← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 151143

فضائل الشام

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي رواية رويناها في كتاب "فضائل الشام" لأبي الحسن الربعي (١) قال: "هي مسجد دمشق". وقال يزيد بن شجرة: "دمشق هي الربوة المباركة". عن قتادة عن الحسن "في هذه الآية قال: هي أرض ذات أشجار وأنهار - يعني: أرض دمشق". وعنه قال: "ذات معيشة تقوتهم وتحملهم وماء جارٍ". قال: "هي الربوة، هي دمشق". وفي رواية عنه (٢) قال: "ذات ثمار كثيرة وماء، هي دمشق". وعنه قال: "هي الغوطة". وممن قال أن الربوة هي دمشق: خالد بن معدان، وغيره من السَّلف. وقالت طائفة: هي الرملة. وروى عبد الرزاق (٣) عن بشر بن (رافع) (٤) أخبرني أبو عبد الله بن عم أبي (٥) هريرة، سمع أبا هريرة يقول في "قوله : ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] هي الرملة، من فسلطين". بشر بن رافع ضعيف الحديث. وخرج الطبراني (٦) وغيره، من رواية عباد بن عباد الرملي عن أبي زرعة السيباني عن أبي وعلة العكي عن كريب (السحولي) (٧)، حدثني مرة البهزي

стр. 72

سمع النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس. قال: وحدثني أن الرملة هي الربوة. وذلك أنها مغربة ومشرقة. كذا رواه زكريا بن نافع الأرسوفي، ومحمد بن عبد العزيز البرمكي، عن عباد، وهو أبو عتبة الخواص الزاهد. والظاهر أن قوله: وحدثني، يشير به إِلَى مرّة، فهو من كلام مرة، ليس مرفوعًا. ورواه رواد بن الجراح -وقد اختلط بأخرَةَ عن عبَّاد فرفعه. ورواه هشام بن عمار حدثنا المغيرة بن المغيرة، حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني- وهو أبو زرعة- قال: مرض رجل من عك، يقال له: الأقرع عَلَى عهد رسول الله ﷺ فأتى يعوده، فَقَالَ له: "إنك لا تموت ولا تدفن إلا بالربوة. فمات ودفن بالرملة، فكانت عك إذا مات الرجل منهم بالأردن حمل ودفن بالرملة -مكان الأقرع". وهذا مرسل. وخرّجه ابن منده في "معرفة الصحابة" بإسناد مجهول عن الأقرع بن [شفي العكي] (١) قال: "دخل عليّ النبي ﷺ في مرض فَقَالَ: لتبقين ولتهاجرن إِلَى الشام، وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين" (٢). ثم قال: رواه إسماعيل بن رشيد الرملي عن ضمرة بن ربيعة عن قادم بن

стр. 73

(ميسور) (١) القرشي عن رجال (٢) من عك، عن الأقرع. قلت: خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن ضمرة عن قادم بن ميسور، قال: "مرض رجل من أهل عك يقال له: الأقرع ... " فذكره مرسلاً. وبتقدير صحة الحديث، فلا يدل عَلَى أن هذه الربوة المذكورة في الحديث هي المذكورة في القرآن، والله أعلم. وقال طائفة: الربوة المذكورة في القرآن: بيت المقدس. قال قتادة فيما رواه مسكين بن بكير عن جرير بن حازم عنه، فعلى هذه الأقوال الثلاثة، الربوة المذكورة في القرآن هي من أرض الشام، وقيل: إنها مصر. رُوي عن وهب بن منبه: وقيل: الإسكندرية، رواه عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه. وقيل: هي الكوفة، وهو أضعف الأقوال وأردأها. رواه أهل الكوفة من الشيعة عن جعفر الصادق وأبيه أبي جعفر، ولا يصح غيرهما (٣) إن شاء الله تعالى. وقال الله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣]. فطور سنين: هو الطور الَّذِي كلم الله -عليه موسى ﵇ والبلد الأمين: مكة، وأما التين والزيتون، اختلف في تفسيرهما. وقد رُوي حديث مرفوع، رواه محمد بن بيان بن مسلم، حدثنا الحسن بن

стр. 74

عرفة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ فرح بنزول هذه السورة فرحًا شديدًا، قال: فسألنا ابن عباس عن تفسيرهما؟ فَقَالَ: التين: بلاد الشام، والزيتون: بلاد فلسطين ... " وذكر بقية الحديث. وهذا كذب لا مرية فيه. قال الحافظ أبو بكر الخطيب (١): هذا الحديث بهذا الإسناد باطل لا أصل له، والرجال المذكورون في إسناده كلهم أئمة مشهورون غير محمد بن بيان، ونرى العلة من جهته ومن أورد هذا الحديث بهذا الإسناد، فقد أغنى أهل العِلْم عن أن ينظروا في حاله ويبحثوا عن أمره، يعني: أنَّه أبان عن كذبه، وفضح نفسه. وأشد من هذا نكرة ما خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي (٢) من طريق أبي الفضل العباس بن منجور مولى أمير المؤمنين، حدثنا أبو محمد المراغي حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه سلم- وذكر حديثًا طويلاً، وفيه: إن الله اختار من المدائن أربعة وهي البلدة والمدينة وهي النخلة، وبيت المقدس وهي الزيتون، ودمشق وهي التينة. وقال: هذا حديث منكر [بمرة] (٣). وأبو الفضل والمراغي مجهولان. قلت: هو موضوع لا شك في ذلك. وروى عوف عن يزيد أبي عبد الله عن كعب قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وروى عبد الرحمن بن أبي عمار عن كعب قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وروى أبو حمزة العطار عن الحسن في ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ قال: جبال ومساجد بالشام.

стр. 75

وعن خالد بن معدان في التين والزيتون، قال: دمشق. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَالتِّينِ﴾، قال: الجبل الَّذِي عليه دمشق، والزيتون: الَّذِي عليه بيت المقدس. وكذا قال خليد بن دعلج عن قتادة. وروى سعيد بن بشير عن قتادة قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وفي رواية أخرى قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وعن الحكم قال: التين: دمشق، والزيتون: فلسطين. وعن الحارث بن محمد قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وعن محمد بن كعب قال: أقسم الله بأربعة مساجد، التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء، ومسجد الطور، ومسجد الحرام. وعن الربيع بن أنس قال: التين والزيتون: جبل عليه التين والزيتون. وعن يزيد بن ميسرة قال: أربعة أجبل مقدسة: طور زيتا، وطور سيناء، وطور تيناء، وطور تيمانا، قال: فطور زيتا: طور بيت المقدس، وطور سيناء: طور موسى ﵇. وطور تيناء: مسجد دمشق. وطور تيمانا: مكة يشرفها الله تعالى. وقالت طائفة: المراد به التين والزيتون المأكولان. رُوي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والكلبي وغيرهم. وروى العوفي عن ابن عباس، التين: مسجد نوح الَّذِي بنى (عَلَى) (١)

стр. 76

الجودي، وإسناده ضعيف. ولا ريب أن لفظ القرآن يدل صريحًا يدل عَلَى التين والزيتون المأكولين، كما قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما، ولكنه قد يدل عَلَى مكانهما من الأرض بدليل أنهما قرنا (١) بمكانين شريفين، وهما الطور والبلد الأمين، وهذه البقاع هي أشرف بقاع الأرض، ومنها ظهرت النبؤات العظيمة والشرائع المتبعة، فعامة أنبياء بني إسرائيل كانوا من الشام، وهي أرض التين والزيتون، ومنها ظهرت نبوة عيسى ﵇ وطور سيناء كلم الله منه (موسى ﵇ (٢) والبلد الأمين، فمن ابتديء الوحي، وانزاله عَلَى محمد ﷺ وهذه النبوات الثلاث هي أعظم النبوات والشرائع. ونظير ذلك ما ذكر في التوراة من قوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال قاران. وساعير: هي أرض بيت المقدس وما حوله، وجبال قاران: مكة. فمن قال من المفسرين: إن التين والزيتون هما المأكولان فقوله صحيح باعتبار دلالة التين والزيتون عَلَى بفاعهما من الأرض، فإن أرض الشام هى أرض التين والزيتون غالبًا. ومن قال: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس، وفلسطين، فقوله: صحيح باعتبار أن دمشق وما حولها هي بلاد التين غالبًا. وفلسطين وبيت المقدس وبلاد الزيتون غالبًا. ومن قال: المراد: جبل دمشق وجبل بيت المقدس، فالجبل من جملة أرض التين والزيتون. ومن قال: المراد مسجد دمشق ومسجد بيت المقدس، فهذان المسجدان هما أشرف بقاع أرض الشام، والله أعلم.

стр. 77

وقد روينا في كتاب "فضائل الشام" (١) لأبي الحسن الرَّبعي بإسناد فيه نظر عن كعب أنَّه قال لواثلة بن الأسقع وهو يريد الخروج إلى بيت المقدس: تعال حتى أريك موضعًا من هذا المسجد -يعني: مسجد دمشق- من صلّى فيه فكأنما صلّى في بيت المقدس. وبإسناد فيه نظر (٢) أيضاً عن سفيان الثوري قال: الصلاة في بيت المقدس بأربعين ألف صلاة، وفي مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة. وبإسناده (٣) عن هشام بن عمار، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به صلّى في موضع مسجد دمشق. والخشني لا يعتمد عليه. وقال : ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨]. قد قيل: إنها دمشق. قاله سعيد المقبري وخالد بن معدان. وروى عن سعيد بن المسيب، وعكرمة ولا يصح عنهما. أما سعيد فهو من رواية إسحاق بن بشر عن [ابن] (٤) إسحاق عمن يخبره عنه، وإسحاق هذا كذاب مشهور. وأما عكرمة فهو من رواية حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عنه. وحفص ضعيف جدًّا. وقال مالك: يقال إن إرم ذات العماد: دمشق. ولكن جمهور المفسرين [والمحققين] (٥) من العُلَمَاء عَلَى خلاف هذا القول، عَلَى اختلاف بينهم في تفسيره يطول ذكره ها هنا والله أعلم.

стр. 78

الفصل الثاني فيما ورد في السنة والآثار من أنها فسطاط المسلمين ومعقلهم في الملاحم روى زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إِلَى جانب مدينة يقال لها: دمشق من خير مدائن الشام". خرجه أبو داود (١) وغيره، وخرّجه الطبراني (٢)، وعنده: "فهو خير مساكن يومئذ". وخرّجه الحاكم (٣) وعنده: خير منازل المسلمين يومئذ وقال: صحيح الإسناد. وفي رواية في هذا الحديث: "يوم الملحمة الكبرى". قال إبراهيم بن الجنيد: سمعت يحيى بن معين وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فَقَالَ يحيى: ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث [صدقة بن خالد] (٤) يعني: حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ "معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق". وروى عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك قال: "قال لي رسول الله ﷺ : يا عوف، اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ. أولهن: مَوْتِي.

стр. 79

فاستبكيت حتى جعل يُسكتني، ثم قال لي: [احدى] (١)، فقلت: [احدى] (١) قال: والثانية: فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، قل: ثنتان. قلت: ثنتان. (فَقَالَ) (٢): والثالثة: مُوتَانٌ يكون في أمتي يأخذه [مثل] (٢) قعاص الغنم، قل: ثلاث، قلت: ثلاث. قال: والرابعة: فتنة تكون في أمتي وعظمها، قل: أربع. فقلت: أربع. قال: والخامسة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار فيسخطها، قل: خمس. فقلت: خمس. قال: والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم على ثمانين غاية تحت كل غاية اثني عشر ألفًا، ففسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة في مدينة يقال لها: دمشق". خرجه الطبراني (٣) وغيره. وخرّجه البخاري في "صحيحه" (٤) من طريق أبي إدريس عن عوف بمعناه ... إِلَى قوله: "اثنى عشر ألفًا"، ولم يذكر ما بعده. ورواه بعضهم: راية -بالراء- وهما بمعنى. وقيل: إنه رُوي: "غياية" يعني: السحابة. ورواه بعضهم غابة -بباء موحدة، وهي الأجمة، وهو بعيد من المعنى. وقال أبو القاسم الدمشقي (٥) الحافظ: وكلا القولين في إسناده صحيح قول من قال عن جبير عن أبي الدرداء، وقول من قال عن جبير عن عوف. واستدل بما خرجه الإمام أحمد (٦) من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، قال: حدثنا أصحاب محمد (٧) ﷺ

стр. 80

أن رسول الله ﷺ قال: "ستفتح عليكم الشام؛ فإذا اخترتم المنازل منها فعليكم بمدينة يقال لها: دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاطهم منها بأرض يقال لها: الغوطة". وخرّجه الإمام أحمد (١) من وجه آخر بهذا الإسناد، إلا أنَّه قال فيه: عن رجل من أصحاب محمد ﷺ . ورواه مكحول عن جبير بن نفير مرسلاً. ورواه بعضهم عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلاً من غير ذكر جبير. وروى الوليد بن مسلم، حدثني سعيد بن عبد العزيز أن من أدرك من علمائنا كانوا يَقُولُونَ: "تخرجون أهل مصر من مصرهم إِلَى ما يلي المدينة، ويَخْرُجُ أهل فلسطين والأردن إِلَى مشارف البلقاء وإلى دمشق، ويخرج أهل الجزيرة وقنسرين، وحمص إِلَى دمشق. وذلك ما كان حدثنا به سعيد عن مكحول عن النبي ﷺ قال: "فسطاط المؤمنين، يوم الملحمة الكبرى بالغوطة مدينة يقال لها: دمشق". ورواه أبو القاسم البغوي حدثنا [أبو نصر] (٢) التمار، عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن معاذ عن النبي ﷺ وروينا بإسناد مجهول لا يصح عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ نحوه. وزاد: ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور. رواه محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ للمسلمين ثلاث معاقل فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق،

стр. 81

ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء. و [ ... ] (١) مشهور بالكذب والوضع، ولا يصح هذا الحديث من هذا الوجه. وقد رُوي من وجوه أخر مرسلة. رواه الوليد بن مسلم، حدثنا [حفص] (٢) بن غيلان [أبو مُعَيد] (٣) عن حسان بن عطية، قال ذكر رسول الله ﷺ كيف تجوز الأعداء أمته من بلد إِلَى [بلد] (٤). فقالوا: يا رسول الله، هل من شيء به قال نعم الغوطة، مدينة يقال لها: دمشق، فسطاطهم ومعقلهم من الملاحم، لا ينالهم عدو إلا منها، قال حفص: يقول: لا ينالهم عدو لهم إلا منها من الأمة، وهو يوم دخلها عبد الله بن علي بجنوده. وروى ابن أبي خيثمة (٥) بإسناده عن يحيى بن جابر الطائي أن رسول الله ﷺ قال: "للمسلمين ثلاثة معاقل؛ فمعقلهم من الملاحم: دمشق، ومعقلهم من الدجال: بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج: الطور". وقد رُوي هذا عن كعب من قوله، قال: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال نهر أبي قطرس (٦) وفي رواية عن كعب قال: "الأردن، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور". وقال الأوزاعي: بلغني أن بالشام واديًا يقال له: الغوطة فيه مدينة يقال لها:

стр. 82

دمشق، هي خير مدائن الشام يوم الملاحم. وروينا في كتاب "فضائل الشام" (١) للرَّبعي، من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: "ستكون دمشق في آخر الزمان أكثر المدن أهلا، وهي لأهلها معقل، وأكثره أبدالاً، وأكثره مساجد، وأكثره زهادًا، وأكثره مالاً وأكثره رجالاً، وأقله رجالاً وأقله كفارًا". وذكر حديثًا طويلاً لا يصح، إسناده واه. ومن حديث مكحول (٢) عن عبد الله بن سلام قال: "دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم". ومن حديث هشام بن عمار (٣) قال: سمعت من رفع الحديث إِلَى وهب بن منبه سمع ابن (عباس) (٤) سمع النبي ﷺ يقول: "اجتمع الكفار يتشاورون في أمري -فَقَالَ رسول الله ﷺ : -يا ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها: دمشق حتى آتي الموضع -مستغاث الأنبياء- حيث قَتَلَ ابن آدم آخاه، فأسأل الله أن يهلك قومي، فأتى جبربل فَقَالَ: يا محمد، ائت بعض جبال مكة فاسأل الله أن يهلك قومي فأتى جبريل، فَقَالَ: يا محمد ائت بعض جبال مكة، فأو [إِلَى] (٥) بعض غاراتها؛ فإنها معقلك من قومك". هذا منكر جدًّا، ولا يدري ممن سمعه هشام بن عمار. وذكر أبو القاسم الدمشقي الحافظ (٦) بإسناد له عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: من سكن دمشق نجا، فقلت: عن رسول الله ﷺ قال: أفعن رأي

стр. 83

أحد؟! قلت: إسناده فيه ضعف. وحديث ابن لهيعة، حدثنا عبد الرحمن بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب [عن] (١) أبي سالم الجيشاني أنَّه قال "لعبد الله بن عمرو بن العاص -اختر لي، فَقَالَ له: عليك بالفحص- قال: وهي الغوطة -فإنها فسطاط المسلمين، ثم قال: عليك بمدينة الأسباط -يعني: بانياس- فإن العافية تجوزها، كما يجوز السيل الدمن" (٢). ومن طريق عبد الرحمن بن سابط (٣) قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن منزلي قد نبا بي بالعراق والحجار فخر لي؟ قال: أرضى لك ما أرضى لنفسي ولوالدي عليك بدمشق، ثم عليك بمدينة الأسباط بانياس؛ فإنها مباركة السهل والجبل، وإن البركة عشر بركات، خص الله بانياس من ذلك: ببركتين، وإذا وقعت الفتن كانت بها أخف منها في غيرها، فوالله لفدَّان بها أَحَبّ إليّ من عشرين بالوهط. والوهط بالطائف. ومن طريق عبد الله بن حكيم (٤) عن عبد الله بن عمرو قال: "ما أودُّ أن لي مصر و (كنوزها) (٥) بعد (الخمسين، ومائه) (٦) أسكنها، ولدمشق خير لو كنتم تعلمون. ومن طريق ابن لهيعة (٧) عن سليم بن عبد الرحمن أخبرني نافع بن كيسان الدمشقي قال: لقيت يزيد بن شجرة فقلت: إني أردت أن آتي فلسطين.

стр. 84

قال: لا تفعل؛ فإني أحدثك في دمشق أحاديث ليست في غيرها، إن خيل الناس إذا اضطربت كانت عصمتهم، وإن أهلها مدفوع عنهم، وإنه لا ينزل بأرض جوع ولا بلاء ولا فتنة إلا خفف ذلك عنهم. ومن حديث ابن مُحَيْريز (١)، قال: قال لي رويفع بن ثابت الأنصاري، وكان من أصحاب الشجرة: اسكن فلسطين، ما استقامت العرب، فإذا نادوا بشعار الجاهلية، فاسكن دمشق وشرقها خير من غيرها. وروى نعيم بن حماد (٢) بإسناده عن مكحول قال: لتمخرنَّ الروم الشام أربعين صباحًا، لا يمتنع منها إلا دمشق وعمان. وبإسناده (٣) عن [أبي الأعمش عن عبد الرحمن بن سلمان] (٤) قال: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر عَلَى المدائن كلها إلا دمشق. وروى أبو الشيخ الأصبهاني (٥) بإسناده عن أبي الزاهرية عن كعب قال: لن تزالوا بخير ما لم يركب أهل الجزيرة أهل قنسرين، وأهل قنسرين أهل حمص، فيومئذ تكون الجفلة ويفزع الناس إِلَى دمشق. وفي كتاب "الفتن" (٦) لنعيم بن حماد بإسناده عن كعب أنَّه قال لمعاوية: ليغشين الناس بحمص أمر يفزعهم من الجفلة حتى يخرجوا منها مبادرين قد تركوا دنياهم خلفهم حتى [يموت منهم] (٧) ما بين باب دمشق إِلَى ثنية العقاب

стр. 85

سبعون ألفًا من العطش. وبإسناده عن كعب (١) قال: يهلك ما بين حمص وثنية العقاب سبعون ألفًا من الوغا -يعني: العطش- فمن أدرك ذلك منكم فعليه بالطريق الشرقي من حمص إِلَى سربك ومن سربك إِلَى حميراء، أو من حميراء إِلَى الذخيرة ومن الذخيرة إِلَى النبك، ومن النبك إِلَى القطيفة، ومن القطيفة إِلَى دمشق، فمن أخذ هذه الطريق لم يزل في مياه متصلة. وقال نعيم (٢) حدثنا أبو المغيرة صفوان حدثنا بعض مشايخنا قال: جاء رجل نعرفه خليف للخير حسن [ننظر إِلَيْهِ] (٣) كأنه يلتمس العِلْم فَقَالَ: هل لكم علم بسوسية، قالوا: نعم. قال: وأين هي؟ قلنا: خربة نحو البحر. قال: هل فيها عين يهبط إليها بدرج وماء بارد عذب؟ قالوا: نعم. قال: فهل إِلَى جانبها حصن خرب؟ قالوا: نعم. قلنا: ومن أنت يا عبد الله؟ قال: أنا رجل من أشجع. قالوا: فما بال ما ذكرت قال: تقبل سفن الروم في البحر حتى ينزلوا قريبًا من تلك العين [فيخربون] (٤) سفنهم، فيبعث الله إليهم أهل دمشق، فيمكثون ثلاثًا يدعونهم الروم عَلَى أن يخلو لهم البلد، فيأبون عليهم فيقاتلوهم المهاجرون فيكون أول يوم القتل في الفريقين كلاهما، واليوم الثاني عَلَى العدو، والثالث يهزمهم الله، فلا يبلغ سفنهم منهم إلا أقلهم، وقد [خربوا] (٥) سفنا كثيرة، وقالوا: لا نبرح هذا البلد فيهزمهم الله وصف المسلمون يومئذ بحذاء البرج

стр. 86

[الخرب] (١) فبينما هم عَلَى ذلك قد هزم الله عدوهم حتي يأتي آت من خلفهم فيخبرهم أن أهل قنسرين قد أقبلوا مقبلين إِلَى دمشق، وأن الروم قد حكمت عليهم، وكان موعد منهم في البر والبحر فيكون معقل المسلمين يومئذ بدمشق. سوسية ذكر صاحب كتاب "معجم البلدان" (٢). أنها كورة بالأردن لعلها من بلدان السواحل الخربة في ناحية الغور. والله أعلم. وروينا في كتاب "فضائل الشام" (٣) لأبي الحسن الربعي -بإسناده- عن [عبد السلام التنوخي] (٤) حدثنا أشياخنا أنهم لما فتحوا دمشق في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وجدوا حجرًا في جيرون مكتوب عليه باليونانية، فجاءوا برجل يوناني فقرأه فإذا فيه مكتوب: دمشق جبارة، لا يهم بها جبار إلا قصمه الله، الجبابرة تبني، والقرود تخرب، الآخر شر إِلَى يوم القيامة. ...

стр. 87

فصل وقد ورد في تخريب دمشق ما نحن ذاكروه ومثبتون معناه فروى عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: "تجيء رايات سود من قبل المشرق كأن قلوبهم زبر الحديد، فمن سمع بهم فليأتهم، ولو حبوًا عَلَى الثلج حتى يأتوا مدينة دمشق، فيهدمونها حجرًا حجرًا، ويقتلوا بها أبناء الملوك ... " وذكر الحديث. وهذا الحديث قد رواه الثوري وغيره، عن خالد الحذاء، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة. وقد خرجه الإمام أحمد (١) من حديث علي بن زيد عن أبي قلابة. وخرّجه ابن ماجه (٢) والحاكم (٣) من حديث الثورى وفيه ذكر المهدي، وقد كان إسماعيل ابن علية ينكر هذا الحديث. قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "العلل" (٤): حدثنا أبي قال: قيل لابن علية في هذا الحديث كان خالد يرويه فلم يلتفت إِلَيْهِ، ضعّف ابن علية أمره، يعني: حديث خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان "في الرايات السود".

стр. 88

أن صح فقد وقع ذلك عند ظهور بني العباس. عَلَى دمشق، ودخول عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس إليها، فإنَّه هدم سورها، وقتل بها مقتلة عظيمة من بني أمية وأتباعهم. وقد ذكر الحافظ أبو القاسم (١) بإسناده، عن يحيى بن حمزة، قال: قدم عبد الله بن علي إِلَى دمشق، وحاصر أهلها، فلما دخلها هدم سورها فوق منها حجر كان عليه مكتوب باليونانية، ويل إرم الجبابرة، من رامك بسوء قصمه الله، إذا وهي مثل جيرون الغربي من باب البريد، ويل من الخمسة أعين، نقض سورك عَلَى يديه بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغدًا، فإذا وهي مثل جيرون الشرقي إذ ويل لك ممن تعرض لك. قال: فوجدنا الخمسة أعين عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وذكر أيضاً (٢) من طريق علي بن أبي طلحة عن كعب قال: إن الله خلق (الدُّنْيَا) (٣) بمنزلة الطائر، فجعل الجناحين للمشرق والمغرب، وجعل الرأس الشام، وجعل رأس الرأس حمص وفيها المنقار، فإذا [نقف] (٤) المنقار ويتأفف الناس وجعل الجؤجؤ: دمشق وفيها القلب، فإذا تحرك القلب تحرك الجسد والرأس ضربتان: ضربة من الجناح الشرقي وهي عَلَى دمشق، وضربة من الجناح الغربي وهي عَلَى حمص، وهي أثقلهما، ثم يقبل الرأس عَلَى الجناحين، فينتفهما ريشة ريشة. وبإسناده عن كعب (٥) أيضاً قال: ويل للجناحين من الرأس، وويل للرأس من الجناحين، يرددها ثلاثاً، فالرأس الشام، والجناحان المشرق رالمغرب.

стр. 89

وهذا أيضا يراد به ما وقع عن عبد الله بن علي لما دخل دمشق من بلاد المشرق. فأما الفتن الواقعة من قبل المغرب، فإنما يخشى منها على حمص. وروى ابن أبي خيثمة حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا جنادة بن مروان عن أبيه قال: سمعت الأشياخ يَقُولُونَ: أسعد الناس بالرايات السود من أهل الشام أهل دمشق وأسعد الناس بالرايات الصفر من أهل الشام أهل حمص. وهذا أيضًا إشارة إلى ما وقع من بني العباس عند دخولهم دمشق. وروى ابن أبي خيثمة (١) بإسناده عن بشر بن غنم قال: لتهدمن مدينة دمشق حجرًا حجرًا. قال الحافظ أبو القاسم (٢): ولعله أراد بذلك ما وجد عن هدم عبد الله بن علي سورها لما فتحها. وفي كتاب "العلل" لأبي بكر الخلال (٣) بإسناد ضعيف عن الشعبي قال: تخرج من خراسان رايات سود يدعونه إلى ولد فلان، يعني: العباس [فلا] (٤) ترد لهم راية حتى يأتوا مسجد دمشق فيلقونه حجرًا حجرًا، ثم لا يزال الملك فيهم حتى يخرج السفياني. وذكر أن الإمام أحمد نهى أن يحدث بهذا وبأحاديث أخر من الملاحم. قال الخلال (٥): وأخبرنا [المروذي] (٦) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كتب إليّ يعني: المتوكل أن اكتب إليّ بما صح عندك من الملاحم فكتبت إليه: ما

стр. 90

صح عندي منها شيء. وقد سبق حديث أبي معيد حفص بن غيلان عن حسان بن عطية المرسل في دمشق، وأنهم لا ينالهم عدو إلا منها وتفسير أبي معيد له بأن دمشق لا يسلط عليها إلا من هذه الأمة وأنه أريد ما نالها عند دخول بني العباس إليها. والله المسئول أن يحقق ظن هؤلاء الأئمة ورجاءهم لدمشق أن لا يعبد الله عليها ما كان حصل لها عند دخول بني العباس إليها، فإنَّه عند حسن ظن عباده به بمنه وكرمه. وقد كان عبد الله بن سيار الكذاب المفتري يزعم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أخبره أنَّه يدخل دمشق، ويهدم مسجدها حجرًا حجرًا. وهذا مما كان يفتريه عليه ابن سيار، فإن الثابت عن علي أنَّه نهى عن سب أهل الشام، وأخبر أن فيهم الأبدال، وقال عند حربه لأهل الشام كلامًا فيه تورية، فإن الحرب خدعة فلم يفهمه من سمعه منه، فحرفه. كما روى أمية بن خالد، حدثنا أبو محصن عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الطفيل قال: سمعت عليًّا يقول بمسكن: لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي البصرة فأحرقها ثم أسوق الناحه بعصاي إِلَى مصر. قال: فأتيت أبا مسعود فأخبرته فَقَالَ: إن عليًّا يورد الأمور مواردها، ولا تحسنون أن تصدروها على أن يغسل رأسه بغسل، ولا يأتي البصرة ولا يحرقها ولا يسوق الناس بعصاه إِلَى مصر عَلَى رجل أصلع رأسه مثل الطست إِنَّمَا حوله مثل الشعرات - أو قال: زغيبات (١). وروى نعيم بن حماد (٢) عن أبي المغيرة عن إسماعيل بن عياش، أخبرني بعض أهل العِلْم عن محمد بن جعفر قال: سئل علي بن أبي طالب عن السفياني، فَقَالَ: هو من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان رجل ضخم الهامة

стр. 91

بوجهه آثار جدري، وبعينه نكتة بياض، خروجه خروج المهدي، ليس بينهما سلطان، هو يدفع الخلافة إِلَى المهدي، يخرج من الشام من واد من أرض دمشق يقال له: وادي اليابس، يخرج في سبعة نفر، مع رجل منهم لواء معقود يتعرفون في لوائه النصر، يسير بين يديه عَلَى ثلاثين ميلا، لا يرى ذلك العِلْم أحد يريده إلا انهزم، يأتي دمشق فيقعد عَلَى منبرها ويدني الفقهاء والقراء، ويضع السيف في التجار وأصحاب الأموال، ويستصحب القراء، ويستعين بهم عَلَى أموره، لا يمتنع منهم أحد إلا قتله ... وذكر بقية الخبر. وهذا إسناد غير صحيح. والله أعلم. ***

стр. 92

الفصل الثالث فيما ورد في أن دمشق خير بلاد الشام في آخر الزمان وأن أهلها خير أهل الشام قد سبق حديث (هي) (١) من خير مدائن الشام. وقد روى: "هي خير مدائن الشام". كذا رواه مكحول وغيره عن جبير بن نفير مرسلاً. وروى: خير مساكن المسلمين يومئذ. وقد ذكرنا في أوائل الكتاب قول أبي الدرداء لما أمره معاوية أن يرجع من دمشق إِلَى حمص: يا معاوية أتأمرني بالخروج من عقر دار الإسلام؟! وروى ابن أبي خيثمة بإسناده (٢) عن شريح بن عبيد أن معاوية سأل كعب، فَقَالَ: حمص أعجب إليك أم دمشق؟ قال: بل دمشق. قال: ولم؟ فَقَالَ كعب: مربض ثور في دمشق خير عن دار عظيمة في حمص. وروى بإسناد آخر له (٣): أن معاوية قال لكعب: ما ترى في حمص وطيبها؟ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، لموضع من دمشق (صغير) (٤) أَحَبّ إِلَيّ من

стр. 93

دار بحمص. قال: ولِمَ ذلك؟ قال: لأنها معقل الناس في الملاحم. قال: لا جرم، (لا تركب بها حرمة) (١). روى الحافظ أبو القاسم (٢) عن الزهري عن ربيعة بن عبد الله بن المهدي قال: منزل في دمشق خير من عشر منازل في غيرها في أرض حمص، ومنزل داخل دمشق خير من عشر منازل بالفراديس، وإياك وأرباضها فإن في سكناها الهلاك. وبإسناده (٣) عن يونس بن ميسرة بن حلبس أن رجلاً سكن طبرية بعياله شهرًا، فكفاهم فيها عشرة أمداد من قمح، ثم تحول إِلَى دمشق، فكفاهم فيها خمسة أمداد من قمح. وبإسناده (٤) عن عبد الرحمن بن يزيد (بن) (٥) جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود: ما تملك من حمص إِلَى دمشق؟ قال: بلغني أن البركة تضاعف بها ضعفين. وبإسناده (٦) عن مكحول أنَّه سأل رجلاً: أين تسكن؟ قال: الغوطة، فَقَالَ له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق فإن البركة بها مضاعفة. وبإسناده (٧) عن عبيد بن يعلي -رجل من أهل بيت المقدس كان بعسقلان، وكان عالماً- أنَّه قال لرجل: ارحل من فلسطين والحق بدمشق؛ فإن بركات الشام كلها مسوقات إِلَى دمشق.

стр. 94

وبإسناده عن جابر (١) بن أزد الحمصي قال: حُدثنا أنَّه سيأتي عَلَى الناس زمان لمربض ثور من دمشق خير من دار عظيمة بحمص، وإنها لمعقل المسلمين. وبإسناده عن كعب (٢) قال: كل ما يبنيه العبد في الدُّنْيَا يحاسب به العبد يوم القيامة إلا بناء في دمشق. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة حدثنا السيباني قال: كان نوف البكالي إماما لأهل دمشق، فكان إذا أقبل عَلَى الناس بوجهه قال: من لا يحبكم فلا أحبه الله ومن لا يرحمكم فلا ﵀. وروى عثمان بن أبي العاتكة عن سليمان بن حبيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا كانت الملاحم خرج من دمشق بعث من الموالي هم خير عباد الله، أبعثهم فرسًا وأجوده سلاحا". وفي رواية: "هم أكرم العرب فرسًا وأجودهم سلاحًا، يؤيد الله بهم الدين". وقد خرجه الحاكم (٣)، وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين. وليس كما قال؛ فإن عثمان بن أبي العاتكة ليس بالقوي. وخرّجه ابن ماجه (٤)، ولكن ليس في روايته: "من دمشق". وروى أبو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا وقعت الملاحم خرج بعث من دمشق خبر عباد الله الأولين والآخرين". وهذا مرسل.

стр. 95

وروى الحافظ أبو القاسم (١) بإسناده عن ابن محيريز قال: خير فوارس تظل السماء: فوارس من قيس يخرجون من غوطة دمشق، يقاتلون الدجال. وروى نعيم بن حماد في كتابه (٢): حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن كعب قال: يا معشر قيس، أخبر يمنًا (٣)، ويا معشر اليمن، أخبر قيسًا، فيوشك أن لا يقاتل عَلَى هذا الدين غيركما. قال الأوزاعي: بلغني أن رسول الله ﷺ . قال: "قيس فرسان الناس يوم الملاحم، واليمن رجال الإسلام". وخرج عبد الرزاق (٤) في كتابه بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان قال: إن قيسا لا تزال تبغي دين الله شرًّا حتى [يركبها] (٥) الله بملائكة فلا يمنعوا ذنب [تلعة] (٦)، ثُمَّ فإذا رأيت قيسا توالت الشام فخذ حذرك. وروى بإسناد (٧) فيه نظر عن عائشة "أنها "سألت النبي ﷺ يوم الأحزاب: كيف بنا يا رسول الله لو اجتمعت علينا اليمن مع هوازن، وغطفان؟ فَقَالَ النبي ﷺ : كلا، أولئك قوم ليس عَلَى أهل هذا الدين منهم [بأس] (٨) ". وخرج الخطابي في "غريب الحديث" (٩) بإسناد فيه ضعف عن غالب بن الأبجر مرفوعًا: "إن لله فرسانًا من أهل السماء مسوَّمين، وفرسانًا من أهل الأرض معلَّمين، ففرسانه من أهل الأرض قيس، وإن قيسا ضِرَاءُ الله".

стр. 96

الضِّرَاءُ: جمع ضِرْو، وهو ما أبيح بالفرائس من السباع وبالصيد من الكلاب. واعلم أن العرب كانت من قديم الزمان تنقسم إِلَى فريقين: العدنانية والقحطانية، فمن كان من ولد معد بن عدنان يقال في الواحد منهم: عدناني، وقيسي، ونزاري، وخِنْدِفيٌّ. ويقال لمن انتسب إِلَى ما دون عدنان من القبائل: مضري، أو ربيعي، أو قرشي، وغير ذلك بحسب القبائل التي ينتسب إليها ولد معد بن عدنان. ومن كان من ولد قحطان يقال له: يمني، ويقال لهم: يمن. ولا خلاف أن معد بن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وأما قحطان فالأكثرون عَلَى أنهم ليسوا من ولد إسماعيل، بل كان جدهم: قحطان قبل إسماعيل ﵇ بكثير. ومن الناس من يقول: بل هو من ولد إسماعيل، ويزعم أن العرب كلها من ولد إسماعيل ﵇. وكان بين العدنانية والقحطانية تباين كثير من زمن الجاهلية، وكانت العدنانية تفتخر عَلَى القحطانية، فإنهم كانوا أشرف منهم وبقيت هذه الأحقاد في أولادهم متوراثة. ولما مات سفيان الثوري أوصى إِلَى رجل من كندة يصلي عليه، فقالت بنو تميم: يماني يصلي عَلَى مضري! فقِيلَ لَهُم: أوصى، بذلك فخلوا سبيله! والله أعلم. ***

стр. 97

الفصل الرابع فيما ورد في نزول عيسى ابن مريم ﵉ في آخر الزمان عند دمشق روى النواس بن سمعان عن النبي ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم عَلَى المنارة البيضاء شرقي دمشق". وفي رواية: "عند المنارة". وهذا قطعة من حديث طويل فيه ذكر الدجال، ويأجوج ومأجوج، خرجه مسلم في صحيحه بتمامه (١). وروى محمد بن شعيب بن شابور حدثنا يزيد بن عبيدة، حدثني أبو الأشعث عن أوس بن أوس الثقفي أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق" (٢). ورواه بعضهم عن محمد بن شعيب بهذا الإسناد، وشك هل هو عن النبي ﷺ أو عن كعب؟ ورجح أبو حاتم الرازي (٣) قول من قال عن أوس عن كعب. وقال: يزيد بن عبيدة لا بأس به. وروى الوليد بن مسلم، حدثني ربيعة بن ربيعة عن نافع بن كيسان عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء

стр. 98

شرقي دمشق" (١). وفي مسند الإمام أحمد (٢) من حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "يجيء عيسى ﵇ من قبل المغرب مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إِنَّمَا هو قيام الساعة". وهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل (أن) (٣) المغرب يراد به الشام. وروى صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد عن كعب قال: يهبط المسيح ﵇ عند القنطرة البيضاء عَلَى باب دمشق الشرقي تحمله غمامة، واضع يديه عَلَى منكبي ملكين (٤). وروى سعيد بن عبد العزيز عن شيخ له أنَّه سمع (ابن عباس) (٥) الحضرمي قال: يخرج عيسى ابن مريم عند المنارة عند باب الشرقي ثم يأتي مسجد دمشق حتى يقعد عَلَى المنبر، ثم يخرج يتبع الدجال بمن معه من أهل دمشق، ثم يأتي ببيت المقدس وهي مغقلة قد حصرها الدجال. فيأمر بفتح الأبواب ويتبعه حتى يدركه بباب لُدٍّ ... وذكر بقية الحديث. وروى أبو اليمان عن الجراح عمن حديثه عن كعب قال: ينزل عيسى عند المنارة التي عند باب دمشق الشرقي، ويسير إِلَى من في بيت المقدس من المسلمين. وقد جاء من حديث أبي أمامة وغيره ما قد يشعر بأن عيسى ينزل ببيت المقدس، وليست أسانيدها بالقوية.

стр. 99

ويتعين حملها -عَلَى تقدير صحتها- عَلَى أنَّه يأتي بمن معه من المؤمنين إِلَى بيت المقدس من دمشق، كما قاله ابن عباس وكعب، جمعا بينها وبين حديث النواس المخرج في الصحيح. وظاهر ما تقدم من الأحاديث والآثار يدل عَلَى أن عيسى ﵇ ينزل عند باب مدينة دمشق الشرقي. وقد ذهبت طائفة إِلَى أنَّه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي مسجد دمشق الجامع، وهو مخالف للظاهر، والله أعلم. ***

стр. 100

الفصل الخامس فيما ورد في أن دمشق من مدن الجنة روى الوليد بن محمد الموقري عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أربع مدائن في الدُّنْيَا من الجنة: مكة والمدينة، وبيت المقدس، ودمشق، وأربع مدائن من النار: رومية، وقسطنطينية، وأنطاكية المحترقة، وصنعاء". وفي رواية: "القسطنطينية، والطوانة، وأنطاكية المحترقة وصنعاء" (١). وقال: "إن المياه [المقدسة] (٢) والرياح اللواقح من تحت صخرة بيت المقدس". قال ابن عدي (٣): هذا حديث منكر، لا يرويه عن الزهري غير الموقري. كذا قال. وقد رُوي بإسناد غريب عن محمد بن مسلم الطائفي عن الزهري نحوه، وليس بمحفوظ، وفيه ذكر مدائن النار: القسطنطينية وطبرية وأنطاكية المحترقة وصنعاء. وصنعاء هذه قيل أنها غير صنعاء اليمن وأنها بأرض الروم، وأنطاكية

стр. 101

المحترقة: بأرض الروم، أحرقها العباس بن الوليد بن عبد الملك. والمعروف أن هذا الحديث موقوف عَلَى كعب. وروى بقية بن الوليد عن يزيد بن عبد الله الخولاني عن كعب قال: خمس مدائن من مدائن الجنة: بيت المقدس، وحمص، ودمشق، وبيت جبرين وظفار اليمن. وخمس مدائن من النار: القسطنطينية، والطوانة، وأنطاكية، وتدمر، وصنعاء - صنعاء اليمن. وكذا رواه محمد بن عبد الله الشعيشي عن يزيد الخولاني إلا أنَّه ذكر في مدائن النار "عمورية" بدل "الطوانة". وروى سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو، قال: الجنة مطوية في قرون الشمس بدمشق في كل عام. وقد رُوي عن كعب أن أهل كل مدينة من مدائن الشام لهم في الجنة خصوصية يختصرن بها. وروى عروة بن رويم عن كعب أنَّه لقي رجلاً، فَقَالَ له: من أين أنت؟ قال: من أهل الشام. فَقَالَ له كعب: فلعلك من الجند الذين يشفع شهيدهم في سبعين؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل حمص. قال: لا. قال: فلعلك من الجند الذين يعرفون في الجنة بثياب خضر؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل دمشق. قال: لا. قال: فلعلك من الجند الذين في ظل العرش؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل الأردن. قال: لا. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل يوم مرتين؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل فلسطين. قال: نعم.

стр. 102

وفي رواية في هذا الخبر عن كعب أنَّه قال في أهل حمص: يدخل الجنة منهم سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب. وهذا قد رُوي مرفوعًا. خرجه الإمام أحمد (١) بإسناد ضعيف، عن عمر ابن الخطاب، "سمعت النبي ﷺ يقول في حمص: ليبعثن الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب". وخرج أيضاً (٢) بإسناد ضعيف عن أنس عن النبي ﷺ قال: "عسقلان أحد العروسين، يبعث الله منها يوم القيامة سبعون ألفًا لا حساب عليهم". وروينا في "فضائل الشام" (٣) للربعي عن كعب قال في مقبرة باب الفراديس: يبعث منها سبعون ألف شهيد يشفعون كل إنسان في سبعين. وفي مسند الإمام أحمد (٤) من رواية ابن لهيعة حدثنا [الحارث بن يزيد] (٥) عن أبي مصعب قال: قدم رجل من أهل المدينة شيخ، فسألوه، فأخبرهم أنَّه يريد المغرب، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج ناس إِلَى المغرب يأتون يوم القيامة، وجوههم عَلَى ضوء الشمس". وقد سبق أن المغرب يراد به في كلام النبي ﷺ : الشام وما وراءها إِلَى مغرب الشمس.

стр. 103

فصل وقد ورد في فضل أماكن كثيرة بالشام أشياء لم نذكرها؛ لأنّ الغرض من هذا الكتاب كان ذكر دمشق وفضلها وحفظها، ولكن نختم الكتاب بذكر نبذة من فضائل بيت المقدس فإنَّه عين الشام، وواسطة عقد النظام، وقد صنف العُلَمَاء في فضله تصانيف كثيرة، وممن أفرد فضله بالتصنيف أبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد القاسم بن عساكر. ولو استقصينا ما ورد في فضله لطال الكتاب، وإنما نقتصر عَلَى ذكر أعيان الأحاديث المرفوعة في فضله دون الآثار والإسرائيليات. والله الموفق. قال الله- في فضله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وفي الصحيحين (١) عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه". وخرج مسلم (٢) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي فسألوني عن أشياء من بيت المقدس، لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به". وفي صحيج البخاري (٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].

стр. 104

قال: هي رؤيا عين (أوتيها) (١) النبي ﷺ ليلة أسري به إِلَى بيت المقدس. وفي مسند الإمام أحمد (٢) عن عمر بن الخطاب أنَّه قال كعب: أين ترى أن أصلي؟ يعني: في بيت المقدس، فَقَالَ: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فَقَالَ عمر ﵁: ضاهيت اليهود ولكن أصلي حيث صلّى رسول الله ﷺ فتقدم إِلَى القبلة فصلى. وخرج الإسماعيلي (٣) في "مسند عمر" ولفظه: أن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد، ثم دخلت إِلَى الصخرة التي في بيت المقدس، فإذا أنا بملك قائم معه آنية ثلاث ... " وذكر بقية الحديث. وقد أنكر حذيفة بن اليمان ﵁ أن يكون النبي ﷺ صلّى في بيت المقدس وقال: لو صلّى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في المسجد الحرام. ومال إِلَى قوله طائفة من العُلَمَاء، منهم أبو بكر الخلال من أصحابنا، وخالفهم الأكثرون في ذلك. وفي الصحيحين (٤) عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه سلم- قال: "لا تشد الرحال إلا إِلَى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".

стр. 105

وفي رواية أخرجها الإمام أحمد (١): "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إِلَى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". وفي رواية (٢) له أيضاً -ولأبي يعلي الموصلي في مسنده (٣): "لا تشدوا رحال المطي إِلَى مسجد يذكر الله فيه إلا إِلَى ثلاثة مساجد ... " فذكره. وفي الصحيحين (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إِلَى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي". وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة والمعنى متقارب. ولكن في رواية خرجها الطبراني (٥) وغيره: ذكر مسجد الخيف بدل المسجد الأقصى، وليس ذلك بمحفوظ. وكان سفيان بن عيينة يروي حديث أبي هريرة بلفظ: "تشد الرحال إِلَى ثلاثة مساجد"، ثم يقول: "لا تشدوا إلا إِلَى ثلاثة مساجد سواء". كذا رواه الإمام أحمد (٦) عنه، وما قاله ابن عن أنس اللفظين بمعنى سواء، فليس كما قال. وخرج ابن ماجه (٧) والنسائي (٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "لما فرغ سليمان بن داود ﵉ من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاث: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأن لا يأتي

стр. 106

هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فَقَالَ النبي ﷺ : أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون أعطي الثالثة". وروى أبو ذر أن النبي ﷺ ذكر له الصلاة في بيت المقدس، فَقَالَ: "نعم المصلى، هو أرض المحشر والمنشر". خرجه الطبراني (١) والحاكم (٢)، وقال: صحيح الإسناد. وعن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: "قلت يا رسول الله: أفتنا في بيت المقدس. قال: أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه؛ فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره. قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إِلَيْهِ؟ قال: فتهدي له زيتًا يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه". خرجه الإمام أحمد (٣) وابن ماجه (٤). وخرّجه أبو داود (٥) ولم يذكر: "فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره". وإسناده قوي؛ لأنّ رواته ثقات. لكن قد قيل: إن إسناده منقطع، وفي متنه نكارة. وقد تأول الأوزاعي آخر الحديث. قال الوليد بن مسلم: ذكرت للأوزاعي هذا الحديث فَقَالَ: أوصى الله إِلَى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن مر بني إسرائيل أن يكثروا في مساجدهم النور. قال: فظنوا إِنَّمَا يراد به المصابيح فأكثروها، وإنَّما يراد به العمل الصالح. خرجه ابن أبي خيثمة، فحمل الأوزاعي تنويره بكثرة الصلاة فيه والذكر، ولكن لفظ الحديث يأبى ذلك لمن تأمله؛ فإن هذا لا يرسله إِلَيْهِ العاجز عن إتيانه.

стр. 107

والله أعلم. وروى الواقدي في كتاب "المغازي" حدثني إبراهيم بن يزيد هو الخوزي عن عطاء بن أبي رباح قال: "قالت ميمونة زوج النبي ﷺ : إني جعلت عَلَى نفسي إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس! فَقَالَ رسول الله ﷺ : لا تقدرين عَلَى ذلك، تحول بينك وبينه الروم. قالت: آتي بخفير يقبل بي ويدبر. قال: لا تقدرين عَلَى ذلك، ولكن ابعثي بزيت يستصبح لك به فيه فكأنك أتيتيه. فكانت ميمونة تبعث إِلَى بيت المقدس كل سنة بمال يشترى به زيت يستصبح به في بيت المقدس حتى ماتت، فأوصت بذلك". وهذا مرسل ضعيف. وروى هشام بن (عمار) (١) حدثنا أبو الخطاب الدمشقي حدثنا [رزيق] (٢) الألهاني عن أنس عن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل في بيته صلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الَّذِي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة". خرجه ابن ماجه (٣). وقال الحافظ [أبو] (٤) نصر بن ماكولا: هو حديث منكر، ورجاله مجهولون، وقد رُوي عن أنس نحوه، من طرق كلها لا تثبت، وفي بعضها "صلاته في مسجد الأقصى بألف صلاة".

стр. 108

وروى مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا، في حديث ذكره: "صلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة". وهو إسناد ضعيف جدًا. وروى سعيد بن سالم القداح عن سعيد بن بشير عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء [عن أبي الدرداء] (١) عن النبي ﷺ قال: "فضل الصلاة في المسجد الحرام عَلَى غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة". خرجه البزار في مسنده (٢). وقال: إسناده حسن، انتهى. القداح ضعفوه، وسعيد فيه لين. وروى ابن عدي (٣) من طريق أبي حية الكلبي (٤) -وفيه ضعف- عن عثمان ابن الأسود عن مجاهد عن جابر عن النبي ﷺ قال: "الصلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي ألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس خمسمائة صلاة". وخرج الإمام أحمد (٥) وأبو داود (٦) وهذا لفظه -وابن ماجه (٧) من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ قال: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إِلَى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، [أو] (٨) وجبت له الجنة". شك بعض رواته أيهما قال.

стр. 109

وروى عثمان بن عطاء عن أبي عمران عن ذي الأصابع قال: "قلنا يا رسول الله: إن بعدك ابتلينا بالبقاء، أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس، فلعله إن تعش لك ذرية يغدون إِلَى ذلك المسجد ويروحون". خرَّجه عبد الله بن الإمام أحمد في المسند (١). وأبو عمران هذا شامي، قال البخاري (٢) وأبو أحمد (٣): اسمه: سليم. وعثمان بن عطاء الخراساني فيه ضعف. وقد اختلف عليه في إسناده، فرواه عنه ضمرة بن ربيعة عن أبي عمران عن ذي الأصابع كما ذكرناه، وخالفه محمد بن شعيب بن شابور، فرواه عن عثمان ابن عطاء عن [زياد] (٤) بن أبي سودة أنَّه حدثه عن أبي عمران ... فذكره. وخرج الإمام أحمد (٥) من حديث جنادة بن أبي أمية حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ سمع النبي ﷺ يخطب وهو يذكر الدجال، فَقَالَ: يمكث في الأرض [أربعين] (٦) صباحًا، يبلغ فيها كل منهل، لا يقربن أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى، وذكر الحديث. وخرّجه أيضاً (٧) من حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنَّه ذكر الدجال فَقَالَ: إنه سوف يظهر عَلَى الأرض كلها إلا الحرم، وبيت المقدس [وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس] (٨) فتزلزلوا زلزالاً شديدًا، ثم يهلكه الله عز

стр. 110

وجل ... وذكر الحديث بطوله. وهذا آخر ما وجد بخط المصنف، عفا الله عنه وغفر له ورحمه ورضي عنه ونفع به، آمين. بأصله ما صورته: علقه لنفسه العبد الفقير إِلَى ربه اللطيف: علي بن محمد بن إبراهيم العفيف، الحنبلي الجعفري -عفا الله عنه وغفر لوالديه ولمشايخه إخوانه- بمنه وكرمه. وذلك في رابع عشرين صفر سنة ثمانمائة والحمد لله وحده، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وحسبنا الله ونعم الوكيل وكان الفراغ من رقم هذه الأحرف البالية، باليد الفانية في أواخر شهر جمادى الأول المنتظم في سلك سنة ثلاث وعشرين وألف من الهجرة المحمدية عَلَى صاحبها الصلاة والسلام.
следующие страницы →