← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعدَ أن أمرَهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم (١). وأمّا القران في رمضان فذاك شأنٌ لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القران العظيم .. بعض الصالحين ﵏ يختمُ كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي -رحمهما الله- فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعاً خمسين ختمة! ! القران يسير على من يسرّه الله عليه، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية من يختم حدراً في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة. وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق (٢). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك .. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله ..

стр. 107

ومن معين رمضان: التربيةُ على سخاءِ النفسِ بالإحسانِ والصدقاتِ وتفطيرِ الصوّام .. كان النبيُّ ﷺ أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ ﵇ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (١). يقول ابن القيم: كان رسولُ الله ﷺ أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان يُنوّعُ في أصنافِ عطائه فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء .. إلى أن قال: إذا فهمت ما تقدَّم من أخلاقه فينبغي على الأمةِ التأسيَّ والاقتداءَّ به في السخاءِ والكرمِ والجود، والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان، ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه (٢). اللهم اجعلنا من المتبعين المتأسين بسنة رسولك ﷺ . * * *

стр. 108

رمضان وبدر والعشر إنَّ الحمد لله .. أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله . أَيُّهَا الأخوة: ها هو شهر رمضان قد انتصف، بل وزاد. فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟ وهل فينا من قام فيه بما عرف؟ وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف؟ ! ما أَسرعَ مُرُورَ اللَّيَالي وَمُضِيَّ الأَيَّامِ! وَمَا أَعجَلَ انقِضَاءَ الأَوقَاتِ وَذَهَابَ السَّاعَاتِ! بِالأَمسِ القَرِيبِ دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ في شَوقٍ عَظِيمٍ لِبُلُوغِهِ، وَكَانَت نُفُوسُهُم في لَهفَةٍ شَدِيدَةٍ لإِدرَاكِهِ، ثُمَّ هَا هُوَ اليَومَ قَد مَضَى نِصفه عَلَى عَجَلٍ (١).

стр. 109

«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (١). ولربما منا من يكون هذا الشهر آخرَ رمضانَ يعيشه، فيكون ممّن أُعتق فيه من النار إذا أتى بأسباب توجب له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، من الصيام والقيام، وقراءة القرآن والذكر، ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعامهم، والصدقة والاستغفار، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح «إن وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ» (٢). أَيُّهَا الأخوة: في مثل الليلة القادمة ليلة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، كان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعز الله فيه جنده، ونصر فيه عبده، يوم قال فيه ﷺ : «لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٣)، خرج ﷺ مع ثلاثمائة وبضعة رجلاً من المهاجرين والأنصار، من أفضل الخلق يومئذ، خرجوا بعد ما أعلن رسول الله ﷺ في المسلمين قائلاً: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفِلكُمُوها.

стр. 110

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة- بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة ﵃ في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله ﷺ في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم يُنكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة (١). قسم ﷺ جيشه إلى كتيبتين: ١ - كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علي بن أبي طالب. ٢ - كتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعد بن معاذ. ثم سار رسول الله ﷺ في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، حتى بلغ بئر الروحاء، ولما ارتحل منها، ترك طريق مكة بيسار، وانحرف ذات اليمين على النازية (يريد بدراً)، فسلك في ناحية منها، حتى قرب من الصفراء، وهنالك بعث بعض من يرقب عير قريش. وفي المقابل فقد بلغ أبا سفيان خروجُ المسلمين لملاقاة القافلة، فبعث رجلاً اسمه ضَمْضَم الغفاري إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، وخرجوا من ديارهم كما قال الله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).

стр. 111

ثم إن أبا سفيان انحرف إلى ساحل البحر فنجت القافلة، وكتب إلى قريش أن ارجعوا فإنما خرجتم لتحرِّزوا تجارتكم، فأتاهم خبرُه فهمّوا بالرجوع، فانبعث أشقاهم أبو جهل فقال: والله لا نرجع حتى نقدَمَ بدرًا فنقيمَ فيها، نطعمُ من حضرنا، ونسقي الخمر، وتعزفُ علينا القِيَان، يعني المغنيات، وتسمعُ بنا العرب، فلا تزال تهابنا أبدًا وتخافنا. ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خبرُ خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم أبو بكر ثم عمر ثم المقداد ﵃ فأحسنوا، ثم استشار النبي ﷺ الناس مرة أخرى، فعلم الأنصار أن النبيّ ﷺ إنما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فامض بنا حيث شئت، وصِل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت، وما أخذت منها كان أحبَ إلينا مما تركت، فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غمدان - أقصى الجزيرة- لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ثم تكلم المقداد بمثل ذلك، فأشرق وجه الرسول بما سمع منهم وقال: «سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم» (١) سار النبي ﷺ بأصحابه حتى نزل بأدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال الحباب بن المنذر ﵁ يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا

стр. 112

أن نتقدم عنه أو نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال النبي ﷺ : بل هو الحرب والرأي والمكيدة. فقال الحباب: فليس هذا بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، فاستحسن النبي ﷺ رأي الحباب ومضى بأصحابه حتى نزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وجيش قريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وأنزل الله مطراً كان شديداً ووحلاً زلقا على المشركين، وكان طلا خفيفا على المسلمين، طهرهم به ووطأ لهم الأرض وثبت به الأقدام وبنى المسلمون لرسول الله ﷺ عريشاً على تل مشرف على موضع المعركة. ونزل رسول الله ﷺ فسوى صفوف أصحابه ومشى في أرض المعركة يشير إلى مصارع القوم إلى المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين يقول هذا مصرع فلان إن شاء الله، فو الله ما جاوز أحد منهم الموضع الذي أشار إليه النبي ﷺ ، قتلوا في تلك المواضع التي عينها النبي ﷺ . والتقى الفريقان وقام النبي ﷺ بين يدي ربه يدعو ويلح في الدعاء، ويتضرع بين يدي ربه ويستغيث به، يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلها وخيلائها تصد عن دينك وتحارب رسولك، ثم يقول عن أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض (١).

стр. 113

واستجاب الله تعالى لنبيه ﷺ وهزمت قريش برجالاتها وخيلها وصناديدها، وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون وجمع من القتلى أربعة وعشرون من صناديد المشركين فألقي بهم في قليب من قلبان بدر، منهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من رؤوس الكفر، وصناديد المشركين. وبعد ثلاث ليال أقامها النبي ﷺ ببدر، انصرف رسول الله ﷺ وعند انصرافه وقف علي القليب ونادى أولئك الصناديد بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا. فقال له عمر الفاروق: أتنادي أجساداً قد بليت يا رسول الله، فقال: والله ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، ذلك أن الله أسمعهم نداء نبيه في تلك اللحظة (١). من أعظم عِبر يوم بدر أن الإسلام كلمة الله الباقية، ورسالته الخالدة، باقية ما بقي الزمان وتعاقب المكان، يُرفع شعارها ويقدس منارها بعزّ عزيز وذل ذليل، هذا الإسلام الذي كتب الله العزة لمن والاه، وكتب الذلة والصغار على من عاداه، كلمة باقية ورسالة خالدة زاكية. مِنْ عِبَر يوم بدر أخذنا أن الصبر مفتاح الفرج، فما ضاقت الأمور على من صبر، الصبر مفتاح الخير.

стр. 114

أخذنا من غزوة بدر أن مع العسر يسرًا، وأن عاقبة الصبر خير: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١)، صبر رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فظفروا: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، فإن وجدت عبدًا من عباد الله قد صُبَّت عليه المحن والبلايا من الله، ونصب وجهه صابرًا لله، فبشره بحسن العاقبة والمآل من الله. نعم الصبر والتقوى سبيل النصر للمؤمنين: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٣)، صبرًا - يا أهل الإسلام - في زمان عظمت كربه، في زمان اشتدت بلاياه ومحنه، إن وراء الليل فجرًا، إن تحت الرماد نارًا، صبر جميل، لعل الله أن يأتي بالفرج الجليل. ومن أعظم أسباب النصر العظيمة تآلف القلوب وتراحمها، كان أصحاب النبي ﷺ في قلة من العدد والعدة، ولكن كانت بينهم المحبة والصفاء والمودة، كانوا متراحمين متعاطفين متآلفين متكاتفين متناصرين متآزرين، شعارهم: لا إله إلا الله، فسبحان من أعزهم وهم أذلاء، سبحان من أغناهم وهم فقراء، سبحان من رفعهم وهم وضعاء (٤). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية:

стр. 115

الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى جميع أصحابه الأخيار، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم ما أظلهم الليل وأضاء النهار. أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله . أَيُّهَا الأخوة: وها هي أيام الشهر قد تتابعت، ولياليه الغر قد تلاحقت، هذه أيام رمضان، وها نحن على أبواب العشر الأواخر، وقفنا على الليالي العشر ونحن فقراء إلى رحمة الله، وقفنا نشكو تقصيرنا إلى الله، وقفنا وكلنا أمل وطمع في رحمة الله أن لا يخيب رجاءنا، وأن يستجيب دعاءنا، وقفنا على أبواب عشر ما دخلت على رسول الله إلا شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. بينها ليلة خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، عشر إذا دخلت على الأخيار والصالحين فروا إلى بيوت الله معتكفين ركعًا سجدًا، يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قد فارقوا النوم والكرى والهجود، يرجون رحمة الله الحليم الودود، ويسألونه مقامًا مع الركع السجود، في نعيم الجنات جنات الخلود، مع المقربين الشهود، قد سمت أرواحهم إلى الخيرات، وتنافست أجسادهم في فعل الباقيات الصالحات، عشر وما أدراك ما هذه العشر؟ ! أقسم الله بها في كتابه المبين، وعظَّم شأنها بهدي رسول الله الأمين.

стр. 116

فيا معاشر العُباد: وصية لكم من كتاب الله وسنة رسول الله: اعلموا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل الله من العبادة إلا ما كان خالصًا لوجهه، يراد به ما عنده: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١)، أخلصوا لله النيات، وأخلصوا لله العبادات والطاعات، فلا يزال العبد بخير إذا تكلم تكلم لله، وإذا عمل عمل لله. يا معاشر العباد: كم من قائم على أم حنون يسقيها دواءها، ويعالج جراحها وداءها، بلَّغه الله أجر المعتكفين، كم من قائم على أب ضعيف، شيخ كبير، يقضي حوائجه، ويرحم ضعفه، ويحسن إليه، ويجبر بإذن الله كسره، بلَّغه الله مقام المعتكفين، كم من قائم على زوجة سقيمة مريضة، يقوم عليها، بلَّغه الله أجر الاعتكاف بما كان من إحسانه إليها. تخلف عثمان ﵁ وأرضاه عن غزوة بدر بسبب زوجه التي كان يمرضها، رقية ﵂ وأرضاها -، لو كنت مريضًا لقامت على رأسك ولأحسنت إليك، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. يا معاشر العباد: إياكم وحرق أعمالكم بألسنتكم من غيبة وسب وأذية .. ألزموها البر كما عهد عنكم بالذكر والدعاء والقران والتسبيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترتفع درجاتكم وتعلو منازلكم (٢).

стр. 117

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 118

خطبة عن ثمرات ووسائل المداومة على العمل بعد رمضان إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: إن سرعة حركة الليل والنهار لتؤكِّد تقارب الزمان الذي هو من أشراط الساعة كما صحَّ بذلكم الخبر عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه .. وهذا كله - عباد الله - يُعدُّ فرصةً عظمى لإيقاظ أصحاب الحجى، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (١). رحل رمضان .. واللهُ يعلم كم من صحائفَ بُيضت، وكم من حسناتٍ كُتبت، وكم من ذنوب غُفرت، وكم من رقابٍ أُعتقت. ويا ترى من هم أولئك الذين يداومون ويستمرون على العمل الصالح؟ لنعلم أنّ من ثمرات المداومة على العمل الصالح وإن قل: دخول الجنة. ولنا في بلال ﵁ أسوة .. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ،

стр. 119

فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ (أي تحريك نعليك) بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» (١). وقد أفاد الحديث أن الله تعالى يحب المداومة على العمل الصالح وإن كان قليلاً، ومن ثمرات المداومة على العمل الصالح .. أنها سبب لمحبة الله تعالى للعبد، وكفى بها ثمرةً وكرامة. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» رواه البخاري (٢). والمداومة على العمل الصالح سبب لتكفير الخطايا والآثام .. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ (أي وسخِهِ) شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. «قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (٣).

стр. 120

والمداومة على العمل الصالح سبب للنجاة من الكرب والشدائد في الدنيا والآخرة .. ثبت عند أحمد والترمذي من حديث ابن عباس ﵁ ما قال: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ، يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ .. » (١) الحديث. وفي زيادة صحيحة عند أحمد: «تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» (٢). ومن ثمرات المداومة على العمل الصالح ... : دوام اتصال القلب بالله تعالى، مما يعطي القلب قوةً ونوراً وثباتاً على دين الله. وقد عدَّ بعض أهل العلم هذا الأمر من الحِكَم التي شرعت من أجلها الأذكار، سواءً الأذكارُ المطلقة، أو المقيَّدةُ بالأحوال. والمداومة على العمل الصالح سبب لحسن الخاتمة، فإن المؤمن متى ما اشتدت عزيمته على فعل الخيرات، والانكفاف عن السيئات، وفقه الله لحسن الخاتمة، كما قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣). والعبد إذا كان يداوم على العمل الصالح، ثم عرض له عذر من مرضٍ أو سفر، كُتِب له ما كان يعمل حال صحته وإقامته كما روى البخاري عن أبي موسى

стр. 121

الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (١)، وهذا الفضل من الله تعالى، إنما يكون هذا - أَيُّهَا الأحبة - فيمن كان له وردٌ يحافظ عليه، وعملٌ يداوم عليه، وفقنا الله وإياكم لكل خير. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله وأتوب إليه إنه هو التواب الغفور. الخطبة الثانية: الحمد لله .. عباد الله من دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢)، إذا صاحبَه عزيمة بعد توكل على الله تعالى، كان ذلك من أهم المحفزات للثبات على عمل الصالحات، وليحذر المسلم من الإثقال على نفسه بأعمال تؤدي إلى المشقة، المفضية إلى السآمة والملل من العبادة. ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» وَقَالَ: «اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ» (٣). ومن أكثر ذكر الموت - أَيُّهَا الأخوة - نَشَط في عمله، ولم يغتر بطول أمله، وبادر بالأعمال قبل نزول أجله.

стр. 122

وأخيراً لابد للمسلم الذي يرغب دواماً على العمل الصالح أن يبعد كل البعد عن مفسدات القلب؛ من جلساء السوء، وحضور المنكرات، ومشاهدة القنوات الفاسدة، أو المواقع والحسابات السيئة، والاستماع للغناء والطرب. جعلنا الله وإياكم من التوابين الأوابين، وسلك بنا طريق المخبتين، ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) (٢). * * *

стр. 123

الذكر وحال السلف في العشر (١) الحمد لله مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، أحمدُه وقد أسبَغَ علينا الخير الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها المسلمون: بالتقوى تحصُل البركة، وتندفعُ الهلَكة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢). أَيُّهَا الأخوة: خلق الله الأرض ففضّل بعضها على بعض؛ كما فضل أرض الحجاز بمكة والمدينة، وفضّل مكة بحرمها ومسجدها ومشاعرها المقدسة عرفات

стр. 124

ومزدلفة ومنى، التي هي مواضع الحج والنسك وتعظيم شعائر الله تعالى، وفضّل المدينة بحرمها ومسجدها وبمسجد قباء وجبل أحد، ووادي العقيق المبارك، وفضّل أرض الشام فباركها، وجعلها موطنا لأنبياء بني إسرائيل، وبارك مسجدها وما حوله، وجعله مسرى نبينا محمد ﷺ . وخلق الله تعالى الزمان ففضّل بعضه على بعض؛ كما فضّل رمضان على سائر الشهور، وفضّل أيام الجمعة وعرفة والنحر على سائر الأيام، وفضّل ليلة القدر على سائر الليالي، وفضّل ثلث الليل الآخر على سائر أجزاء الليل، وفضل ساعة الجمعة على سائر الساعات، وفضل العمل في الليالي العشر الأخيرة من رمضان فاختصها بالاعتكاف والاجتهاد دون سائر الليالي، وهكذا بين الحين والآخر تظلل المسلمين سحابة موسمية عظيمة، تمطر عليهم خيرًا، تُمحى بها الخطايا، وتُغفر بها الزلات، وتُرفع بها الدرجات، وتمتلئ بها صحائف الحسنات، فالكيِّس من تعرَّض لسحائب الرحمة، فنال من خيرها، وأصاب من غيثها، قبل أن ينطفئ نورها، ويخبو أوارها، ومن هذه السحب والمزن الكريمة أيام عشر ذي الحجة إذ فضّل العمل فيها على العمل في غيرها، واختصها بأمهات الأعمال والعبادات والله يخلق ما يشاء ويختار. وفضّل الذكر فيها والإكثار منه بالذات؛ فقال سبحانه ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١).

стр. 125

قال ابن عباس: أيَّام العشر؛ يعني: عَشر ذي الحجَّة، مع يوم عرَفَة والعيد. وعن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ التَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالتَّهْلِيلَ» (أخرجه الطبراني، وهو حديث حسن، وله شواهد) (١). عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ » قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ» رواه مسلم (٢). عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» رواه الترمذي (٣). وأهل الذكر هم أهل الله، اختصهم برحمته، وامتن عليهم بمغفرته، ومن فضلهم وعلو منزلتهم عند ربهم أن جعلهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم حتى

стр. 126

وإن لم يفعل مثلهم، ووالله! إنها كرامة لهم ودليل قربهم من ربهم، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ " قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: " فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ " قَالَ: " فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟ " قَالَ: " فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا " قَالَ: " يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ " قَالَ: " يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا " قَالَ: " يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ " قَالَ: " يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً " قَالَ: " فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ " قَالَ: " يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» رواه البخاري (١).

стр. 127

ومن الذكر المستحب في هذه العشر التكبير: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً (١). والتكبير في هذه العشر على ضربين: تكبير مطلق، وتكبير مقيد. فالتكبير المطلق: هو أن يكون من أول العشر إلى نهاية أيام التشريق. وأما المقيد: فيبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق على الصحيح، وهو مقيد بأدبار الصلوات المكتوبة. قال القاضي أبو يعلى: "التكبير في الأضحى مطلق ومقيد، فالمقيد: عقيب الصلوات، والمطلق: في كل حال، في الأسواق وفي كل زمان" المغني (٢). أما صيغ التكبير فلم يثبت عن النبي ﷺ صيغة معينة في التكبير، وإنما ثبت عن صحابته ﵃ في ذلك عدة صيغ منها: منها: قول: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً". وقول: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ". وقول: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ وأجَلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ".

стр. 128

أَيُّهَا الأخوة: وأما حال السلف في هذه العشر فهي حال عجيبة تستدعي أن نقف عندها ونحاول التأسي بهم؛ فقد كانوا يجتهدون فيها اجتهاداً عظيماً. فهذا سعيد بن جبير: "كان إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً، حتى ما يكاد يقدر عليه" سنن الدارمي (١). وكان يقول: "لا تُطْفِئُوا سُرُجَكُم لَيَالِيَ العَشْرِ -تُعْجِبُهُ العِبَادَةُ- وَيَقُوْل: أَيْقِظُوا خَدَمَكُم يَتَسَحَّرُوْنَ لِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ" سير أعلام النبلاء (٢). وقال عبد الله بن عون: "كان محمد بن سيرين يصوم العشر، عشر ذي الحجة كلها" مصنف ابن أبي شيبة (٣). وقال ليث بن أبي سليم: "كان مجاهد يصوم العشر". مصنف ابن أبي شيبة (٤) وعن الأوزاعي قال: "بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بشهادة" شعب الإيمان (٥). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم قال - يعني في الفضل" (٦).

стр. 129

وكان محمد بن سيرين يصوم العشر عشر ذي الحجة كله فإذا مضى العشر ومضت أيام التشريق أفطر تسعة أيام مثل ما صام (١) وكان مجاهد يصوم العشر، قال: وكان عطاء يتكلفها" مصنف ابن أبي شيبة (٢). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أقول قولي هذا وأستغفر الله .. الخطبة الثانية: الحمد لله الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضلَ إلا من لدُنه، ولا اعتمادَ إلا عليه، ولا ملجأَ ولا منجا منه إلا إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سميعٌ لراجِيه، قريبٌ ممن يُناجِيه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله ونبيُّه، وصفيُه ونجِيُّه، ووليُّه ورضِيُّه، وأمينُه على وحيِه، وخِيرتُه من خلقِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا عباد الله اتقوا الله، فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣)

стр. 130

ومن العشر المباركة يوم التاسع منها وهو يوم عرفه: فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» رواه مسلم (١). وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ » رواه مسلم (٢). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي (٣). نظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقاً -وهو مبلغ ضئيل من المال- فهل كان يردهم؟ قالوا: لا. فقال: واللهِ لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق! .

стр. 131

وقد ثبت عن بعض السلف أنهم أجازوا " التعريف " وهو الاجتماع في المساجد للدعاء وذكر الله يوم عرفة، وممن فعله ابن عباس ﵄، وأجازه الإمام أحمد وإن لم يكن يفعله هو. قال ابن قدامة: "قال القاضي: ولا بأس بـ " التعريف " عشية عرفة بالأمصار (أي: بغير عرفة)، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله - أي: الإمام أحمد - عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، قال: " أرجو أن لا يكون به بأس قد فعله غير واحد" انتهى المغني (١). فيا من يطمع في العتق من النار، لا تحل بينك وبين رحمة ربك بالإصرار على الآثام والأوزار، في مثل هذه الأيام الفاضلة المصطفاة، تالله ما نصحتَ نفسك، أوبقت نفسك بجليل المعاصي والآثام، وأبيت التوبة والإنابة, فإذا حُرمْتَ المغفرة قلتَ أنَّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم. لقد لهونا كثيراً، وعصينا عصياناً كبيراً. لَهَوْنا لَعَمْرُ اللهِ! حتَّى تتابَعَتْ ... ذُنوبٌ على آثارِهِنَّ ذنوبُ

стр. 132

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 133

في اغتنام ما تبقى من العشر الحمد لله أقصى مبلغ الحمدِ ... والشكر لله من قبل ومن بعدِ الحمد لله عن سمعٍ وعن بصرٍ ... والحمد لله عن عقل وعن جسدِ الحمد لله في سري وفي علني ... والحمد لله في حزني وفي سعدي الحمد لله عما كنت أعمله ... والحمد لله عما غاب عن خلدي الحمد لله مَن عمَّت فضائله ... وأنعُمُ الله أعيتْ منطق العددِ فالحمد لله ثم الشكر يتبعه ... والحمد لله عن شكري وعن حمدِي وأشهد أن لا إله إلا الله، لا معبود بحقٍ إلا الله، ولا رب لنا سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم نلقاه (١). ثم أمَّا بعد:

стр. 134

فاتقوا الله عباد الله، فإن الأيام قد أسرعت بنا إلى قبورنا، وأنقصت شهورنا وأعوامنا، وما ذاك إلا من أعمارنا، ولن نجد أمامنا إلا أعمالنا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (١). أَيُّهَا الأخوة: ها نحن نعيش في خضّم الأشهر الحرم التي يضاعف فيها الثواب والعقاب، بل في أوجِ خير أيام الدنيا أيامِ عشر ذي الحجة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ» (٢) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (٣). قال ابن رجب: "وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلاً إذا وقع في زمان فاضل، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة؛ لفضل زمانه .. وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره، ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله، ثم لا يرجع منهما بشيء" (٤).

стр. 135

وقال أيضاً: "دلَّ هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده" (١). أَيُّهَا الأخوة: تجتمع في هذه الأيام أمهات العبادة حيث يقول الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره" (٢). ومن أجلّ العبادات في هذه العشر المباركة التي نغفل عنها كثيراً كثرة الدعاء والذكر والتكبير والتحميد والتهليل. قال ابن القيم: "وكان ﷺ يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، ويُذكر عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق فيقول: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد"، وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع التكبير، وأما كونه ثلاثاً، فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما ثلاثا فقط، وكلاهما حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين

стр. 136

ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر، كان حسناً" (١). أيها الأخ المبارك: وأمّا يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة؟ يوم التاسع من ذي الحجة، فهو يومٌ شريفٌ كريم، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، ويُسمَعُ فيه الدعاءُ ويُجابُ، وما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ نعم أيها المبارك: عتق الرقاب وإجابة الدعاء وغفران الذنوب والأوزار هو عام للواقفين بعرفة وغيرهم من أهل الأمصار. وخيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة، فلنظهر في ذلك اليوم التوبةَ والاستغفار، والتذلُّل والانكِسار، والندامةَ والافتقار، والحاجةَ والاضطرار، ولو بقيت يا موفق في مسجدك ذلك اليوم حتى غروب الشمس لم يكن هذا كثيراً ففي هذا اليوم من الفضائل والرحمات والخيرات والبركات ما تستحق لأجلها أن تبذل الأوقات (٢). قال ﷺ : «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٣).

стр. 137

إذا لم تكن حاجاً فكن صائماً في ذلك اليوم العظيم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (١)، واحذر أن تكون في هذا اليوم عن الله منشغلاً أو لغيره راجياً ومؤملاً .. عن سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب أنه رأى سائلاً يسأل الناس يوم عرفة، فقال: يا عاجزاً في هذا اليوم تسأل غير الله تعالى! . نظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجلٍ فسألوه دانقاً - وهو مبلغ ضئيل من المال - فهل كان يردهم؟ قالوا: لا، فقال: واللهِ لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق! (٢). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: صلاة العيد، والأضحية، من أعظم ما يتقرب به المؤمن في ذلك اليوم العظيم يوم النحر الذي هو أفضل أيام العام؛ كما في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ

стр. 138

-﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» رواه أحمد (١). ومن قدر على الأضحية فلا يتركها، وذبحها أفضل من التصدق بثمنها، والأضحية الواحدة تكفي أهل البيت الواحد، ويجب الحذر من المباهاة بتكثيرها، فإن النبي ﷺ ضحى بكبش عنه وعن آل محمد، وضحى بكبش عن أمته، وفضل الله تعالى واسع (٢). وجاء عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ: «كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى»: رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٤)، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٥). * * *

стр. 139

ختام العشر ربيع العُبّاد ... الحمد لله .. أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١). أَيُّهَا الأخوة: وهكذا تمضي الأيام ولم يتبقَ إلا بقيّة من هذه العشر المباركة، تتقلص الأيام والليالي، وتنقضي شاهدة بما عملنا، وحافظة لما أودعنا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ (٢)، ينادي ربنا: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (٣). أَيُّهَا الأخوة: لقد بقيت بقية كان يحتفي بها نبينا محمد ﷺ أيما احتفاء، في العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمر وجد وشد المئزر (٤)،

стр. 140

نعم كان النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام لا يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه (١)! إي والله إذا لم تكن هذه الليالي الفاضلة وقت انكسار وتضرع ولجوء إلى الله، فمتى يكون ذلك! ! تقول عائشة أم المؤمنين ﵂: يا رسول الله: أرأيت إن علمت ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ ! قال: "قولي: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (٢). الدعاء الدعاء، لنَعُجُّ فيما تبقى من عشرنا هذه بالدعاء لنلِظُّ على الحي القيوم، فقد قال ربنا - عز شأنه -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٣). إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح (٤).

стр. 141

رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين .. يلجأ الصادق: بقلب خاشع قائلاً: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فيغفر له وإن كان فر من الزحف، كما عند أبي داود والترمذي (١). لقد كان العبّادُ على شدة حذرهم وقلة وقوعهم في الأخطاء والذنوب يكثرون من الاستغفار .. الاستغفار وما أدراك ما الاستغفار؟ ! عن ابن عمر ﵁ قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (٢). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣). وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (٤). وفي المسند عن حذيفة ﵁ قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَرِبُ اللِّسَانِ، وَإِنَّ عَامَّةَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ؟ »، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» (٥).

стр. 142

وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «مَنِ أكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» رواه الإمام أحمد والنسائي (١). قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي. وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحبّ إليه من استغفار كثير (٢). قال الحافظ ابن رجب: وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعاً: إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الاستغفار. قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. وقال بعضهم: إنما معول المذنبين البكاءُ والاستغفار، فمن أهمتّه ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار.

стр. 143

قال رباح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة، وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستاً وثلاثين زلة، فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خطر من قبول التوبة، ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلَّت ذنوبه فالتمس منه الاستغفار. وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتّاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم (١). أَيُّهَا الأخوة: ومن نزعت منه حلاوة المناجاة، ولذة طلب مغفرة الله، واللجوء إليه من القلب عايش أشد ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي ﷺ من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع؟ ! ما أجمل هذه الأيام! ! .. يجتمع فيها أوقات فاضلة وأحوال شريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود، وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في هذه الليالي والأيام، فأين المتنافسون؟ ! (٢) و"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (٣)

стр. 144

أَيُّهَا الأخوة: اعتكف رسول الله ﷺ هذه الأيام العشر حتى توفاه الله ... عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فالمعتكف ذِكْرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته. قال الزهري: عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي ﵇ لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله .. (١). أَيُّهَا الأخوة: ولازال الرجاء باقٍ في تحري ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ليلةٌ خير من ألف شهر، إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وشقاء الأشقياء: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣)، ولا يهلك على الله إلا هالك (٤). قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر (٥). ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٦).

стр. 145

فلا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهَّرهما خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى .. وقد ذهب بعض السلف كالشعبي والشافعي إلى اعتبار ليلة القدر كنهارها في لزوم الاجتهاد في العمل الصالح (١). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .. الخطبة الثانية: الحمد لله ... أما بعد: فأيها الناس: أوصيكم بتقوى الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٢). المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرص الشهر، وفرط في فضل العشر، وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة .. أَيُّهَا الأخوة: شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِي خِتَامِ صَوْمِنا إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ أَبْدَانِنا «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
следующие страницы →