعمة إلهية جليلة." (٥) [قوله] (٦): (وازدياد إلخ) قال (ع): " تلميح إلى قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٧)." (٨) أهـ قال (ك): " وتبديلهم إياها: أن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالهم، كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٩)." (١٠) أهـ

стр. 264

﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ ووصلتْ إليه وتمكَّن من معرفتها. والتصريحُ بذلك مع أنَّ التبديلَ لا يُتصوَّرُ قبل المجيءِ؛ للإشعار بأنهم قد بدَّلوها بعد ما وقفوا على تفصيلها، كما في قوله- : ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. ــ (ووصلت إليه) تفسير لـ ﴿جَاءَتْهُ﴾. قال (ش): " لما ذكر أن نعمة الله: آياته، وقد وصفت بالإيتاء، فذكر المجيء بعده مع أن التبديل لا يتصور بدون المجيء، وكونه نعمة يقتضي الوصول إليه مستدرك، جعل المجيء مجازا عن معرفتها أو التمكن منها؛ لأن مالم يعلم كالغائب. والمراد بالمعرفة: معرفة أنها آية ونعمة، لا معرفة ذاتها حتى يرد: أن تبديل الشاء لا يكون إلا بعد معرفته، فالاستدراك بحاله." (١) أهـ وفي (ع): " (من بعد ما وصلت إلخ): فيه إشارة إلى أن المجيء كناية عن: التمكن من المعرفة، بواسطة أن المجيء يلزمه الوصول، والوصول يلزمه تمكن من وصل إليه من المعرفة حتى إذا توجه إليها ببصارة علم. وفائدة هذه الزيادة - وإن كان تبديل الآيات مطلقا مذموما -: [التعريض] (٢) بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها، أو بعد ما تمكنوا من معرفتها. وفيه: تقبيح عظيم بهم، ونعي على شناعة حالهم، واستدلال على استحقاقهم العذاب الشديد؛ حيث بدلوا بعد المعرفة. (٣) وإليه أشار (ق) بقوله: " (فيعاقبه أشد عقوبة؛ لأنه ارتكب أشد جريمة)." (٤) وبهذه العناية اندفع ما يترأى من أن التبديل إنما يكون بعد المجيء، فما الفائدة في ذكره.

стр. 265

قيل: تقديره: (فبدلوها ومن يبدل)، وإنما حُذف؛ للإيذان بعدمِ الحاجةِ إلى التَّصريحِ بهِ لظهوره. ــ وفي (ك): " معناه: بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها." (١) وأسقط المصنف: (أو عرفها)؛ ليعم الوعيد أهل الكتاب كلهم العلماء منهم والأميين." (٢) أهـ وفي (ك): " إن قلت ما معنى ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾؟ قلت: معناه: من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (٣)؛ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه " (٤) أهـ قال السعد: " يعني قد ذكر أن نعمة الله هي: الآيات، وقد وصفت بالإيتاء، فذكر المجيء بعد ذلك مستدرك، سيما مع القطع بأن تبديل الشيء لا يتصور إلا بعد مجيئه إليه، وكونه عنده، سيما وكونه نعمة [عليه] (٥)، ينبئ عن وصله إليها! فأجاب: بأنه مجاز عن معرفتها، أو التمكن منها؛ تشبيها لحضور المعنى عند القلب بحضور العين عند العين، واعتبر التشبيه أولا في عدم المعرفة، أو عدم التمكن منها؛ تحقيقا لمعنى المجيء، المنبئ عن سابقية الغيب، حتى لو قيل: من بعد ما كانت عندهم، لم يحتج إلى ذلك. والمعنى: من بعد ما عرفها من حيث إنها آية ونعمة، أو تمكن من ذلك. فلا يرد: أن تبديل الشيء لا يكون إلا بعد معرفته، فالاستدراك بحاله." (٦) (قيل: تقديرها إلخ) عبارة (ق): " ولذلك قيل: إلخ." (٧)

стр. 266

﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تعليلٌ للجواب، كأنه قيل: ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشدَّ عقوبةٍ، فإنه شديدُ العقاب. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ؛ لتربية المهابة، وإدخال الروعة. ــ (تعليل إلخ) في السعد: " فإن قيل: كيف صلح: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ جزاء للشرط، ولا سببية ولا ترتب؟ قلنا: من جهة أن المعنى: يعاقبه أشد عقاب؛ لأن الله شديد العقاب. أو من جهة أن التبديل سبب للإخبار بأنه شديد العقاب، كما في قوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (١)." (٢) أهـ وعبارة (ق): " ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبه أشد عقوبة؛ لأنه ارتكب أشد جريمة." (٣) أهـ فكتب (ع): " يحتمل أن يكون جواب الشرط مقدرا، أقيم علته مقامه. والتقدير: يعاقبه أشد عقوبة؛ لأن الله شديد العقاب. ويحتمل أن تكون الجملة الاسمية جواب الشرط بتقدير الضمير في ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: له. وتنوب اللام عن الضمير على مذهب من يرى ذلك، أي: شديد عقابه. (٤)

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبارة المصنف تتضمن الوجهين. فعلى الأول: بيان للتقدير، وعلى الثاني: بيان لحاصل المعنى." (١) أهـ وكتب (ش): " (فيعاقبه) أشار إلى أن: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أقيم مقام الجواب، فإنه لا يترتب على الشرط ولا يتسبب عنه بحسب الظاهر. وقيل: إنه من جهة [أن] (٢) التبديل سبب للإخبار بأنه شديد العقاب، كقوله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)." (٤) أهـ وفي (ك): " وقرئ (٥): (ومن يُبدِل) بالتخفيف." (٦)

стр. 268

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: حسُنت في أعيانهم، وأُشرِبت محبتُها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وتهافتوا فيها معرِضين عن غيرها. ــ (أي حسنت في أعينهم إلخ): " بيان للاختصاص المستفاد من اللام (١)، وإلا فالزينة عام للمؤمن والكافر: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٢)." (٣) (ع) وفي (ز): " أي: (حسنت) أنث الفعل؛ لإسناده إلى ضمير الحياة، وذَكَّر ﴿زُيِّنَ﴾ (٤) حيث لم يقل زينت؛ لكونه مسندا إلى لفظ المؤنث الغير حقيقي؛ لأن الحياة والعيش والبقاء واحد، فكأنه قيل: زين البقاء، ولا سيما وقد فصل بين الفعل والاسم بـ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعند الفصل يحسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث. (٥) وجيء بـ ﴿زُيِّنَ﴾ ماضيا؛ دلالة على أن ذلك قد وقع وفرغ، وبـ ﴿يَسْخَرُونَ﴾ مضارعا؛ دلالة على التجدد والحدوث." (٦) أهـ [قوله] (٧): (معرضين عن غيرها): " هو معنى قول (ك): " لا يريدون غيرها." (٨) حيث زين لهم بحيث قصرت همتهم، ووفر حظهم منها فهم يسخرون إلخ." (٩) (ش)

стр. 269

والتزيينُ من حيث الخلق والإيجاد مستند الى الله - سبحانه - كما يُعرِبُ عنه القراءةُ على البناء للفاعل، إذ ما مِنْ شيءٍ إلا وهو خالقُه ــ (والتزيين إلخ) في (ك): " المزين: هو الشيطان، زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه، وحببها إليهم لا يريدون غيرها. ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المُزين (١) تزيينا، ويدل عليه قراءة من قرأ: (زَين للذين كفروا الحياة الدنيا) على البناء للفاعل (٢)." (٣) أهـ قال السعد: " (المُزَيِّن: هو الشيطان) فيكون المسند والإسناد حقيقة. أو المُزَيِّن: هو الله تعالى، بمعنى أن خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الحياة الدنيا، وتزيينها في أعينهم، فيكون الإسناد مجازا، كما في: " أَقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَى فُلَانٍ" (٤).

стр. 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو بأن التزيين عبارة عن: إمهال المُزَيِن الحقيقي، الذي هو: الشيطان، فيكون المسند مجازا، [وقد يفهم العكس، وما ذكرناه أوفق باللفظ. وقوله: (أو جعل) عطف على خذلهم. وقوله: (ويدل عليه) أي: ما ذكرنا من أن الله قد زينها بأحد الطريقين المجازيين." (١) أهـ وفي (ش) بعد عبارة (ك) (٢): " فجعل المُزَيِّن: هو الشيطان؛ ليكون المسند والإسناد حقيقة. أو المُزَيِّن: هو الله تعالى، بمعنى أن خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الدنيا، وتزيينها في أعينهم، فيكون الإسناد مجازا، كما في: " أَقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ ". أو بأن يكون التزيين عبارة: عن إمهال المُزَيِّن الحقيقي الذي هو الشيطان فيكون المسند مجازا.] (٣) هذا معنى كلامه، فالمُزَيِّن الحقيقي عنده: الشيطان، والله: مزين مجازا." (٤) و(ق): عكس ذلك، وعبارته: " المُزَيِّن حقيقة هو الله؛ إذ ما من شاء إلا وهو فاعله، ويدل عليه: قراءة (زَيَّنَ) على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مُزَيّن بالعرض (٥)." (٦) أهـ

стр. 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال (ش): " ورده بعض [المحققين (١) المتأخرين] (٢) فقال: " التزيين: هو التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل؛ ولذا جاء في بعض أوصاف الدنيا وأوصاف الآخرة. (٣) والمُزَيِّن في الحقيقة: هو الشيطان؛ فإنه حسن الدنيا في أعينهم وحببها إليهم، وقراءة (زَيَّنَ) معلوما على الإسناد المجازي. والقاضي أخطأ في المدعي وما أصاب في الدليل. أما الأول: فلأن التزيين صفة تقوم بالشيطان، والفاعل الحقيقي لصفة ما، تقوم به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة. وأما الثاني: فلأن مبناه عدم الفرق بين الفاعل النحوي الذي كلامنا فيه، والفاعل الكلامي الذي بمعزل عن هذا المقام." (٤) (٥)؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦)، وإلى الشيطان في مواضع كقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٧)، وفي مواضع [ذكره] (٨) غير مسمى فاعله كما هنا.

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالتزيين إن كان بمعنى: إيجادها وإبداعها ذات زينة كما في: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (١) فلا شك في أن فاعله هو: الله عند النحويين والمتكلمين. وإن كان بمعنى: التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) فلا شك أن فاعله عندهما: الشيطان. (٣) وظاهر كلام الرضي: أنه حقيقة في هذين المعنيين (٤). وحيث فسره الزمخشري بالمعنى الثاني تعين أن يكون مجازا إذا أسند إليه تعالى، وحقيقة إذا أسند إلى الشيطان. وحيث فسرها (ق): (بإيجادها حسنة، وجعلها محبوبة في قلوبهم) (٥)، لزم العكس. وليس مبنيا على الاعتزال (٦)

стр. 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما زعمه صاحب الانتصاف (١). ولا على عدم الفرق بين الفاعل الحقيقي عند أهل العربية وعند المتكلمين، فإن الفرق بينهما مشهور، وتفصيله في حواشي العضد (٢) للأبهري (٣). لكن يبقى النظر في عدول (ق) عما في (ك): فإن كان بناء على ما توهم صاحب الانتصاف، وهو المتبادر من كلامه، فغير مراد. وإن كان لمعنى آخر فلينظر.

стр. 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسيأتي لهذا مزيد تفصيل في سورة الأنعام (١)." (٢) أهـ كتب (ع): " (والمزين على الحقيقة إلخ): " والتزيين من الله: هو أن خلق الأشياء الحسنة، والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم، وفتنوا بها."كذا في المعالم (٣). ولا حاجة إليه؛ لما ذكره المصنف من قوله: (إذ لا شاء إلا هو فاعله)؛ لما ثبت في الكلام من إسناد جميع الممكنات إليه ابتداء، فالتزيين للكفار فعله - تعالى - ابتداء. والقبيح: كسب القبيح لا خلقه (٤). " (٥) أهـ

стр. 275

وكلٌّ من الشيطان، والقُوى الحيوانية، وما في الدنيا من الأمور البهيَّة والأشياءِ الشهيةِ مُزيَّنٌ بالعَرْض. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ــ (بالعرض) " باعتبار مدخليتها فيه." (١) ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾: " إما جملة حال بتقدير: وهم يسخرون، أو معطوف على ﴿زُيِّنَ﴾." (٢) (ش) وفي (ك): " كان الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا كابن مسعود (٣) وعمار وصهيب وغيرهم، أي لا يريدون غيرها.

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها." (١) أهـ فكتب السعد: " (أي لا يريدون غيرها) حيث زينت لهم؛ بحيث اقتصرت همتهم عليها، ووفر حظهم منها، فهم يسخرون ممن ليس كذلك، إما من جهة عدم الحظ منها، أو من جهة اهتمامه بغيرها كالمؤمنين. وفي قوله: (وهم يسخرون) إشارة إلى أن الجملة واقعة في موقع الحال، فلا بد من تقدير المبتدأ؛ ليصح الواو. (٢)

стр. 277

عطف على ﴿زُيِّنَ﴾. وإيثارُ صيغة الاستقبال؛ للدلالة على استمرار السُّخريةِ منهم. وهم فقراء المؤمنين كبلالٍ وعمار وصهيب ﵃، كانوا يسترذلونهم ويستهزءون بهم على رفضهم الدُّنيا وإقبالِهم على العقبى. ومن ابتدائية، فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم. ــ والظاهر: أنه لا مانع من العطف على ﴿زُيِّنَ﴾، والعدول إلى المضارع؛ لقصد الاستمرار. ولا يبعد أن يكون تقدير المبتدأ إشارة إلى ذلك، وكذا الكلام في جملة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾." (١) أهـ (عطف على ﴿زُيِّنَ﴾) هو أحد وجهين كما سمعت. (وهم فقراء المؤمنين): " فالموصول للعهد (٢)، وكذا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٣). ويجوز أن يكون الثاني: للعموم، ويدخل هؤلاء فيه دخولا أوليا." (٤) (ع) (ويستهزئون بهم) زاد (ق): " ويسفهونهم على رفضهم إلخ." (٥) كتب (ع): " (يسترذلونهم ويستهزئون إلخ): الاستهزاء والسخرية في اللغة بمعنى: "خنده ستاني كردن" (٦). ويلزمه استرذال المستهزئ به، أي: استحقاره.

стр. 278

﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هم: الذين آمنوا بعينهم، وإنما ذُكروا بعنوان التقوى؛ ــ ذكر في التفسير كلاهما إشارة إلى أن المراد بالآية كلاهما؛ ليطابق ما أخبر به من علو المؤمنين [بقوله] (١): ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾. وقدم الاسترذال؛ إشارة إلى أنه لازم (٢) متقدم على السخرية وحده، وأن دلالتها عليه بالاقتضاء فلا يلزم الجمع بين المعنيين. ووقع في نسخة بعض الناظرين في هذا الكتاب: (أو يستهزئون بهم) بكلمة: (أو)، فقال (٣): "ردد (٤) بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للسخرية (٥)، وقدم المجازي؛ لرجحانه لكونه عاما." ولا يخفى فساده؛ لأن مرجع ضمير (هم) في كل من الفعلين واحد، أعني: فقراء المؤمنين." (٦) (ع) وفي (ش): " (يسترذلوهم): يعدونهم أراذل (٧)، وعطف الاستهزاء عليه بالواو، وفي نسخة بـ (أو)؛ إشارة إلى أنهما معنيان. والثاني وإن كان حقيقيا قدم الأول؛ لعمومه." (٨) أهـ ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾ " أي: بحسب المكان والرتبة، أو الاستعلاء والاستيلاء." (٩) (سعد) (هم الذين آمنوا بعينهم) هذا هو الأرجح في النظر، لا مقابله من أعمية هذا.

стр. 279

للإيذان بأن إعراضَهم عن الدنيا ــ (للإيذان بأن إعراضهم إلخ) في (ش): " ووضع المظهر موضع المضمر؛ لمدحهم بصفة التقوى مع الإيمان، أو ليفيد أنها علة الاستعلاء." (١) أهـ شرح بذلك قول (ق): " وإنما قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بعد قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليدل على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى." (٢) أهـ كتب (ع): " أي لمدحهم بالتقوى، وللإشعار بعلة الحكم." (٣) أهـ وفي (ك): " فإن قلت: لم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك." (٤) أهـ قال السعد: " يعني أن مقتضى الظاهر بعد قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن يقول: (وهم). وعلى تقدير وضع المظهر موضع المضمر أن يقول: (والذين آمنوا)، إلا أنه عدل إلى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ ليشعر بأن السعادة عند الله - بحيث يعلو عن الكفار - إنما هي للمؤمن المتقي، ولِيُحَرِّض المؤمنين أي: المتصفين بالتصديق على الاتصاف بالتقوى. (٥)

стр. 280

للاتقاء عنها؛ لكونها مُخِلَّةً بتبتُّلهم إلى جناب القدس شاغلة عنهم. ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، لأنَّهم في أعلى عِلّيين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم في أوج الكرامةِ وهم في حضيض الذلِّ والمهانةِ، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخَرون منهم كما سخِروا منهم في الدنيا. والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، وإيثارُ الاسمية؛ للدلالة على دوام مضمونِها. ــ وهذا لا ينافي ما تقرر عندهم من دخول الأعمال في الإيمان الصحيح المنجي (١)، على أنه قد يراد بالإيمان: فعل الطاعات، وبالتقوى: اجتناب المعاصي، فيصح اقترانهما." (٢) أهـ وقول المفسر: (للاتقاء) أي: لا للقصور عن تحصيلها، والعجز عن السعي فيها. وفي (ش): " والظرفية (٣): إما مكانية وأشار إليها بقوله: (لأنهم في عليين). أو معنوية: بمعنى كرامتهم، أو التسليط عليهم بالسخرية؛ جزاء لما فعلوا في الدنيا." (٤) أهـ وفي (ك): " لأنهم في عليين من السماء، وهم في يسحين (٥) من الأرض. (٦) أو حالهم عالية لحالهم؛ لأنهم في كرامة وهم في هوان. أو هم عالون عليهم متطاولون، يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا، ويرون الفضل لهم عليهم، ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (٧)." (٨) أهـ

стр. 281

﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾ أي: في الدارين. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقدير. ــ كتب السعد: " واللام في (لحالهم)؛ للتقوية (١)، كما في: " لضارب لزيد"." (٢) أهـ وفي (ز): " (لأنهم في عليين) على كون (فوق) ظرف مكان حقيقة. وما بعده على كونه كذلك مجازا، إما بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ونعيم الكافرين في الدنيا، وإما باعتبار أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة فوق سخرية الكفار بهم في الدنيا." (٣) أهـ ومن ذلك يدرك حل المفسر. (أي: في الدارين): " قَدَّرَه؛ ليكون تذييلا لكلا الحكمين. أعني: سخرية الكفار في الدنيا، وعلو المؤمنين عليهم في الآخرة." (٤) (ع) (بغير تقدير (٥)) قال (ش): " بلا تضييق، وهو بمعنى: التقتير، وهو المتبادر منه. وقيل: المراد أنه لا يسألهم عليه؛ لأنهم يكسبونه حلا وينفقونه طيبا، كما قيل: من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب يوم القيامة." (٦) أهـ

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي (ز): " (بغير تقدير)؛ لأنه لا يخاف نفاد ما عنده حتى يحتاج إلى حساب ما يعطي؛ لئلا ينفد ما عنده، إنما يحاسب؛ ليعلم قدر ما يعطي؛ لئلا يتجاوز في العطاء فينفد أو يخف ما عنده، والله غني لا نهاية لمقدوراته." (١) أهـ

стр. 283

فيوسِّعُ ــ (يوسع إلخ) في (ك): " يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون (١) وغيره، فهذه التوسعة عليهم من جهة الله لما فيها من الحكمة، وهي استدراجهم (٢) بالنعمة. ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم." (٣) أهـ قال السعد: " (على من توجب الحكمة) إشارة إلى أنه لا يشاء إلا ما يجب في الحكمة. (٤)

стр. 284

في الدنيا استدراجاً تارةً، وابتلاءً أخرى. ــ والتوسعة على الكفار ليست كرامة، بل استدراجا بالنعمة، أي: ترقية وإعلاء من درجة إلى درجة (١)؛ لتكون [النقمة] (٢) عليهم أشد وأفظع." (٣) أهـ ولم يقل في (ك): (في الدارين) فتكون الجملة تذييلا لسخرية الكفار فقط. (في الدنيا استدراجا تارة كما في حق الكفار، وابتلاء أخرى): " هل يشكرون عليها أم لا؟ كما في حق المؤمنين. وفيه إشارة: إلى أنه في الآية رمز إلى وعد المؤمنين بالتوسعة في الدنيا أيضا. ثم اعلم أن قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ﴾ إلخ جملة معلِلة لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب. يعني: أن جميع ما ذكر من صفاتهم الذميمة؛ لأجل تهالكهم في محبة الدنيا، وإعراضهم عن غيرها. (٤) وذكر التزيين بصيغة الماضي؛ لكونه مفروغا منه مركوزا في طبيعتهم. وعطف عليه بالفعل المضارع، أعني: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾؛ لإفادة الاستمرار. وعطف عليه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ إلخ؛ تسلية للمؤمنين." (٥) (ع)

стр. 285

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ــ ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ (١): " لما بين في الآية المتقدمة أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة، فإنهم كانوا أمة واحدة على الحق، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا." (٢) (ز) ﴿أُمَّةً﴾: " قال القفال (٣): الأمة: القوم المجتمعون على الشاء الواحد يقتدي بعضهم ببعض من الأم." (٤) (ز)
следующие страницы →