← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حين أمر الله بمنافخ النار، فوضعت عَلَى النار" (١) الحديث. ورُوي أيضًا من حديث الحسن مرسلاً. وفي الإسنادين ضعف. ...

стр. 107

فصل وتسجر أيضاً يو القيامة قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٤]، وقرى "سعِّرت" وسعرت بالتشديد والتخفيف. قَالَ الزجاج: المعنى واحد، إلاَّ أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة. قَالَ قتادة: "وإذا الجحيم سعرت": أوقدت. وقال السدي: أحميت. وقال سعيد بن بشير عن قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. خرّجه ابن أبي حاتم. وهذا يقتضي، أنَّ تسعيرَ جهنَّم، حيثُ سعرتْ، فإنما تسعر بخطايا بني آدمَ التي تقتضي غضبَ اللَّه، فتزدادُ جهنَم حينئذٍ تلهبًا وتسعُّرًا. وهذا، كما أن بناءَ دورِ الجنةِ غرس أشجارِها، يحصلُ بأعمالِ بني آدمَ الصالحةِ من الذكر وغيرِهِ، وكذلك حُسنُ ما فيها من الأزواجِ وغيرهم، يتزايدُ بتحسينِ الأعمالِ الصالحةِ، وكذلك جهنَّم، تسعرُ وتزدادُ آلاتُ العذابِ فيها، بكثرةِ ذنوبِ بني آدم وخطاياهم وغضبِ الربِّ تعالى عليهم. نعوذُ باللَّه من غضبِ اللَّه، ومن النارِ، وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، بِمنِّهِ وكرمِهِ. وقد سبق في الباب الخامس، صفة تسعر النار يوم القيامة ومزيدها، بإيقاد البحر وإضافته إليها.

стр. 108

فصل وتسجر عَلَى أهلها بعد دخولهم إليها قَالَ الله : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ (١) زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٢)﴾ [الإسراء: ٩٧]. [قَالَ ابن عباس: كلما طفئت أوقدت. وقال ابن عباس: خبت: سكنت] (*). وقالَ ابنُ قتيبةَ: خبتِ النارُ، إذا سكنَ لهبُها، فاللهبُ يسكنُ والجمرُ يعملُ. وقال غير واحد من المفسرينَ: تأكلُهُم، فإذا صارُوا فحمًا، ولم تجدِ النارُ شيئًا تأكلُهُ، أعيد خلقُهم خلقًا جديدًا، فتعودُ لأكِلهِم. وقولهُ: ﴿زِدْنَاهُم سَعِيرًا﴾ أي: نارًا تتسعرُ وتتلهبُ. وقد رُويَ عن عمرِو بنِ عبسةَ أن في جهنَّمَ بئرًا يقال له: الفلقُ، منه تسعرُ جهنَّمُ إذا سعرتْ (٣). وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ الله تعالى. والمعنى أنَّه يكشفُ تلك البئرُ فتخرج منه نارٌ تلهب جهنَّم وتوقدُها. وقالَ اللَّه تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].

стр. 109

قال مجاهدٌ وعْيرُهُ: توهجُ. قرأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ليلةً في صلاتِهِ سورةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فلما بلغَ قولَهُ: ﴿فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. بكى، ولم يستطعْ أنْ يجيزهَا، ثم عاد فقرأ السورة حتى بلغ الآية، فلم يستطع أن يجاوزها مرتين أو ثلاثًا، ثم قرأ سورةً أخرى غيرَها. * * *

стр. 110

الباب الثاني عشر في ذكر تغيظها وزفيرها قَالَ الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٦ - ٨]. والشهيق: الصوت الَّذِي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. قَالَ الربيع بن أنس: الشهيق في الصدر. وقال مجاهد في قوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قَالَ: تغلي بهم كما تغلي القدورة. وقال ابن عباس: تتميز: تفرق، وعنه قَالَ: يكاد يفارق بعضها بعضًا وتتفطر. وعن الضحاك: تتميز: تتفطر. وقال ابن زيد: التميز: التفرق من شدة الغيظ عَلَى أهل معاصي الله ، غضبًا لله، وانتقامًا له. وخرج ابن أبي حاتم (١)، من حديث خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من تقول علي ما لم أقل، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا. قيل: يا رسول الله ﷺ وهل لها عينان؟ قَالَ: نعم، أو لم تسمع قول الله : ﴿ذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].

стр. 111

وروى أبو يحيى القتاتُ، عن مجاهد عن ابنِ عباسٍ قالَ: إن العبدَ ليجرُّ إلى النارِ، فتشهقُ إليه شهقةَ البغلةِ إلى الشعير، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا خافَ. خرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال كعب: ما خلقَ اللَّهُ من شيءٍ، إلا وهوَ يسمعُ زفيرَ جهنم غدوةً وعشيةً، إلا الثقلينِ، اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. خرَّجَه الجوزجانيّ. وفي كتابِ "الزهدِ" لهنادِ بنِ السريِّ (٢)، عن مغيثِ بنِ سمي، قالَ: إنَّ لجهنمَ كلَّ يومٍ زفرتين، يسمعُهما كلُّ شيءٍ إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. وعن الضحاك قالَ: إن لجهنَّمَ زفرة يومَ القيامة، لا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، إلا خرَّ ساجدًا يقولُ: رب نفسي نفسِي. وعن عبيدِ بنِ عميرٍ، قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، فلا يبقى ملكٌ، ولا نبيٌّ، إلا وقعَ لركبتيه، ترعدُ فرائصُهُ، يقولُ: ربِّ نفسي نفسي. وروى ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُه، عن الضحاكِ، قالَ: ينزلُ الملكُ الأعلَى في بهائه وملكِهِ، مجنبته اليسرى جهنمُ، فيسمعونَ شهيقها وزفيرهَا فيندُّون. وعن وهبِ بنِ مُنَبِّه، قالَ: إذا سيرتِ الجبالُ، فسمعتْ حسيسَ النارِ وتغيظَها وزفيرَها وشهيقَها، صرختِ الجبالُ كما تصرخُ النساءُ، ثم يرجعُ أوائلُها على أواخرِهَا، يدقُ بعضُها بعضًا. خرَّجهُ الإمامُ أحمد (٣). وفي تفسيرِ آدمَ بنِ أبي إياس عن محمدِ بنِ الفضلِ، عن عليِّ بنِ زيدِ بن جدعان، عن أبي الضُّحى، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، لا يبْقَى ملكٌ

стр. 112

مقرب، ولا نبيٌّ مرسلٌ، إلا جثا على ركبتيهِ حولَ جهنَّم، فتطيشُ عقولهُم، فيقولُ اللَّهُ : ماذا أجبتُمُ؟ قالُوا: لا علمَ لنا. ثم تُردُّ عليهم عقولُهم، فينطقونَ بحجتِهِم، وينطقونَ بعذرِهِم. محمدُ بنُ الفضلِ، هو ابنُ عطيةَ، متروكٌ. قال آدمُ بن أبي إياس: وحدثنا أبو صفوانَ، عن عاصم بنِ سليمانَ الكوزيِّ، عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ﴿إِذَا رَأَتْهم مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] من مسيرة مائة عامٍ، وذلكَ أنه إذا أُتيَ بجهنمَ، تقادُ بسبعينَ ألف زمام، يشدّد بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ، لو تركتْ لأتتْ على كُلِّ برٍ وفاجر ﴿سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] ثمَّ تَزفرُ زفرة، لا يبقى قطرةٌ من دمع إلا بدرت، ثم تزفرُ الثانيةُ، فَتقطع القلوبُ من أماكنها، تقطع اللهواتِ والحناجرَ، وهو قولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] وعاصم الكوزيُّ ضعيف جدًّا. وقال الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر: إن جهنم لتزفر زفرة، (تنشق) (*) منها قلوب الظلمة، ثم تزفر أخرى، فيطيرون من الأرض، حتى يقعوا عَلَى رءوسهم. خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد (١). ورَوى أسدُ بنُ موسى، عن إبراهيمَ بنِ محمد، عن صفوانَ بنِ سليم، عن عطاءِ بنِ يسارِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بن العاصِ، مثلَه. وخرجَ أبو نعيم (٢)، وغيره، من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، قالَ قالَ عمرُ ﵁ لكعبِ: خَوِّفْنَا، قالَ: والذي نفسِي بيده؛ إن النارَ لتقربُ يومَ القيامة، لها زفيرٌ وشهيقٌ، حتى إذا أدنيت وقربت، زفرت زفرةً، فما خلقَ اللَّهُ من نبي ولا شهيدٍ، إلا وجبَ لركبتيهِ ساقطًا، حتى يقولَ كل نبي، وكلُّ صدِّيق، وكلُّ

стр. 113

شهيدٍ: اللهمَّ لا أكلفُكَ اليومَ إلا نفسِي، ولو كانَ لكَ يا ابنَ الخطابِ عملُ سبعينَ نبيًّا لظننتَ أن لا تنجُو، قالَ عمرُ: واللَّه إن الأمرَ لشديد. ومن روايةِ شريح بنِ عبيدٍ قالَ: قالَ عمرُ لكعب: خَوِّفنا، قالَ: واللهِ لتزفرنَّ جهنمُ زفرةً، لا يبقَى ملك مقرَّب، ولا غيرُهُ، إلا خرَّ جاثيًا على ركبتيهِ، يقولُ: ربِّ نفسِي نفسِي، وحتى نبينا، وإبراهيمَ، وإسحاقَ - عليهمُ الصلاة والسلامُ، قال: فأبكَى (*) القوم حتى نشجوا. وفي رواية مطرفِ بن الشخيرِ، عن كعبٍ، قالَ: كنتُ عندَ عمرَ، فقالَ: يا كعبُ، خوِّفنا، فقلتُ يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ جهنمَ لتزفرُ يومَ القيامة زفرةً، ما يبقَى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا خرَ ساجِدًا على ركبتيهِ، حتى إنً إبراهيمَ خليله ﵇ ليخرُّ ساجِدًا، ويقولُ: نفسِي نفسِي، لا أسألكُ اليومَ إلا نفسِي، قالَ: فأطرقَ عمرُ مليًّا. قالَ: قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أولستُم تجدونَ هذا في كتابِ اللَّهِ ؟!. قالَ عمرُ: كيفَ؟. قلتُ: يقولُ اللَه في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] (١). وكانَ سعيدُ الجرميُّ، يقولُ في موعظتِهِ، إذا وصفَ الخائفين: كأنَ زفيرَ النارِ في آذانِهِم. وعن الحسنِ، أنه قالَ في وصفِهم: إذا مرُّوا بآية، من ذكرُ الجنة، بكوا شَوْقًا، وإذا مرُّوا بآيةٍ، من ذكر النارِ، ضجوا صُراخًا، كأنَّ زفيرَ جهنًّم عندَ أصولِ آذانِهِم. وروى ابنُ أبي الدنيا، وغيرُه عن أبي وائلٍ، قالَ: خرجْنا معَ ابنِ مسعودٍ،

стр. 114

ومعنا الربيعُ بنُ خُثَيم، فأتينَا على تنورٍ على شاطئ الفراتِ، فلمَّا رآهُ عبدُ اللَّهِ والنارُ تلتهبُ في جوفهِ قرأَ هذه الآيةَ ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٣] فصعقَ الربيعُ بنُ خثَيمٍ، فاحتملناه إلى أهلهِ، فرابطَهُ عبدُ اللَّهِ حتى صلَّى الناسُ الظهرَ، فلم يُفقْ، ثم رابطَهُ إلى العصرِ فلم يُفِقْ، ثم رابطَهُ إلى المغربِ فأفاقَ، فرجعَ عبدُ اللَّهِ إلى أهلهِ. ومن روايةِ مسمع بنِ عاصم قالَ: بتُّ أنا وعبدُ العزيزِ بن سليمانَ وكلابُ ابنُ جريٍّ وسلمانُ الأعرجُ على ساحلٍ من بعضِ السواحلِ، فبكَى كلاب حتى خشيتُ أن يموتَ، ثم بكى عبدُ العزيزِ لبكائِهِ، ثم بكَى سلمانُ لبكائهِمَا، وبكيت والله لبكائهم، لا أدري ما أبكاهم. فلما كانَ بعدُ، سألتُ عبدَ العزيزِ فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما الذي أبكاك ليلتئذٍ؟. قالَ: إنَي واللَّهِ نظرتُ إلى أمواج البحرِ، تموجُ وتجيلُ، فذكرتُ أطباقَ النيرانِ وزفراتِها، فذلكَ الذي أبكاني. ثم سألتُ كلابًا أيضًا نحوًا مما سألتُ عبدَ العزيز فواللَّهِ لكأنّما سمعَ قصتَهُ، فقال لي مثلَ ذلكَ. ثم سألتُ سلمانَ الأعرجَ نحوًا مما سألتُهما. فقالَ لي: ما كانَ في القومِ شرًّا منّي، ما كانَ بُكائي إلا لبكائِهم، رحمةً لهم مما كانُوا يصنعونَ بأنفسِهِم - رحمهُمُ اللَّهُ تعالى. * * *

стр. 115

الباب الثالث عشر في ذكر فى دخانها وشررها ولهبها قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤]. قالَ ابنُ عباسٍ: ظلٌّ من دخانٍ. وكذا قالَ مجاهدٌ، وعكرمةُ، وغيرُ واحدٍ. وعن مجاهدٍ، قالَ: ظل من دخانِ جهنمَ، وهو السَّمُومُ. وقالَ أبو مالكٌ اليحمومُ: ظلٌّ من دخانِ جهنمَ. قالَ الحسنُ وقتادةُ، في قولهِ: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾: لا باردُ المدخلِ، ولا كريمُ المنظرِ. والسَّمُومُ: هو الريحُ الحارةُ، قالَه قتادةُ وغيرُه. وهذه الآية، تضمنتْ ذكرَ ما يُتبردُ به في الدُّنيا، من الكربِ والحرِّ، وهو ثلاثة: الماءُ، والهواءُ، والظلُّ، فهواءُ جهنمَ: السمومُ، وهو الريحُ الحارَةُ الشديدةُ الحرِّ، وماؤُها: الحميمُ وهو الذي قدْ اشتدَّ حرُّهُ، وظلُّها: اليحمومُ، وهو قطعُ دخانِها، أجارَنا اللهُ من ذلك كلِّه بكرمِه. وقالَ تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]. قالَ مجاهد: هو دخانُ جهنمَ: اللهبُ الأخضرُ، والأسودُ، والأصفرُ، الذي يعلو النَّارُ، إذا أُوقِدتْ. قالَ السديُّ، في قولهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]. قال: زعمُوا أن شررَها ترمي به كأصولِ الشجرِ ثمَّ يرتفعُ فيمتدُّ. وقالَ القرظيُّ: على جهنمَ سور، فما خرج من وراءِ سورِها، يخرجُ منها في

стр. 116

عظم القصورِ، ولونِ القارِ. وقال الحسنُ والضحاكُ في قوله: "كالْقَصْرِ": هو كأصولِ الشجرِ العظامِ. وقالَ مجاهد: قطعُ الشجرِ والجبلِ. وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قالَ: شرر كالقصورِ والمدائنِ. ورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: "شَرَرٍ كالْقَصْرِ" يقولُ: كالقصرِ العظيم (١). وفي "صحيح البخاريّ" (٢) عن ابنِ عباس، قالَ: كنا نرفعُ من الخشبِ، بقصرِ ثلاثةَ أذرع، أو أقلَّ، نرفعُه للشتاءِ، نُسميه القصرَ. وقولُه: "كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ" قالَ ابنُ عباسٍ: حبالُ السفنِ، يُجمَعُ بعضُها إلى بعضٍ، تكونُ كأوساطِ الرجالِ (٣). وقالَ مجاهد: هي حبالُ الجسورِ. وقالتْ طائفة: هي الإبلُ، منهم الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، وقالوا: الصفرُ هي السودُ. ورُوي عن مجاهدٍ أيضًا. وقالَ عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: "جِمَالَتٌ صُفْرٌ" قال: يقولُ: قِطَعُ النحاسِ (٤). قال اللَّهُ : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]. قال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ يقولُ: لهبُ النَّارِ (٥)

стр. 117

﴿وَنُحَاسٌ﴾ يقول: دخانُ النَارِ (١). وكذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، وأبو صالح، وغيرُهما: إنَّ النحاسَ: دخانُ النَارِ. وقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباس ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ قالَ: دخانٌ. وقال أبو صالح: الشواظُ: اللهبُ الذي فوقَ النَّارِ ودونَ الدخانِ. قالَ منصور عن مجاهدٍ: الشواظُ: هو اللهب الأخضرُ المتقطعُ. وعنه قالَ: الشواظُ: قطعة من النَّارِ فيها خُضرة. قالَ الحسينُ بنُ منصورٍ: أخرج الفضيلُ بنُ عياضٍ رأسه من خوخةٍ، فقالَ منصورٌ عن مجاهدٍ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] ثمَّ أدخلَ رأسَه فانتحَب. ثم أخرجَ رأسَه، فقالَ: هو اللهبُ المتقطعُ. ولم يستطعْ أنْ يجيزَ الحديثَ. وخرَّجَ النسائيُّ (٢) والترمذيُّ (٣)، من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "لا يجتمعُ غبار في سبيلِ اللَّهِ ودخانُ جهنمَ، في جوفِ امرئ أبدًا". وخرج الإمام أحمد (٤)، من حديث أبي الدرداء، عن النبيّ ﷺ نحوه. ...

стр. 118

الباب الرابع عشر في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وجبابها وعيونها وأنهارها روى دراجٌ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ قالَ: "ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر، أربعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره". خرّجه الإمام أحمد (١)، والترمذي (٢)، ولفظه: "واد بين جبلين يهوي فيه الكافر، سبعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره". وذكر أنه لا يعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة، عن دراج. ولكن خرّجه ابن حبان (٣)، والحاكم (٤)، في صحيحيهما من حديث عمرو بن الحارث، عن دراج به. وخرج ابن جرير الطبري (٥)، بإسناد فيه نظر، عن عثمان، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الويل جبل في النار".

стр. 119

وخرج البزار (١)، بإسناد مجهول، عن سعد بن أبي وقاص، قَالَ: سمعت النبيّ ﷺ "، يقول: "إن في النار حجرًا، يقاله له: ويل، يصعد عليه العرفاء، وينزلون منه". ورواه ابن أبي حاتم، في طريق الحماني، حدثنا خلف بن خليفة، عن العلاء ابن المسيب، عن أبيه عن أبى عبيدة، عن عبد الله، قَالَ: ويل واد في جهنم من قيح (٢). ومن طريق المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه وعاصم بن أبي النجود، قالا: واد في جهنم يقال له: ويل، ينصب فيه صديد أهل النار. ومن طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قَالَ: الويل واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره (٣). وعن مالك بن دينار، قَالَ: الويل: واد في جهنم، فيه ألوان العذاب. وعن أبي عياض، قَالَ: ويل: واد يسيل من صديد في أصل جهنم (٤). وخرج ابن جرير بإسناده، عن أبي عياض، قَالَ: ويل: صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار. وعن سفيان نحوه. وروى الأعمش، عن زر، عن وائل بن مهانة، قَالَ: الويل واد في جهنم من قيح.

стр. 120

فصل [في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾] وروى دراجٌ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] قال: "جبلٌ من نارٍ، يكلفُ أن يصعدَهُ، فإذا وضَعَ يدَهُ عليه ذابتْ، وإذا رفَعَها عادتْ، وإذا وَضعَ رِجلَه عليه ذابتْ، وإذا رَفَعها عادتْ، يصعدُ سبعينَ خرِيفًا، ثم هَوى مثلَها كذلك". وهذا الحديثُ خرَّجه الإمامُ (١) أحمدُ وغيرُه (٢) بمعناه. وخرّجه الترمذي (٣) مختصرًا، ولفظه: "الصعود: جبل من نار، يصعد فيه الكافر سبعين خريفًا ويهوي فيه كذلك أبدًا". وقال: حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا، إلاَّ من حديث ابن لهيعة عن دراج. ولكن رواه أيضًا، عمرو بن الحارث، عن دراج، به خرّجه من طريقه الحاكم (٤)، وقال: صحيح الإسناد.

стр. 121

ورَوى هذا الحديثَ أيضًا، شريكٌ عن عمارٍ الدهني، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيّ ﷺ . خرَّجه من طريقِهِ البزارُ (١)، وقال: تفردَ شريكٌ برفعه. ووقفه سفيانُ على عمار - أي أنه وقفَهُ على أبي سعيد - ولم يرفعْهُ. ورواه أيضًا عمرُو بنُ قيسٍ الملائي، عن عطيةَ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ . ورَوى سماك، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ قالَ: جبل في النارِ. [ورويناه من طريق فيه ضعف، عن الضحاك، عن ابن عباس، قَالَ: هو جبل من النار] (*) زلق، كما صعد الفاجر زلق، يهوي في النار. وعن ابن السائبِ قال: هو جبل من صخرةٍ ملساءَ في النارِ، يكلفُ أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها أخضر إلى أسفلِها، ثم يكلفُ أيضًا أن يصعدَها، فذلك دأبُهُ أبدًا، يجذبُ من أمامِهِ بسلاسلِ الحديدِ، ويضربُ من خلفِه بمقامع الحديدِ، فيصعدُهَا في أربعين سنةٍ. وقال أيوبُ بنُ بشير، عن شفي بن ماتع، قال: في جهنَّم جبل يُدْعَى صعودًا، يطلعُ فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يرقاهُ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا (٢).

стр. 122

فصل [في أودية جهنم] وروى عطية عن ابن عمر، في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] قَالَ: جبل زلزال في جهنم. وقد سبق ذكره في الباب السادس، وذكرنا فيه عن أبي رجاء، قَالَ: بلغني أن مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة. وروى لقمان بن عامر، عن أبي أمامة، مرفوعًا: "غي وآثام: نهران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار" (١). وقد سبق ذكره، مرفوعًا وموقوفًا (٢)، بلفظ آخر، وهو "بئران". ورُوي أيضاً، عن ابن عباس، مرفوعًا: "الغي واد في جهنم". ولا يصح رفعه. وعن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ: واد في جهنم، خبيث الطعم، بعيد القعر. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٣) وغيره (٤).

стр. 123

وخرّجه البيهقي (١) ولفظه: "الغي: نهر حميم في النار، يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات". وخرّجه أيضاً (٢) من وجه آخر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب بنحوه. ورواه عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي عبيدة، قَالَ: هو نهر في جهنم. وقال همام، عن قتادة، قَالَ: "أثام: واد في جهنم". [وكذا قَالَ ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقال شفي بن ماتع: إن في جهنم] (*) قصرًا يقال له: هوى، يرمى الكافر من أعلاه أربعين خريفًا قبل أن يبلغ أصله، قَالَ الله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]. وإن في جهنم واديًا، يدعى أثامًا، فيه حيات وعقارب، فقار إحداهن، مقدار سبعين قلة سم، والعقرب منهن، مثل البغلة الموكفة، يلدغ الرجل، ولا يلهيه ما يجد من حر جهنم حموة لدغتها، فهو لمن خلق له، وإن في جهنم واديًا، يدعى غيًّا، يسيل قيحًا ودمًا، وإن في جهنم سبعين داء، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٣). وورى يزيد بن درهم، عن أنس، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] قَالَ: هو واد من قيح في جهنم. وفي رواية: نهر في جهنم من قيح ودم. خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد (٤). وعن عبد الله بن عمرو، قَالَ: هو واد في النار عميق. وروى النعمان بن عبد السلام، أنبأنا أبو مغلس بن علي، عن أيوب بن يزيد،

стр. 124

عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن عَبَسَة، قَالَ: الفلق بئر في جهنم، فإذا سعرت جهنم فيه تسعر، وإن جهنم لتتأذى منه، كما يتأذى بنو آدم من جهنم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (١). وخرّجه ابن أبي حاتم، وغيره عن أيوب بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل عن عمرو بن عبسة. وخرج ابن أبي حاتم (٢)، من طريق السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه قالوا: الفلق جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فَإِذَا كشف عنه، خرجت منه نار، تضج منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه. ومن طريق ابن لهيعة، عن ابن عجلان، عن أبى عبيد، أن كعب الأحبار، دخل كنيسة، فأعجبه حسنها، فَقَالَ: أحسن عملا، وأضل قومًا، رضيت لهم بالفلق. قالوا: وما الفلق؟ قَالَ: بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره (٣). وفي تفسير ابن جرير (٤)، من طريق عبد الجبار الخولاني، قَالَ: قدم رجل من أصحاب رسول الله ﷺ الشام، فنظر إِلَى دور أهل الذمة، وما هم فيه من العيش والنضارة، وما وسع عليهم في دنياهم، فَقَالَ: لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟! قيل: وما الفلق؟ قَالَ: بيت في جهنم، إذا فتح هرَّ أهل النار. وفيه أيضاً (٥)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الفلق جب في جهنم مغطى".

стр. 125

ورُوي عن ابن عباس، أن الفلق سجن في جهم (١). وروى يحيى بن يمان، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، قَالَ: السعير واد من قيح في جهنم. خرّجه ابن أبي حاتم. وقال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: إن في جهنم لآبارًا، من ألقي فيها، تردى سبعين عامًا، ثم ينزع بهذه الآية: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٢). ...

стр. 126

فصل في جهنم واد هو: جب الحزن روى عمار بن سيف، عن أبي معان (*)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "تعوذوا بالله من جب الحزن". قالوا: وما جب الحزن؟ قَالَ: "واد في جهنم، تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة! ". قيل: يا رسول الله ﷺ من يدخله؟. قَالَ: "القراء المراؤون بأعمالهم". خرجه الترمذي (١) وقال: غريب. وخرّجه ابن ماجه (٢) بمعناه. وفي روايته: "أربعمائة مرة"، وزاد في آخره "وإن من أبغض القراء إِلَى الله، الذين يزورون الأمراء الجورة". وفي هذا الإسناد ضعف. وخرج الطبراني (٣) نحوه، من حديث الحسن، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ

стр. 127

وخرج العقيلي (١) نحوه، من حديث علي، عن النبيّ ﷺ ، من طريق أبي بكر الداهري، وهو ضعيف جدًّا. وروى الإمام أحمد في الزهد بإسناده، عن عمران القصير، قَالَ: بلغني أن في جهنم واديًا، تستعيذ منه جهنم [كل يوم] (*) أربعمائة مرة، مخافة أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي للمرائين من القراء. وقال بكر بن محمد العابد، عن سفيان الثوري: إن في جهنم لواديًا، تتعوذ منه جهنم في كل يوم سبعين مرة، يسكنه القراء الزائرون للملوك. وروينا من حديث معروف الكرخي، رحمه الله تعالى، قَالَ بكر بن خنيس: إن في جهنم لواديًا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجبًّا، يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحية، يتعوذ الوادي والجب وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات، يبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان؟! قِيلَ لَهُم: ليس من يعلم كمن لا يعلم.

стр. 128

وروى هناد بن السري (١)، بإسناده عن حميد بن هلال، قَالَ: نبئت أن كعبًا قَالَ: إن في أسفل درك جهنم تنانير ضيقها كضيق زج (٢) أحدكم من الأرض، يقال له: جب الحزن، يدخلها قوم بأعمالهم، فيطبق (*) عليهم. وخرّجه ابن أبي حاتم، إلاَّ أن عنده، عن حميد بن هلال، قَالَ: لا أعلمه إلاَّ عن بشير بن كعب، قَالَ: إن في النار لجبًّا يقال له: جب الحزن، لهو أضيق عَلَى من دخل فيه من زج أحدكم عَلَى رمحه، يطبقها الله، أو قَالَ: يضيقها الله عَلَى عباد من عباده، سخطًا عليهم، ثم لا يخرجهم منها آخر الأبد. وروى ابن المبارك (٣)، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "إن في جهنم لواديًا يقال له: لملم، إن أودية جهنم تستعيذ بالله من حره". خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٤) وغيره (٥)، ويحيى ضعفوه. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (٦) وغيره (٧)، من رواية أزهر بن سنان القرشي، عن محمد بن واسع، عن أبي بردة عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن في جهنم لواديًا، ولذلك الوادي بئر، يقال له: هبهب، حق عَلَى الله أن يسكنه كل جبار". أزهر بن سنان ضعفوه. والصحيح ما خرّجه الإمام أحمد وغيره، من طريق هشام بن حسان، عن

стр. 129

محمد بن واسع، قَالَ: قلت لبلال بن أبي بردة، وأرسل إلي: إنه بلغني أن في النار بئرًا يقال له: جب الحزن، يؤخذ المتكبرون فيجعلون في توابيت من نار، ثم يجعلون في تلك البئر، ثم تنطبق عليهم جهنم من فوقهم، فبكى بلال. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ : "يحشر المتكبرون يوم القيامة، أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم. يقال له: بولس، فيعلوهم نار الأنيار، يسقون من طين الخبال، عصارة أهل النار". خرّجه الإمام أحمد (١) والنسائي والترمذي (٢)، وقال: حسن. ورُوي موقوفًا عَلَى عبد الله بن عمرو. ورُوي من وجه آخر موقوفًا عَلَى عبد الله بن عمرو، قَالَ: "في النار قصر يقال له: بولس، يدخله الجبارون والمتكبرون، فيه نار الأنيار وأشر الأشرار، وحزن الأحزان، وموت الأموات، والشر، وأبيار الشر" (٣). وقال ابن لهيعة: أنبأنا أبو قبيل، قَالَ: سمعت رجلاً يقول: سمعت عبد الله ابن عمرو يقول: إن في النار لجبًّا، لا يدخله إلاَّ من كان شر الأشرار، قراره نار وسقفه نار، وجدرانه نار، وتلفح منه نار. خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد،

стр. 130

وخرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (١) وعنده: فإذا دخلوا قيل بالنار عَلَى أفواههم. وروى إبراهيم بن الفضيل المديني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، أن بشر بن عاصم الجشمي، حدثه عمر، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يلي أحد من أمر الناس شيئًا إلاَّ وقفه الله عَلَى جسر جهنم، فزلزل به الجسر زلزلة، فناج أو غير ناج لا يبقي منه عظمًا إلاَّ فارق صاحبه، فإن هو لم ينج ذهب به في جب مظلم كالقبر في جهنم، لا يبلغ قعره سبعين خريفًا". وإن عمر سأل سلمان وأبا ذر: هل سمعتما ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قالا: نعم. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٢)، وإبراهيم بن الفضيل ضعيف. وروى إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن الحجاج بن عبد الله الثمالي -وكان قد رأى النبيّ ﷺ ، وحج معه حجة الوداع- قَالَ: إن سفيان بن مجيب حدثه -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وقدمائهم- قَالَ: إن في جهنم ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب في كل شعب سبعون ألف ثعبان وسبعون ألف عقرب، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله. قَالَ أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث منكر لا يصح. وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (٣)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن عطاء بن يسار، قَالَ: إن في النار سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب ألف جحر، في كل جحر حية تأكل وجوه أهل النار. وقال ابن المبارك أنبأنا عوف، عن أبي المنهال الرياحي، أنه بلغه أن في النار أودية في ضحضاح من النار، في تلك الأودية حيات أمثال أجواز الإبل، وعقارب

стр. 131

كالبغال الحبش، فَإِذَا سقط [إليهن] (*) شيء من أهل النار، أنشأن به لسعًا ونشطًا، حتى يستغيثوا بالنار، فرارًا منهن، وهربًا منهن. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا. وخرج الجوزجاني، من رواية الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قَالَ: إن لجهنم جبابًا، فيه هوام، فيه حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم، [يستغيث أهل النار إِلَى تلك الحيات أو الساحل، فتثب إليهم] (**) فتأخذهم بأشعارهم وشفاههم، فتكشطهم حتى تبلغ أقدامهم، فيستغيثون بالرجوع إِلَى النار، فيَقُولُونَ النار النار، وتتبعهم حتى تجد حرها، فترجع وهي في أسراب. وقال مطهر بن الهيثم بن الحجاج، عن أبيه: إن طاوسًا قَالَ لسليمان بن عبد الملك يا أمير المؤمنين، إن صخرة كانت عَلَى شفير جب في جهنم، هوت فيها سبعين خريفًا حتى استقرت قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قَالَ: [لا ثم] ( ... ) قَالَ: ويلك! لمن أعدها الله؟ قَالَ: لمن أشركه الله في حكمه فجار. قَالَ: فبكى لها. خرّجه أبو نعيم. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو الطيب أبو الحسن علي، (عن الحسن ابن يحيى، في "الحلية") (١) عن الحسن بن يحيى الخشني، قَالَ: ما في جهنم دار، ولا مغار، ولا غل، ولا قيد، ولا سلسلة، إلاَّ اسم صاحبها عليها مكتوب، قَالَ أحمد: فحدثت به أبا سليمان، فبكى ثم قَالَ: ويحك! فكيف به أن لو جمع هذا كله عليه، فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجله، والسلسة في عنقه، ثم أدخل النار، وأدخل المغار؟ نعوذ بالله من ذلك. ...

стр. 132

الباب الخامس عشر - في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]. وقال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا (١) وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ (٢)﴾ [المزمل: ١٢، ١٣]. وقرأ ابنُ عباسٍ: ﴿وَالسلاسِلَ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] بنصب السلاسل وفتح الياءِ من يسحبونَ، قال: هو أشدُّ عليهم هم يسحبون السلاسلَ. خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ. فهذه ثلاثةُ أنواع: أحدها: الأغلالُ: وهي في الأعناقِ. كما ذكر سبحانه. قال الحسنُ بنُ صالح: الغلُّ: تغلُّ اليدُ الواحدةُ إلى العنق، والصفدُ: اليدانِ جميعًا إلى العنقِ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. وقال أسباط عن السُّديِّ: الأصفادُ تجمعُ اليدينِ (*) إِلَى عنقه.

стр. 133

وقال معمر عن قتادةَ في قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]. قَالَ: مقرنين في القيود والأغلال. قالَ: مقرنين في القيودِ والأغلالِ. قالَ عيينةُ بنُ الغصنِ، عن الحسنِ: إنَّ الأغلالِ لم تُجعلْ في أعناقِ أهلِ النارِ لأنَّهم أعجزُوا الربَّ ، ولكنها إذا طُفِئَ بهم اللهبُ أرستْهُم. قالَ: ثم خرَّ الحسنُ مغشيًّا عليه!!. وقال سيَّارُ بنُ حاتم: حدثنا مسكينُ عن حوشب، عن الحسنِ، أنه ذكرَ النارَ فقالَ: لو أنَّ غلاً منها، وُضِعَ على الجبالِ لقصمَهَا إلى الماءِ الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلة، وُضِعَ على جبلٍ لرضَّه. ورَوى ابنُ أبي حاتم: بإسناد عن موسى بنِ أبي عائشةَ، أنَّه قرأ قولَهُ تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] قال: تشدُّ أيديهم بالأغلال في النارِ، فيستقبلونَ العذابَ بوجوهِهِم قد شدتْ أيدِيهم، فلا يقدرون على أن يتَّقوا بها، كلما جاء نوع من العذابِ يستقبلونَ بوجوهِهِم. وبإسنادِهِ عن فيضِ بنِ إسحاقَ عن فضيلِ بنِ عياضِ: إذا قالَ الربُّ ﵎: ﴿خُذوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠]. يتبدره سبعونَ ألفَ ملك، كلُّهم يتبدرُ أيهم يجعلُ الغلَّ في عنقِهِ. النوع الثاني: الأنكالُ: وهي القيودُ. قال مجاهدٌ والحسنُ وعكرمةُ وغيرُهم. قال: الحسنُ: قيودٌ من نارٍ. قال أبو عمرانَ الجونيُّ: قيودٌ لا تحلُّ واللَّهِ أبدًا. وواحدُ الأنكالِ: نكلٌ، وسميت القيودُ أنكالاً لأنه ينكلُ بها، أي يمنعُ. وروى أبو سنانَ، عن الحسنِ: قال: أما وعزَّتِهِ، ما قيدَهُم مخافةَ أن يعجزُوه، ولكن قيدَهُم لترسَى بهم القيود في النارِ. وقال الأعمشُ: الصفدُ: القيودُ. وقولُهُ تعالى: ﴿مّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ القيودُ.

стр. 134

وقد سبقَ عن أبي صالح قولُهُ: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]. قال: القيودُ الطوالُ. النوع الثالثُ: السلاسلُ. خرجَ الإمامُ أحمدُ (١) وغيرُه (٢)، من طريقِ أبي السمح، عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ، عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لو أنَّ رضاضةً (٣) مثلَ هذه - وأشار إلى مثل الجمجمةِ - أُرْسِلت من السماءِ إلى الأرضِ، وهي مسيرةُ خمسمائة عامٍ لبلغتِ الأرض قبل الليلِ، ولو أنَّها أُرْسلتْ من رأسِ السلسلةِ، لسارتْ أربعينَ خرِيفًا، الليلَ والنهارَ، قبل أن تبلغَ أصلَها". غريبٌ، وفي رفعِهِ نظر، واللَّه أعلم. وفي حديثِ عدي الكندي، عن عمرَ، أن جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ : "لو أن حلقةً من سلسلة أهلِ النارِ، التي نعتَ اللَّهُ في كتابِهِ، وُضِعَتْ على جبالِ الدنيا، لانقضتْ ولم ينهضها شيء، حتى تنتهي إلى الأرضِ السابعةِ السفلى" خرَّجه الطبرانيُّ (٤) وسبق الكلامُ على إسنادِهِ.

стр. 135

وروى سفيانُ، عن [بسير] (١) عن نوف (*) الشامي، في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] قال: إن الذراعَ سبعونَ باعًا، والباعُ من هاهنا إِلَى مكة - وهو يومئذ بالكوفة. وقال ابنُ المباركِ (٢): أنبأنا بكَارُ عن عبدِ اللَّه، سمعَ ابنَ أبي مليكةَ يحدِّثُ، أنَّ كعبًا قال: إنَّ حلقة من السلسلة التي قال اللَّهُ: ﴿ذَرْغهَا سَبْعونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] إن حلقةً منها أكثرُ من حديدِ الدُّنيا. وقال ابنُ جريج في قولِهِ تعالى: ﴿ذَرْعُهَا سبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] قال: بذراع الملكِ. وقال ابنُ المنكدرِ: لو جُمعَ حديدُ الدنيا كلُّه، ما خلا منها وما بقي، ما عدلَ حلقةً من الحلقِ التي ذكرَ اللَّهُ في كتابِهِ تعالى فقال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]. أخرَجَه أبو نُعيمٍ. قال ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: بلَغنا أنها تدخلُ في دبره حتى تخرج منه. وقال ابنُ جريج: قال ابنُ عباس: السلسلةُ تدخلُ في استِهِ، ثمَ تخرجُ من فِيه، ثم يُنظمونَ فيها، كما ينظمُ الجرَّاَدُ في العودِ حتَّى يُشْوَى. خرَّجه ابنُ أبي حاتم. وخرَّجَه أيضًا من روايةِ العوفيِّ عن ابن عباسٍ، قال: تسلكُ في دُبُر حتَى

стр. 136

تخرج من منخريهِ، حتى لا يقوم على رجليه (١). وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ خلفِ بنِ خليفةَ، عن أبي هاشم قال: يجعلُ لهم أوتادٌ في جهنَّم، فيها سلاسل، فتلقَى في أعناقِهِم، فتزفرُ جهنَّمُ زفرةً، فتذهبُ بهم مسيرة خَمسمائة سنة، ثم تجيءُ بهم في يوم، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. ومن طريق أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قَالَ: لو انفلت رجل من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال (٢). وقال جويبرٌ عن الضحاكِ، في قوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] قال: يجمعُ بين ناصيتِهِ وقدميهِ، في سلسلةٍ من وراء ظهرهِ. وقال السديُّ في هذه الآيةِ: يجمعُ بين ناصيةِ الكافرِ وقدميهِ، فتربطُ ناصيتُهُ بقدمِهِ، ويفتلُ ظهره. وذكر الأعمشُ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: يؤخذَ بناصيتِه وقدميه، ويكسر كما يكسرُ الحطبُ في التنورِ. وقال سيارُ بنُ حاتمٍ: أنبأنا مسكينُ، عن حوشبٍ، عن الحسن، قال: إنَّ جهنمَ ليَغلي عليها من الدهرِ إلى يومِ القيامةِ، يُحمى طعامُها وشرابُها وأغلالُها، ولو أن غلاًّ منها وُضِعَ على الجبالِ لقصَمَهَا إلى الماء الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلةِ وضعَ على جبل لرضَّه، ولو أنَّ جبلاً كان بينه وبين عذابِ اللَّه مسيرةَ خمسمائة عامٍ لذابَ ذلك الجبلُ، وإنَّهم ليُجمعونَ في السلسلةِ من آخرِهِم فتأكلُهُم النارُ وتبقى الأرواحُ. ورواه ابن أبي الدُّنْيَا (٣)، عن عبدِ اللَّه بن عمرَ الجشميّ، عن المنهال ابن عيسى العبديِّ، عن حوشبٍ، عن الحسنِ عن النبيّ ﷺ فذكرَهُ بمعناه.

стр. 137

وزادَ في آخره: تبقى الأرواحُ في الحناجِرِ تصرخُ والموقوفُ أشبهُ. وقال عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ: أخبرت عن سيَّارِ، عن (ابنِ العربي) (*) -وكان من خيارِ الناسِ- قال: بلغني أنَّ الأبدانَ تذهبُ وتبقى الأرواحُ في السلاسلِ. وخرَّج الطبرانيُّ (١) وابنُ أبي حاتم، من طريقِ منصورِ بنِ عمار، حدثنا بشيرُ ابنُ طلحةَ، عن خالدِ بن الدريكِ، عن يعْلَى بنِ أميةَ، رفعَ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ ، قال: "ينشئُ اللَّهُ سبحانه لأهلِ النارِ سحابةً سوداءَ مظلمة، فيقالُ: يا أهلَ النارِ، أيَّ شيءٍ تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربَّنا الشرابُ، فتمطرُهم أغلالاً تزيدُ في أغلالهم، وسلاسلَ تزيدُ في سلاسلهم، وجمرًا يلتهبُ عليهم". وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا (٢) موقوفًا لم يرفعْهُ. وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره، عن أبي هريرة، فذكر قصة الإسراء بطولها، وفيها قَالَ: ثم أتى عَلَى واد -يعني النبيّ ﷺ فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة. فقال: ما هذا يا جبريلُ؟ " قال: "هذا صوتُ جهنَّم تقولُ: ربِّ، آتني ما وعدتني، فقدْ كثُرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد برد قعري، واشتدَّ حرِّي، فآتني ما وعدتني. قال: لكِ كلُّ مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحسابِ" (٣).

стр. 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 139

فصل في تفسير قوله تعالى: ولهم مقامع من حديد قَالَ الله تعالى: ﴿(وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢]. قال جويبر عن الضحاك: ﴿مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: أي: مطارقُ. وروى ابنُ لهيعةَ، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لو أنَّ مقمعًا من حديدٍ وُضِعَ في الأرضِ، فاجتمعَ له الثقلانِ لما أقلوه (١) من الأرضِ". خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢). وخرَّج أيضًا بهذا الإسنادِ (٣) عن النبيِّ ﷺ : "لو ضُرب بمقمع من حديدٍ لتفتت ثمَّ عاد". قال الإمامُ أحمدُ في كتابِ الزهدِ: حدثنا سيارٌ، حدثنا جعفر، سمعت مالكَ بنَ دينار، قال: إذا أحسَّ أهلُ النارِ في النارِ بضربِ المقامع، انغمسُوا في حياضِ الحمَّيَم، فيذهبونَ سفالاً سفالاً، كما يغرقُ الرجلُ في الماءِ في الدنيا، ويذهبُ سفالاً سفالاً. قال سعيدٌ، عن قتادةَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: اذكرو لهم النارَ لعلَّهم يفرقُونَ فإن حرَّها شديدٌ، وقعرُها بعيدٌ، وشرابُها الصديدُ، ومقامعُها الحديدُ (٤).

стр. 140

وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن صالح المريِّ، أنه قرأ على بعضِ العبادِ: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢] قالَ: فشهقَ الرجلُ شهقةً، فإذا هو قدْ يبسَ مغشيًا عليهِ، قالَ: فخرجْنَا من عندِهِ وتركْنَاهُ. وقرأ رجلٌ، على يزيدَ الضبيِّ: ﴿وَترَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩] فجعلَ يزيدُ يبكي حتى غشيَ عليه. خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ. وقد سبقَ عن مالكِ بنِ دينارٍ، أنه قامَ ليلةً في وسطِ الدارِ إلى الصباح، فقالَ: ما زالَ أهلُ النارِ يعرضُونَ عليَّ بسلاسلهم وأغلالِهِم. ***

стр. 141

الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها قَالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] واختلف المفسرون من السَّلف في هذه الحجارة: فقالتْ طائفةٌ، منهم الربيع بنُ أنسٍ: الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ تعالى: ﴿(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]. قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في قولِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ: "كورتْ في جهنمَ". ﴿وإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] قال: "انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ ما عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في جهنمَ إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاَهَا". غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ. وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ. ورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ، عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ: سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ، يحدثُ عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إن الشمسُ والقمرُ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ". خرَّجه البزار (١) وغيرهُ (٢).

стр. 142

وخرَّجهُ البخاريُّ (١) مختصرًا، ولفظُه: "الشمسُ والقمرُ مكورانِ يومَ القيامةِ". وخرَّج أبو يَعْلَى، منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ، عن يزيدَ الرقاشيَ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: "الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ". وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا (٢). وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ، لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ، واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه، عوقِبُوا بأن جعلت معهم في النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم، وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ. ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم. قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩]. قالَ مَعْمرٌ: عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ القيامةِ منْ قبره، شُفِعَ بيده شيطانِ، فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ حينَ يقولُ: ﴿يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ، عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا خرجَ من قبرِهِ، وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده، فتقولُ:

стр. 143

أنا قرينتُكَ، حتى أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ. والسرحةُ: شجرةٌ كبيرةٌ. وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]. فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ، كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ، يضيقُ على المتباغِضينِ، باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ. وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ، ومن عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ الآيات كلها [الشعراء: ٩١ - ٩٨]. ومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ بمضاعفةِ العذابِ. كما قَالَ اللَّه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ الآيات [الأعراف: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: ٤٧] وقال اللَّهُ تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ الآيات [ص: ٥٩ - ٦٤].

стр. 144

وحينئذ فلا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ الذي أضَلَّهُ، وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ. وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ، عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقرأها النبيُّ ﷺ ، فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأسَهُ في حجره رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي، مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؟ قالَ: "أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانًا" (١). وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ نارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ، ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. وأكثرُ المفسرينَ، على أن المرادَ بالحجارةِ في الآيتين حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ، ويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ، ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ الإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ. قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ، عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عنْ عمرِو بنِ ميمونَ، عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قالَ: هي حجارةٌ من الكبريتِ، خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا، يُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في المستدركِ (٢)، وقال:

стр. 145

صحيح عَلَى شرط الشيخين. وقالَ السُّديُّ في تفسيره عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ وعن مرة، عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ، يعذبونَ به مع النارِ. وقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ. وهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم. وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ، عنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلال الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ ﷺ : "إن الأرضينَ بينَ كل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية مسجن الريح، فلما أرادَ اللَهُ يهلك عادًا أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ. قالَ له الجبارُ ﵎: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ" فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]. والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ فيها كبريتُ جهنمَ. قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟! قالَ: نعم. والذي نفسي بيدِهِ، إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ، وأفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ (١)، والسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، إنَّ أدنى عقربة منها
следующие страницы →