← Тафсир

Тафсир · id 151103

من حاشية إبراهيم السقا على تفسير أبي السعود

إبراهيم السقا

Полный текст (408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والهمزةُ فيها: للإنكار والاستبعاد، أي: بل أحَسِبْتُمْ. ﴿أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾ من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين. أي: والحال أنه لم يأتِكم مثلُهم بعد، ــ كتب [السعد] (١): " (ومعنى الهمزة فيها) أي الاستفهام في (أم) للتقرير، يعني: الحمل على الإقرار، والإنكار بمعنى: ما كان ينبغي أن تحسبوا، أو: لم حسبتم." (٢) (للإنكار والاستبعاد) قال (ع): " أي: المقصود إنكار ذلك الحسبان، بمعنى: أنه لا ينبغي أن يكون، فهو يقتضي وقوع ذلك منهم، وكان كذلك؛ لما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ ما لقينا من المشركين، وقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا! فقال: قد كان من قبلكم قد يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه." (٣) " (٤) (أي: والحال) يشير إلى أن الواو: واو الحال من فاعل حسب (٥). (لم يأتكم) يشير إلى أن ﴿لَمَّا﴾: نافية جازمة، بمعنى: لم. (٦)

стр. 317

ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوالِ الهائلةِ، التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدّة ــ (ولم تبتلوا إلخ) العطف: للتفسير (١)، قصد به (أن يأتكم) بمعنى: يصبكم ويحصل لكم. (من الأحوال الهائلة) يشير إلى تفسير ﴿مَّثَلُ﴾ بـ (حال)، وإلى نكتة التعبير عنها بـ ﴿مَّثَلُ﴾، بقوله: (التي هي مثل في الفظاعة). قال (ش): " لما مر أن لفظ المثل مستعار للحال، وللقصة العجيبة الشأن (٢)." (٣) أهـ أي: كأنها لغرابتها مثل سائر.

стр. 318

وهو متوقَّعٌ ومنتظَرٌ. ــ وفي (ع): " لما سبق أن لفظ المثل: استعارة للحال والقصة العجيبة الشأن، ولا يخفى أن ما يصيبهم مثل حالهم وشبهه، لا نفسه، ففي الكلام حذف مضاف." (١) أهـ قال (ز): " ولما يأتكم مثل حالهم ومحنتهم." (٢) أهـ وفيه: " المثل ": عبارة عن حالة غريبة، أو قصة عجيبة لها شأن. ومنه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣) أي: الصفة التي لها شأن عظيم." (٤) أهـ (وهو) أي: إتيان مثل حالهم، متوقع كما تفيده: ﴿لَمَّا﴾. (٥) وعبارة (ق): " وأصل (لَمَّا): (لَم)، [ثم زيد] (٦) عليها (ما)، وفيها توقع؛ ولذلك جعل مقابل (قد)." (٧) أهـ قال السيوطي: " وكون (لما) النافية مركبة، أحد قولين فيها (٨)، وهي نظيرة (قد) في أن الفعل المذكور بعدها متوقع، أي: منتظر الوقوع، والمنتظر في (لما) أيضا هو الفعل، لا نفيه." (٩) أهـ

стр. 319

﴿مَّسَّتْهُمُ﴾ استئنافٌ وقعَ جوابا عما ينساق إليه الذهنُ، كأنَّه قيلَ: كيفَ كان مثلهم، ــ وفي (ز): " تقول: " قد ركب الأمير" لمن يتوقع ركوبه، "ولما يركب " لمن يتوقع ركوبه أيضا، أي: ما وجد بعد ما كنت تتوقعه." (١) أهـ وفي (ع): " لا يخفى عليك أن كلا منهما لتوقع الفعل، فإن معنى قولك: " لما يركب "، ما وجد بعد أن كنت تتوقعه، كما أن قولك: "ركب الأمير" لقوم ينتظرون ركوبه. فالمقابلة: باعتبار أنه يستعمل في النفي؛ لإفادة معنى تستعمل له (قد) في الإثبات." (٢) أهـ (استئناف) عبارة (ق): " بيان له على الاستئناف." (٣) أهـ قال (ز): " كأنه قيل: ما مثلهم وحالتهم العجيبة؟ فقال: مستهم إلخ." (٤) أهـ وقال (ع): " استئناف نحوي، سواء قدر سؤال: كيف ذلك [المثل] (٥)؟ أو لا." (٦) أهـ

стр. 320

فقيل: مسَّتْهم. ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ أي: الشدَّةُ من الخوف والفاقةِ. ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ أي: الآلامُ والأمراضُ. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أي أزْعجوا إزعاجاً شديداً بما دَهَمهم من الأهوال والأفزاعِ. ــ " وجوز أبو البقاء: كونها حالية بتقدير (قد) (١)." (٢) (ش) (فقيل: مستهم): " أصابتهم." (٣) (ق) ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: " الفقر والشدة." (٤) (ق) (أي: الآلام) في (ق): " المرض والزمانة." (٥) (لما دهمهم (٦)): " أصابهم." (٧) (ق)

стр. 321

﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: انتهى أمرُهم من الشدة إلى حيث اضطَرَّهم الضَّجرُ إلى أن يقول الرسولُ - وهو أعلمُ الناس بشئون اللَّهِ تعالى وأوثقُهم بنصره - والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره: ﴿مَتَى﴾ أي: متى يأتي؟ ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ طلباً وتمنياً له، واسْتطالةً لمدة الشدة والعناء. ــ ﴿حَتَّى يَقُولَ (١)﴾ في (ك): أي: " إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، أي: بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك (٢)." (٣) أهـ كتب السعد على (قال الرسول): " إشارة إلى أن المعنى على المضي، سواء قرئ بالرفع على حكاية الحال الماضية، أو بالنصب على الاستقبال، بالنظر إلى ما قبله، أعني: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، وكيفما كان فهو غاية تدل على تناهي الأمر في الشدة، حيث ضج وضجر، واستبطأ النصر من هو في غاية الثبات والنصر." (٤)

стр. 322

وقرئ: (حتى يقولُ) بالرفع؛ على أنه حكاية حال ما ضية. ــ (وقرئ إلخ) أي: قرأ نافع بالرفع، والباقون بالنصب (١). (على أنه حكاية إلخ) في (ش): " إذا وقع بعدها - أي: حتى - فعل فإما حال أو مستقبل أو ماض، فالأول: يرفع، نحو: "مرض زيد حتى لا يرجونه" في الحال، والثاني: ينصب كـ" سرت حتى أدخل البلد" وأنت لم تدخلها، والثالث: يحكى، ثم حكايته بحسب كونه حالا بأن يقدر أنه حال فيرفع على حكاية الحال الماضية، أو بحسب الاستقبال فتنصبه على حكاية الحال المستقبلة، فيقال هنا في الرفع والنصب: أنه على حكاية الحال بمعنيين مختلفين (٢). فاعرفه؛ فإنه وقع التعبير به في القراءتين، فلا يلتبس عليك." (٣) أهـ

стр. 323

وهذا كما ترى غايةُ الغاياتِ القاصيةِ، ونهايةُ النهايات النائيةِ، كيف لا والرسلُ - مع علوّ كعبهم في الثبات والاصطبارِ - حيث عيلَ صبرُهم، وبلغوا هذا المبلغَ من الضجر والضجيج، عُلم أن الأمرَ بلغ إلى غاية لا مطمح وراءَها. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ على تقدير القولِ، أي: فقيل لهم حينئذٍ ذلك؛ إسعافاً لمرامهم. والمراد بالقرب: القُربُ الزمانيُّ. وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها وتقريره مالا يخفى. ــ وفي (ع): " شرط نصب (حتى): أن يكون مدخولها مستقبلا بالحقيقة، أو بالنظر لما قبله، واعتبر ذلك، فإن نظر إلى كون القول المذكور مستقبلا بالنظر إلى ما قبله نصب، وإن نظر إلى أنه حكاية حال ماضية، وكان أصل الكلام: "حتى قال الرسول " رفع؛ لفوات شرط النصب." (١) أهـ (بلغ إلى غاية) أي: " من الشدة." (٢) (ق) (على تقدير القول) كذا في (ك) (٣) أيضا. وفي (ق): " استئناف أي: فقيل لهم ذلك إسعافا لطلبتهم من عاجل النصرة." (٤) أهـ فكتب (ع): "استئناف نحوي (٥)، لا بياني (٦)، فلا يرد: أن الاستئناف لا يكون بالفاء، فالصواب: قيل (٧)." (٨) أهـ

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال السعد: " فإن قلت: هلا جعلوا: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مقول الرسول، و ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مقول من معه على طريق اللف والنشر، [أي] (١): الغير مرتب؟ قلت: أما لفظا؛ فلأنه لا يحسن عطف القائلين دون المقولين (٢)، وأما معنى؛ فلأنه لا يحسن ذكر قول الرسول: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في الغاية التي قصد بها تناهي الأمر في الشدة." (٣) أهـ قال (ع): " وما قيل في دفع الوجهين: من أن ترك العطف للتنبيه على أن كلا مقول لواحد منهما، واحترازا عن توهم كون المجموع لكل واحد، ولينبه على أن الرسول قاله لهم في جوابهم. والثاني: بأن منصب الرسالة يستدعي تنزيهه عن التزلزل، فوهم؛ لأنه إذا ترك العطف لا يكون معطوفا على المقول الأول، فكيف التنبيه على كون كل مقولا لواحد منهما، والثاني جواب عن شاء ليس مذكورا في كلام السعد (٤)." (٥) أهـ وفيه شاء تدبر. وفي (ش): " (استئناف على إرادة القول) قدره بقوله: (فقيل)، والفاء فيه استئنافية كما نينه (٦) النحاة (٧)، ونص عليه في المغني (٨)، وإن زعم هو أنها عاطفة في مثله، فما قيل: إن الفاء لا تكون

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استئنافية فالصواب: (قيل) بدونها، غير ظاهر، وأما ما وقع في (ك) (١) فإنه لم يقل إنه استئناف؛ فلذلك ذكره بالفاء. وفي الدر المصون: " الظاهر أن جملة ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ من قول المؤمنين، و ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول على اللف والنشر، وهذا قول من زعم أن في الكلام تقديما وتأخيرا. وقيل: هو كله من قول الرسول والمؤمنين معه، وهو على سبيل الدعاء واستعجال النصر." (٢) قال السعد: " فإن قلت: " [وساق عبارته (٣). ثم قال]: وفيه بحث؛ لأن ترك العطف لدفع توهم أنه مقول الجميع. وأما قوله: " لا يحسن " فليس بوارد؛ لأنه غاية باعتبار أنه وقع جوابا لما قالوه وقت الشدة؛ ولذا لم يلتفت في الكشف إلى هذا، وقال: " إنه وجه حسن." (٤) وهو كما قال. و(طلبة) (٥): كتركة، بمعنى: المطلوب، ووجه الإشارة ظاهر." (٦) أهـ وبهامش السعد: " قد يقال: والله أعلم عدم الحسن المذكور في التعاطف، إنما هو حيث كان لا مانع ولا مقتضي لغير العطف، وههنا المانع كائن، حيث كان المقصد هنا: بيان الشدة في قول المؤمنين وتناهيها، وبقوله عليه (٧) السلام هو الوعد بكفها، وحدوث النصر. وأما عدم الحسن المعنوي فقد يقال: عدم إفادة تناهي الشدة، حيث كانت هذه العدة لا تكون إلا بعد معرفة التناهي، إذ من لازمها أن لا تكون إلا بعد بلوغ النهاية فيها، فحسن ذكرها فيما قصد فيه بيان تناهي الشدة." (٨) أهـ

стр. 326

واختيارُ حكاية الوعد بالنصر؛ لما أنها في حكم إنشاء الوعد لرسول الله ﷺ . والاقتصارُ على حكايتها دون حكايةِ نفسِ النصر مع تحققه؛ للإيذان بعدم الحاجةِ إلى ذلك؛ لاستحالة الخُلْف. ويجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض، لا وارداً عند وقوعِ المحكي. وفيه: رمزٌ إلى أنَّ الوصولَ إلى جناب القدسِ لا يتسنَّى إلا برفض اللذات ومكابدة المشاق كما ينبئ عنه قوله ﷺ : " حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ." ــ (واختيار حكاية إلخ) أي: على حكاية وقوع النصر كقوله: فنصرهم، لما أنها في حكم إنشاء الوعد؛ لأنه لم يقع نصر بالفعل عند تلك الحكاية، تأمل. (والاقتصار إلخ) محصله: عدم الجمع بين حكاية الوعد، ثم حكاية النصر، تدبر. (ويجوز) مقابل لقوله: (على تقدير القول) إذ محصله أنه محكي، فيقابله (ويجوز إلخ). (وفيه رمز) رجوع لأول الكلام لا لـ (يجوز) فقط، فإن (ق) ذكر الأول فقط، وعقبه بقوله: (وفيه إلخ) (١). (حفت إلخ) (٢): " أخرجه مسلم، من حديث أنس وأبي هريرة." (٣) سيوطي وفي (ش): " روياه في الصحيحين (٤)،

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى " حُجِبَتِ " (١)، والمراد بالمكاره: الاجتهاد في العبادات، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو والحلم، والإحسان إلى المسئ، والصبر عن المعاصي. وأما الشهوات التي حجبت بها النار: فالشهوات المحرمة، كالخمر والزنا والغيبة والملاهي. وأما المباحة: فهي ما يكره الإكثار منه مخافة أن تجر إلى المحرمات، أو [تقسي] (٢)، أو تشغل عن الطاعات. وهذا الحديث عَدُّوه من جوامع الكلم (٣)، ومعناه: لا يوصل للجنة إلا بارتكاب المكروهات، ولا للنار إلا بالشهوات، وهما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بالمشهيات. (٤) والمكاره: جمع مَكْرَه، بمعنى ما يؤدي إلى ما يكره لمحبته، أو جمع مَكْرُوه (٥)." (٦) أهـ فمعنى حفت: أحيطت بما يمنع وصولها في الموضعين. (٧)

стр. 328

﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ أي: من أصناف أموالِهم. ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ (ما): إما شرطية، وإما موصولة حُذف العائدُ إليها، أي: ما أنفقتموه من خير، أي خير كان، ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ، وبيانٌ لما في السؤال، إلا أنه جُعل من جُملةِ ما في حيز الشرطِ أو الصلة، وأُبرِز في معرِض بيانِ المصرِفِ حيث قيل: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ؛ للإيذان بأن الأهمَّ بيانُ المصارفِ المعدودة؛ لأن الاعتدادَ بالإنفاق بحسب وقوعِه في موقعه. ــ (حذف العائد) أي: على التقديرين. (١) (أي خير كان) إشارة إلى عموم خير (٢)؛ لتنكيره في حيز الشرط أو ما يشبهه. (٣) (وبيان لما في السؤال) وهو: المنفَق. في (ك): " فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم﴾ (٤) وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت: قد تضمن قوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو: بيان المصرف؛ لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها.

стр. 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً ... حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ (١) وعن ابن عباس إلخ." (٢) أهـ قال السعد: " (قد تضمن) يعني قد ذكر بيان ما سألوا ضمنا، بقوله: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾، وبيان ما هو الأهم قصدا بجملة الكلام، فحصل الجواب مع الزيادة. وليس من شرط جواب سؤال الاسترشاد الاقتصار على ما سأل، بل المجيب فيه كالطبيب يبني المعالجة على ما يقتضيه المرض، لا على ما يحكيه المريض، لا سيما بطريق التعليم من حكيم هو فوق كل عليم. على أنه لو اعتبر السؤال على ما ذكر ابن عباس في سبب النزول، فكلا الأمرين مذكور فيه، وإنما الاختصار في النظم تعويلا (٣) على الجواب." (٤) أهـ يعني في نظم حكاية السؤال حيث قال: ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ ولم يذكر أين يضعونها. (٥) وقوله: (إن الصنيعة): هي ما اصطنعت لأحد من خير. (٦)

стр. 330

وعن ابن عباس ﵄ أنه جاء عمْرُو بنُ الجموح، وهو شيخ هِمّ، له مالٌ عظيم، فقال: يارسول الله ماذا نُنفق من أموالنا، وأين نضعُها؟ فنزلت. ــ و(المصنع): مكان أو مصدر. (١) و(حتى يصاب): غاية للنفي، أي: عدم كونها صنيعة ممتد إلى هذه الغاية." أهـ وهذا ما سلكه المفسر بقوله: (ففيه تجويز الإنفاق من جميع الأموال) فهذا جواب: (وبيان لما في السؤال)، لا أنه عدول عنه. وقوله: (إلا أنه إلخ) أي: المقصود المعتنى به بيان المصرف، فأضيف الكلام له مصرحا؛ للإيذان بأنه المقصود الأهم. (وأبرز) أي: الكلام، كما أن ضمير (ففيه) له أيضا. (وعن ابن عباس) (٢):

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " أخرجه ابن المنذر (١)، و (٢) مقاتل بن حيان (٣). هِمّ: الهم بالكسر: الشيخ الفاني (٤)." (٥) سيوطي " وعلى هذا فهم سألوا عن المنفق والمصرف، فيكون في السؤال المذكور في الآية طي، تعويلا على الجواب. (٦) والظاهر على هذا: أن لا يكون من الأسلوب الحكيم، وبه يشعر كلام الراغب قال: " في مطابقة الجواب السؤال وجهان: أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ لكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازا، ودل عليه الجواب، كأنه قيل: المنفَق هو الخير، والمنفق عليهم هؤلاء. فلف أحدهما في الآخر (٧)، وهذا طريق معروف في البلاغة.

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه، لا يكون زائدا عليه ولا ناقصا عنه. وسؤال تعلم، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أو لم يطلبه، فلما كان حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق، بَيَّن الأمرين." (١) كمن به صفراء فاستأذن طبيبا في أكل العسل فقال: كله مع الخل. (٢) وقول السكاكي (٣): " إنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف، ونزل سؤال السائل منزلة سؤال غيره؛ لتوخي التنبيه بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله وأهم." (٤) بناء على أنها ليس فيها ذكر المنفق أصلا، لا وجه له؛ لأن قوله: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ ذكر له، لكن لما كان لا حد له أجمل، أي: كل حلال قليلا أو كثيرا. والزمخشري: " جعل السياق لبيان المصرف، والمنفق صريح فيه (٥)، وهو الخير." (٦) وتقديره: ما يعتد به من إنفاق الخير مكانه، ومصرفه الأقربون.

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الطيبي: " ولا يخرج عنده من (الأسلوب الحكيم)، والفرق بينه وبين: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (١) أن تزايد الأهلة (٢) وتناقصها لما لم يكن من الأمور المعتبرة في الدين، لم يلتفت إليها رأسا، كما لو سأل السوداوي أن يأكل جبنا، فقال: عليك بمَائِهِ، بخلاف المنفق فهذا الضرب على قسمين." (٣) والمراد بالحكيم في (الأسلوب الحكيم): الطبيب، ويصح أن يراد صاحب الحكمة، وجعل الأسلوب حكيما مجازا، وضده الأسلوب الأحمق." (٤) (ش) وفي (ق): " ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ عن ابن عباس: أن عمرو بن الجموح الأنصاري (٥) كان ذا مال عظيم، فقال: يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين ننفقها؟ فنزلت: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَيْرٍ﴾: من مال، ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ إلى ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾، سئل عن المنفق، فأجيب ببيان المصرف؛ لأنه الأهم، فإن اعتداد النفقة باعتباره؛ ولأنه كان في سؤال عمرو، وإن لم يكن مذكورا في الآية، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾." (١) أهـ قال (ش): " وفي كلام المصنف شاء؛ لأن أوله يقتضي أن المنفق لم يذكر أصلا ككلام السكاكي، وآخره يقتضي أنه ذكر لكن بطريق الإجمال والإدماج، وإذا طبق المفصل أصاب المحز، وحمله بعضهم على أنهما جوابان، لكن الظاهر (أو) (٢)." (٣) أهـ وكتب (ع): " (ولأنه كان إلخ) جواب بعد ملاحظة شأن النزول. وإنما لم يذكر المصرف في الآية؛ للإيجاز في النظم تعويلا على الجواب. والاقتصار في بيان المنفق على البيان الإجمالي الذي تضمنه قوله: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾، وهو كونه حلالا؛ فإن المنفق إنما يطلق عليه الخير إذا كان حلالا، من غير تعرض للتفصيل. كما في بيان المصرف إشارة إلى كونه أهم، فعلى هذا أيضا لا يخرج الكلام عن أسلوب الحكيم؛ حيث أجيب عن المتروك صريحا، وعن المذكور تبعا (٤)." (٥) أهـ

стр. 335

﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي: المحتاجين منهم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب؛ إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأُخَرِ، وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله - تعالى -: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ، في أي مصرِفٍ كان. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيوفّي ثوابَه. ــ (تحت عموم إلخ) قال (ق): " ﴿مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في معنى الشرط، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جوابه (١)، أي: إن تفعلوا خيرا فإن الله يعلم كنهه (٢)، ويوفي ثوابه." (٣) أهـ قال (ش): " هي أي: ﴿مَا﴾ شرطية؛ لجزم الفعل، ولكن أصل الشرط: أن يؤدى بـ (إن) أو غيرها من

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحروف، وأسماء الشرط متضمنة معناها؛ فلذلك قال: (في معنى)، وإليه أشار بقوله: (أي: إن تفعلوا إلخ). (١) وقوله: (يعلم كنهه): مأخوذ من صيغة المبالغة (٢) في الجملة الأسمية المؤكدة (٣)." (٤) أهـ وكتب (ع): " (في معنى الشرط) فإن ﴿مَا﴾ شرطية مفعول به لـ ﴿تَفْعَلُوا﴾، أي: أي شاء تفعلوا. والفعل أعم من الإنفاق (٥)، سألوا عن خاص فأجيبوا بخاص، ثم أتى بالعموم في أفعال الخير؛ تأكيدا. (٦)

стр. 337

وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة؛ لينسخ به، كما نُقل عن السُدي. ــ وقوله: (ويوفى ثوابه): إشارة إلى أن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وقع جزاء باعتبار المعنى الكنائي، وهو أن يوفيه الثواب؛ ولذا عطف بالواو على (يعلم)؛ تنبيها على أن كلا من المعنيين مراد، الأول: تبعا، والثاني: قصدا، كما هو طريق الكناية." (١) أهـ (وليس في الآية إلخ) في (ك) في الآية الأولى: " وعن السدي: أنها منسوخة (٢)

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بفرض الزكاة (١)، وعن الحسن: هي في التطوع. (٢) " (٣) أهـ قال السعد: " (منسوخة) يعني: إذا كانت في الفرض." (٤) [وقول] (٥) المفسر كـ (ق): " (ليس إلخ) " (٦) " رد على في (ك)، حيث نقل " عن السدي: أنها منسوخة بفرض الزكاة." (٧) وفيه بحث؛ لأن عموم ﴿خَيْرٍ﴾، وجعل مصرفه الوالدين والأقربين على عمومه مما ينافي فرض الزكاة، فإن الفرض: قدر معين، ومصرفه غير الوالدين. نعم لو خص بصدقة التطوع على ما روي عن الحسن لم ينافه." (٨) (ع) وفي (ز): " (وليس في الآية إلخ) جواب ما ذهب إليه البعض: أن هذا كان قبل فرض الزكاة وبيان مصارفها بآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (٩)، فلما نزلت نسخت هذه الآية.

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال بعضهم: آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها. ومحصل الجواب: أن النسخ مبني على تنافي النصين، وعدم إمكان العمل بهما، ولا منافاة؛ لاحتمال أن يراد بهذه: الحمل على بر الوالدين، وصلة الأرحام، وقضاء حاجة ذوي الحاجات على سبيل التطوع، وأن يكون تخصيص من ذكر من المحتاجين بالذكر على سبيل المثال لا الحصر، ولا ينافيه إيجاب الزكاة، وحصر مصارفها في الثمانية، أو السبعة بناء على إسقاط حق المؤلفة، بناء على انتهاء الحكم بانتهاء علته (١)، فعلى هذا يكون كل من الآيتين (٢) محكما غير منسوخ." (٣) أهـ " وفيه شاء كما يَعلَم مَن بَحث." (٤) (ع)

стр. 340

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ ببناء الفعل للمفعول، ورفعِ القتال، أي: قتال الكفرة. وقرئ: ببنائه للفاعل، وهو اللَّهُ ، ونصب القتال، وقرئ: (كُتِب عليكم القَتْلُ) أي: قتلُ الكفرة. والواو في قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ حالية. ــ ﴿كُتِبَ﴾ (١): " فرض." (٢) (ق) ﴿الْقِتَالُ﴾: " الجهاد." (٣) (ق) (حالية) في (ز): " قيل: الظاهر أن جملة: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ حالية مؤكدة (٤)؛ إذ القتال لا ينفك عن الكره.

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويرد عليه: أنه لا يجوز اقترانها بالواو، فينبغي أن تجعل منتقلة (١)؛ لأنه قد يكون مكروها عند كثرة العدو، وقد لا يكون، وهذا الذي ذكره صرح به ابن مالك (٢) (٣)، لكن نظر فيه ابن هشام. ووجهه: أن واو الحال بحسب الأصل عاطفة، والمؤكِد لايُعطف بها على المؤكَد، لكنهم نصوا

стр. 342

أي: والحال أنه مكروهٌ لكم طبعاً. ــ على خلافه في: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (١)، فقالوا: إنها حال مقررة للسؤال (٢)، فيحمل على أن الأصل ذلك، وقد ينزل منزلة المغاير." (٣) " (٤) أهـ وفي (ع): " ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ عطف على ﴿كُتِبَ﴾، وعطف الاسمية على الفعلية جائز (٥)، وجعله حالا وَهْم؛ لأن المؤكِدة لا تجيء بالواو، والمنتقلة لا فائدة فيها." (٦) أهـ (والحال أنه مكروه) في (ق): " شاق عليكم مكروه." (٧) (طبعا): " فلا ينافي الإيمان؛ لأن كراهة الطبع جبلية، لا تنافي الرضا بما كلف به، كالمريض الشارب للدواء البشع.

стр. 343

على أن الكُرهَ: مصدرٌ وُصف به المفعولُ؛ ــ وإنما يكرهونه؛ لما فيه من القتل والأسر وإفناء البدن وتلف المال." (١) (ع) وفي (ش): " وكونه مكروها طبعا، لا يلزم منه كراهة حكم الله (٢) ومحبة خلافه، وهو ينافي كمال التصديق؛ لأن معناه: كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته، كوجع الضرب في الحد (٣) مع كمال الرضى والإذعان له؛ ولذا يثاب عليه." (٤) أهـ (مصدر): " من كره يكره." (٥) (ع) وفي (ك): " من الكراهة بدليل: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾." (٦) أهـ " لا من الإكراه، وكونه بمعنى المكروه منقول عن الليث (٧) (٨)." (٩) سعد

стр. 344

مبالغة، ــ (مبالغة): " كقول الخنساء (١): " فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ." (٢) كأن القتال في نفسه كراهة؛ لفرط كراهتهم له.

стр. 345

أو بمعنى المفعولِ: كالخُبز بمعنى المخبوز. وقرئ: بالفتح؛ ــ ونقل الجوهري (١) عن الفراء: " أن الكره: المشقة، يقال: أقمت على كره، أي: مشقة، وبالفتح: الإجبار، يقال: أقامني على كَره، إذا أكرهك عليه." (٢) ومعنى الإجبار غير مناسب هنا؛ ولذا لم يقرأ هنا بالفتح في المشهور، كما قرئ في سائر المواضع بالضم والفتح." (٣) (ز) (أو بمعنى) أي: أو صفة بمعنى المفعول. وفي (ش) بعد كلام: " وعلى كل حال، فإن كان مصدرا: فيؤول، أو يحمل على المبالغة، أو هو صفة: كالخبز بمعنى المخبوز." (٤) (وقرئ) أي: قرأ السلمي (٥)

стр. 346

على أنه بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، ــ بالفتح (١). (على أنه بمعنى المضموم) عبارة (ق): " لغة فيه." (٢) أهـ قال (ع): " في القاموس الكَره بالفتح: الإباء والمشقة (٣)." (٤) أهـ " وكون الفتح والضم لغتين، منقول عن الكسائي (٥)، وكون الفتح بمعنى: الإكراه، منقول عن الكثيرين (٦)، وإيقاعه على القتال مجاز، من جهة إطلاق الإكراه: على المكره عليه، ثم حمل المكره عليه على ما هو شبيه به، وإليه أشار بقوله: (كأنهم أكرهوا عليه). (٧) وقد سبق أن مثل هذا تشبيه لا استعارة، لكن لا خفاء في أنه على سبيل المجاز، بل مجاز في عبارة الكثيرين." (٨) سعد

стр. 347

أو على أنَّه بمعنى الإكراه؛ مَجازاً، كأنهم أُكرهوا عليه؛ لشدة كراهتِهم له، ــ وفي (ش): " وإذا كان بمعنى: الإكراه، وحمل على المكره عليه، فهو على التشبيه البليغ (١). وقوله: (مجازا) بناء على أن التشبيه البليغ مجاز، كما ذهب إليه كثير من أهل المعاني." (٢) أهـ وفي (ز): " وإيقاع الإكراه على القتال مجاز، من حيث اشتماله على إطلاق الإكراه على المكره عليه، مع أن الحمل المذكور على سبيل الاستعارة، بل هي استعارة في عبارة كثيرين. وهذا على أن: ﴿هُوَ﴾ للقتال، فإن كان [للكتب] (٣) المدلول عليه: بـ ﴿كُتِبَ﴾، فمعناه: والكتب إكراه لكم (٤)؛ لأن إيجاب الحكم على المكلف إجبار له عليه، إلا أنه لم يلتفت إليه أحد من المفسرين؛ لأنه لا يلائمه ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾." (٥) أهـ وفي (ش): " قيل: الكُره والكَره بمعنى واحد وهو: الكراهة، لا الإكراه، كالضُعف والضَعف. وقيل: المفتوح: المشقة التي تنال الإنسان من خارج، والمضموم: ما يناله من ذاته. وقيل: المفتوح بمعنى: الإكراه، والمضموم بمعنى: الكراهة. وعلى كل حال إلخ ماسبق." (٦) (أو على أنه بمعنى إلخ): " أي: اسم بمعنى الإكراه، فلا يرد ما قال أبو حيان: " أن جعل الثلاثي مصدر الرباعي لا ينقاس." (٧)

стр. 348

ومشقتِه عليهم. ــ وفي القاموس: " أو بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح: ما أكرهك غيرك عليه." (١) والحاصل: أن الكُره بالضم: بمعنى الكراهة، والكَره بالفتح: يجوز أن يكون بمعناه، وأن يكون بمعنى الإكراه." (٢) (ع) (ومشقته عليهم) في (ق): " كقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٣)." (٤) أهـ قال (ش): " تنظير لجميع ما مر؛ لأنه قرئ فيها بالفتح والضم (٥)، ويجري فيها ما يجري هنا. ويجوز أن يكون تنظيرا للثاني (٦)؛ لظهور المشقة في الحمل والوضع." (٧) أهـ

стр. 349

﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وهو جميعُ ما كُلّفوه من الأمور الشاقةِ التي من جملتها القتالُ، ــ وفي (ع): " (كقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾) أي: مثله قراءة ووجها." (١) أهـ وفي (ك): " ومنه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلخ." (٢) أهـ كتب السعد: " (ومنه) أي: من هذا القبيل قراءة ووجها." (٣) ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ (٤) فقد ذكر ثمت أن الكُره والكَره كالفقر والفقر لغتان بمعنى: [الشُقة] (٥)، أو من قبيل الكره بمعنى الإكراه؛ لأنها بمنزلة المكرهة على ذلك؛ لفرط مشقته عليها. ﴿وَعَسَى﴾ إلخ عسى: من أفعال المقاربة، لم يستعمل إلا ماضيا فقط، نقل إلى إنشاء الترجي أو الإشفاق مثل: (لعل)؛ وذلك في استعمال العباد (٦)، وما وقع في كلامه تعالى فللترجية والتخويف. (٧) (وهو جميع ما كلفوه) في (ك): " على قوله: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ جميع ما كلفوه، فإن النفوس تكره وتنفر عنه وتحب خلافه." (٨) أهـ

стр. 350

فإن النفوسَ تكرَهُه وتنفِرُ عنه، والجملة اعتراضية دالَّةٌ على أن في القتال خيراً لهم. ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ وهو جميع ما نُهوا عنه من الأمور المستلَذة. ــ " يعني أن جميع ما كلف به الإنسان وارد على هذا الطريق، حيث تكرهه النفوس، ويشق عليها، ولا يلزم منه كراهية حكم الله، ومحبة خلافه - وهو ينافي كمال التصديق -؛ لأن معناه كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته، كوجع الضرب في الحد، مع كمال الرضى بالحكم والإذعان له، كما تقول: إن الكل بقضاء الله ومشيئته، مع أن البعض فعله مكروه منكر غاية الإنكار: كالقبائح والشرور." (١) سعد وفي (ز): " إن قيل: الخطاب في الآية للمؤمنين، فكيف يخاطبهم بأن ما كتب عليكم وكلفتم به كره لكم، وهو يشعر بكراهتهم لحكم الله وتكليفه، وذلك غير جائز؛ لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله وتكاليفه، بل يرضى بذلك ويحبه، ويعلم أن فيه صلاحه، وفي تركه فساده؟ والجواب: أن المراد من كونه كرها: كونه ثقيلا شاقا على نفسه، وما كان كذلك يكرهه الإنسان بطبعه، وإن أحبه المؤمن بعقله واعتقاده. وكراهة الطبع لا تنافي الإيمان، بل تحقق معنى العبودية؛ لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة، ومدار أمر الدين ليس إلا مخالفة الهوى، واختيار جانب المولى، وتحمل [مشقة] (٢) اتباع الشرع، وعدم الالتفات إلى نفرة الطبع. وأما كراهة الاعتقاد فهي من صفات المنافقين قال: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣)." (٤) أهـ (فإن النفوس تكرهه) هي عبارة (ك) (٥)، وعبارة (ق): " فإن الطبع يكرهه، وهو مناط صلاحهم، وسبب فلاحهم." (٦) (وهو جميع ما نهوا عنه): " فإن النفس تحبه وتهواه، وهو يفضي بها إلى الردى (٧).

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنما ذكر ﴿عَسَى﴾؛ لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها." (١) أهـ (ق) كتب (ع): " (وإنما ذكر ﴿عَسَى﴾) الأول: للإشفاق، وهو قليل، والثاني: للترجي. (٢) والجملتان أعني: ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ حالان عن النكرة (٣) (٤)، وهو قليل، (٥) ومع ذلك نص على جوازه (س~) (٦) (٧) مستندا به." (٨) أهـ

стр. 352

وهو معطوفٌ على ما قبله، لا محلَّ لهما من الإعراب. ــ وفي (ش): " (وإنما ذكر إلخ) يعني: أنه نزل منزلة غير الواقع؛ لأنه في معرض الزوال فلا حاجة إلى أن يقال: ﴿عَسَى﴾ من الله تحقيق. وكون أفعاله - تعالى- تتضمن حكما ومصالح مر تحقيقه (١). " (٢) أهـ وفي (ز): " (وإنما ذكر ﴿عَسَى﴾ إلخ) جواب ما يرد على الوهم: أن الجملة إنما تصدر بـ (عسى) و (لعل) إذا كان مضمونها غير محقق الوقوع، بل مطموعا فيه. وكراهية الإنسان بطبعه ما تكون عاقبته خيرا وصلاحا مقدر ليس موضعا لإيراد كلمة (عسى) فما وجه ذكرها؟ وتقرير الجواب: منع أنه مقدر في حق كافة المكلفين، وإنما هو حال النفوس الصعبة الباقية على طبعها، المغوية بشهواتها وهواها. أما النفوس المرتاضة المنقادة للشرع بحيث غلب عليها الصفات الملكية فإن الطاعات والخيرات لا تكون كرها لها، بل محبوبة لذيذة عندها، فلم يكن المقام مقام القطع بكونها كرها بل مقام (عسى) و (لعل)." (٣) (وهو) أي: ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّوا﴾ إلخ. (لا محل لهما من الإعراب) اعتراضيان.

стр. 353

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خيرٌ لكم؛ فلذلك أمركم به. ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تعلَمونه؛ ولذلك تكرَهونه، أو واللَّهُ يعلم ما هو خيرٌ وشرٌّ لكم وأنتم لا تعلمونهما، فلا تتبعوا في ذلك رأيَكم، وامتثلوا بأمره - تعالى -. ــ (لا تعلمونه) عبارة (ق): " لا تعلمون، وفيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة، وإن لم نعلم عينها." (١) أهـ وفي (ك): " ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما يصلحكم، [وما هو خير لكم ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك." (٢) أهـ كتب السعد: " (والله يعلم ما يصلحكم)] (٣) يعني أن المفعول مراد لا متروك، منزل فعله منزلة اللازم. لكن لو جعل (ما) موصولة كان الفعل من قبيل المتعدي إلى مفعول واحد، بمعنى: المعرفة. ولو جعلت (٤) استفهامية، فإلى مفعولين على الإلغاء (٥)." (٦)

стр. 354

﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ بعث ــ (روي أن رسول الله (١) بعث إلخ): " أخرجه ابن جرير من طريق السدي بأسانيده. (٢) وسمى فيه من السرية: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة (٣)، وسهيل ابن (٤) يبضاء (٥) (٦)، وعامر بن فهيرة (٧)،

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وواقد بن عبد الله اليربوعي (١). وسمى الثلاثة الذين مع عمرو (٢): الحكم بن كيسان (٣)، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة (٤)، ونوفل [بن] (٥) عبد الله (٦).
следующие страницы →