← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151147

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (297 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فصل وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ، وبعدهم عنه، وإعراضه عنهم، وسخطه عليهم. كما أن رضوان الله عَلَى أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة، قَالَ الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٧]. فذكر الله تعالى لهم ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدُّنْيَا، ووصفهم بالران عَلَى قلوبهم، وهو صدى الذنوب الَّذِي سود قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدُّنْيَا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدُّنْيَا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة، قَالَ الله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، كما فسره النبيّ ﷺ ، لما سأله عنه جبريل ﵇ (١)، فجعلى جزاء الإحسان الحسنى] (*)، وهي الجنة، والزيادة، هي النظر إِلَى وجه الله ، كما فسره بذلك رسول الله ﷺ ، في حديث صهيب (٢) وغيره.

стр. 212

قَالَ جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني قَالَ: إن الله لم ينظر إِلَى إنسان قط إلاَّ رحمه، ولو نظر إِلَى أهل النار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أحمد بن موسى، عن أبي مريم، قَالَ: يقول أهل النار: إلهنا، ارض عنا وعذبنا بأي نوع شئت من عذابك، فإن غضبك أشد علينا من العذاب الَّذِي نحن فيه!! قَالَ أحمد: فحدثت به سليمان بن أبي سليمان، فَقَالَ: ليس هذا كلام أهل النار، هذا كلام المطيعين لله، قَالَ: فحدثت به أبا سليمان، فَقَالَ: صدق سليمان بن أبي سليمان -وسليمان هو ولد أبي سليمان الداراني وأن عارفًا كبير القدر ﵀ وما قاله حق، فإن أهل النار جهال لا يتفطنون لهذا، وإن أن في نفسه حقًّا، وإنما يعرف هذا من عرف الله وأطاعه، ولعل هذا يصدر من بعض من يدخل النار من عصاة الموحدين، كما أن بعضهم يستغيث بالله لا يستغيث بغيره فيخرج منها، وبعضهم يخرج منها برجائه لله وحده، وبعض من يؤمر به إِلَى النار يتشفع إِلَى الله بمعرفته فينجيه منها. قَالَ أبو العباس بن مسروق: سمعت سويد بن سعيد، يقول: سمعت الفضيل ابن عياض، يقول: يوقف رجل بين يدي الله ، لا يكون معه حسنة، فيقول الله : اذهب، هل تعرف أحدًا من الصالحين أغفر لك بمعرفته؟ فيذهب، فيدور مقدار ثلاثين سنة، فلا يرى أحدًا يعرفه، فيرجع إِلَى الله ، فيقول: يا رب، لا أرى أحدًا!! فيقول الله : "اذهبوا به إِلَى النار". فتتعلق به الزبانية يجرونه، فيقول: يا رب، إن كنت تغفر لي بمعرفة المخلوقين فإني بوحدانيتك أنت أحق أن تغفر لي. فيقول الله للزبانية: ردوا عارفي، إنه كان يعرفني، واخلعوا عليه خلع كرامتي، ودعوه يتبحبح في رياض الجنة، فإنَّه عارف بي، وأنا له معروف.

стр. 213

فصل فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها -أجارنا الله منها قَالَ الله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٦]. والنزل: هو ما يعد للضيف عند قدومه، فدلت هذه الآيات، عَلَى أن أهل النار، يتحفون عند دخولها، بالأكل من شجرة الزقوم، والشرب من الحميم، وهم إِنَّمَا يساقون إِلَى جهنم عطاشًا، كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. قَالَ أبو عمران الجوني: بلغنا أن أهل النار، يبعثون عطاشًا، ثم يقفون مشاهد القيامة عطاشًا، ثم قرأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قَالَ مجاهد في تفسير هذه الآية: متقطعة أعناقهم عطشًا. وقال مطر الوراق: عطاشًا ظماء. وفي الصحيحين (١)، عن النبيّ ﷺ ، في حديث الشفاعة الطويل: إنه يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيَقُولُونَ: "عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إِلَى جهنم كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار". وقال أيوب عن الحسن: ما ظنك بقوم قاموا عَلَى أقدامهم، خمسين ألف

стр. 214

١٤٤) سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى انقطعت أعناقهم عطشًا، وأحرقت أجوافهم جوعًا، ثم انصرف بهم إِلَى النار، فيسقون من عين آنية، قد أن حرها، واشتد نضجها. وروى ابن المبارك (١) بإسناده عن كعب، قَالَ: إن الله ينظر إِلَى عبده، يوم القيامة، وهو غضبان فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون بين ناصيته وقدميه غضبًا لغضب الله، فيسحبونه عَلَى وجهه إِلَى النار، قَالَ: فالنار أشد عليه غضبًا من غضبهم سبعين ضعفًا، قَالَ: فيستغيث بشربة، فيسقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس (٢) أو يدكس في النار، فويل له من النار. قَالَ ابن المبارك: حدثت عن بعض أهل المدينة، أنّه يتفتت في أيديهم إذا أخذوه، فيقول: ألا ترحموني؟ فيَقُولُونَ: كيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!. وروى الأعمش، عن مالك بن الحارث، قَالَ: إذا طرح الرجل في النار، هوى فيها، فَإِذَا انتهى إِلَى بعض أبوابها، قيل: مكانك حتى تتحف. قَالَ: فيسقى كأسًا من سم من الأساود والعقارب. قَالَ: فيتميز الجلد عَلَى حدة، والشعر عَلَى حدة، والعصب عَلَى حدة، والعروق عَلَى حدة، خرّجه ابن أبي حاتم. وروى محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبى الهذيل، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن جهنم لما سيق إليها أهلها، تلقتهم فلفحتهم لفحة، فلم تدع لحمًا عَلَى عظم إلاَّ ألقته عَلَى العرقوب" (٣). خرّجه الطبراني (٤) ورفعه منكر، فقد رواه ابن عيينة، عن

стр. 215

أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل أو غيره، من قوله لم يرفعه. ورواه محمد بن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، من قوله، في قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ﴾ قَالَ: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة، فلا تترك لحمًا عَلَى عظم إلاَّ وضعته عَلَى العراقيب. ...

стр. 216

الباب الثاني والعشرون في ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الَّذِي لا يستجاب لهم قَالَ الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. قَالَ الربيع بن أنس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وقال معمر عن قتادة: صوت الكافر في النار كمثل صوت الحمار، أوله زفير، وآخره شهيق، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ (١) فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧]. وفي حديث حارثة: وكأني أنظر إِلَى أهل النار، يتعاوون فيها، وقد سبق. وروى معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "رأيت رؤيا" فذكر حديثًا طويلاً، وفيه قَالَ: ثم انطلقنا، فَإِذَا نحن نرى دخانًا، ونسمع عواء". قلت: ما هذا؟ قَالَ: "هذه جهنم". خرّجه الطبراني (٢) وغيره (٣).

стр. 217

وروى الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يلقى البكاء عَلَى أهل النار، فيبكون، حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم، حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن لجرت". خرّجه ابن ماجه (١). ورُوي عن الأعمش، عن عمرو بن مرة ويزيد الرقاشي، عن أنس، موقوفًا، من قوله. ورواه سعيد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، قَالَ: بلغنا هذا الكلام، ولم يسنده، ولم يرفعه. وروى سلام بن مسكين، عن قتادة، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قَالَ: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون بالدم بعد الدموع، ولمثل ما هم فيه فليبك (٢). وقال صالح المري: بلغني أنهم يصرخون في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منهم إلاَّ كهيئة الأنين من المدنف (٣). وقال ابن إسحاق، عن محمد بن كعب: زفروا في جهنم فزفرت النار، وشهقوا، فشهقت النار بما استحلوا من محارم الله، قَالَ: والزفير من النفس، والشهيق من البكاء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لَهم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] قَالَ: صوت شديد، وصوت ضعيف (٤). وروى مالك، عن زيد بن أسلم، في قوله : ﴿سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا ما لَنَا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] قَالَ زيد: صبروا مائة عام، ثم بكوا مائة

стр. 218

عام، ثم قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وروى الوليد بن مسلم، عن أبي سلمة الدوسي -واسمه ثابت بن سرح- عن سالم بن عبد الله، عن النبيّ ﷺ ، أنّه كان يدعو: "اللهم ارزقني عينين هطالتين، يشفيان القلب بذروف الدموع من خشيتك، قبل أن يكون الدمع دمًا، والأضراس جمرًا" (١). سالم بن عبد الله، هو المحاربي، وحديثه مرسل. وظن بعضهم، أنّه سالم بن عبد الله بن عمر، وزاد بعضهم في الإسناد: عن أبيه، ولا يصح ذلك كله. وروى الوليد بن مسلم أيضاً، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، قَالَ: إن داود ﵇، قَالَ: "ربي ارزقني عينين هطالتنن يبكيان بذروف الدموع، وشفياني من خشيتك، قبل أن يعود الدمع دمًا، والأضراس جمرًا". قال: وكان داودُ ﵇، يعاتَبُ في كثرةِ البكاءِ، فيقولُ: دعُوني أبْكِي، قبلَ يوم البكاءِ، قبل تحريقِ العظامِ واشتعالِ اللِّحى، وقبل أن يأمر بي ﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) [التحريم: ٦]. وروى يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، وإن داود ﵇، قَالَ: ابكي نفسي قبل يوم البكاء، ابكي نفسي قبل أن لا ينفع البكاء، ثم دعا بجمر، فوضع يده عليه، حتى أذاه حره رفعها، وقال: أوه لعذاب الله، أوه، أوه

стр. 219

قبل أن لا ينفع أوه. وروى ثابت البناني، عن صفوان بن محرز، قَالَ: كان لداود ﵇، يوم يتأوه فيه يقول: أوه أوه من عذاب الله ، قبل أن لا ينفع أوه، قَالَ: فذكرها صفوان ذات يوم في مجلس، فبكى حتى غلبه البكاء، فقام (١). وقال عبد الله بن رباح الأنصاري سمعت كعبًا يقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، قَالَ: كان إذا ذكر النار قَالَ: أوه من النار أوه من النار (٢). وعن أبي الجوزاء وعبيد بن عمير نحو ذلك. وروى ابن أبي الدُّنْيَا، بإسناد له، عن رياح القيسي، أنّه مر بصبي يبكي، فوقف عليه يسأله: ما يبكيك يا بني؟! وجعل الصبي لا يحسن يجيبه، ولا يرد عليه شيئًا، فبكى رياح، ثم قَالَ: ليس لأهل النار راحة ولا معول إلاَّ البكاء، وجعل يبكي. وبإسناد له آخر، وإن رياحًا القيسي، زار قومًا، فبكى صبي لهم من الليل، فبكى رياح لبكائه حتى أصبح، فسئل بعد ذلك عن بكائه، فَقَالَ: ذكرت ببكاء الصبي بكاء أهل النار في النار ليس لهم من نصير، ثم بكى. ...

стр. 220

فصل في طلب أهل النار الخروج منها قَالَ الله : ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا (١) فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. وفي حديثِ الأعمشِ، عن شمرِ بنِ عطية، عن شهرِ بنِ حوشب، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ ﷺ ، في ذكرِ أهلِ النَّارِ قال: "فيقُولونَ: ادعُوا خزنةَ جهنمَ" فيقُولونَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: "فيقُولونَ ادعُوا مالكاً، فيقُولُونَ": ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. قال الأعمشُ، نُبئتُ أنَّ بينَ دُعائِهم وبين إجابةِ مالكٍ لهم ألفَ عامٍ، قال: فيقُولُون: ادعُوا ربَّكم فلا أحد خير من ربكم فيقُولُون: (رَبَّنَا غَلَبَتْ

стр. 221

عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمن: ١٠٦، ١٠٧]. قال فيُجِيبُهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قَالَ: فعند ذلك، يئسوا من كل خير، وعند ذلك، يأخذون في الحسرة والزفير والويل". خرّجه الترمذي (١) موقوفًا عَلَى أبي الدرداء. وروى أبو معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظى، قال: لأهلِ النارِ خمسُ دعواتٍ، يكلَّمونَ في أربع منها، ويُسكتُ عنهم في الخامسةِ، فلا يكلَّمونَ، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]. فيردُّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]. ثمَّ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. فيردُّ عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُل نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] إلى آخر الآيتين. ثمَّ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. فيردُّ عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].

стр. 222

ثم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]. فيرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. ثم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧]. فيرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وكنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١٠]. قَالَ: فلا يتكلمون بعد ذلك، خرّجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم. وخرج ابن أبي حاتم، من رواية قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله بن عمرو، قَالَ: نادى أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾ [الزخرف: ٧٧] قَالَ: فخلى عنهم أربعين عامًا، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُم ماكِثُونَ﴾. فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾. قَالَ: فخلى عنهم مثل الدُّنْيَا، ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قَالَ: فأطبقت عليهم، فيئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلاَّ الزفير والشهيق (١). وعن عطاء بن السائب، عن الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا ربُّكَ﴾ قَالَ: فيتركهم ألف سنة، ثم يقول: قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُم مَّاكثونَ﴾. وخرَّجهُ البيهقيُّ (٢) وعندَه عن عطاءٍ، عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ. وقال سُنَيدٌ في "تفسير": حدثنا حجاج، عن ابنِ جريج قال: نادَى أهلُ النَّارِ

стр. 223

خزنةَ جهنمَ أنْ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبُوهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أجابُوهم بعدَ حينٍ وقالُوا لهُم: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] ثمَّ نادَوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فيسكُتُ عنهم مالكٌ، خازنُ جهنمَ، أربعينَ سنةً، ثمَّ أجابَهم: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ثُمَّ نادَى الأشقياء ربَّهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الآيتين، فسكتَ عنهم مثلَ مقدارِ الدنيا، ثمَّ أجابَهم بعدُ: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. ورَوى صفوانُ بنُ عمرٍو، قال: سمعتُ أيفعَ بنَ عبدٍ الكُلاعي، يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النَّارِ النارَ"، قالَ اللَهُ: يا أهلَ الجنةِ، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣] قال: نعم ما اتجرتُم في يوم أو بعضِ يوم رحمتي ورضواني وجنتي، امكُثوا فيها خالدين مخلدينَ، ثم يقولُ لأهلِ النَّارِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: بئسَ ما اتَجرتُم به في يوم أو بعضِ يومٍ، سخطِي، ومعصيتي، ونارِي، امكُثُوا فيها خالدين مخلدينَ، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيقولُ: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فيكونُ ذلك آخرُ عهدهِم بكلام ربهم . خرَّجَه أبو نُعيمٍ (١)، وكذا رواه أيفعُ مرسلاً. وقال أبو الزعْراءِ، عن ابنِ مسعودِ: إذا أرادَ اللَهُ أن لا يُخرِجَ منها أحدًا، غيرَ وجوهِهِم وألوانِهم، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين، فيشفعُ فيقولُ: يا ربِّ، فيقال: من عرف أحدًا فليخرجه، قَالَ: فيجيء الرجل من المؤمنين، فينظر فلا يعرف أحدًا، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك! قَالَ: فعند ذلك يَقُولُونَ في النار: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فيقولُ عندَ ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فإذا قال ذلك أُطبِقَتْ عليهم، فلم يخْرجْ منهم أحدٌ.

стр. 224

وفي روايةٍ، قال ابنُ مسعودٍ: ليسَ بعدَ هذه الآيةِ خروجٌ: ﴿اخْسئُوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ﴾. وذكَرَ عبدُ الرزاقِ في تفسيرِهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن زيادٍ الخُرسانيِّ، أسندَهُ إلى بعضِ أهلِ العلم، قال: إذا قيلَ لهم: ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ﴾ سكتُوا، فلا يُسمَعُ لهم فيها حسٌّ إلا كطنينِ الطِّستِ. * * *

стр. 225

فصل ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إِلَى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس، وتعظم عليهم الحسرة والحزن. وفي الصحيحين (١)، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار"، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبونَ وينظرونَ، ويقولونَ: نعم، هذا الموتُ، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبونَ وينظرونَ، ويقولون: نعم هذا الموتُ، قال: فيؤمرُ به فيذبحُ، ثم يقالُ: يا أهل الجنةِ خلود فلا موت، ويا أهل النارِ خلود فلا موت، ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. وخرَّجه الترمذيُّ (٢) بمعناه وزادَ: "فلولا أنَّ اللَّهَ قضى لأهل الجنة بالحياةِ والبقاءِ، لماتُوا فرحًا، [ولولا أن اللَّه قضى لأهلِ النارِ بالحياةِ والبقاءِ، لماتُوا فرَحًا"] (*). وخرج الإمام أحمد (٣) والترمذي (٤) وابن ماجه (٥) معناه، من حديث أبي

стр. 226

هريرة، عن النبيِّ ﷺ وقال فيه: "إنَّ أهلَ الجنةِ يطلعون، خائفينَ وجلينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هُم فيه، وإنَّ أهلَ النارِ يطلعُون، فرحينَ مستبشرينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هم فيه". وفي رواية الترمذي: "مستبشرين يرجون الشفاعة". وخرَّجاه في الصحيحينِ (١) من حديثِ ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ بمعناه، وفي "حديثِه فيزدادُ أهل الجنةِ فرحًا إلى فرحِهِم، ويزدادُ أهلُ النارِ حزنًا إلى حزنهِم". وخرَّجه الترمذيُّ (٢)، من حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ مختصرًا، وفيه: "لو أنَّ أحدًا مات فرحًا لماتَ أهلُ الجنةِ، ولو أنَّ أحدًا ماتَ حزنًا لماتَ أهلُ النارِ حزنا". وخرّجه ابن أبي حاتم (٣)، بإسنادِهِ، عن ابنِ مسعودٍ، من قولِهِ نحوَ هذا المعنى غير مرفوع، وزادَ: "أنه ينادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هو الخلودُ أبدَ الآبدينَ". قال: فيفرحُ أهلُ الجنةِ فرحةً، لو كان أحد ميتًا من فرحه لماتُوا، ويشهقُ أهلُ النارِ شهقةً، لو كان أحدٌ ميتًا من شهقِهِ لماتُوا، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ﴾ [مريم: ٣٩]. ورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن هشامِ بنِ حسانَ، قالَ: مرَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ بكثيبٍ من رملٍ فبكى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنينَ؟ قال: ذكرتُ أهلَ النارِ، فلو كانُوا مخلدينَ في النارِ بعددِ هذا الرملِ، كانَ لهم أمد يمدون إليه أعناقَهُم، ولكنَّه الخلودُ أبدًا. وقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ هذا المعنى أيضًا مرفوعًا، وموقوفًا، وسنذكره فيما بعدُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. ...

стр. 227

فصل وأما عصاة الموحدين، فربما ينفعهم الدعاء في النار خرج الإمام أحمد (١)، من حديث أبي ظلال، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إنَّ عبدًا في جهنَّم لينادِي ألفَ سنةٍ: يا حنانُ يا منانُ، فيقولُ اللَّهُ لجبريلَ ﵇: اذهب فائتني بعبدِي هذا، فيذهبُ فينطلق جبريلُ، فيجدُ أهلَ النارِ منكبينَ يبكونَ، فيرجعُ إلى اللَّهِ فيخبره، فيقولُ: ائتني به، فإنَّه في مكانِ كذا وكذا، فيجيءُ به، فيقفُهُ على ربِّه، فيقولُ له: يا عبدي، كيفَ وجدتَ مكانَكَ؟ فيقولُ: يا ربِّ، شرُّ مكانٍ، وشرُّ مقيلٍ، فيقولُ: ردُّوا عبدي. فيقولُ: يا ربِّ ما كنتُ أرجُو إذ أخرجْتَني منها أن تردَّني، فيقولُ: دعُوا عبدِي". أبو ظلالٍ اسمُهُ هلالٌ؛ ضعفوه.

стр. 228

وخرج الترمذي (١)، من طريق رشدين بن سعد، حدثني ابن أنعم -هو الإفريقي، عن أبي عثمان، أنه حدثه عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن رجلين ممن دخل النار، اشتد صياحهما، فَقَالَ الرب : أخرجوهما، فلما خرجا، قَالَ لهما: لأي شيء اشتد صياحكما، قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قَالَ: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، قَالَ: فينطلقان، فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه بردًا وسلامًا، ويقوم الآخر، فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب : ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني. فيقول له الرب : لك رجاؤك، فيدخلا الجنة جميعًا، برحمة الله " قَالَ الترمذي: إسناد هذا الحديث ضعيف. وفي صحيح مسلم (٢)، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يخرج من النار أربعة، فيعرضون عَلَى الله ، فيلتفت أحدهم، فيقول: أي رب، إذ أخرجتني منها فلا تعدني فيها، قَالَ: فينجيه الله منها". وخرّجه ابن حبان في صحيحه (٣)، وعنده: فيلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا رجائي فيك. فيقول: ما كان رجاؤك؟!

стр. 229

قال: كانَ رجائِي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها، فيرحمَهُ اللَّهُ فيدخلهُ الجنةَ". وخرج الإمام أحمد (١)، من رواية علي بن زيد بن جدعان، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إن آخر رجلين يخرجان من النار، فيقول الله لأحدهما: يا ابن آدم، ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيرًا قط أو رجوتني؟ فيقول: لا أي رب، فيؤمر به إِلَى النار، فهو أشد أهل النار حسرة. ويقول للآخر: ما أعدت لهذا اليوم؟ هل عملت خيرًا قط أو رجوتني؟ فيقول: لا أي رب، إلاَّ أني كنت أرجوك، قَالَ: فيرفع له شجرة" وذكر الحديث، في دخوله الجنة وما يعطى فيها. وخرج هناد بن السري (٢)، من طريق أبي هارون العبدي، وفيه ضعف شديد، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبيّ ﷺ : "أن رجالاً يدخلهم الله النار، فيحرقهم بها، حتى يكونوا فحمًا أسود، وهم أعلى أهل النار، فيجأرون إِلَى الله يدعونه، فيَقُولُونَ: ربنا أخرجنا منها، فاجعلنا في أصل هذا الجدار، فَإِذَا جعلهم في أصل الجدار رأوا أنّه لا يغني عنهم شيئًا، قالوا: ربنا اجعلنا من وراء هذا السور ولا نسألك شيئًا بعده، قَالَ: فيرفع لهم شجرة حتى تذهب عنهم سخنة النار أو سحنة النار" (*) وذكر الحديث. ...

стр. 230

الباب الثالث والعشرون في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار وكلام بعضهم بعضًا قَالَ الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ الآيات إِلَى قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٥٠]. قَالَ سفيان (١)، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في هذه الآية قَالَ: ينادي الرجل أخاه: إني قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال: أجبه، فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وقال سنيد، في تفسيره: حدثنا حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، قَالَ: [ينادون] (*) أهل النار: أهل الجنة، أن يا أهل الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقال: أجيبوهم، وقد قطع الرحم والرحمة، فيقول أهل الجنة: يا أهل النار، عليكم لعنة الله، يا أهل النار، عليكم غضب الله، يا أهل النار، لا لبيكم ولا سعديكم، ماذا تقولون؟ فيَقُولُونَ: ألم نكن في الدُّنْيَا آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم؟ فيَقُولُونَ بلى، فيَقُولُونَ: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]. قَالَ الله : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠ - ٥٢].

стр. 231

قَالَ خليد العصري في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قَالَ: في وسطها، ورأى جماجم تغلي، فَقَالَ فلان: والله، لولا أن الله عرفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره وسبره (١)، فعند ذلك يقول: ﴿إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الآيات [المدثر: ٣٨ - ٤٣]. روى أبو الزعراء، عن ابن مسعود، لا يترك في النار غير هؤلاء الأربعة، قَالَ: وليس فيهم من خير. وفي حديث مسكين أبي فاطمة، عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ ، في خروج أهل التوحيد من النار، قَالَ: "ثم يقول الله لأهل الجنة: اطلعوا إِلَى من بقي في النار، فيطلعون إليهم فيَقُولُونَ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]. أي إنا لم نك منهم، لو كنا لخرجنا معهم". خرّجه الإسماعيلي وغيره، وهو منكر كما سبق ذكره. قَالَ الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا الثوري، عن أبي خالد، عن الشعبي، قَالَ: يشرف قوم في الجنة عَلَى قوم في النار، فيَقُولُونَ ما لكم في النار، وإنما كنا نعمل بما كنتم تعلمونا؟ فيَقُولُونَ: إنا كنا نعلمكم ولا نعمل به. وقال سعيد بن بشير: عن قتادة: إن في الجنة كوى (٢) إِلَى النار، فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إِلَى النار، فيَقُولُونَ: ما بال الأشقياء، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمركم [ولا نأتمر،] (*) وننهاكم ولا ننتهي.

стр. 232

وقال معمر، عن قتادة، قَالَ كعب: إن بين أهل النار وأهل الجنة كوى، لا يشاء رجل من أهل الجنة أن ينظر إِلَى عدوه من أهل النار إلاَّ فعل. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عبد الله بن عتاب، عن الفزاري، قَالَ: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه زواره من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل في ما بينه وبين أهل النار، يفتحه إذا شاء أن ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام، يدخل فيه عَلَى ربه إذا شاء. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن الضحاك، في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [المطففين: ٣٤، ٣٥]. من الدر والياقوت ﴿يَنظُرُون﴾. يعني عَلَى السرر ينظرون، كان ابن عباس يقول: السرر بين الجنة والنار، فيفتح أهل الجنة الأبواب، فينظرون عَلَى السرر إِلَى أهل النار كيف يعذبون، ويضحكون منهم، ويكون ذلك مما يقر الله به أعينهم، أن ينظروا إِلَى عدوهم كيف ينتقم الله منه. وخرج البيهقي (١) وغيره (٢) من حديثِ عليِّ بنِ أبي سارةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ : "أن رجلاً من أهل الجنةِ يشرفُ يومَ القيامةِ على أهلِ النارِ، فيناديه رجلٌ من أهلِ النارِ: يا فلانُ هل تعرفُني؟ فيقولُ: لا واللهِ، لا أعرفُك من أنتَ؟ فيقولُ: أنا الذي مررتَ بي في دارِ الدنيا فاستسقيتني شربةَ ماء فسقيتُك، قال: قد عرفتُ،، قَالَ: فاشفع لي بها عند ربك، قَالَ: فيسأل الله ويقول: "شفعني فيه. فيؤمر به فليخرج من النار".

стр. 233

الباب الرابع والعشرون في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها قَالَ الله : ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣٠ - ٣١]. قَالَ آدم بن أبي إياس: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تيم، قَالَ: كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية ﴿عليها تسعة عشر﴾ فَقَالَ: ما يَقُولُونَ أتسعة عشر ملكًا؟ قلنا: بل تسعة عشر ألفًا، فَقَالَ: ومن أين علمت ذلك، قَالَ: قلت: لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذينَ كَفَروا﴾ قَالَ أبو العوام، صدقت، وبيد كل [واحد] (*) منهم مرزبة (١) من حديد لها شعبتان، فيضرب بها الضربة يهوي بها سبعين ألفًا، بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا. فعلى قول أبي العوام ومن وافقه، الفتنة للكفار، [إِنَّمَا] (*) جاءت من ذكر العدد الموهم للقلة حيث لم يذكر المميز له. ويشبه هذا ما روى سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] أي من كثرتهم. وكذلك روى إبراهيم بن الحكم بن أبان، وفيه ضعف، عن أبيه، عن عكرمة قَالَ: إن أول من وصل إِلَى النار من أهل النار، وجدوا عَلَى الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم مسودة وجوههم كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو طيّر الطائر من منكب أحدهم

стр. 234

لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون عَلَى الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا، ثم يهوون من باب إِلَى باب خمسمائة سنة حتى يأتون الباب، ثم يجدون عَلَى كل باب منها من الخزنة مثل ما وجدوا عَلَى الباب الأول، حتى ينتهوا إِلَى آخرها. خرّجه ابن أبي حاتم. وهذا يدل عَلَى أن كل باب من أبواب جهنم تسعة عشر خازنًا هم رؤس الخزنة، وتحت يد كل واحد [منهم] (*) أربعمائة ألف. والمشهور بين السَّلف والخلف، وإن الفتنة إِنَّمَا جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقتلهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته، ولهذا قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. قَالَ السدي: إن رجلاً من قريش، يقال له أبو الأشدين، قَالَ: يا معشر قريش، لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة [الباقية] (*)، ثم تمرون إِلَى الجنة -يقوله مستهزئًا- فَقَالَ الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١]. وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا جهل، حين نزلت هذه الآية، قَالَ: يا معشر قريش، أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحدًا من خزنة النار وأنتم الدهم (١)، وصاحبكم هذا يزعم أنهم تسعة عشر؟!. وقال قتادة: في التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. وروى حريث عن الشعبي، عن البراء، في قول الله : ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قَالَ: إن رهطًا من يهود، سألوا رجلاً من أصحاب النبيّ ﷺ ، عن خزنة جهنم، فَقَالَ: "الله ورسوله أعلم، فجاء رجل، فأخبر النبيّ ﷺ ، فأنزل الله

стр. 235

[عليه] (*) ساعتئذ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ فأخبر أصحابه، وقال: ادعهم، فجاؤوا فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية. خرّجه ابن أبي حاتم (١) وحريث هو ابن أبي مطر، وفيه ضعف. وخرّجه الترمذي (٢)، من طريقِ مجالدٍ عن الشعبيِّ، عن جابر قال: "قال ناس من اليهودِ لأناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : هل يعلمُ نبيكم عددَ خزنة جهنَّم؟ قالُوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا محمدُ غُلِبَ أصحابُك اليومَ، قال: وما غُلِبُوا؟ قال: سألتْهُم يهودُ: هل يعلم نبيُّكم عددَ خزنةِ جهنَّم؟ قال: فما قالوا؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيَّنا ﷺ ، فقال: أيغلبُ قومٌ سئِلوا عمَّا لا يعلمون، فقالُوا لا نعلمُ حتى نسأل نبيَّنا؟ لكنَّهم قد سألُوا نبيَّهم، فقالُوا: أرِنَا اللَّهَ جهرة، علي بأعداءِ الله [إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك] (٣) فلما جاءوا قالُوا: يا أبا القاسم، كم عددُ خزنةِ جهنم؟ قال: هكذا أو هكذا في مرةٍ عشرة وفي مرةٍ تسعة، قالُوا: نعم"، وهذا أصحُّ من حديثِ حريثٍ المتقدمِ، قاله البيهقي وغيرُهُ. وخرج الإمام أحمد (٤)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قَالَ: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع، فَقَالَ: "أنا محمد النبي الأمي ثلاث مرات ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش" وذكر بقية الحديث.

стр. 236

فصل وقد وصف الله الملائكة الذين عَلَى النار، بالغلظة والشدة قَالَ الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وروى أبو نعيم (١) بإسناده، عن كعب، قَالَ: إن الخازن من خزان جهنم، مسيرة ما بين منكبيه سنة، وإن مع كل واحد منهم لعمودًا، له شعبتان من حديد، يدفع بها الدفعة فيكب به في النار سبعمائة ألف. وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عمران الجوني، قَالَ: بلغنا أن الملك من خزنة جهنم، ما بين منكبيه مسيرة خريف، فيضرب الرجل من أهل الضار الضربة فيتركه طحينًا من لدن قرنه إِلَى قدمه. وفي رواية أخرى له، قَالَ: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر، ما بين منكبي أحدهم مسيرة خريف، وليس في قلوبهم رحمة، إِنَّمَا خلقوا للعذاب. وروى الجوزجاني بإسناده، عن صالح أبي الخليل، قَالَ: ليلة أسري بالنبي ﷺ ، بعث الله إِلَيْه نفرًا من الرسل، فتلقوه بالفرح والبشر، وفي ناحية المسجد مصل يصل لا يلتفت إِلَيْهِ، [فقام إِلَيْهِ] (*)، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "ما منكم من أحد إلاَّ قد رأيت منه البشر والفرح، غير صاحب هذه الزاوية". فقِيلَ لَهُ: "أما إنه قد فرح بك كما فرحنا، ولكنه خازن من خزان جهنم".

стр. 237

وروى بكر بن خُنيس، عن عبد الله الجسري عن الحسن، أن جبريل قَالَ للنبي ﷺ : "لو أنا خازنًا من خزان جهنم، أشرف عَلَى أهل الأرض، لمات أهل الأرض، مما يرون من تشويه خلقه" مرسل ضعيف. ***

стр. 238

فصل في تفسير قوله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ قَالَ الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ومَالِكٌ هو خازنُ جهنَّم، [وهو كبيرُ الخزنةِ] (*) ورئيسهم، وقدْ رآه النبيُّ ﷺ ليلةَ الإسراءِ، وبدأَهُ مالكٌ بالسلامِ. خرّجه مسلم من حديث أنس (١). ورآه النبيّ ﷺ في منامه، وهو كريه المرآة -أي كرية المنظر- كأكره ما أنت راء من الرجال. وقد سبق هذا من حديث سمرة بن جندب (٢). ...

стр. 239

فصل تفسير قوله تعالى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ قَالَ الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨]. قَالَ أبو هريرة: الزبانية: الملائكة. وقال عطاء: هم الملائكة الغلاظ الشداد. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم. وقال قتادة: الزبانية في كلام العرب: الشرط. قَالَ عبد الله بن الحارث: الزبانية رؤسهم في الأرض وأرجلهم في السماء، خرّجه ابن أبي حاتم. وخرج أيضاً بإسناده عن المنهال بن عمرو قَالَ: إذا قَالَ الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ابتدرهُ سبعونَ ألفَ ملك، [وإن الملكَ] (*) منهم ليقولُ هكذا -يعني: يفتحُ يديهِ- فيلقي سبعينَ ألفًا في النارِ. ...

стр. 240

الباب الخامس والعشرون في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم قَالَ الله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (١) (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ (٢) الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٤ - ٣٦]. [وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾] (*) [النازعات: ٣٦] قَالَ: كشف عنها غطاؤها. وقال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ - ٧]. وروى العلاء بن خالد الكاهلي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يؤتى يومئذ بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". خرّجه مسلم (٣)، من طريق حفص بن غياث، عن العلاء به، وخرّجه الترمذي (٤) من طريق سفيان، عن العلاء، موقوفًا عَلَى ابن مسعود، ورجح وقفه العقيلي (٥) والدارقطني (٦).

стр. 241

وخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قَالَ: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣]. تغير لون النبيّ ﷺ ، وعرف من وجهه، حتى اشتد ذلك عَلَى أصحابه، فسألوه فَقَالَ: "جبريل جاء فأقرأني هذه الآية، قَالَ: كيف يجاء بها؟ قَالَ: يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام تسرد سردة، لو تركت لأحرقت هل الجمع ومن عليه، ثم تعرض [جهنم] (*) فتقول: ما لي ولك يا محمد لقد حرم الله لحمك علي، فلا يبقى أحد إلاَّ قَالَ: نفسي نفسي، ومحمد، يقول: أمتي أمتي". الوصافي شيخ صالح لا يحفظ، فكثرت المناكير في حديثه. وخرج أبو يعلى الموصلي (١)، من حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيني وبين أزواجي، أو لأغشين الناس عنقًا واحدًا، فيَقُولُونَ: من أزواجك؟ فتقول: كل متكبر جبار". وخرج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣)، من حديث الأعمش، عن أبي صالح،

стр. 242

عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين". وصححه الترمذي. وقد قيل: إنه ليس بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما يرويه الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. فقد روى الأعمش وغير واحد عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن دعا مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم". خرّجه الإمام أحمد (١). وخرّجه البزار (٢)، ولفظه: "يخرج عنق من النار، يتكلم بلسان طلق ذلق (٣)، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار [عنيد، وبكل] (*) من قتل نفسًا، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام". وقد رُوي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا. وروى ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: يخرج عنق من النار، فتنطوي عليهم وتتغيظ، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بمن دعا مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، فتنطوي عليهم، فتطرحهم في غمرات جهنم". خرّجه الإمام أحمد (٤).

стр. 243

ورُوي عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يخرج عنق من النار، فيظل الخلائق كلهم، فيقول: أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنّه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلهًا آخر". ورواه أبو المنهال، سيار بن سلامة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس موقوفًا، قَالَ: إذا كان [يوم] (*) القيامة، خرج عنق من النار، فأشرفت عَلَى الخلائق، لها عينان تبصران ولسان فصيح، تقول: إلي وكلت بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم، ثم تخرج ثانيًا فتقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فتلقطهم من الصفوف، فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثالثة، قَالَ أبو المنهال: أحسب أنها قالت: إني وكلت اليوم بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم (١). وفي حديث الصور الطويل، الَّذِي خرّجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي وغيرهما (٢)، بإسناده فيه ضعيف، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : يأمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم، فيقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٥٩ - ٦٢].

стр. 244

وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (١)، من طريق الشعبي، عن أبي هريرة قَالَ: يؤتى بجهنم، تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم، حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي الله عليها الذل يومئذ، فيوحي الله إليها: ما هذا الذل؟] (*) فتقول: يا رب، أخاف أن يكون لك في نقمة، فيوحي الله إليها: إِنَّمَا خلقتك نقمة، وليس لي فيك نقمة، ويوحي الله إليها، فتزفر زفرة، لا تبقى دمعة في عين إلاَّ جرت، ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلاَّ صعق، إلا نبيكم نبي الرحمة ﵌، يقول: يا رب أمتي أمتي". وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبادة ابن الصامت وكعب، قالا: يخرج عنق من النار فتقول: أمرت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتد، إلا إني أعرف بالرجل من الوالد بولده، والمولود بوالده. ...

стр. 245

الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط عَلَى متن جهنم وهو جسر جهنم ومرور الموحدين عليه روى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ ، فذكر حديثًا طويلاً، قَالَ: "ثم يضرب الجسر عَلَى جهنم، وتحل الشفاعة، فيَقُولُونَ: اللهم سلم سلم". قيل: يا رسول الله ﷺ وما الجسر؟ قَالَ: "دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة، يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاود الخيل والركاب، فناج مُسَلَّمٌ، ومخدوش مرسل، ومكدوس في النار" خرجاه في الصحيحين (١). وفي رواية للبخاري (٢) "حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا". وفي رواية لمسلم (٣) قَالَ أبو سعيد الخدري بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف. وروى آدم بن أبي إياس، في تفسيره: "أنبأنا [أبو عمر] (*) الصنعاني، عن زيد ابن أسلم، فذكر الحديث، ولفظه: "يمر المؤمنون عَلَى الصراط بنورهم، فمنهم من يمر كطرف العين (٤) " وذكر الحديث. وخرجاه في الصحيحين (٥) أيضاً، من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه قَالَ: ويضرب الجسر بين

стр. 246

ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه، ولا يتكلم يومئذ إلاَّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: "نعم يا رسول الله. قَالَ: فإنَّه مثل شوك السعدان، غير أنّه لا يعلم قدر عظمها إلاَّ الله ، تخطف الناس بأعمالهم، [فمنهم الموبق بعمله]، ومنهم المجازى حتى ينجى". وذكر الحديث. وفي آخره قَالَ: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا. وخرج مسلم (١)، من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، كلاهما عن النبيّ ﷺ ، فذكر حديث الشفاعة، وفيه قَالَ: فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم، ويؤذن له، وترسل معه الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق قَالَ: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قَالَ: ألم تروا إِلَى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟! ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم ﷺ ، قائم عَلَى الصراط يقول: "رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلاَّ زحفًا قَالَ: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت بأخذه، فمخدوش ناج، ومكردس في النار. والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا". وفي حديث الصور الطويل، الَّذِي سبقت الإشارة إِلَيْهِ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، كَقَدْر الشَّعْرَة أو كحد السيف، له كلاليب وخطاطيف، وحسك كحسك السعدان، دونه جسر دحض مزلقة". وهو يشعر بالتفريق بين الجسر والصراط، والأحاديث الصحيحة السابقة تدل عَلَى أنهما واحد. وروى أبو خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبيّ ﷺ ، فذكر حديثًا طويلاً، وفيه قَالَ: والصراط

стр. 247

كحد السيف، دحض مزلة قَالَ: فيَقُولُونَ: "انجوا عَلَى قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأشد الرجال ويرمل رملاً، فيمرون عَلَى قدر أعمالهم، حتى يمر الَّذِي نوره عَلَى إبهام قدمه، تخر يد وتتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، فتصيب جوانبه النار". خرّجه الحاكم (١) وصححه هو وغيره من الحفاظ. وفي سنن أبي داود (٢)، عن الحسن، عن عائشة ﵂، أنها ذكرت النار فبكت، فَقَالَ لها رسول الله ﷺ : مالك يا عائشة؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؛ فَقَالَ رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزإنه أم يثقل؟ وعند الكتب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أو من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثيرة، يحبس الله بها من شاء من خلقه، حتى يعلم أينجو أم لا؟. وروى ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ نحوه. إلاَّ أنّه ذكر الميزان وتطاير الكتب وخروج عنق من النار، وقال: "لجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، وعليه كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاود الخيل والركاب، والملائكة يَقُولُونَ: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار عَلَى وجهه" خرّجه الإمام أحمد (٣). وروى أبو سلام الدمشقي: حدثني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة، قال: أتيت عائشة، فقلت: حدثك رسول الله ﷺ ، أنّه يأتي عليه ساعة لا يملك

стр. 248

لأحد فيها شفاعة؟ قالت: [لقد] (*) سألته عن هذا، قَالَ: نعم، حين يوضع الصراط، لا أملك لأحد فيه شفاعة، حتى أعلم أين يسلك بي؟ ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، حتى أنظر ماذا يفعل بي أوقال: يوحى إلي؟ وعند الجسر، حين يستحد ويستحر. قلت: وما يستحد ويستحر؟ قَالَ: يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن، فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق، فيتعلق، حتى إذا بلغ وسطه، خر من قدميه، [فهوى بيده إِلَى قدميه. قالت: فهل رأيت من يسعى حافيًا، فتأخذه شوكة حتى كادت تنفذ قدميه؟!] (*) فإنها كذلك، يهوي بيده ورأسه إِلَى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدميه، فتقذفه في جهنم، فيهوي فيها مقدار خمسين عامًا. قلت: وما ثقل الرجل؟ قَالَ: ثقل عشر خلفات سمان فيومئذ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. خرّجه بقي بن مخلد في "مسنده" وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١) وفي إسناده جهالة، وفي بعض ألفاظه نكارة. والأحاديث الصحيحة تدل عَلَى أن الصراط، إِنَّمَا يوضع بعد الإذن في الشفاعة كما سبق. وخرج الإمام أحمد (٢)، من حديث أبي بكرة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "يحمل

стр. 249

الناس عَلَى الصراط يوم القيامة، فتتقاذع بهم جنبتا الصراط، تقاذع الفراش في النار، فينجي الله برحمته من يشاء". وخرج الحاكم (١)، من حديث سلمان الفارسي، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: يوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من ينجو عَلَى هذا؟ فيقول: "من شئت من خلقي فيَقُولُونَ: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك". وقال: صحيح. قلت: المعروف أنّه موقوف عَلَى سلمان الفارسي، من قوله. وخرج الحاكم (٢) أيضاً، من حديث أبي رزين العقيلي، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "فتسلكون جسرًا من النار، يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حس حس، فيقول ربك: ادنه". وخرج البيهقي، من حديث زياد النميري، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الصراط كحد الشفرة أو كحد السيف، وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات، وإن جبريل لآخذ بحجزتي، وإني لأقول: "يا رب سلم سلم، فالزالون والزالات يومئذ كثير". وخرج أيضاً (٣)، من حديث سعيد بن زربي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "عَلَى جهنم جسر مجسور، أدق من الشعر وأحد من السيف، أعلاه نحو الجنة دحض مزلة، بجنبتيه كلاليب وحسك النار، يحبس الله بها من يشاء من عباده، الزالون والزالات يومئذ كثيرٌ، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلم سلم، فمن جاء بحق يوم القيامة جاز، ويعطون النور يومئذ عَلَى قدر إيمانهم وعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي

стр. 250

عليه كمر الريح، ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابقة، ومنهم من يشتد عليه شدًّا، ومنهم من يهرول، ومنهم من يعطى نوره إِلَى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبوًا، وتأخذ النار منهم بذنوب أصابوها، فعند ذلك يقول المؤمنون: "بسم الله حس حس ويلتوي، وهي تحرق من شاء الله منهم عَلَى قدر ذنوبهم". ثم قَالَ البيهقى في زياد النميري ويزيد الرقاشي وسعيد بن زربي: ليسوا بأقوياء. وخرج أيضاً (١) من حديث "عبيد بن عمير"، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "الصراط عَلَى جهنم مثل حرف السيف، بجنبتيه الكلاليب والحسك، فيركبه الناس، فيختطفون، والذي نفسي بيده، إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر". وهذا مرسل. وخرّجه من وجه آخر موقوفًا عَلَى عبيد بن عمير مختصرًا. وخرج أيضاً (٢) بإسناده، عن ابن مسعود ﵁، قَالَ: "الصراط عَلَى جهنم مثل حد السيف". وخرج الترمذي (٣)، بإسناد فيه ضعف، عن المغيرة بن شعبة، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "شعار المؤمنين عَلَى الصراط رب سلم سلم". ويروى نحوه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد لا يصح. وروى منصور بن عمار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "شعار أمتي إذا حملوا عَلَى الصراط: لا إله إلاَّ أنت" (٤). وهذا فيه نكارة، والله أعلم.
следующие страницы →