الباب السابع في ذكر قعرها وعمقها
عن خالد بن عمير قَالَ: خطب عتبة بن غزوان فَقَالَ: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عامًا، ما يدرك قعرها، والله لتملأن، أفعجبتم؟ خرّجه هكذا مسلم موقوفًا (١)، وخرّجه الإمام أحمد موقوفًا ومرفوعًا (٢)، والموقوف أصح.
وخرج الترمذي (٣) من حديث الحسن، قَالَ: فإن عتبة بن غزوان خطبنا عَلَى منبرنا هذا -يعني منبر البصرة- عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الصخرة العظيمة لتلقي من شفير جهنم، فتهوي فيها سبعن عامًا، ما تفضي إِلَى قعرها"، قَالَ: وكان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد، ثم قَالَ: لا يعرف للحسن سماع من عتبة بن غزوان.
وخرج مسلم أيضاً (٤)، من حديث أبي هريرة، قَالَ: كنا عند النبيّ ﷺ يومًا،
فسمعنا وجبة (٥) فَقَالَ النبيّ ﷺ : "أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا، فالآن انتهى إِلَى قعرها".
وخرج أيضاً (٦) من وجه آخر عن أبي هريرة قَالَ: والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون (*) خريفًا".
стр. 72
وخرج الحاكم (١)، من حديث أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لو أخذ سبع خلفات (٢) بشحومهن، فألقين من شفير جهنم، ما انتهين إِلَى آخرها سبعين عامًا".
وخرج البراز (٣) والطبراني (٤)، من حديث بريدة عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الحجر ليزن سبع خلفات، يرمى به في جهنم، فيهوي سبعين خريفًا ما يبلغ قعرها".
وأخرج ابن حبان في "صحيحه" (٥) من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لو أن حجرًا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعرها".
وقد سبق من حديث أنس وأبي سعيد، معنى حديث أبي هريرة، في سماع الهدة.
وقال ابن المبارك: أنبأنا يونس عن الزهري، قَالَ: بلغنا أن معاذ بن جبل، كان يحدث عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "والذي نفسي بيده إن ما بين شفة النار وقعرها، كصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن، تهوي من شفة النار، قبل أن تبلغ قعرها، سبعبن خريفًا" (٦).
стр. 73
قَالَ ابن المبارك، أنبأنا هشيم أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي، قَالَ: سمعت أبا أمامة يقول: إن ما بين شفير جهنم، مسيرة سبعين خريفًا، من حجر يهوي، أو صخرة تهوي، عظمها كعشر عشروات عظام سمان فَقَالَ له رجل: هل تحت ذلك من شيء يا أبا أمامة؟ قَالَ: نعم، غي وآثام (١).
وقد رُوي هذا مرفوعًا بإسناد فيه ضعف، من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ ، وزاد فيه: قلت: وما غي وآثام؟ قَالَ: "بئران يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللذان ذكرهما الله تعالى في كتابه" ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] وفي الفرقان ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] والموقوف أصح (٢).
وقد رُوي من وجه آخر: قَالَ حريز بن عثمان: حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، عن أبي أمامة، أنّه كان يقول: إن جهنم ما بين شفتيها إِلَى قعرها خمسون خريفًا للحجر المتردي، والحجر مثل سبع خلفات مملوآت شحمًا ولحمًا. خرّجه الجوزجاني.
стр. 74
وروى مجالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما من حاكم يحكم بين الناس (*)، إلاَّ يحبس يوم القيامة، وملك آخذ بقفاه، حتى يقفه عَلَى جهنم، ثم يرفع رأسه إِلَى الله ، فإن قَالَ له: ألقه، ألقاه في مهوى أربعين خريفًا" خرّجه الإمام أحمد (١).
وروى عبيد الله بن الوليد الوصافي، حدثنا عبد الله بن [عبيد بن] (**) عمير، عن أبيه، قَالَ: قَالَ أبو ذر لعمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالوالي يوم القيامة، فينبذ به عَلَى جسر جهنم، فيرتج به الجسر ارتجاجة، لا يبقى منه مفصل إلاَّ زال عن مكانه، فإن كان مطيعًا لله في عمله مضي به، وإن كان عاصيًا لله في عمله انخرق به الجسر، فهوى في جهنم مقدار خمسين عامًا".
فَقَالَ له عمر: من يطلب العمل بعد هذا؟.
قَالَ أبو ذر: من سلت لله أنفه، وألصق خذه بالتراب.
فجاء أبو الدرداء، فَقَالَ له عمر: يا أبا الدرداء هل سمعت من النبيّ ﷺ حديثًا حدثني به أبو ذر؟.
قَالَ: فأخبره أبو ذر، فَقَالَ: نعم ومع الخمسين خمسون عامًا، يهوي به إِلَى النار (٢).
الوصافي لا يحفظ الحديث، وكان شيخًا صالحًا ﵀.
وروى سويد بن عبد العزيز -وفيه ضعف شديد- عن سيار، عن أبي وائل،
стр. 75
أن أبا ذر قَالَ لعمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر معناه، وفي حديثه: "وإن كان مسيئًا انخرق به الجسر، فهوى في قعرها سبعين خريفًا" (١).
وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قَالَ: أخبرني يزيد بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، وإن أبا ذر وسلمان قالا لعمر: سمعنا النبى ﷺ يقول، فذكراه بمعناه، وقال: "هوى به في النار سبعين خريفًا" (٢).
وفي "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب".
وخرج الإمام أحمد (٤) والترمذي (٥) وابن ماجه (٦)، من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يرى بها بأسًا، يهوي بها في النار سبعين خريفًا".
وخرج البزار (٧) نحوه من حديث ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ .
وفي تفسير ابن جرير (٨)، من رواية العوفي، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قَالَ: ذكر أن اليهود
стр. 76
وجدوا في التوراة مكتوبًا، وإن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إِلَى أن ينتهوا إِلَى شجرة الزقوم، نابتًا في أصل الجحيم.
وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيها شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله: إذا خلا العدد الَّذِي وجدوا في كتابهم أيامًا معدودة، إِنَّمَا يعني بذلك السير الَّذِي ينتهي إِلَى أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انقضى الأجل، فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] يعنون بذلك الأجل.
فَقَالَ ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب، حتى انتهوا إِلَى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة وهي أربعون ستة، فلما أكلوا من شجرة الزقوم وملؤوا البطون آخر يوم من الأيام المعدودة، قَالَ لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلاَّ أيامًا معدودة، وقد خلا العدد، وأنتم في الأبد، فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون.
ففي هذه الرواية عن ابن عباس، أن قعر جهنم ومسافة عمقها أربعون عامًا وأن ذلك هو معنى ما في التوراة، ولكن اليهود حرقوه، فجعلوه مسافة ما بين طرفيها، وزعموا أنها إذا انقضت هذه المدة، وإن جهنم تخرب وتهلك، وأن ذلك من كذبهم عَلَى الله، وتحريفهم التوراة.
***
стр. 77
فصل سعة جهنم طولا وعرضًا
وأما سعة جهنم طولا وعرضًا.
فروى مجاهد، عن ابن عباس، قَالَ: أتدرون ما سعة جهنم؟.
قلنا: لا.
قَالَ: أجل، والله ما تدرون، وإن ما بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه مسيرة سبعين خريفًا، تجري فيه أودية القيح والدم.
قلنا: أنهار؟ قَالَ: لا، بل أودية.
ثم قَالَ: أتدرون ما سعة جهنم؟.
قلنا: لا:
قَالَ: حدثتني عائشة، أنها سألت رسول الله ﷺ ، عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذ؟.
قَالَ: "عَلَى جسر جهنم".
خرّجه الإمام أحمد (١)، وخرج النسائي (٢) والترمذي (٣) منه المرفوع، وصححه الترمذي، وخرّجه الحاكم (٤) وقال: صحيح الإسناد.
стр. 78
الباب الثامن في ذكر أبوابها وسرادقها
قَالَ الله : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣، ٤٤].
وخرج الإمام أحمد (١) والترمذي (٢)، من حديث ابن عمر عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه عَلَى أمتي".
وخرج الإمام أحمد (٣)، من حديث عتبة بن عبد السلمي، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن للجنة ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض".
وفي حديث أبي رزين العقيلي، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لعَمْرُ إلهك إن للنار سبعة أبواب، ما منهن بابان إلاَّ ويسير الراكب بينهما سبعين عامًا". خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد (٤)، وابن أبي عاصم (٥)، والطبراني (٦)، والحاكم (٧)،
стр. 79
وغيرهم.
وخرج البيهقي (١)، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في حديث المرور عَلَى الصراط، وقال فيه: "فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومطروح فيها" ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
وروى أبو إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي، قَالَ: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، وقال بإصبعه، وعقد خمسين، وأضجع يده، ثم تمتلئ الأول والثاني والثالث حتى عقدها كلها. خرّجه ابن أبي حاتم وغيره (٢)، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بمعناه.
وخرج ابن أبي حاتم (٣)، عن حطان الرقاشي، قأل: سمعت عليًّا يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟.
قلنا: هي مثل أبوابنا.
قَالَ: لا، هي هكذا، بعضها فوق بعض.
وفي رواية له أيضاً: بعضها أسفل من بعض، وخرّجه البيهقي، ولفظه: أبواب جهنم هكذا، ووضع يده اليمنى عَلَى ظاهر يده اليسرى.
وعن ابن جريح، في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قَالَ: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيها أبو جهل، ثم الهاوية. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (٤) وغيره.
وقال جويبر، عن الضحاك: سمى الله أبواب جهنم، لكل باب منهم جزء
стр. 80
مقسوم: باب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمجوس، وباب للصابئين، وباب للمنافقين، وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب، وباب لأهل التوحيد، يرجى لهم ولا يرجى للآخرين. خرّجه الخلال.
قَالَ آدم بن أبي إياس: أنبأنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة، في قوله: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢]. قَالَ: لجهنم سبعة أبواب، بعضها أسفل من بعض.
وقال عطاء الخراساني: إن لجهنم سبعة أبواب، أشدها غمًّا وكربًا وحرًّا، وأنتنها ريحًا، للزناة الذين ركبوه بعد العِلْم. خرّجه أبو نعيم.
وعن كعب قَالَ: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية.
وهذا كله حديث ابن عمر (*) المتقدم، يدل عَلَى أن كل باب من الأبواب السبعة لعمل من الأعمال السيئة، كما أن أبواب الجنة الثمانية، كل باب منها لعمل من الأعمال الصالحة.
وعن وهب بن منبه قَالَ: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حرًّا من الَّذِي فوقه.
وخرج الثعلبي في تفسيره بإسناد مجهول إِلَى منصور بن عبد الحميد بن أبي رباح، عن أنس، عن بلال، وإن أعرابية صلت خلف النبيّ ﷺ ، فقرأ النبيّ ﷺ هذه الآية: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
فخرت مغشيًّا عليها، فلما أفاقت قالت: يا رسول الله، كل عضو من أعضائي يعذب عَلَى كل باب منهم.
فَقَالَ رسول الله ﷺ : "لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب عَلَى كل باب عَلَى قدر أعمالهم".
فقالت: ما لي إلاَّ سبعة أعبد أشهدك أن كل عبد منهم لكل باب من أبواب
стр. 81
جهنم لوجه الله تعالى.
فجاء جبريل فَقَالَ: "بشرها أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم" وهذا حديث لا يصح مرفوعًا، ومنصور بن عبد الحميد قَالَ فيه ابن حبان: لا تحل الرواية عنه.
والصحيح ما روى مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان، قَالَ: خرجنا حجاجًا فنزلنا منزلاً في بعض الطريق، فقرأ رجل كان معنا هذه الآية: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ فسمعته امرأة، فقالت: أعد رحمك الله.
فأعادها، فقالت: خلفت في البيت سبعة أعبد أشهدكم أنهم أحرار لكل باب منهم واحد. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا.
وخرج البيهقي (١) من حديث الخليل بن مرة، وإن النبيّ ﷺ ، كان لا ينام حتى يقرأ "تبارك" و"حم" السجدة وقال: "الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، والسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم".
وقال: تجيء كل حم منها يوم القيامة، أحسبه قَالَ: تقف عَلَى باب من هذه الأبواب فتقول: "اللهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني".
وقال: هذا منقطع، والخليل بن مرة فيه نظر.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، قَالَ: كان بالبادية رجل قد اتخذ مسجدًا، فجعل في قبلته سبعة أحجار، فكان إذا قضى صلاته قَالَ: يا أحجار أشهدكم أن لا إله إلاَّ الله.
قَالَ: فمرض الرجل فعرج بروحه، قَالَ: فرأيت في منامي أنّه أمر بي إِلَى النار، فرأيت حجرًا من تلك الأحجار -أعرفه بعينه- قد عظم، فسد عني بابًا من أبواب جهنم، حتى قَالَ: سد عني بقية الأحجار أبواب جهنم السبعة.
...
стр. 82
فصل وقد وصف الله أبوابها أنها مغلقة عَلَى أهلها
فَقَالَ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨].
وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠].
قَالَ مجاهد: هي بلغة قريش: أسد الباب أي: أغلقه يعني قوله ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾.
وقال مقاتل: يعني أبوابها مطبقة عليهم، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح، آخر الأبد.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، خرّجه ابن مردويه، من طريق شجاع بن أشرس قَالَ: حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبى صالح، عن أبى هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ : ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ قال: مطبقة" (١) ولكن رفعه لا يصح.
فقد خرّجه آدم بن أبي إياس، في تفسيره، عن شريك بهذا الإسناد، موقوفًا عَلَى أبي هريرة، ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، من قوله، ولم يذكر فيه أبا هريرة. وكذاك قَالَ عطاء الخراساني وغيره في المؤصدة: إنها المطبقة.
وعن الضحاك قَالَ: حائط لا باب له، ومراده -والله أعلم- أن الأبواب أطبقت فصار الجدار، كأنه لا باب له.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩].
معناه: أطبقت عليهم بعمد.
стр. 83
قَالَ قتادة: وكذلك هو في قراءة عبد الله بعمد بالباء.
قَالَ عطية: هي عمد من حديد في النار.
وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدت بأوتاد من حديد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها.
وعلى هذا فقوله: ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ صفة للعمد يعني أن العمد التي أوثقت بها الأبواب ممددة مطولة، والممدود الطويل أرسخ وأثبت من القصير.
وفي تفسير العوفي عن ابن عباس، في قوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قَالَ: هي عليهم مغلقة، أدخلهم في عمد، فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب (١).
وقيل: إن الممددة صفة للأبواب. رواه شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس (٢).
وقيل: المراد بالعمد المددة: القيود الطوال.
رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح.
وروى أبو جناب (*) الكلبي، عن زبيد، عن إبراهيم، قَالَ عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قَالَ: هي الأدهم، وقد تقدم أن عبد الله كان يقرؤها بعمد، والأدهم: الغيل (**).
وكذا قَالَ ابن زيد في قوله: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قَالَ: في عمد من حديد مغلولين فيه، وكذلك العمد من نار وقد احرقت بالنار، فهي نار ممددة لهم.
وقيل: إن المراد بالعمد الممددة: الزمان الَّذِي لا انقطاع له، قاله أبو فاطمة.
وقال السدي: من قرأها في عمد يعني بالفتح، فهي عمد من نار، ومن قرأها في عمد بالضم، فهو أجل ممدود.
стр. 84
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة، أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وهذا الإطباق نوعان:
أحدهما: خاص لمن يخلد في النار، أو من يريد الله التضييق عليه، أجارنا الله من ذلك.
قَالَ أبو توبة اليزني: إن في النار أقوامًا مؤصدة عليهم، كما يطبق الحق عَلَى طبقه. خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا.
والثاني: الإطباق العام، وهو إطباق النار عَلَى أهلها المخلدين فيها.
وقد قَالَ سفيان، وغيره، في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] قَالَ: هو إطباق النار عَلَى أهلها.
وفي حديث مسكين أبي فاطمة، عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عن النبيّ ﷺ ، في خروج الموحدين من النار، قَالَ: ثم يبعث الله ملائكة، معهم مسامير من نار، وأطباق من نار، فيطبقونها عَلَى من بقي فيها، يسمرونها بتلك المسامير، يتناساهم الجبار عَلَى عرشه من رحمته، ويشتغل عنهم أهل الجنة بنعيمهم ولذاتهم خرّجه الإسماعيلي وغيره، وهو حديث منكر، قاله الدارقطني (١).
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن سعيد بن جبير، قَالَ: ينادي رجل في شعب من شعاب النار مقدار ألف عام: يا حنان يا منان.
فيقول الله تعالى: يا جبريل، أخرج عبدي، فيجدها مطبقة، فيقول: إنها مطبقة عليهم مؤصدة مطبقة (*).
стр. 85
وقال قتادة: عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو: إذا أجاب الله أهل النار بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أطبقت عليهم، فلم ييأس القوم إلاَّ بعد تلك الكلمة، وإن كان إلاَّ الزفير والشهيق (١).
وقال أبو الزعراء، عن ابن مسعود: وإذا قِيلَ لَهُم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أطبقت عليهم فلم يخرج منهم أحد (٢).
وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة، التي أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وكل من يخاف الناس شره في الدُّنْيَا، فإذا وثقوا في الحديد، ثم أمر بهم إِلَى جهنم، ثم أوصدوها عليهم، قَالَ: فلا والله، لا تستقر أقدامهم عَلَى قرار أبدًا، ولا والله، لا ينظرون فيها إِلَى أديم السماء أبدًا، ولا الله، لا تلتقي جفون أعينهم عَلَى غمض أبدًا، ولا والله، لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا.
وفي معنى إطباق النار عَلَى أهلها، يقول بعض السَّلف ﵃: ألبسوا النضيح من النحاس، ومنعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران عَلَى أبداتهم تتوقد، وقد أطبقت عليهم الأبواب، وغضب عليهم رب الأرباب.
وأنشد بعضهم في هذا:
لو أبصرتْ عيناكَ أهلَ الشَّقَا. . . سِيقُوا إلى النارِ، وقدْ أُحرِقُوا
يَصْلَونَها حينَ عَصَوا ربهم. . . وخالفُوا الرسلَ وما صدَّقُوا
стр. 86
تقولُ أخرَاهُم لأولاهُمُ. . . في لجج المهلِ وقد أغْرِقُوا
قد كنتمُ حُذِّرتمُ حرهَا. . . لكنْ من النيرانِ لم تَفْرَقُوا
وجيءَ بالنيرانِ مزمُومةً. . . شَرَارُهَا مِنْ حولِهَا مُحرقُ
وقيلَ للنيرانِ أنْ أحرِقي. . . وقيلَ للخُزانِ أنْ أَطبقُوا
وقد وردَ في بعضِ أحاديثِ الشفاعةِ، فتحُ بابِ النارِ، فخرجَ الطبرانيُّ (١) من روايةِ العباسِ بنِ عوسجةَ، حدثني مطر أبو مُوسى مولَى آل طلحةَ، عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "إنَّى آتي جهنَّم، فأضربُ بابَها، فيفتحُ لي، فأدخُلها، فأحمدُ اللَّهَ بمحامد ما حمَدهُ بها أحدٌ قبلي مثلَهَا، ولا يحمدُه أحدٌ بعدي، ثم أخرجُ منها من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ مخلصًا، فيقومُ إليَّ ناسٌ من قريشٍ فينتسبونَ إليَّ، فأعرف نسبَهُم، ولا أعرفُ وجوهَهُم، فأتركهم في النارِ".
إسنادُه ضعيفٌ.
* * *
стр. 87
فصل [إحاطة سرادق جهنم بالكافرين]
قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]
قَالَ الزجاج: السرادق: كل ما أحاط بشيء نحو المشقة في الغرب أو الحائط المشتمل به عَلَى الشيء.
وقال ابن قتيبة: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط.
وقيل: الدهليز وهو معرب، وأصله بالفارسية سرادار.
وقال ابن عباس: هو سرادق من نار.
وروى ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "السرادق في النار أربعة جدر، كشف كل جدار مسيرة أربعين سنة" خرّجه الترمذي (١).
وإحاطةُ السرادقِ بهم قريبٌ من المعنى المذكورِ في غلقِ الأبوابِ، وهو شبهُ قولِ من قالَ: إنه حائط لا بابَ لهُ.
ولما كانَ إحاطةُ السرادِق بهم موجبًا لكربهِم وغمِّهِم، وعطشِهِم، لشدةِ وهج النارِ عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢].
стр. 88
قال أبو معشرٍ: كنا في جنازة مع أبي جعفرٍ القاري، فبكى أبو جعفرٍ، ثم قالَ: حدَّثني زيدُ بنُ أسلمَ، أنَّ أَّهَلَ النارِ لا يتنفسونَ، فذلك الذي أبكاني. خرَّجه الجوزجاني.
وخرَّج ابنُ أبي حاتم، طريقِ إبراهيمَ بنِ الحكم بنِ أبانَ، عن أبيهِ، عن عكرمةَ، قال: على كلِّ بابٍ من أبوابِ النارِ سبعونَ ألفَ سرادقٍ من نارٍ، في كلِّ سرادقٍ منها سبعونَ ألفَ قبة من نارٍ، في كلِّ قبةٍ منها سبعونَ ألفَ تنورٍ من نارٍ، في كلِّ تنورٍ منها سبَّعَون ألفَ كوةٍ من نارٍ، في كلِّ كوةٍ منها سبعونَ ألفَ صخرةٍ من نارٍ، على كل صخرة منها سبعون ألفَ حجر من نار، على كل حجر منها سبعونَ ألفَ عقربٍ من نارٍ، لكلِّ عقربٍ منها سبعونَ ألفَ ذنبٍ من نارٍ، لكل ذنبٍ منها سبعونَ ألفَ فقارةٍ من نارٍ، في كل فقارة منها سبعونَ ألفَ قلةٍ من سمٍّ، وسبعونَ ألفَ موقد من نارٍ، يوقدونَ تلك النارَ، وَذكر تمامَ الحديثِ.
وسيأتِي فيما بعد إن شاء اللَّهُّ تَعالى، وفيه: إنهم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ، خمسين (*) سنةٍ.
وهو غريب ومنكرٌ.
وإبراهيمُ بنُ الحكمِ بنِ أبانَ ضعيف تركه الأئمةُ.
...
стр. 89
فصل وأبواب جهنم قبل دخول أهلها إليها يوم القيامة مغلقة
كما دلّ عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] الآية.
وفي حديثِ أبي هارونَ العبدي، وهو ضعيف جدًّا، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ في قصة الإسراءِ، قال:
"ثم عُرضتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضبُ اللَّهِ وزجره ونقمتِه، لو طرحَ فيها الحجارةُ والحديدُ لأكلتْها، ثم أغلقتْ دونِي". (١).
وقد رُويَ أن أبوابَها تفتحُ كل يوم نصفُ النهارِ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
وروى الإمامُ أحمدُ، عن إسحاقَ الأزرق، عن شريكٍ، عن الركينِ، عن أبيه، قالَ: رأى خبابُ بنُ الأرتِّ رجلاً يصلِّي نصفَ النهارِ، فنهاه، وقالَ: إنها ساعةٌ تفتحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ فلا تصلّ فيها.
وقد وردَ ما يستدلُّ به على أنها مفتحةٌ.
ففي الصحيحينِ (٢) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا جاءَ رمضانُ،
стр. 90
فتحتْ أبوابُ الجنةِ، وغلِّقَت أبوابُ النارِ، وصفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ".
وخرَّج الترمذيُّ (١)، من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قال: "إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضانَ، صفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغلقتْ أبوابُ النارِ، فلم يفتحْ منها بابٌ، وفتحتْ أبوابُ الجنةِ، فلم يغلقْ منها بابٌ".
ولكنْ قد قيلَ: إن إغلاقَ أبوابِ النارِ إنَّما هو عن الصائمينَ خاصةً، وكذلك فتحُ أبوابِ الجنةِ هو لهم خاصةً.
وفي حديثِ القاسم العُرنيِّ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، في فضلِ رمضانَ، قالَ فيه:
"فيفتحُ فيها يعني: من أول ليلة منه أبوابُ الجنةِ للصائمينَ من أمةِ محمد ﷺ ، فيقولُ اللَّهُ: يا رضوانُ، افتحْ أبوابَ الجنانِ، ويا مالكُ، أغلِقْ أبوابَ الجحيم عن الصائمينَ من أمَّةِ محمد ﷺ " (٢) وهذا منقطعٌ، فإن الضحاكَ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ.
...
стр. 91
الباب التاسع في ذكر ظلمتها وشدة سوادها
روى شريكٌ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أوقدَ على النَّارِ ألفُ سنة حتَّى ابيضتْ، ثم أوقدَ عليها ألفُ سنة حتَّى احمرَّتْ، ثمَّ أوقِد عليها ألفُ سنة حتَّى اسودتْ، فهي سوداءُ مظلمة". خرَّجَه ابنُ ماجه (١) والترمذيُّ (٢) وقال: حديثُ أبي هريرةَ في هذا موقوف أصح، ولا أعلمُ أحدًا رفَعه غيرُ يحيى بنِ أبي بكيرٍ (*) عن شريكٍ.
وروى معن عن مالك، عن أبي سهيل، [عن أبيه] (**)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قالَ: "أترونَها حمراءَ كنارِكم هذه؟! لهى أشدُّ سوادًا من القارِ". خرَّجه البيهقيّ (٣).
وخرَّجه البزارُ (٤) ولفظُه: "لهي أشدُّ سوادًا من دخانِ نارِكُم سبعينَ ضعفًا.
ورُوي موقوفًا على أبي هريرة (٥) وهو أصحُّ، قالَه الدارقطنيُّ (٦).
стр. 92
وقالَ الجوزجَانيُّ: حدثنا عبيدُ اللَّه الحنفي، حدثنا فَرْقَدُ بنُ الحجاج، سمعتُ عقبةَ اليماني يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ نَارَ جهنمَ أشدُّ حرًا من نارِكم هذه بتسعة وتسعينَ جزءًا، وهي سوداءُ مظلمةٌ، لا ضوءَ لها، لهي أشد سوادًا من القطرانِ". غريبٌ جدًّا.
وروى الكُديمي، عن سهلِ بنِ حمادٍ، عن مباركِ بنِ فضالةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. قال: "أوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى ابيضتْ، وألفُ عامٍ حتَى احمرت، وألفُ عامٍ حتَى اسودَّت، فهي سوداءُ لا يضيءُ لهبُها". خرَّجه البيهقيُّ َ (١)، والكُديميّ ليس بحجةٍ.
وخرَّج البزار من حديثِ زائدةَ بنِ أبي الرقادِ، عن زيادٍ النميريِّ، عن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ ، أنَّه ذكر نارَكم هذه فقالَ: "إنها لجزءٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنم، وما وصلتْ إليكُم حتَّى -قال: أحسبه- نُضحتْ لمرتينِ بالماءِ، لتضيءَ لكُم، ونارُ جهنمَ سوداءُ مظلمةٌ" (٢).
وفي حديثِ عديِّ بن عدي، عن عُمَرَ مرفوعًا، ذكرَ الإيقادَ عليها ثلاثةَ آلافِ عامٍ أيضًا، وقال: "هي سوداءُ مظلمةٌ، لا يضئُ جمرُها ولا لهبُها".
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا والطبرانيُّ، وقد سبقَ إسنادُه والكلامُ عليه.
ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا (٣) من طريقِ الحكم بنِ ظهيرٍ -وهو ضعيف-، عن عاصم، عن زرٍ، عن عبدِ اللَّهِ ﴿وإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] قال: سُعّرَت ألفَ سنةٍ حتِّى ابيضت، ثُمَّ ألفَ سنةٍ حتى احمرت، ثمَّ ألفَ سنةٍ حتى اسودت، فهي سوداءُ مظلمةٌ.
стр. 93
الحكم بن ظهير ضعيف. والصحيح رواية عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة كما سبق.
وروى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان، قَالَ: النار سوداء مظلمة، لا يطفأ جمرها، ولا يضيء لهبها، ثم قرأ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] (١).
وخرّجه البيهقي، من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش مرفوعًا، وقال: رفعه ضعيف.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ضرب الله مثلاً للكافر، قَالَ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] فهو يتقلب في خمس من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إِلَى ظلمات النار (٢).
وقال -أيضاً- أبو جعفر: عن الربيع بن أنس: إن الله جعل هذه النار -يعني نار الدُّنْيَا- نورًا وضياء ومتاعًا لأهل الأرض، وإن النار الكبرى سوداء مظلمة مثل القبر- نعوذ بالله منها.
وعن الضحاكِ قالَ: جهنمُ سوداءُ، وماؤُها أسودُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سود.
وقد دلَّ على سوادِ أهلِها قولُه تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧].
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآيتين [آل عمران: ١٠٦].
стр. 94
وقد ثبتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ (١)، أنَّ مِن عصاةِ الموحدينَ، من يحرق في النارِ حتَّى يصيرَ فحمًا.
...
стр. 95
الباب العاشر في شدة حرها وزمهريرها
قَالَ الله : ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١].
وفي "الصحيحينِ" (١)، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فنفسني".
فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِن سمومُها وأَشَدُّ ما تجدونَ من البردِ زمهريرُهَا".
وفي "الصحيحينِ" (٢) أيضًا، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "نارُكم هذه، ما يوقدُ بنو آدمَ، جزء واحدٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ".
قالوا: والله، إن كانتْ لكافيةً.
قال: "إنها فُضِّلتْ عليها، بتسعة وستينَ جزءًا كلِّهنَّ مثلُ حرِّهَا". وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣)، وزادَ فيه:
"وضربت في البحرِ مرتينِ، ولولا ذلك ما جعل اللَّهُ فيها منفعة لأحدٍ".
стр. 96
وقد سبقَ من حديثِ أنسٍ نحوُهُ.
وعن عطيةَ العوفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "نارُكم هذه جزء من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّم، (لكلِّ جزء منها مثل حرِّها). (*) خرَّجه الترمذيُّ (١).
وقال الإمامُ أحمدُ (٢): حدثنا قتيبةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ - هو الدراورديُّ - عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ هذه النارَ جزء من مائةِ جزءٍ من جهنَّمَ".
وقال ابنُ مسعود: "إنَّ نارَكم هذه ضُرِبَ بها البحرُ ففترتْ، ولولا ذلكَ ما انتفعتم بها، وهي جزء من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ". وخرَّجه البزَّارُ مرفوعًا والموقوفُ (٣) أصحُّ.
وخرَّج الطبرانيُّ (٤)، من طريقِ تمامِ بنِ نجيحِ، عن الحسنِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: "لو أن غربًا من جهنَّم، جعلَ في وسطِ الأرض، لآذى نتنُ ريحِهِ وشدةُ حرِّه ما بينَ المشرقِ والمغرب، ولو أنَّ شررَةً من شررِ جهنَّم بالمشرقِ، لوجدَ حرَّها مَن بالمغربِ". وتمامُ بنُ نجيع تكُلًّمَ فيه.
وخرَّج أيضًا (٥)، من طريقِ عديِّ بن عدي الكندي، عن عمرَ، أن جبريلَ
стр. 97
قال للنبيِّ ﷺ : "والذي بعثكَ بالحقِّ نبيًّا، لو أنَّ قدرَ ثقبِ إبرة فُتحَ من جهنَّمَ،
لمات من في الأرضِ كلُّهم جميعًا من حرِّه".
وقد سبقَ الكلامُ على إسنادِهِ.
ورُوي من وجهٍ ضعيفٍ عن الحسنِ مرسلاً نحوُهُ أيضًا.
وخرَّج أبو يعلى الموصلي (١)، من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "لو كان في هذا المسجدِ مائةُ ألف أو يزيدونَ، وفيهم رجل من أهلِ النارِ، فتنفسَ، فأصابَهُم نفسُهُ، لأحرقَ المسجدِ".
لكن قالَ الإمامُ أحمدُ: هو حديث منكر.
وقال كعبٌ لعمرَ بنِ الخطابِ: "لو فُتحَ من جهنَّم قدرُ منخرِ ثورٍ بالمشرقِ، ورجلٌ بِالمغربِ، لغلى دماغُهُ حتى يسيلَ من حرِّهِا" (٢).
стр. 98
وقال عبدُ الملكِ بن عميرٍ: لو أنَّ أهل النارِ كانُوا في نارِ الدنيا لقَالُوا فيها.
وقال عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ: أُخبرتُ عن (سيَّارٍ عن ابنِ المقرئ) (١) -وكان من خيارِ الناسِ- قال: بلغني أنَّ رجلاً لو خرجَ منها إلى نارِ الدنيا لنام فيها ألفي سنة.
وقال معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بشيرِ، يرفعُ الحديثَ:
"ما من يومٍ إلا والنارُ تقولُ: اشتدَّ حرِّي، وبعدَ قعري، وعظُم جمرِي، عَجِّلْ إلهي إليَّ بأهلي".
وقال ابنُ عيينةَ، عن بشيرِ بنِ منصور، قلتُ لعطاء السلميِّ: لو أنَّ إنسانًا أوقدتْ له نار، فقيلَ لهُ: من دخلَ هذه النارَ نجا من النارِ؟
فقال: عطاءٌ: لو: قيلَ لي ذلك، لخشيتُ أن تخرجَ نفسِي فرحًا، أن أقعَ فيها.
...
стр. 99
فصل [في زمهرير جهنم بيت يتميز فيه الكافر من برده]
قد سبق في حديث مرفوعٍ: "إنَّ زمهريرَ جهنَّمَ بيت يتميزُ فيه الكافرُ من بردِهِ" يعني: يتقطع ويتمزعُ.
ورَوى ابنُ أبي الدنيا (١)، من طريقِ الأعمشِ عن مجاهدٍ، قال: إنَّ في النارِ لزمهريرًا يغلونَ فيه، فيهربون منها إلى ذلك الزمهريرِ، فإذا وقعوا فيه، حطمَ عظامَهم، حتى يُسمعَ لها نقيضٌ (٢).
وعن ليثٍ عن مجاهدٍ، قالَ: الزمهريرُ، الذي لا يستطيعون أن يذوقُوه من بردِهِ.
وعن قابوسِ بنِ أبي ظبيانَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحرِّ، فيغوثونَ بريح باردة، فصدعُ العظامَ بردُها، فيسألون الحر (٣).
وعن عبدِ الملك بنِ عميرٍ، قالَ: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن يخرجَهُم إلى جانبِهَا، فأخرجُوا، فقتلَهُم البردُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها فدخلوها، مما وجدوا من البردِ.
وروى أبو نُعيمٍ (٤) بإسنادِهِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ كعبًا (*) قال إنَّ في جهنَم بردًا
стр. 100
هو الزمهرير يسقط اللحم [عن العظم] (*) حتى يستغيثوا بحر جهنم.
ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ قال: الزمهريرُ لونٌ من العذابِ.
وعن عكرمة قَالَ: هو البرد الشديد.
ورُوي عن زبيد اليامي (**)، أنّه قام ليلة للتهجد، فعمد إِلَى مطهرة له، قد كان يتوضأ فيها، فغسل يده، ثم أدخلها في المطهرة، فوجد الماء الَّذِي فيها باردًا شديدًا، كاد أن يجمد، فذكر الزمهرير، ويده في المطهرة فلم يخرجهما منها حتى أصبح.
فجاءت الجارية، وهو عَلَى تلك الحال، فقالت: ما شأنك -يا سيدي- لم تصل الليلة، كما كنت تصلي؟.
قَالَ: ويحك، إني أدخلت يدي في هذه المطهرة، فاشتد علي برد الماء، فذكرت به الزمهرير، فوالله ما شعرت بشدة برده حتى وقفت علي.
انظري لا تخبري بهذا أحدًا ما دمت حيًّا.
فما علم بذلك أحد حتى مات ﵀.
...
стр. 101
الباب الحادي عشر في ذكر سجر جهنم وتسعيرها
قد سبق في غير حديث أنّه قد أوقد عليها ثلاثة آلاف عام.
وروى أبو هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لما خلق الله النار، أرسل جبريل إليها، وقال له: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها.
قَالَ: فنظر إليها، فَإِذَا هي يركب بعضها بعضًا.
ثم رجع فَقَالَ: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها!.
فأمر بها، فحفت بالشهوات، ثم قَالَ: اذهب، فانظر إِلَى ما أعددت لأهلها فيها.
فذهب، فنظر إليها ورجع، فَقَالَ: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلاَّ دخلها. خرّجه الإمام أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣).
وفي حديث سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ : "أن ملكين أتياه في المنام فذكر رؤيا طويلة، وفيها قَالَ: فانطلقت فأتينا عَلَى رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة، فَإِذَا هو عند نار له، [يحشها] (*) ويسعى حولها.
قَالَ: قلت: ما هذا؟
قالا لي: انطلق انطلق".
وفي آخر الحديث قالا: "فأما الرجل الكريه المرآة، الَّذِي عند النار،
стр. 102
[يحشها] (*) ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم ".
وقد خرّجه البخاري (١) بتمامه، وخرج مسلم أوله ولم يتمه (٢).
وقوله: كريه المرآة أي المنظر، وقوله: [يحشها] (*) أي يوقدها.
وروى هذا الحديث أبو خلدة، عن أبي رجاء، عن سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ ، فذكر الحديث بطوله.
وفي حديثه قَالَ: "فرأيت شجرة، لو أن الخلق اجتمعوا لأظلتهم، وتحتها وجلان، واحد يوقد نارًا وآخر يحتطب الحطب".
وفي آخر الحديث قلت: "فالرجلان اللذان رأيت تحت الشجرة؟.
قَالَ: ذانك ملكا جهنم، يحمون جهنم لأعداء الله إِلَى يوم القيامة".
...
стр. 103
فصل وجهنم تسجر كل يوم نصف النهار
وفي صحيح مسلم (١)، عن عمرو بن عبسة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة، حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنَّه حينئذ تسجر جهنم، فَإِذَا أقبل الفيء فصل وذكر بقية الحديث.
وقد رُوي هذا المعنى عن النبيّ ﷺ ، من غير وجه، من حديث أبي أمامة وغيره.
وفي حديث صفوان بن المعطل، عن النبيّ ﷺ : "إذا طلعت الشمس فصل، حتى تعتدل عَلَى رأسك مثل الرمح، فَإِذَا اعتدلت عَلَى رأسك، فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزول عن حاجبك الأيمن". خرّجه عبد الله بن الإمام أحمد (٢).
وفي حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، في هذا المعنى قَالَ: "فَإِذَا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة، حتى تميل الشمس، فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم" (٣).
وروى أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود،
стр. 104
قَالَ: "إن الشمس تطلع بين قرني شيطان -أو في قرني شيطان- فما ترتفع قصمة (١) في السماء إلاَّ فتح لها باب من أبواب النار، فَإِذَا كانت الظهيرة، فتحت أبواب النار كلها، فكنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها ونصف النهار".
خرّجه يعقوب بن شيبة ورواه الإمام أحمد عن أبي بكر بن عياش أيضاً.
وفي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة. عن النبيّ ﷺ قَالَ: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم".
[وفي رواية خرجها أبو (*) نعيم] (٣): "من فيح جهنم أو من فيح أبواب جهنم".
وخرج أبو داود (٤) "من حديث أبي قتادة، عن النبيّ ﷺ أنّه كره الصلاة نصف النهار، إلاَّ يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلاَّ يوم الجمعة".
وفي إسناده انقطاع وضعف.
...
стр. 105
فصل وتسجر أحيانًا في غير نصف النهار
كما خرّجه الطبراني (١)، من حديث ابن أم مكتوم، قَالَ: خرج النبيّ ﷺ ذات غداة، فَقَالَ: "سعرت النار، وجاءت الفتن" فذكر الحديث.
ومن طريق عبيد الله بن سعيد، قائد الأعمش، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يا أهل الحجرات، سعرت النار، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا" (٢) عبيد الله بن سعيد فيه ضعف.
والصحيح أن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير مرسلاً.
وقيل: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن ابن عمر، ولا يصح.
وفي حديث، عدي بن عدي، عن عمر، أن جبريل قَالَ للنبي ﷺ : "جئتك
стр. 106
حين أمر الله بمنافخ النار، فوضعت عَلَى النار" (١) الحديث.
ورُوي أيضًا من حديث الحسن مرسلاً.
وفي الإسنادين ضعف.
...
стр. 107
فصل وتسجر أيضاً يو القيامة
قَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٤]، وقرى "سعِّرت" وسعرت بالتشديد والتخفيف.
قَالَ الزجاج: المعنى واحد، إلاَّ أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة.
قَالَ قتادة: "وإذا الجحيم سعرت": أوقدت.
وقال السدي: أحميت.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. خرّجه ابن أبي حاتم.
وهذا يقتضي، أنَّ تسعيرَ جهنَّم، حيثُ سعرتْ، فإنما تسعر بخطايا بني آدمَ التي تقتضي غضبَ اللَّه، فتزدادُ جهنَم حينئذٍ تلهبًا وتسعُّرًا.
وهذا، كما أن بناءَ دورِ الجنةِ غرس أشجارِها، يحصلُ بأعمالِ بني آدمَ الصالحةِ من الذكر وغيرِهِ، وكذلك حُسنُ ما فيها من الأزواجِ وغيرهم، يتزايدُ بتحسينِ الأعمالِ الصالحةِ، وكذلك جهنَّم، تسعرُ وتزدادُ آلاتُ العذابِ فيها، بكثرةِ ذنوبِ بني آدم وخطاياهم وغضبِ الربِّ تعالى عليهم.
نعوذُ باللَّه من غضبِ اللَّه، ومن النارِ، وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، بِمنِّهِ وكرمِهِ.
وقد سبق في الباب الخامس، صفة تسعر النار يوم القيامة ومزيدها، بإيقاد البحر وإضافته إليها.
стр. 108
فصل وتسجر عَلَى أهلها بعد دخولهم إليها
قَالَ الله : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ (١) زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٢)﴾ [الإسراء: ٩٧].
[قَالَ ابن عباس: كلما طفئت أوقدت.
وقال ابن عباس: خبت: سكنت] (*).
وقالَ ابنُ قتيبةَ: خبتِ النارُ، إذا سكنَ لهبُها، فاللهبُ يسكنُ والجمرُ يعملُ.
وقال غير واحد من المفسرينَ: تأكلُهُم، فإذا صارُوا فحمًا، ولم تجدِ النارُ شيئًا تأكلُهُ، أعيد خلقُهم خلقًا جديدًا، فتعودُ لأكِلهِم.
وقولهُ: ﴿زِدْنَاهُم سَعِيرًا﴾ أي: نارًا تتسعرُ وتتلهبُ.
وقد رُويَ عن عمرِو بنِ عبسةَ أن في جهنَّمَ بئرًا يقال له: الفلقُ، منه تسعرُ جهنَّمُ إذا سعرتْ (٣).
وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ الله تعالى.
والمعنى أنَّه يكشفُ تلك البئرُ فتخرج منه نارٌ تلهب جهنَّم وتوقدُها.
وقالَ اللَّه تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
стр. 109
قال مجاهدٌ وعْيرُهُ: توهجُ.
قرأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ليلةً في صلاتِهِ سورةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فلما بلغَ قولَهُ: ﴿فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. بكى، ولم يستطعْ أنْ يجيزهَا، ثم عاد فقرأ السورة حتى بلغ الآية، فلم يستطع أن يجاوزها مرتين أو ثلاثًا، ثم قرأ سورةً أخرى غيرَها.
* * *
стр. 110
الباب الثاني عشر في ذكر تغيظها وزفيرها
قَالَ الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٦ - ٨].
والشهيق: الصوت الَّذِي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار.
قَالَ الربيع بن أنس: الشهيق في الصدر.
وقال مجاهد في قوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قَالَ: تغلي بهم كما تغلي القدورة.
وقال ابن عباس: تتميز: تفرق، وعنه قَالَ: يكاد يفارق بعضها بعضًا وتتفطر.
وعن الضحاك: تتميز: تتفطر.
وقال ابن زيد: التميز: التفرق من شدة الغيظ عَلَى أهل معاصي الله ، غضبًا لله، وانتقامًا له.
وخرج ابن أبي حاتم (١)، من حديث خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "من تقول علي ما لم أقل، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا.
قيل: يا رسول الله ﷺ وهل لها عينان؟
قَالَ: نعم، أو لم تسمع قول الله : ﴿ذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].