← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها قَالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] واختلف المفسرون من السَّلف في هذه الحجارة: فقالتْ طائفةٌ، منهم الربيع بنُ أنسٍ: الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ تعالى: ﴿(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]. قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في قولِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ: "كورتْ في جهنمَ". ﴿وإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] قال: "انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ ما عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في جهنمَ إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاَهَا". غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ. وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ. ورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ، عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ: سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ، يحدثُ عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: "إن الشمسُ والقمرُ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ". خرَّجه البزار (١) وغيرهُ (٢).

стр. 142

وخرَّجهُ البخاريُّ (١) مختصرًا، ولفظُه: "الشمسُ والقمرُ مكورانِ يومَ القيامةِ". وخرَّج أبو يَعْلَى، منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ، عن يزيدَ الرقاشيَ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قالَ: "الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ". وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا (٢). وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ، لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ، واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه، عوقِبُوا بأن جعلت معهم في النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم، وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ. ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم. قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩]. قالَ مَعْمرٌ: عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ القيامةِ منْ قبره، شُفِعَ بيده شيطانِ، فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ حينَ يقولُ: ﴿يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ، عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا خرجَ من قبرِهِ، وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده، فتقولُ:

стр. 143

أنا قرينتُكَ، حتى أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ. والسرحةُ: شجرةٌ كبيرةٌ. وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]. فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ، كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ، يضيقُ على المتباغِضينِ، باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ. وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ، ومن عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ الآيات كلها [الشعراء: ٩١ - ٩٨]. ومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ بمضاعفةِ العذابِ. كما قَالَ اللَّه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ الآيات [الأعراف: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: ٤٧] وقال اللَّهُ تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ الآيات [ص: ٥٩ - ٦٤].

стр. 144

وحينئذ فلا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ الذي أضَلَّهُ، وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ. وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ، عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقرأها النبيُّ ﷺ ، فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأسَهُ في حجره رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي، مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؟ قالَ: "أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانًا" (١). وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ نارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ، ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. وأكثرُ المفسرينَ، على أن المرادَ بالحجارةِ في الآيتين حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ، ويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ، ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ الإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ. قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ، عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عنْ عمرِو بنِ ميمونَ، عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قالَ: هي حجارةٌ من الكبريتِ، خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا، يُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في المستدركِ (٢)، وقال:

стр. 145

صحيح عَلَى شرط الشيخين. وقالَ السُّديُّ في تفسيره عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ وعن مرة، عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ، يعذبونَ به مع النارِ. وقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ. وهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم. وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ، عنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلال الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ ﷺ : "إن الأرضينَ بينَ كل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية مسجن الريح، فلما أرادَ اللَهُ يهلك عادًا أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ. قالَ له الجبارُ ﵎: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ" فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]. والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ فيها كبريتُ جهنمَ. قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟! قالَ: نعم. والذي نفسي بيدِهِ، إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ، وأفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ (١)، والسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، إنَّ أدنى عقربة منها

стр. 146

كالبغالِ الموكفةِ (١) تضربُ الكافرَ ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنَّم، والسابعةُ سقرُ وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه من خلفِهِ، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلِقَهُ لما يشاءُ من عبابٍ أطلَقَهُ". خرَّجه الحاكمُ في آخرِ المستدركِ (٢) وقالَ: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ يحيى بنِ معين، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه. وقالَ بعضُ الحفاظِ المتأخرين (٣): هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَهِ بنُ عياشٍ القتبانيُّ ضعَّفه أبو داودَ، وعندَ مسلم أنَه ثقةٌ، ودرَاج كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ. قلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه. وروى عطاء بن يسار عن كعب من قوله نحو هذا الكلام أيضاً. عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعب من قولِهِ نحوَ هذا الكلام أيضًا. وعن عبدِ العزيز بن أبي روادٍ قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ تلا هذهِ الآيةَ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وعندهُ بعضُ أصحابِهِ وفيهم شيخٌ، فقالَ الشيخُ: يا رسولَ اللَّهِ حجارةُ جهنَّم كحجارةِ الدنيا؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لصخرةً من صخرِ جهنَّم أعظمُ من جبالِ الدنيا كلِّها فوقعَ الشيخُ مغشيًّا عليه". فوضعَ النبي ﷺ يدَهُ على فؤادِهِ، فإذا هو حيٌّ، فناداه قلْ: "لا إله إلا اللَهُ" فقالَهَا، فبشَّره بالجنةِ". فقالَ أصحابُهُ: يا رسولَ اللهِ، أمِنْ بيننا؟ قالَ: "نعم، يقولُ الله ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. خرَّجه ابن أبي حاتم (٤).

стр. 147

الباب السابع عشر - في ذكر حياتها وعقاربها قد تقدم في الباب الثامن، والباب الرابع عشر، والباب السادس عشر، بعض ذكر حيات جهنم وعقاربها. وخرج الإمام أحمد (١)، من حديث ابن لهيعة، عن دراج، سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن في النار حيات كأعناق البخت البيض، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد حموتها (٢) أربعين خريفًا، وإن في النار عقارب، كأمثال البغال الموكفة (٣)، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد حموتها أربعين سنة". وخرّجه الحاكم (٤) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به. وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] قال: "عقارب لها أنيابٌ كالنخلِ الطوالِ". وخرَّجه الحاكم (٥) وقال صحيح على شرطِ الشيخينِ. وفي روايةٍ عنه، قالَ: "زيدُوا عقاربَ من نارٍ كالبغالِ الدهم (٦)، أنيابُها كالنخلِ". خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في "تفسيره" عن المسعوديِّ، عن

стр. 148

الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وقول من قَالَ: عن عبد الله بن مرة، عن مسروق أصح. وخرج ابن أبي حاتم، من رواية سفيان، عن رجل، عن مرة عن عبد الله، في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] قال: حيات وأفاعي (١). وروى السدي، عن مرة، عن عبد الله في هذه الآية، قَالَ: أفاعي النار. وروى ابن وهب (٢)، عن [حيي] (*) بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قَالَ: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت (٣). وخرج ابن أبي الدُّنْيَا وغيره، من طريق مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قَالَ: إن لجهنم جبابًا (٤) في سواحل البحر، فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الموكفة الذل (٥)، فإذا سأل أهل النار التخفيف، قيل: اخرجوا إِلَى الساحل، فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم (٦) وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها، فيرجعون فيبادرون إِلَى معظم النيران، ويسلط عليهم الجرب، حتى إن

стр. 149

أحدَهُم ليحكُّ جلدَهُ حتى يبدُوا العظمُ، فيقالُ: يا فلانُ هل يؤذيكَ هذا، فيقولُ له: نعم، فيقالُ له: ذلك ما كنتَ تؤذي المؤمنينَ (١). وروى عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: في جهنَّمَ عقاربُ كأمثالِ الدلم لها أنيابٌ كالرماح، إذا ضربتْ إحداهُنَّ الكافرَ على رأسِهِ ضربةً تساقطَ لحمُهُ على قدميهِ. وروى حمادُ بنُ سلمةَ، عن الجريري، عن أبي عثمانَ، قال: على الصراطِ حيات يلسعْنَ أهلَ النارِ، فيقولونَ: حسّ حسّ، فذلكَ قولُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسها﴾ [الأنبياء: ١٠٢]. وكان إبراهيم العجلي، ﵀، يقع عَلَى كتفيه وظهره، فيتأذى به فيقول لنفسه: وأنت تأذى من حسيس بعوضة ... فللنار أشقى ساكنين وأوجع ...

стр. 150

الباب الثامن عشر - في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]. وقال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا (١) كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا (٢) مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢ - ٦٨] وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٣) (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ [الواقعة: ٥١ - ٥٧]. وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] وخرَّجَ الترمذيُّ (٤) وابنُ ماجهَ (٥) وابنُ حبانَ في صحيحِهِ (٦)، من حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قرأ هذه الآيةَ: ﴿اتَقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتنَّ إِلاَّ وَأَنتُم

стр. 151

مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو أن قطرةً من الزقومِ قُطِرَتْ في دارِ الدنيا لأفسدتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُم، فكيفَ بمن تكونُ طعامَهُ؟ " وقال الترمذيُّ: صحيح، ورُوي موقوفًا على ابنِ عباس. وقال ابن إسحاق (١): حدثني حكيمُ بنُ حكيم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ لما ذكرَ رسول اللَّه ﷺ شجرةَ الزقومِ: يُخوِّفُنا بها محمد؟! يا معشرَ قريشٍ، أتدرُون ما شجرةُ الزقومِ التي يُخوِّفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوةُ يثربَ بالزبدِ، واللهِ لئنِ استمكنا منها لنتزقمنَّها تزقمًا (٢)، فأنزل اللَّه فيه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيم﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]. أي ليس كما تقول. وأنزل الله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] وقال عبدُ الرزاقِ (٣): عن معمر، عن قتادةَ، في قوله: ﴿فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] قال: زادتُهم تكذيبًا حينَ أخبرَهم أنَّ في النَّارِ شجرةً، فقالوا: يخبرُهم أنَّ في النَّارِ شجرةً، والنَّارُ تحرقُ الشجرَ، فأخبرَهم أنَّ غذاءَها من النارِ. وقد تقدمَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ شجرةَ الزقومِ نابتة في أصلِ سقرَ (٤). ورُوي عن الحسنِ، أنَّ أصلَها في قعرِ جهنمَ، وأغصانَها ترتفعُ إلى دركاتِها. وقال سلامُ بنُ مسكينٍ: سمعتُ الحسنَ تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].

стр. 152

قالَ: إنَّها هناك قد حُميت عليها جهنمُ. وقال مغيرةُ، عن إبراهيمَ وأبي رزينِ: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥]: قال: الشجرُ يغلي. قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجوني يقولُ: بلغَنا أنَّه لا ينهسُ منها نهسةً إلا نهستْ منه مثلَها. وقد دلَّ القرآنُ، على أنَّهم يأكلونَ منها، حتى تمتلى منها بطونُهم، فتغلي في بطونِهم كما يغلي الحميمُ، وهو الماءُ الذي قدْ انتهى حرُّهُ، ثمَّ بعدَ أكلهم منها يشربُونَ عليه من الحميم شربَ الهيم. قال ابنُ عباسٍ في روايةِ علي بنِ أبي طلحة: الهيمُ: الإبلُ العطاشُ (١). وقال السديُّ: هو داء يأخذ الإبلَ فلا تُروى أبدًا حتى تموت، فكذلك أهلُ جهنم لا يُروونَ من الحميم أبدًا. وعن مجاهدٍ نحوُه. وعن الضحاكِ في قولِهِ: ﴿شُرْبَ الْهِيم﴾ [الواقعة: ٥٥] قال: من العربِ مَن يقولُ: هو الرملُ، ومنهم مَنْ يقولُ: الإبلُ العطاش. وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ كلا القولين. ودلَّ قولُهُ سبحانَهُ: ﴿ثُمَّ إِن لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّن حَمِيم﴾ [الصافات: ٦٧] على أنَّ الحميمَ يشابُ به ما في بطونِهِم من الزَّقوم، فيصيرُ شوبًا له. وقال عطاء الخراسانيُّ في هذه الآيةِ: يقالُ: يُخلطُ طعامُهُم ويشاطُ (*) بالحميم. وقال قتادةُ: ﴿لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيم﴾ [الصافات: ٦٧]: مِزاجًا من حميم.

стр. 153

وعن سعيدِ بنِ جبيرِ قال: إذا جاعَ أهلُ النَّارِ، استغاثُوا، من الجوعُ فأُغيثُوا بشجرةِ الزَّقومِ، فأكلوا منها، فانسلختْ وجوهُهُم، حتى لو أنَّ مارًّا مرَّ عليهم يعرفُهم لِعُرْفِ جلود وجوهِهِم، فإذا أكلُوا منها، أُلقي عليهم العطشُ، فاستغاثُوا من العطشِ، فأُغيثوا بماءِ كالمهلِ، والمهلُ: الذي قد انتهى حرُّهُ، فَإِذَا أدنوه من أفواههم، أنضج حره الوجوه، ويصهر به ما في بطونهم، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو عَلَى حاله، يدعون بالثبور (١). وقولُهُ تعالى: ﴿ثمَّ إِن مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٧] أي: بعدَ أكل الزقومِ وشربِ الحميم عليه. ويدلُّ هذا على أنَّ الحميمَ خارجٌ من الجحيم، فهم يردُونَه كما تَرِدُ الإبلُ على الماءَ، ثمَّ يَرِدُون إلى الجحيم. ويدلُّ على هذا أيضًا، قولُه تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن ٤٣ - ٤٤]. والمعنى أنَّهم يتردَّدُون بينَ جهنمَ والحميم، فمرةٌ إلى هذا، ومرةٌ إلى هذا قالَهُ قتادةُ، وابنُ جريجٍ، وغيرُهما. وقال القرظيُّ في قولِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قالَ: إنَّ الحميمَ دونَ النَّارِ، فيُؤخذُ العبدُ بناصيتِه، فيُجرُّ في ذلك الحميم، حتى يذوبَ اللحمُ، ويبقى العظمُ، والعينان في الرأسِ، وهذا الذي يقول اللَّهُ : ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢]. * * *

стр. 154

فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ وقال اللَّه : ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣] وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧] روى الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، في قوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: شوكٌ يأخذُ بالحلقِ لا يدخلُ ولا يخرج (١). ورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ، في قوله: ﴿مِن ضَرِيعٍ﴾ قال: شجرٌ في جهنمَ في النار. وقال مجاهدٌ: الضريعُ: الشبرقُ اليابسُ. ورُوي أيضاً عن عكرمة وقتادة. ورواه العوفي عن ابن عباس. والشبرق: نبت ذو شوك، لاطئ بالأرض، فَإِذَا هاج سمي ضريعًا. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه. وعن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿مِن ضَرِيع﴾ قال: من حجارةٍ، وعنه قال: الزقومُ.

стр. 155

وعن أبي الجوازاء قال: الضريع: السَّلى [شوكُ النخلِ] (*)، وكيف يسمنُ من يأكل الشوكُ؟ وخرج الترمذي (١) من حديث أبي الدرداءِ عن النبيِّ ﷺ : "يُلقَى على أهل النار الجوعُ فيعدلُ ما هم فيه من العذابِ فيستغيثونَ، فيُغاثونَ بطعامٍ من ضريع، لا يسمنُ، ولا يُغني من جوع، فيستغيثونَ بالطعام، فيغاثونَ بطعامٍ ذي غصة، فيذكرون أنهم كانُوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشرابِ، فيستغيثون بالشرابِ، فيدفعُ إليهم الحميمُ كلاليبِ الحديدِ، فإذا دنتْ من وجوهِهِم شوتْ وجوهَهُم، فإذا وصلتْ بطونَهُم قطعتْ ما في بطونِهِم .. " وذكر بقية الحديثِ. وقد رُوي هذا الحديثُ موقوفًا على أبي الدرداءِ. وقيلَ: وقفهُ أشبهُ. وقال : ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ (٢) [الحاقة: ٣٥ - ٣٧]. روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: من غسلين، قَالَ: هو صديد أهل النار (٣). وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس في الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم، وهو طعامهم (٤). وعن مقاتل، قَالَ: إذا سأل القيح والدم، بادروا أكله، قبل أن تأكله النار. وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس: الغسلين: شجرة في جهنم.

стр. 156

وعن الضحاك مثله. وروى خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قَالَ: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم. وقال أبو هلال، عن قتادة: وهو طعام من طعام جهنم، من شر طعامهم. وقال يحيى بن سلام: هو غسالة أجوافهم. قَالَ ابن قتيبة: هو فعلين من غسلت، كأنّه الغسالة. قَالَ شريح بن عبيد: قَالَ كعب: لو دلي من غسلين دلو واحد في مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها. خرّجه أبو نعيم (١). وقد رُوي أن بعض أهل النار يأكل لحمه، وسنذكر الحديث في ذلك، فيما بعد، إن شاء الله. وقال الله تعالى: ﴿(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وقد روي في حديث: "إن أكلةَ الربا [يبعثونَ] (*) تتأججُ أفواهُهُم نارًا" ثم تلا هذه الآية. خرَّجه ابنُ حبانَ في صحيحه (٢) من حديثِ أبي برزةَ عن النبيِّ ﷺ . ...

стр. 157

فصل في شراب أهل النار وأما شرابُهم فقالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَشَارِبونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيم﴾ [الواقعة: ٥٤]. وقالَ تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وقالَ تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]. وقالَ تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ (١) وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦ - ١٧﴾. وقالَ تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (٢) [الكهف: ٢٩]. فهذه أربعة أنواع من شوابهم، ذكرها الله في كتابه: النوع الأولي: الحميم. قَالَ عبد الله بن عيسى الخزاز (*)، عن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس: الحميم: الحار الَّذِي يحرق.

стр. 158

وقال الحسن والسدي: الحميم: الَّذِي قد انتهى حره. وقال جويبر عن الضحاك: يسقى من حميم يغلي منذ خلق الله السماوات والأرض، إِلَى يوم يسقونه، ويصب عَلَى رؤوسهم. وقال ابن وهب، عن ابن زيد الحميم: دموع أعينهم في النار، تجتمع في حياض النار، فيسقونه، وقال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. قَالَ محمد بن كعب: حميم آن: حاضر، وخالفه الجمهور، فقالوا: بل المراد بالآن: ما انتهى حره. وقال شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: حميم آن: الَّذِي قد انتهى غليه (١). وقال سعيد بن بشير عن قتادة: قد آن طبخه، منذ خلق الله السماوات والأرض. وقال الله تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ قَالَ مجاهد: قد بلغ حرها، وحان شربها. وعن الحسن، قَالَ: كانت العرب تقول للشيء، إذا انتهى حره، حتى لا يكون شيء أحر منه: قد أنى حره. فقالَ اللَّهُ : "مِنْ عَينٍ آنِيَة" يقول قد أوقدَ اللَّهُ عليها جهنمَ منذُ خُلقتْ، وآنى حرُّها. وعنه قال: آنَ طبخُها منذُ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَ. وقال السديُّ: انتهى حرُّها، فليس بعدَه حرٌّ. وقد سبقَ حديثُ أبي الدرداء، في دفع الحميم إليهم بكلاليبِ الحديدِ. النوع الثاني: الغسَّاقُ. قَالَ ابن عباس: الغساق: ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه. وعنه قَالَ: الغساق: الزمهرير البارد، الَّذِي يحرق من برده. وعن عبد الله بن عمرو قَالَ: الغساق: القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق

стр. 159

في المغرب، لأنتنت أهل المشرق، ولو تهراق في المشرق، لأنتنت أهل المغرب. وقال مجاهد: غساق: الَّذِي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وقال عطية: هو ما يغسق من جلودهم -يعني يسيل من جلودهم. وقال كعب: غساق: عين في جهنم يسيل إليها (١) حمة كل ذي حمة، من حية وعقرب أو غير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه، ويجر لحمه، كما يجر الرجل ثوبه. وقال السدي: الغساق: الَّذِي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسمونه مع الحميم. وروى دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "لو أن دلوًا من غسَّاقٍ، يُهرَاقُ في الدنيا، لأنتنَ أهلَ الدُّنيا" خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (٢) والترمذيُّ (٣) والحاكم (٤) وصححه. وقال بلال بن سعد: لو أن دلوًا من الغساق، وضع عَلَى الأرض، لمات من عليها. وعنه قَالَ: لو أن قطرة منه، وقعت عَلَى الأرض، لأنتنت ما فيها. خرجهما أبو نعيم. فقد صرح ابن عباس، في رواية عنه، ومجاهد، بأن الغساق هنا هو البارد الشديد البرد. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾

стр. 160

[النبأ: ٢٤ - ٢٥] فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم. وقد قيل: إن الغساق هو البارد المنتن، وليس بعربي. وقيل: إنه عربي، وإنه فعال من غسق، يغسق، والغاسق: الليل، وسمي غاسقًا لبرده. النوع الثالث: الصديد. قال مجاهد في قولِه تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] قَالَ: يعني القيح والدم. وقال قتادة في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: ما يسيلُ من بينِ لحمِه وجلدهِ. قالَ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] قالَ قتادةُ: هلْ لكُم بهذا يدانِ، أم لكُم على هذا صبر؟ طاعةُ اللَّهِ أهونُ عليكُم يا قوم فأطيعُوا اللَّهَ ورسولَه. وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) والترمذيُّ (٢)، "من حديثِ أبي أمامةَ، عن النبيِّ ﷺ ، في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧] قال: يقربُ إلى فيه فيكرهُهُ، فإذا أُدني منه، شَوى وجهَه، ووقعت فروةُ رأسِه، فإذا شَرِبه قطَّعَ أمعاءَه، حتَّى يخرجَ من دبرِه، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قَالَ: في جهنم أودية من قيح تكتاز، ثم تصب في فيه. وفي صحيح مسلم (٣) عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن عَلَى الله عهدًا،

стр. 161

لمن شَرِبَ المسكر أن يسقِيَه من طينةِ الخبالِ. قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قَالَ: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار". وخرج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) وابن حبان في "صحيحه" (٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ ﷺ ، نحوه، إلاَّ أنّه ذكر ذلك في المرة الرابعة. وفي بعض الروايات: "من عين الخبال" (٥). [وخرج الترمذي (٦)، من حديث عبد الله بن عمر، نحوه، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ: "من نهر الخبال"] (*). قيل: يا أبا عبد الرحمن ما نهر الخبال؟ قَالَ: نهر من صديد أهل النار. وقال: حديث حسن. وخرج أبو داود (٧)، من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ نحوه، وقال: "من طينة الخبال". قيل: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قَالَ: "صديد أهل النار". وفي رواية أخرى، قَالَ: "ما يخرج من زهومة (٨) أهل النار وصديدهم". وخرّجه الإمام أحمد بمعناه أيضًا من حديث أبي ذر (٩) وأسماء بنت يزيد (١٠)،

стр. 162

عن النبيّ ﷺ وخرّجه الإمام أحمد (١) وابن حبان (٢) في صحيحه، من حديث أبي موسى عن النّبي ﷺ ، قَالَ: "من مات، مدمن خمر، سقاه الله من نهر الغوطة. قيل: وما نهر الغوطة؟ قَالَ: نهر يخرج من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم". وقد سبق حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، في المتكبرين، وفيه: "يسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال". النوعُ الرَّابعُ: الماءُ الذي كالمهلِ. خرج الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤)، من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، في قوله: كالمهل قَالَ: "كعكر الزيت، فَإِذَا قرب إِلَى وجهه، سقطت فروة وجهه فيه". قَالَ عطية: سئل ابن عباس عن قوله: "كالمهل" قَالَ: غليظ. كدردي الزيت (٥). قَالَ علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أسود كمهل الزيت (٦). وكذا قَالَ سعيد بن جبير وغيره.

стр. 163

وقال الضحاك: أذاب ابن مسعود فضة بيت المال، ثم أرسل إِلَى أهل المسجد، فَقَالَ: من أَحَبّ أن ينظر إِلَى المهل، فلينظر إِلَى هذا. وقال مجاهد: بماء كالمهل: مثل القيح والدم، أسود كعكر الزيت. وخرج الطبراني (١)، من طريق تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس عن النبيّ ﷺ : "لو أن غربًا، جعل من حميم (٢) جهنم، جعل وسط الأرض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب". وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قَالَ: بلغني أن جبريل، قَالَ للنبي ﷺ : "لو أن ذنوبًا من شراب جهنم، صب في ماء الأرض جميعًا، لقتل من ذاقه". خرج بعض المتقدمين، فمر بكروم بقرية، يقال لها: طيز ناباذ، وكأنه كان يعصر فيها الخمر، فأنشد يقول: بطيز ناباذ (٣) كرم ما مررت به ... إلا تعجبت ممن يشرب الماء فهتف به هاتف يقول: وفي جهنم ماء ما تجرعه ... حلق فأبقى له في البطن أمعاء ...

стр. 164

فصل في تنغص السَّلف عَلَى عند ذكر طعام أهل النار وكان كثير من الخائفين من السَّلف، ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار، طعام الدُّنْيَا وشرابها، حتى يمتنعوا من تناوله أحيانًا لذلك. وكان الإمام أحمد يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب فلا أشتهيه. روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قَالَ: أتي عبد الرحمن بن عوف بعشائه، وهو صائم، فقرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢، ١٣] فلم يزل يبكي، حتى رفع طعامه، فما تعشى، وإنه لصائم. خرّجه الجوزجاني. وروى ابن أبي الدُّنْيَا من طريق يونس، عن الحسن، قَالَ: لقي رجل رجلاً، فَقَالَ له: ما هذا إني أراك قد تغير لونك، ونحل جسمك، فما هو؟ فَقَالَ الآخر: وإني أرى ذلك، فمم هو؟ قَالَ: أصبحت منذ ثلاثة أيام صائمًا، فلما أتيت بإفطاري، عرضت لي هذه الآية: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ٦ - ، ١٧]. فلم أستطع أن أتعشى، فأصبحت صائمًا، فلما أتيت بعشائي أيضًا، عرضت لي أيضاً، فلم أستطع أن أتعشى، فلي ثلاث منذ أنا صائم، قَالَ: يقول الرجل الآخر: وهي التي عملت بي هذا العمل. ومن طريق خليد بن حسان الهجري، قَالَ: أمسى الحسن صائمًا فأتي بعشائه، فعرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾

стр. 165

[المزمل: ١٢، ١٣] فقلصت يده، وقال: ارفعوه، فأصبح صائمًا، فلما أمسى، أتي بإفطاره، عرضت له، فَقَالَ ارفعوه فقلنا: يا أبا سعيد، تهلك وتضعف!! فأصبح اليوم الثالث صائمًا، فذهب ابنه إِلَى يحيى البكاء وثابت البناني ويزيد الضبي، فَقَالَ: أدركوا أبي، فإنَّه هالك، فلم يزالوا به، حتى سقوه شربة ماء من سويق. ومن طريق صالح المري قَالَ: كاد عطاء السلمي، قد أضر بنفسه حتى ضعف، فقلت له: إنك قد أضررت بنفسك، وأنا متكلف لك شيئًا، فلا ترد كرامتي، قَالَ: أفعل، قَالَ: فاشتريت سويقًا، من أجود ما وجدت، وسمنًا، قَالَ: فجعلت له شريبة، فلتتها وحليتها، وأرسلت بها مع ابني وكوزًا من ماء، وقلت له: لا تبرح حتى يشربها، فرجع، فَقَالَ: قد شربها، فلما كان من الغد، جعلت له نحوها، ثم سرحت بها مع ابني، فرجع بها لم يشربها، قَالَ: فأتيته فلمته، فقلت: سبحان الله! أرددت علي كرامتي؟! إن هذا مما يعينك ويقويك عَلَى الصلاة، وعلى ذكر الله تعالى، قَالَ: فلما رآني قد وجدت (١) من ذلك، قَالَ: يا أبا بشر، لا يسؤك الله قد شربتها أول ما بعثت بها، فلما كان الغد راودت نفسي عَلَى أن أسيغها، فما قدرت عَلَى ذلك، إذا أردت أن أشربه أذكر هذه الآية: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] فبكى صالح عند هذا، وقال قلت لنفسي؟ ألا أراني في واد وأنت في آخر. وروى الإمام أحمد بإسناده، عن صالح المري، عن عطاء السلمي، قَالَ: كنت إذا ذكرت جهنم، ما يسيغني طعام ولا شراب. وروى عبد الله بن الإمام أحمد، من طريق مرجى بن وداع، قَالَ: انطلقت مع صالح المري، فدخلنا عَلَى عطاء السلمي، فقلنا له: يا عطاء، تركت الطعام والشراب؟! قَالَ: إني إذا ذكرت صديد أهل النار لم أسغه.

стр. 166

وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن عبد المؤمن الصائغ، قَالَ: دعوت رباحًا القيسي ذات ليلة إِلَى منزلي، فجاءني في السحر، فقربت إِلَيْه طعامًا، فأصاب منه شيئًا، فقلت: ازدد فما أراك شبعت، قَالَ: فصاح صيحة أفزعتني، وقال: كيف أشبع أيام الدُّنْيَا، وشجرة الزقوم بين يدي طعام الأثيم، قَالَ: فرفعت الطعام من بين يديه، فقلت: أنت في شيء ونحن في شيء. وبإسناده عن أبي سعد (*)، قَالَ: دخل عبيد الله بن الوليد، عَلَى حبابة التيمية، فعدمت له سمنًا وخبزًا وعسلاً، فَقَالَ: يا حبابة ما تخافين أن يكون بعد هذا الضريع، قَالَ: فما زال يبكى وتبكي، حتى قام ولم يأكل شيئًا. وبإسناده عن سوار بن عبد الله القريعي، قَالَ: كنا مع عمرو بن درهم في بعض السواحل، وقال: وكان لا يأكل إلاَّ من السحر إِلَى السحر، فجئنا بطعام، فلما رفع الطعام إِلَى فيه، سمع بعض المتهجدين وهو يقرأ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣، ٤٤] فغشي عليه، وسقطت اللقمة من يده، فلم يفق إلاَّ بعد طلوع الفجر، فمكث بذلك سبعًا، لا يطعم شيئًا، كما قرب إِلَيْهِ عام، عرضت له الآية، فيقوم ولا يطعم شيئًا، فاجتمع إِلَيْه أصحابه، فقالوا: سبحان الله! تقتل نفسك؟! فلم يزالوا به حتى أصاب شيئًا. وبإسناده عن محمد بن سويد، قَالَ: كان لطاووس طريقان إذا رجع من المسجد، أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلّى المغرب، فإذا أخذ الطريق الَّذِي فيه الرواس لم يتعش، فقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إذا رأيت تلك الرؤوس كالحة لم أستطع آكل. وذكر مالك بن أنس هذه الحكاية، عن طاووس، قَالَ مالك: يعني لقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] وروى ابن أبي الدُّنْيَا أيضاً بإسناده عن عبد الله بن عمر أنّه شرب ماء باردًا فبكى واشتد بكاؤه، فقيل: ما يبكيك؟ فَقَالَ: ذكرت آية في كتاب الله قوله:

стр. 167

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئًا، شهوتهم الماء البارد، وقد قَالَ الله تعالى: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وعن سلام بن أبي مطيع، قَالَ: أتي الحسن بكوز من ماء، ليفطر عليه، فلما أدناه إِلَى فيه بكى، وقال: ذكرت أمنية أهل النار وقولهم: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] وذكرت ما أجيبوا به ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وعن عبد الملك بن مروان، أنه شرب ماء باردًا، فقطعه ثم بكى، فقيل: له ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! قَالَ: ذكرت شدة العطش يوم القيامة، وذكرت أهل النار وما منعوا من بارد الشراب، ثم قرأ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. وروى عبد الله بن الإمام أحمد، بإسناده عن إبراهيم النخعي، قَالَ: ما قرأت هذه الآية إلاَّ ذكرت برد الشراب، وقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. واستسقى محمد بن مصعب العابد ماء، فسمع صوت البراد، وقال لنفسه: من أين لك في النار براد؟ ثم قرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]. ***

стр. 168

الباب التاسع عشر في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم قَالَ الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]. كان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية في قصصه يقول: سبحان من خلق من النار ثيابًا! وروينا من طريق يحيى بن معين، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا عبد الله بن بحير، عن عباس الجريري -أحسبه عن ابن عباس- قَالَ: يقطع للكافر ثياب من نار، حتى ذكر القباء والقميص والكمة. وخرج أبو داود (١) وغيره (٢)، من حديث المستورد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من أكل برجل (٣) مسلم أكلة في الدُّنْيَا، أطعمه الله مثلها في جهنم، ومن كسي أو اكتسى برجل مسلم ثوبًا، كساه الله مثله في جهنم". وفي مسند الإمام أحمد (٤) عن هبيب بن مغفل، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من وطئ إزاره خيلاء، وطئه في النار".

стр. 169

وهذا يبين معنى ما في صحيح البخاري (١) عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قَالَ: "ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار" أن المراد ما تحت الكعب من البدن والثوب معًا. وأنه يسحب ثوبه في النار كما يسحبه في الدُّنْيَا خيلاء. وسيأتي حديث: "أهون أهل النار عذابًا، من في قدميه نعلان من نار، يغلي منهما دماغه". فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي كتاب أبي داود (٢) والنسائي (٣) والترمذي (٤)، عن بريدة أن النبيّ ﷺ ، رأى عَلَى رجل خاتمًا من حديد، فَقَالَ: "مالي أرى عليك حلية أهل النار؟! ". وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبيّ ﷺ : "أن أول من يكسى حلة من النار إبليس، يضعها عَلَى حاجبيه، وبسحبها من خلفه [و] (*) ذريته من خلفه، وهو يقول: يا ثبوره! وهم ينادون: يا ثبورهم! حتى يقفوا عَلَى النار، فيقول: يا ثبوره! فيقول: يا ثبورهم فيقال: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] خرّجه الإمام أحمد (٥). وفي حديث عدي الكندي، عن عمر، أن جبريل قَالَ للنبي ﷺ : "والذي بعثك بالحق، لو أن ثوبًا من ثياب أهل النار، علق بين السماء والأرض، لمات من في الأرض كلهم جميعًا من حره"، وخرّجه الطبراني، وسبق ذكر إسناده. وفي موعظة الأوزاعي للمنصور قَالَ: بلغني أن جبريل قَالَ للنبي ﷺ ، فذكر بنحوه.

стр. 170

فصل في أن سرابيل أهل النار من قطران قَالَ الله : ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٤٩، ٥٠]. قَالَ علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ قال: هو النحاس المذاب (١). وروى حصينُ عن عكرمةَ، في قولِهِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ قال: من صفر يحمى عليها. قال معمرٌ [عن قتادةَ في قولِهِ: ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ قال: من النحاسِ. قال معمرٌ:] (*) وقال الحسنُ: قطرانُ الإبلِ. وفي صحيح مسلم (٢) عن أبي مالك الأشعري، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرعه من جرب". وخرّجه ابن ماجه (٣)، ولفظه: "النائحة إذا ماتت، ولم تتب، قطع الله لها ثيابًا من فطران، ودرعًا من لهب النار". وخرج ابن ماجه (٤) أيضاً، من حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ : "إن النائحة إذا لم تتب، قبل أن تموت، فإنها تبعث يوم القيامة، عليها سرابيل من قطران، ثم يُغْلَى عليها، بدروع من لهب النار".

стр. 171

فصل تفسير قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. قَالَ محمد بن كعب والضحاك والسدي وغيرهم: المهاد: الفرش، والغواس، اللحف. وقال الحسن في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. قَالَ: فراشًا ومهادًا. وقال قتادة: محبسًا حصروا فيه. وروى مسكين، عن حوشب عن الحسن، أنّه كان إذا ذكر أهل النار قَالَ في وصفهم: قد حذيت لهم نعال من نار، وسرابيل من قطران، وطعامهم من نار، وشرابهم من نار، وفرش من نار، ولحف من نار، ومساكن من نار، [في شر دار، وأسود عذاب في الأجساد] (*) أكلاً أكلاً، وصهْرًا صهْرًا، وحطْمًا حطْمًا. وروى داود بن المحبر، عن الحسن بن واصل، وعبد الواحد بن زيد، عن الحسن، قَالَ: إن رجلاً من صدر هذه الأمة، كان إذا دخل المقابر نادى: يا أهل القبور! بعد الرفاهية والنعيم معالجة الأغلال في النار، وبعد القطن والكتان لباس القطران ومقطعات النيران، وبعد تلطف الخدم [والحشم]، (*) ومعانقة الأزواج، مقارنة الشيطان في نار جهنم، مقرنين في الأصفاد.

стр. 172

وروى ابنُ أبي الدنيا، بإسنادِهِ، عن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: أما أهلُ النارِ الذينَ هم أهلُها، فهم في النارِ لا يهدؤون ولا ينامونَ ولا يموتونَ، ويمشونَ على النارِ، ويجلسونَ [على النارِ،] (*) ويشربونَ من صديدِ أهلِ النارِ، ويأكلونَ من زقومِ النارِ، فرشُهم ولحفهم نار، وقمصُهُم نار وقطران، وتغشى وجوهَهُمُ النارُ، وجميعُ أهلِ النارِ في سلاسلَ بأيدي الخزنةِ أطرافُها، يجذبونَهم مقبلينَ ومدبرينَ، فيسيلُ صديدُهم إلى حفرٍ في النارِ فذلكَ شرابُهُم، قالَ: ثم بَكَى وهب حتى سقطَ مغشيًّا عليهِ، وغلبَ بكرُ بنُ خنيسٍ عندَ روايتِهِ هذا الحديثِ البكاءُ، حتى قامَ فلم يقدرْ أن يتكلمَ، وبكى محمدُ بنُ جعفرٍ بكاءًا شديدًا. وبإسنادِهِ عن هدابٍ، قال: أقبلتْ أمُّ يحيى بن زكريا على يحيى في ثوبٍ تعالجه لَهُ ليلبسه، فقال لها: أفعل، فقالتْ: من أيِّ شيءٍ؟ قالَ من شعرٍ، قالتْ: يا بنيَّ إذًا يأكلُ لحمَكَ، قال: يا أمَّه، إذا ذكرتُ مقطعاتِ أهلِ النارِ لانَ عليَّ جِلْدي. وكان عطاء الخراسانيُّ ينادِي أصحابهُ في السفرِ: يا فلانُ ويا فلانُ! قيامُ هذا الليلِ، وصيامُ هذا النهارِ، أيسرُ من شراب الصديد ومقطعات الحديد، ألوَاحَا ثم ألواحَا ثم ألواحَا (١)، ثم يقبلُ على صلاتِهِ. ولما ماتت النور امرأة الفرزدق ودفنت، وقف الفرزدق عَلَى قبرها، وأنشد بحضرة الحسن ﵀ هذه الأبيات: أخاف وراء القبر -إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابًا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مثسى ... إِلَى النار، مغلول القلادة أزرقا يساق إِلَى نار الجحيم مسربلاً ... سرابيل قطران لباسًا محرقا إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم ... يذوبون من حر الصديد تمزقا فبكى الحسن رحمة الله عليه.

стр. 173

الباب العشرون في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهيئاتهم خرج البخاري (١)، من حديث أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب السريع". وخرّجه مسلم (٢)، ولفظه، عن أبي هريرة يرفعه، قَالَ: "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع". وخرج مسلم (٣) أيضاً عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ضرس الكافر - أو ناب الكافر- مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث". وخرج الحاكم (٤)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعًا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان (٥)، ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الربذة" (٦). خرّجه الإمام أحمد، ولم يذكر فيه عضده، وخرّجه الحاكم موقوفًا عَلَى أبي هريرة، وزاد فيه:

стр. 174

قَالَ أبو هريرة: وكان يقال: بطنه مثل بطن إضم (١). وخرج الإمام أحمد (٢)، عن أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ضرس الكافر مثل أحد وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد (٣) ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار". وخرج الترمذي (٤)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة". وقال: قوله: مثل الربذة يعني كما بين المدينة والربذة، والبيضاء جبل. وخرج أيضاً (٥)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة". وخرج الإمام أحمد (٦)، من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يعظم أهل النار في النار، حتى إن ما بين شحمة أذن أحدهم إِلَى عاتقه، مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد". وخرج الإمام أحمد (٧) والحاكم (٨)، من حديث أبي سعيد عن النبيّ ﷺ ،

стр. 175

قَالَ: "إن مقعد الكافر من النار مسيرة ثلاثة أيام، وكل ضرس مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وجلده سوى لحمه وعظامه أربعون ذراعًا". وخرج ابن ماجه (١)، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "إن الكافر ليعظم، حتى إن ضرسه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده عَلَى ضرسه كفضيلة جسد أحدكم عَلَى ضرسه". وخرج البزار (٢)، من حديث ثوبان، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده أربعون ذراعًا بذراع الجبار". وخرج الطبراني (٣) وغيره، من حديث المقدام بن معد يكرب، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يعظم الكافر ونار، حتى يصير غلظ جلده أربعين باعًا، وحتى يصير الناب مثل أحد". وخرج الطبراني (٤) أيضًا، عن المقدام، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من كان من أهل النار، عظموا وفخموا كالجبال". وقال زيد بن أرقم: إن الرجل من أهل النار، ليعظم للنار، حتى يكون الضرس من أضراسه كأحده خرّجه الإمام أحمد موقوفًا (٥). وعن ابن عباس، قَالَ: إن بين شحمة أذن أحدهم -يعني أهل النار- وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفًا، أودية القيح والدم، قِيلَ لَهُ: أنهار؟ قَالَ: بل أودية. خرّجه الإمام أحمد، وقد سبق بتمامه.

стр. 176

وعن عمرو بن ميمون، قَالَ: إنه ليسمع بين جلد الكافر ومه، جلبة الدود، كجلبة الوحش. وخرج الإمام أحمد (١) والترمذي (٢)، من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الكافر يجر لسانه يوم القيامة وراءه قدر فرسخين يتوطؤه الناس". وقد ورد نحو ذلك في حق عصاة الموحدين أيضاً، فخرج الإمام أحمد (٣) وابن ماجه (٤) والحاكم (٥)، من حديث الحارث بن أقيش، عن النبي ﷺ " قَالَ: "إن من أمتي من يعظم للنار، حتى يكون أحد زواياها". وروى الطبراني (٦) من حديث أبي غنم الكلاعي، عن أبي غسان الضبي"، قَالَ: قَالَ لي أبو هريرة -بظهر الحيرة تعرف عبد الله بن خداش- قَالَ: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فخذه في جهنم مثل أحد، وضرسه مثل البيضاء، قلت: لم ذلك يا رسول الله؟! قَالَ: كان عاقًّا لوالديه". وروى أغلب بن تميم، وفيه ضعف، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "يجاء بالأمير الجائر يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلجوا عليه (٧)، فيَقُولُونَ له: سد عنا

стр. 177

ركنًا من أركان جهنم". وروى الخلال في كتاب السنة، من حديث الحكم بن الأعرج، عن أبي هريرة، قَالَ: يعظم الرجل في النار، حتى يكون مسيرة سبع ليال، وضرسه مثل أحد، شفاههم عَلَى صدورهم مقبوحين، يتهافتون في النار. وروى مسكين عن حوشب، عن الحسن، أنّه ذكر أهل النار، فَقَالَ: قد عظموا لجهنم مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن للراكب الجواد، وإن ناب أحدهم مثل النخل الطوال، وإن دبره لمثل الشعب، مغلولة أيديهم إِلَى أعناقهم، قد جمع بين نواصيهم وأقدامهم، [والملائكة] (*) يضربون وجوههم وأدبارهم يسوقونهم إِلَى جهنم. فيقول العبد للملك: ارحمني. فيقول: كيف أرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟! ...

стр. 178

فصل في تفسير قوله تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون قَالَ الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. روى دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا، حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى! حتى تضرب سرته" خرّجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) والحاكم (٣) وقالا: صحيح. وعن ابن مسعود أنّه قَالَ في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قَالَ: ككلوح الرأس النضيح (٤). وعنه: ككلوح الرأس المشيط بالنار، قد بدت أسنانهم، وتقلصت شفاههم (٥). وعنه قَالَ: ألم تر إِلَى الرأس المشيط بالنار، وقد تقلصت شفتاه، وبدت أسنانه (٦)؟!. وخرج الخلال في كتاب السنة، من حديث الحكم بن الأعرج، عن أبي هريرة، قَالَ: يعظم الرجل في النار، حتى يكون مسيرة سبع ليال، ضرسه مثل

стр. 179

أحد، شفاههم عَلَى صدورهم مقبوحين، يتهافتون في النار. قَالَ أبو بكر بن عياش، عن محمد بن سويد: كان لطاووس طريقان إذا رجع من المسجد، أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلّى المغرب، فَإِذَا أخذ الطريق الَّذِي فيه الرواس لم يتعش، فقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إذا رأيت الرؤوس كالحة لم أستطع آكل، قَالَ أبو بكر: فذكرته لسريع المكي، فَقَالَ: قد رأيته يقف عليها. وقال أبو غندر الدمشقي: كان أويس إذا نظر إِلَى الرؤوس المشوية، يذكر هذه الآية: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] فيقع مغشيًّا عليه، حتى يظن من نظر إليه أنّه مجنون. خرجهما ابن أبي الدُّنْيَا وغيره. وقال الأصمعي: حدثنا الصقر بن حبيب، قَالَ: مر ابن سيرين برواس قد أخرج رأسًا، فغشي عليه. ***

стр. 180

فصل في تفسير قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها قَالَ- الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. روى نافع مولى يوسف السلمي، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: قرأ رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فَقَالَ عمر: أعد علي، فأعادها عليه، فَقَالَ معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: "تبدل في ساعة واحدة مائة مرة"، فَقَالَ عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ . خرّجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه (١). وخرّجه ابن مردويه أيضاً من طريق نافع أبي هرمز، أنبأنا نافع، عن ابن عمر، قَالَ: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] فَقَالَ عمر: أعده علي وثم كعب، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام، قَالَ: فَقَالَ: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعتها من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها: قَالَ: "إني قرأتها قبل الإسلام" ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ في الساعة الواحدة: عشرين ومائة مرة، فَقَالَ عمر: هكذا سمعت من
следующие страницы →