وعن عمرو بن ميمون، قَالَ: إنه ليسمع بين جلد الكافر ومه، جلبة الدود، كجلبة الوحش.
وخرج الإمام أحمد (١) والترمذي (٢)، من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الكافر يجر لسانه يوم القيامة وراءه قدر فرسخين يتوطؤه الناس".
وقد ورد نحو ذلك في حق عصاة الموحدين أيضاً، فخرج الإمام أحمد (٣) وابن ماجه (٤) والحاكم (٥)، من حديث الحارث بن أقيش، عن النبي ﷺ " قَالَ: "إن من أمتي من يعظم للنار، حتى يكون أحد زواياها".
وروى الطبراني (٦) من حديث أبي غنم الكلاعي، عن أبي غسان الضبي"، قَالَ: قَالَ لي أبو هريرة -بظهر الحيرة تعرف عبد الله بن خداش- قَالَ: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فخذه في جهنم مثل أحد، وضرسه مثل البيضاء، قلت: لم ذلك يا رسول الله؟! قَالَ: كان عاقًّا لوالديه".
وروى أغلب بن تميم، وفيه ضعف، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: "يجاء بالأمير الجائر يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلجوا عليه (٧)، فيَقُولُونَ له: سد عنا
стр. 177
ركنًا من أركان جهنم".
وروى الخلال في كتاب السنة، من حديث الحكم بن الأعرج، عن أبي هريرة، قَالَ: يعظم الرجل في النار، حتى يكون مسيرة سبع ليال، وضرسه مثل أحد، شفاههم عَلَى صدورهم مقبوحين، يتهافتون في النار.
وروى مسكين عن حوشب، عن الحسن، أنّه ذكر أهل النار، فَقَالَ: قد عظموا لجهنم مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن للراكب الجواد، وإن ناب أحدهم مثل النخل الطوال، وإن دبره لمثل الشعب، مغلولة أيديهم إِلَى أعناقهم، قد جمع بين نواصيهم وأقدامهم، [والملائكة] (*) يضربون وجوههم وأدبارهم يسوقونهم إِلَى جهنم.
فيقول العبد للملك: ارحمني.
فيقول: كيف أرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!
...
стр. 178
فصل في تفسير قوله تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون
قَالَ الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.
روى دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: "تشويه النار، فتقلص شفته العليا، حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى! حتى تضرب سرته" خرّجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) والحاكم (٣) وقالا: صحيح.
وعن ابن مسعود أنّه قَالَ في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قَالَ: ككلوح الرأس النضيح (٤).
وعنه: ككلوح الرأس المشيط بالنار، قد بدت أسنانهم، وتقلصت شفاههم (٥).
وعنه قَالَ: ألم تر إِلَى الرأس المشيط بالنار، وقد تقلصت شفتاه، وبدت أسنانه (٦)؟!.
وخرج الخلال في كتاب السنة، من حديث الحكم بن الأعرج، عن أبي هريرة، قَالَ: يعظم الرجل في النار، حتى يكون مسيرة سبع ليال، ضرسه مثل
стр. 179
أحد، شفاههم عَلَى صدورهم مقبوحين، يتهافتون في النار.
قَالَ أبو بكر بن عياش، عن محمد بن سويد: كان لطاووس طريقان إذا رجع من المسجد، أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلّى المغرب، فَإِذَا أخذ الطريق الَّذِي فيه الرواس لم يتعش، فقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إذا رأيت الرؤوس كالحة لم أستطع آكل، قَالَ أبو بكر: فذكرته لسريع المكي، فَقَالَ: قد رأيته يقف عليها.
وقال أبو غندر الدمشقي: كان أويس إذا نظر إِلَى الرؤوس المشوية، يذكر هذه الآية: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] فيقع مغشيًّا عليه، حتى يظن من نظر إليه أنّه مجنون. خرجهما ابن أبي الدُّنْيَا وغيره.
وقال الأصمعي: حدثنا الصقر بن حبيب، قَالَ: مر ابن سيرين برواس قد أخرج رأسًا، فغشي عليه.
***
стр. 180
فصل في تفسير قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها
قَالَ- الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
روى نافع مولى يوسف السلمي، عن نافع، عن ابن عمر، قَالَ: قرأ رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فَقَالَ عمر: أعد علي، فأعادها عليه، فَقَالَ معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: "تبدل في ساعة واحدة مائة مرة"، فَقَالَ عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ . خرّجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه (١).
وخرّجه ابن مردويه أيضاً من طريق نافع أبي هرمز، أنبأنا نافع، عن ابن عمر، قَالَ: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] فَقَالَ عمر: أعده علي وثم كعب، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام، قَالَ: فَقَالَ: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعتها من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها: قَالَ: "إني قرأتها قبل الإسلام" ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ في الساعة الواحدة: عشرين ومائة مرة، فَقَالَ عمر: هكذا سمعت من
стр. 181
رسول الله ﷺ (١).
نافع أبو هرمز: ضعيف جداً، وهو نافع مولى يوسف السلمي أيضاً، عند طائفة من الحفاظ، منهم ابن عدي. ومنهم من قَالَ: هما اثنان وكلاهما ضعيف.
وروى الربيع بن برة، عن الفضل الرقاشي، وإن عمر سأل كعبًا عن هذه الآية، فَقَالَ: إن جلده يحرق ويجدد في ساعة، أو في مقدار ساعة، مائة ألف مرة، فَقَالَ عمر: صدقت (٢). وهذا منقطع.
وروى ثوير بن أبي فاختة -وهو ضعيف- عن ابن عمر، أنّه قَالَ في هذه الآية: إذا أحرقت جلودهم، بدلوا جلودًا بيضاء أمثال القراطيس. خرّجه ابن أبي حاتم.
وخرج أيضاً بإسناده عن يحيى بن يزيد الحضرمي، أنّه بلغه في هذه الآية، قَالَ: يجعل للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب.
وعن هشام، عن الحسن، في هذه الآية قَالَ: تأكلهم النارل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم، قِيلَ لَهُم: عودوا [فيعودون] (*) كما كانوا (٣).
وعن الربيع بن أنس، قَالَ: مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا، وسنه تسعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فَإِذَا أكلت النار جلوب هم بدلوا جلودًا غيرها.
...
стр. 182
فصل في تسويد وجوه أهل النار ومد جسومهم
خرج الترمذي (١) من حديث السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قَالَ: "يدعى أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعًا، ويبيض وجهه، ويجعل عَلَى رأسه تاج من نور يتلألأ، فينطلق إِلَى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول لهم: أبشروا! لكل رجل منكم مثل هذا.
قَالَ: وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد له في جسمه ستون ذراعًا في صورة آدم ويلبس تاجًا من نار، فيراه أصحابه، فيَقُولُونَ: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، فيأتيهم، فيَقُولُونَ: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله! فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وقال: حسن غريب.
وروى عطاء بن يسار، عن كعب، قَالَ: يؤتى بالرئيس في الشر، فيقال له: أجب ربك، فينطلق به إِلَى ربه، فيحتجب عنه، ويؤمر به إِلَى النار، فيرى منزله ومنزل أصحابه، فيقال: هذه منزلة فلان، هذه منزلة فلان، فيرى ما أعد الله لهم فيها من الهوان، ويرى منزلته شر من منازلهم.
قَالَ: فيسود وجهه، وتزرق عيناه، ويوضع عَلَى رأسه (*) قلنسوة من نار، فيخرج، فلا يراه أهل ملأ إلاَّ تعوذوا بالله منه، فيأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه عَلَى الشر ويعينونه عليه، فما يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في النار، حتى يعلو وجوههم من السواد مثل ما علا وجهه، فيعرفهم الناس بسواد
стр. 183
وجوههم، فيَقُولُونَ: هؤلاء أهل النار. خرّجه أبو نعيم (١) وغيره.
وهذا إِنَّمَا هو قبل دخولهم النار، فإذا دخلوا النار، عظم خلقهم، عَلَى ما تقدم في الأحاديث السابقة.
وأما سنهم فعلى سن أهل الجنة لا يزادون عليه.
روى دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من مات من أهل الجنة، من صغير وكبير، يردون بني ثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النار" خرّجه الترمذي (٢). وفي رواية غير الترمذي "بني ثلاث وثلاثين" (٣).
وخرَّج الطبراني (٤)، من طريق سليم بن عامر، عن المقدام بن معد يكرب، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما من أحد يموت سقطًا ولا هرمًا، وإنما الناس بين ذلك، إلاَّ بعث ابن ثلاثين سنة، فإن كان من أهل الجنة، كان عَلَى مسحة آدم، وصورة يوسف، وقلب أيوب، ومن كان من أهل النار، عظموا وفخموا كالجبال".
ورواه غير الطبراني وقال: "أبناء ثلاث وثلاثين سنة" (٥).
...
стр. 184
فصل
ذو الوجهين في الدُّنْيَا له وجهان من نار يوم القيامة
وقد ورد أن بعضهم له لسانان من نار، ووجهان من نار.
ففي سنن أبي داود (١) عن عمار، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من كان له وجهان في الدُّنْيَا، كان له يوم القيامة لسانان من نار".
ويروى نحوه، من حديث أنس (٢) وأبي هريرة (٣) أيضًا.
وخرج الطبراني (٤)، من حديث سعد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ذو الوجهين في الدنيا، يأتى يوم القيامة، وله وجهان من نار".
...
стр. 185
فصل ومنهم من تمسخ صورته عَلَى صورة قبيحة
وفي الصحيح (١) أن إبراهيم ﵇، إذا شفع في أبيه، قِيلَ لَهُ: يا إبراهيم، انظر ما وراءك، فإذا هو بذيخ ملطخ (٢)، فيؤخذ بقوائمه، ويلقى في النار. والذيخ: الضبع الذكر.
وقال أبو العالية، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] قَالَ: في النار في صورة خنزير، خرّجه ابن أبي حاتم.
وقال ابن مسعود: إذا أراد الله أن لا يخرج منها أحدًا، غير صورهم وألوانهم، فلا يعرف منهم أحد.
وسنذكر كلامه بتمامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
...
стр. 186
فصل في نتن ريح أهل النار
قَالَ الأوزاعي في موعظته للمنصور: بلغني أن جبريل قَالَ للنبي ﷺ : "لو أن رجلاً أدخل النار، ثم أخرج منها، لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقته".
وقد رواه أيضاً بكر بن خنيس، عن عبد الملك الجسري، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلاً.
وروى ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، قَالَ لو أن رجلاً من أهل النار أخرج إِلَى الدُّنْيَا، لمات أهل الأرض من وحشة منظره ونتن ريحه، قَالَ: ثم بكى عبد الله بكاء شديدًا، خرّجه ابن أبي الدُّنْيَا (١).
وخرج أيضاً (٢)، من طريق النضر بن إسماعيل، قَالَ: مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة (٣)، فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل، فَقَالَ: ما يبكيك رحمك الله؟
قَالَ: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل البلاء بأهل النار، فذلك الَّذِي أبكاني.
...
стр. 187
الباب الحادي والعشرون في ذكر أنواع عذاب أهل النار فيها وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم
خرج مسلم (١)، من حديث سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "منهم من تأخذه النار إِلَى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إِلَى ترقوته" (٢).
وخرج الإمام أحمد (٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى كعبيه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى ركبتيه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى أرنبته (٤) مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى صدره مع إجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر".
وفي الصحيحين (٥)، من حديث النعمان بن بشير، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم".
ولفظ مسلم: "إن أهون أهل النار عذابًا، من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم
стр. 188
عذابًا".
ولمسلم (١)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ : "إن أدنى أهل النار عذابًا، منتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حر نعليه".
وفي الصحيحين (٢)، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، أنّه ذكر عنده عمه أبو طالب، فَقَالَ: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، تبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه".
وفيهما أيضاً (٣)، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه قَالَ: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قَالَ: "نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار".
وفي رواية لمسلم (٤)، قَالَ: "وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إِلَى ضحضاح".
ولمسلم أيضاً (٥)، من حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه".
وروى الحكم بن ظهير، وهو ضعيف، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ "إن أشد الناس عذابًا، [رجل يرمى به فيها، فيهوي فيها سبعين خريفًا، وإن أدنى أهل النار عذابًا] (*)، رجل في ضحضاح من النار، يغلي منه دماغه، حتى يخرج من منخره".
وروى مسكين أبو فاطمة، عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن
стр. 189
محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ ، أنّه ذكر أهل الكبائر من الموحدين، فَقَالَ: "منهم من تأخذه النار إِلَى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إِلَى عنقه، عَلَى قدر ذنوبهم وأعمالهم" وذكر الحديث، وهو منكر، قاله: الدارقطني وغيره.
وقال عبيد بن عمير، قَالَ رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل النار عذابًا، لرجل، عليه نعلان، يغلي منهما دماغه، كأنه مرجل، مسامعه جمرة، وأضراسه جمرة، وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل، في الماء الكثير، فهو يفور". خرّجه هناد بن السري في "كتاب الزهد" (١) بإسناد صحيح إِلَى عبيد، وهو مرسل، وقد رُوي عن عبيد موقوفًا غير مرفوع.
وروى أيضاً (٢) بإسناده، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قَالَ عبد الله: اطلع ثم اطلع إِلَى أصحابه، فَقَالَ: لقد رأيت جماجم القوم تغلي.
وإسناده عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] قَالَ: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وعن سفيان الثوري، قَالَ في هذه الآية: تغلي بهم كالحب القليل في الماء الكثير.
وفي مصنف عبد الرزاق (٣): عن معمر، عن إسماعيل بن أبي سعيد، أن عكرمة، مولى ابن عباس، أخبره أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل يطأ جمرة، يغلي منها دماغه".
فَقَالَ أبو بكر الصديق ﵁: وما كان جرمه يا رسول الله؟
قَالَ: كانت له ماشية، يغشى بها الزرع ويؤذيه".
стр. 190
وفي صحيح مسلم (١)، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يؤتى بأنعم أهل الدُّنْيَا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟!.
فيقول: لا والله يا رب!! ".
واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب، هو بحسب تفاوت أعمالهم، التي دخلوا بها النار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] قَالَ ابن عباس: وفق أعمالهم، فليس عقاب من تغلظ كفره، وأفسد في الأرض، ودعا إِلَى الكفر، كمن ليس كذلك، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]
وكذلك، تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار، بحسب أعمالهم.
فليس عقوية أهل الكبائر، كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب، بحسنات أخر له، أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار، كما سيأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
وأما الكفار، إذا كان لهم حسنات في الدُّنْيَا، من العدل والإحسان إِلَى الخلق، فهل يخفف عنهم بذلك من العذاب في النار أو لا؟.
هذا فيه قولان للسلف وغيرهم:
أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك أيضًا.
روى ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، معنى هذا القول، واختاره ابن جرير الطبري وغيره.
وروى الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، قَالَ: قالت عائشة: يا رسول الله،
стр. 191
أين عبد الله بن جدعان؟
قَالَ: "في النار".
فجزعت عائشة، واشتد عليها.
فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، قَالَ: "يا عائشة، ما يشتد عليك من هذا؟ "
قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله!! إنه كان يطعم الطعام ويصل الرحم.
قَالَ: "إنه يهون عليه بما قلت". خرّجه الخرائطي في كتاب "مكارم الأخلاق" (١). وهو مرسل.
وروى عامر بن مدرك الحارثي، عن عتبة بن اليقظان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "ما أحسن من محسن، كافر أو مسلم، إلاَّ أثابه الله في عاجل الدُّنْيَا، أو ادخر له في الآخرة".
قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر في الدُّنْيَا؟
قَالَ: "إن كان قد وصل رحمًا، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك" قلنا: فما إثابة الكافر في الآخرة (*)؟
قاله: عذابًا دون العذاب، ثم تلا: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. خرّجه ابن أبي حاتم (٢) والخرائطي (٣) والبزار في مسنده (٤) والحاكم في
стр. 192
المستدرك (١) وقال: صحيح الإسناد، وخرّجه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" (٢) وقال: في إسناده نظر. انتهى، وعتبة بن يقظان تكلم فيه بعضهم.
وقد سبقت الأحاديث، في تخفيف العذاب عن أبي طالب، بإحسانه إِلَى النبي ﷺ .
وخرج الطبراني (٣)، بإسناد ضعيف، عن أم سلمة ﵂، أن الحارث بن هشام، أتى النبيّ ﷺ ، يوم حجة الوداع فَقَالَ: "إنك تحث عَلَى صلة الرحم، وإيواء اليتيم، وإطعام الضعيف والمسكين، وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة، فما ظنك به يا رسول الله؟ ".
فَقَالَ: "كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلاَّ الله، فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار فأخرجه الله بمكانه مني وإحسانه إلي فجعله في ضحضاح من النار".
والقول الثاني: أن الكافر لا ينتفع في الآخرة بشيء من الحسنات بحال.
ومن حجة أهل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ونحو هذا من الآيات.
وفي صحيح مسلم (٤): عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدُّنْيَا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما
стр. 193
عمل بها في الدُّنْيَا، حتى إذا أفضى إِلَى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها".
وفي رواية له أيضًا (١): "إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة في الدُّنْيَا، وأما المؤمن، فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدُّنْيَا عَلَى طاعته".
وفيه أيضاً (٢): عن عائشة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قَالَ: "لم ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
وهؤلاء جعلوا تخفيف العذاب عن أبي طالب، من خصائصه بشفاعة النبيّ ﷺ ، وجعلوا هذه الشفاعة من خصائص النبيّ ﷺ لا يشركه فيها غيره.
...
стр. 194
فصل ومن عذاب أهل النار: الصهر
ومن أنواع عذابهم الصهر:
قَالَ الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠].
قَالَ مجاهد: "يصهر به" يذاب به إذابة.
وقال عطاء الخراساني: يذاب به ما في بطونهم، كما يذاب الشحم.
وخرج الترمذي (١)، من حديث أبى هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن الحميم ليصب عَلَى رؤوسهم، فينفذ الحميم حتى يخلص إِلَى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان". وقال: حسن غريب صحيح.
وقال الله : ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٧ - ٤٩].
قَالَ كثير من السَّلف: نزلت هذه الآية في أبي جهل.
قَالَ الأوزاعي: يؤخذ أبو جهل يوم القيامة، فيخرق في رأسه خرق، ثم يؤتى بسجل من الحميم، فيصب في ذلك الخرق، ثم يقال له: ذق إنك أنت العزيز الكريم.
وقال مجاهد في قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] قَالَ: النحاس: الصفر يذاب، فيصب عَلَى رؤوسهم، يعذبون به.
стр. 195
وقال عطاء الخراساني، في قوله تعالى: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قَالَ: الصفر، يذاب فيصب عَلَى رؤوسهم، فيعذبون به.
وقد سبق في الباب الثامن عشر آثار متعددة تتعلق بهذا الفصل أيضاً.
***
стр. 196
فصل في تفسير قوله تعالى: التي تطلع عَلَى الأفئدة
قَالَ الله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٤ - ٧].
قَالَ محمد بن كعب القرظي، في قوله: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قَالَ: تأكله النار إِلَى فؤاده، فإذا بلغت (*) فؤاده، أنشئ خلقه.
وعن ثابت البناني، أنّه قرأ هذه الآية، ثم قَالَ: تحرقهم إِلَى الأفئدة، وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب! ثم يبكي.
وقال الله : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ - ٢٩].
قَالَ صالح بن حيان، عن ابن بريدة، في قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ قَالَ: تأكل اللحم والعظم والمخ، ولا تذره عَلَى ذلك.
وقال السدي: لا تبقي من جلودهم شيئًا، ولا تذرهم من العذاب.
وقال أبو سنان: لا تذرهم إذا بدلوا خلقًا جديدًا.
وقال أبو رَزِين في قوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قَالَ: تلفح وجهه لفحة، تدعه أشد سوادًا من الليل.
وقال قتادة: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ حراقة للجلد، خرّجه كله ابن أبي حاتم وغيره.
وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٦].
стр. 197
قَالَ: تحرق كل شيء منه، ويبقى فؤاده يصيح.
وعن ابن زيد، قَالَ: تقطع عظامه، ثم يجدد خلقهم، وتبدل جلودهم.
وروى ابن مهاجر، عن مجاهد، في قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ قَالَ: تنزع المجلد.
وعنه قَالَ: تنزع اللحم ما دون العظم.
***
стр. 198
فصل ومن أنواع عذابهم سحبهم في النار عَلَى وجوههم
قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨].
وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢].
قَالَ قتادة: يسحبون في النار مرة ومرة في الحميم.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦].
وقال قتادة: قَالَ ابن عباس: "صعودًا" صخرة في جهنم، يسحب عليها الكافر عَلَى وجهه (١).
وقال كعب: يقول الله للإمام الجائر: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١]. فيسحب عَلَى وجهه في النار، فينتثر لحمه وعظامه ومخه.
وقال ثابت أبو زيد القيسي، عن عاصم الأحول، عن أبي منصور مولى سليم: إن ابن عباس قَالَ: ﴿يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢].
قَالَ أبو زيد: أراه قَالَ: ينسلخ كل شيء عليه، من جلد أو لحم أو عرق، حتى يصير في عقبيه جسد من لحمه مثل طوله، وطوله ستون ذراعًا، ثم يكسى جلدًا آخر، ثم يسجر في الجحيم. خرّجه كله ابن أبي حاتم.
стр. 199
فصل
ومنهم من يعذب بالصعود إِلَى أعلى النار، ثم يهوي فيها كذلك أبدًا، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه.
وقد سبق في الباب الرابع عشر، ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧].
وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها (٢) في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يوم القيامة، يتحساه (٣) في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، [ومن تردى من جبل، فقتل نفسه فهو يتردى (٤) في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا"] (*).
وروى شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ قَالَ: "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء -أو قَالَ: يكفر الذنوب- إلاَّ الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدُّنْيَا؟
فيقال: اذهبوا به إِلَى الهاوية، فيهوي فيها، حتى ينتهي إِلَى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها عَلَى عنقه، فيصعد بها في نار جهنم، حتى إذا رأى أنّه قد خرج منها، زلت عن منكبيه فهوت، فهوى في إثرها أبد الآبدين". قَالَ: "والأمانة في
стр. 200
الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع".
قَالَ: فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إِلَى ما يقول أخوك عبد الله؟ قَالَ: صدق (١).
قَالَ شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، [عن عبد الله] (*)، عن النبيّ ﷺ بنحو منه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة والأمانة في كل شيء، كذا رواه إسحاق الأزرق، عن شريك مرفوعًا، ورواه منجاب بن الحارث، عن شريك موقوفًا (٢).
وكذا رواه أبو الأحوص عن الأعمش، فوقفه عَلَى ابن مسعود، وزاد فيه في خصال الأمانة: الكيل والميزان والغسل من الجنابة.
وروى عاصم، عن أبي صالح، قَالَ: إذا ألقي الرجل في النار، لم يكن له
стр. 201
منتهى حتى يبلغ قعرها، ثم تجيش به جهنم، فترفعه إِلَى أعلى جهنم، وما عَلَى عظامه مزعة لحم، فتضربه الملائكة بالمقامع، فيهوي بها في قعرها، فلا يزال كذلك. أو كما قَالَ. خرّجه البيهقي.
وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك ﵀ في صفة النار:
تهوي بساكنها طورًا وترفعه ... إذا رجوا مخرجًا من عمقها قمعوا
***
стр. 202
فصل ومنهم من يدور في النار ويجر معه أمعاءه
وقد رأى النبيّ ﷺ عمرو بن لحي، يجر قصبه (١) في النار (٢).
وفي الصحيحين (٣) عن أسامة بن زيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يؤتى بالرجل، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه (٤) في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون:
أي فلان، ما شأنك؟
ألست كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟!
قَالَ: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
وقال أبو المثنى الأموي (*): إن في النار أقوامًا، يربطون بنواعير من نار، تدور بهم النواعير، وما لهم فيها راحة ولا فترة.
...
стр. 203
فصل ومن أهل النار من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة
ومنهم من يلقى في مكان ضيق، لا يتمكن فيه من الحركة لضيقه.
قَالَ الله : ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
قَالَ كعب: "إن في جهنم تنانير، ضيقها كضيق زج أحدكم، ثم يطبق عَلَى قوم بأعمالهم" (١). وقد سبق ذكره.
قَالَ آدم بن أبي إياس: أنبأنا المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن مسعود، قَالَ: إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار، ثم قذفوا في نار الجحيم، فيرون أنّه لا يعذب في النار غيرهم، ثم تلا ابن مسعود: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠] (٢).
وخرّجه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن مسعود (٣)، وعنده: فلا يرى
стр. 204
أن أحدًا يعذب في النار غيره.
وروى المنهال بن عمرو، عن نعيم -وقيل: إنه ابن الدجاجة (*) -عن سويد ابن غفلة، قَالَ: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار، جعل للرجل صندوقًا عَلَى قدره من النار، ولا ينبض عرق إلاَّ فيه مسمار من نار، ثم تضرم فيه النار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار، ثم تضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يطرح -أو يلقى- في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠].
قَالَ: فما يرى أن أحدًا في النار غيره، خرّجه البيهقى (١).
وخرّجه أبو نعيم (٢)، إلاَّ أن عنده عن المنهال عن خيثمة عن سويد فذكره.
...
стр. 205
فصل
وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم:
وقد سبق عن شفي بن ماتع قَالَ: إن في جهنم لسبعين داء، كل داء بمثل جزء من أجزاء جهنم.
وقال الأعمش عن مجاهد: يلقى الجرب عَلَى أهل النار، فيحتكون حتى تبدو العظام.
فيَقُولُونَ: بما أصابنا هذا؟
فيقال: بأذاكم المؤمنين (١).
ورواه شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة (٢) فذكره بمعناه.
...
стр. 206
فصل ومن أهل النار من يتأذى بعذابه أهل النار، إما من نتن ريحه، أو غيره:
قَالَ صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "إن ريح فروج أهل الزنا يؤذي أهل النار".
وقال أبو بكر بن عياش: أنبأنا رجل عن مكحول رفعه، قَالَ: "تروح أهل النار برائحة، فيَقُولُونَ: ربنا ما وجدنا ريحًا، منذ دخلنا النار، أنتن من هذه الرائحة، فيقول: هذه ريح فروج الزناة".
وروى إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "أربعة يؤذون أهل النار، عَلَى ما بهم من الأذى، يسعون ما بين الجحيم والحميم، يدعون بالويل والثبور"، ويقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا عَلَى ما بنا من الأذى؟!
قَالَ: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه (*) قيحًا ودمًا، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا عَلَى ما بنا من الأذى؟
فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا عَلَى ما بنا من الأذى؟
فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه لا يغسله.
ثم يقال للذي يسيل فوه قيحًا ودمًا: ما بال الأبعد قد آذانا عَلَى ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إِلَى كلمة [خبيثة فيستلذها] (**) كما يستلذ
стр. 207
الرفث.
ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا عَلَى ما بنا من الأذى؟
قَالَ: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس. خرّجه الحافظ أبو نعيم (١)، وقال: شفي بن ماتع مختلف فيه. وقيل: إن له صحبة.
وخرّجه أيضاً (٢) بإسناد آخر إِلَى إسماعيل بن عياش، وفي لفظه قَالَ: "في عنقه أموال الناس، مات ولم يدع لها وفاء ولا قضاء! وقال -:يعمد إِلَى كل كلمة خبيثة قذعة فيستلذها- وقال: -كان يأكل لحوم الناس (٣) ويمشي بالنميمة".
وروى الإمام أحمد بإسناده إِلَى منصور بن زاذان، قَالَ: نبئت أن بعض من يلقى في النار يتأذى أهل النار بريحه، فيقال له: ويلك! ما كنت تعمل؟
أما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتن ريحك؟
فيقول: كنت عالماً فلم أنتفع بعلمي.
...
стр. 208
فصل في تفسير قوله تعالى: ويأتيه الموت من كل مكان
قَالَ الله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].
قَالَ إبراهيم في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ حتى من تحت كل شعرة في جسده.
وقال الضحاك: حتى من إبهام رجله.
والمعنى: أنّه يأتيه مثل شدة الموت وألمه من كل جزء من أجزاء بدنه، حتى شعره وظفره، وهو مع هذا لا تخرج نفسه فيستريح.
قَالَ ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا ترجع إِلَى مكانها من جوفه.
وتأول جماعة من المفسرين عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣].
قَالَ الأوزاعي، عن بلال بن سعد: تنادي النار يوم القيامة: يا نار أحرقي، يا نار اشتفي، يا نار انضجي، كلي ولا تقتلي.
***
стр. 209
فصل وعذاب الكفار في النار، لا يفتر عنهم، ولا ينقطع، ولا يخفف، بل هو متواصل أبدًا
قَالَ الله : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (١) [الزخرف: ٧٤ - ٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].
وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: سمعتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ يقولُ - على منبرِ دمشقَ -: لا يأتي على صاحبِ الجنَّةِ ساعةٌ إلا وهو يزدادُ ضِعفًا من النَّعيم لم يكنْ يعرفُه، ولا يأتي على صاحبِ النَارِ ساعةٌ إلا وهو مستنكرٌ لنوع من العذابِ لم يكنْ يعرفُه.
قالَ اللَّهُ : ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠].
قالَ جِسرُ بنُ فَرْقَدٍ عن الحسنِ: سألتُ أبا بَرْزةَ، عن أشدِّ آيةٍ في كتابِ الله على أهلِ النَارِ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾
стр. 210
[النبأ: ٣٠]. [فقالَ: "أُهلِكَ القومُ بمعاصيهم للهِ تعالى". خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ (١)، وجِسرٌ ضعيفٌ.
وخرَّجَه البيهقيُّ (٢)، ولمْ يرفعْهُ، ولفظُهُ: سألت أبا برزةَ عن أشدِّ آيةٍ على أهلِ النارِ، قال: قولُه : ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠].
وقالَ مجاهدٌ: بلغني أنَّ استراحةَ أهلِ النَّارِ أنْ يضعَ أحدُهم يدَهُ على خاصِرَتِهِ، ولأهل النَّارِ أنواعٌ من العذابِ لم يطلع اللَّهُ خلقَهُ عليها في الدنيا.
قال مباركٌ عن الحسنِ: ذكرَ اللَّهُ السلاسلَ والأغلالَ والنَّارَ وما يكونُ في الدنيا، ثم قرأ: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
قال: ﴿آخرُ﴾ لا يرى في الدنيا. خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
وقال أبو يعلى الموصلي (٣): حدثنا سريج، حدثنا إبراهيم بن سليمان، عن الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُم عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] قَالَ: هي خمسة أنهار تحت العرش، يعذبون ببعضها في الليل، وببعضها في النار.
...
стр. 211
فصل
وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ، وبعدهم عنه، وإعراضه عنهم، وسخطه عليهم.
كما أن رضوان الله عَلَى أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة، قَالَ الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٧].
فذكر الله تعالى لهم ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدُّنْيَا، ووصفهم بالران عَلَى قلوبهم، وهو صدى الذنوب الَّذِي سود قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدُّنْيَا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدُّنْيَا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة، قَالَ الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، كما فسره النبيّ ﷺ ، لما سأله عنه جبريل ﵇ (١)، فجعلى جزاء الإحسان الحسنى] (*)، وهي الجنة، والزيادة، هي النظر إِلَى وجه الله ، كما فسره بذلك رسول الله ﷺ ، في حديث صهيب (٢) وغيره.
стр. 212
قَالَ جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني قَالَ: إن الله لم ينظر إِلَى إنسان قط إلاَّ رحمه، ولو نظر إِلَى أهل النار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أحمد بن موسى، عن أبي مريم، قَالَ: يقول أهل النار: إلهنا، ارض عنا وعذبنا بأي نوع شئت من عذابك، فإن غضبك أشد علينا من العذاب الَّذِي نحن فيه!!
قَالَ أحمد: فحدثت به سليمان بن أبي سليمان، فَقَالَ: ليس هذا كلام أهل النار، هذا كلام المطيعين لله، قَالَ: فحدثت به أبا سليمان، فَقَالَ: صدق سليمان بن أبي سليمان -وسليمان هو ولد أبي سليمان الداراني وأن عارفًا كبير القدر ﵀ وما قاله حق، فإن أهل النار جهال لا يتفطنون لهذا، وإن أن في نفسه حقًّا، وإنما يعرف هذا من عرف الله وأطاعه، ولعل هذا يصدر من بعض من يدخل النار من عصاة الموحدين، كما أن بعضهم يستغيث بالله لا يستغيث بغيره فيخرج منها، وبعضهم يخرج منها برجائه لله وحده، وبعض من يؤمر به إِلَى النار يتشفع إِلَى الله بمعرفته فينجيه منها.
قَالَ أبو العباس بن مسروق: سمعت سويد بن سعيد، يقول: سمعت الفضيل ابن عياض، يقول: يوقف رجل بين يدي الله ، لا يكون معه حسنة، فيقول الله : اذهب، هل تعرف أحدًا من الصالحين أغفر لك بمعرفته؟ فيذهب، فيدور مقدار ثلاثين سنة، فلا يرى أحدًا يعرفه، فيرجع إِلَى الله ، فيقول: يا رب، لا أرى أحدًا!!
فيقول الله : "اذهبوا به إِلَى النار".
فتتعلق به الزبانية يجرونه، فيقول: يا رب، إن كنت تغفر لي بمعرفة المخلوقين فإني بوحدانيتك أنت أحق أن تغفر لي.
فيقول الله للزبانية: ردوا عارفي، إنه كان يعرفني، واخلعوا عليه خلع كرامتي، ودعوه يتبحبح في رياض الجنة، فإنَّه عارف بي، وأنا له معروف.
стр. 213
فصل فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها -أجارنا الله منها
قَالَ الله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٦].
والنزل: هو ما يعد للضيف عند قدومه، فدلت هذه الآيات، عَلَى أن أهل النار، يتحفون عند دخولها، بالأكل من شجرة الزقوم، والشرب من الحميم، وهم إِنَّمَا يساقون إِلَى جهنم عطاشًا، كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].
قَالَ أبو عمران الجوني: بلغنا أن أهل النار، يبعثون عطاشًا، ثم يقفون مشاهد القيامة عطاشًا، ثم قرأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قَالَ مجاهد في تفسير هذه الآية: متقطعة أعناقهم عطشًا.
وقال مطر الوراق: عطاشًا ظماء.
وفي الصحيحين (١)، عن النبيّ ﷺ ، في حديث الشفاعة الطويل: إنه يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟
فيَقُولُونَ: "عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟
فيحشرون إِلَى جهنم كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار".
وقال أيوب عن الحسن: ما ظنك بقوم قاموا عَلَى أقدامهم، خمسين ألف
стр. 214
١٤٤) سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى انقطعت أعناقهم عطشًا، وأحرقت أجوافهم جوعًا، ثم انصرف بهم إِلَى النار، فيسقون من عين آنية، قد أن حرها، واشتد نضجها.
وروى ابن المبارك (١) بإسناده عن كعب، قَالَ: إن الله ينظر إِلَى عبده، يوم القيامة، وهو غضبان فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون بين ناصيته وقدميه غضبًا لغضب الله، فيسحبونه عَلَى وجهه إِلَى النار، قَالَ: فالنار أشد عليه غضبًا من غضبهم سبعين ضعفًا، قَالَ: فيستغيث بشربة، فيسقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس (٢) أو يدكس في النار، فويل له
من النار.
قَالَ ابن المبارك: حدثت عن بعض أهل المدينة، أنّه يتفتت في أيديهم إذا أخذوه، فيقول: ألا ترحموني؟
فيَقُولُونَ: كيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!.
وروى الأعمش، عن مالك بن الحارث، قَالَ: إذا طرح الرجل في النار، هوى فيها، فَإِذَا انتهى إِلَى بعض أبوابها، قيل: مكانك حتى تتحف.
قَالَ: فيسقى كأسًا من سم من الأساود والعقارب.
قَالَ: فيتميز الجلد عَلَى حدة، والشعر عَلَى حدة، والعصب عَلَى حدة، والعروق عَلَى حدة، خرّجه ابن أبي حاتم.
وروى محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبى الهذيل، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن جهنم لما سيق إليها أهلها، تلقتهم فلفحتهم لفحة، فلم تدع لحمًا عَلَى عظم إلاَّ ألقته عَلَى العرقوب" (٣). خرّجه الطبراني (٤) ورفعه منكر، فقد رواه ابن عيينة، عن
стр. 215
أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل أو غيره، من قوله لم يرفعه.
ورواه محمد بن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، من قوله، في قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ﴾ قَالَ: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة، فلا تترك لحمًا عَلَى عظم إلاَّ وضعته عَلَى العراقيب.
...