رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين .. يلجأ الصادق: بقلب خاشع قائلاً: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فيغفر له وإن كان فر من الزحف، كما عند أبي داود والترمذي (١).
لقد كان العبّادُ على شدة حذرهم وقلة وقوعهم في الأخطاء والذنوب يكثرون من الاستغفار .. الاستغفار وما أدراك ما الاستغفار؟ ! عن ابن عمر ﵁ قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٣).
وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي ﷺ ، قال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (٤).
وفي المسند عن حذيفة ﵁ قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَرِبُ اللِّسَانِ، وَإِنَّ عَامَّةَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ؟ »، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» (٥).
стр. 142
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «مَنِ أكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» رواه الإمام أحمد والنسائي (١).
قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة، وذلك على قدر ديتي.
وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً.
قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحبّ إليه من استغفار كثير (٢).
قال الحافظ ابن رجب: وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعاً: إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الاستغفار.
قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار.
وقال بعضهم: إنما معول المذنبين البكاءُ والاستغفار، فمن أهمتّه ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار.
стр. 143
قال رباح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة، وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستاً وثلاثين زلة، فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك فإني غير آمن سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خطر من قبول التوبة، ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلَّت ذنوبه فالتمس منه الاستغفار.
وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: إنكم لم تذنبوا، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتّاب: قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة، فيؤمن على دعائهم (١).
أَيُّهَا الأخوة: ومن نزعت منه حلاوة المناجاة، ولذة طلب مغفرة الله، واللجوء إليه من القلب عايش أشد ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي ﷺ من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع؟ ! ما أجمل هذه الأيام! ! .. يجتمع فيها أوقات فاضلة وأحوال شريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود، وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في هذه الليالي والأيام، فأين المتنافسون؟ ! (٢) و"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (٣)
стр. 144
أَيُّهَا الأخوة: اعتكف رسول الله ﷺ هذه الأيام العشر حتى توفاه الله ... عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فالمعتكف ذِكْرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته.
قال الزهري: عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي ﵇ لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله .. (١).
أَيُّهَا الأخوة: ولازال الرجاء باقٍ في تحري ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٢)، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ليلةٌ خير من ألف شهر، إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وشقاء الأشقياء: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣)، ولا يهلك على الله إلا هالك (٤).
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر (٥).
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٦).
стр. 145
فلا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهَّرهما خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى .. وقد ذهب بعض السلف كالشعبي والشافعي إلى اعتبار ليلة القدر كنهارها في لزوم الاجتهاد في العمل الصالح (١).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله ... أما بعد:
فأيها الناس: أوصيكم بتقوى الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٢).
المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرص الشهر، وفرط في فضل العشر، وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة ..
أَيُّهَا الأخوة: شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِي خِتَامِ صَوْمِنا إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ أَبْدَانِنا «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
وفي موجة هذا الفرح وسُنة التوسعة على العيال، يجب أن لا نَنسَى زَرعَ بهجةِ العيدِ في بيوتِ الفقراءِ والمساكينِ، وأن نُطلَّ إطلالةَ الرحماءِ على الأيتامِ والأراملِ والصغارِ، والمرضى ودورِ المسنين فكُلٌّ من هؤلاءِ له حقٌ كبيرٌ ..
ويجب أن لا نَنسى إخوانناً لنا ابتلوا بالضراء تحت القصف والتهجير في بلادٍ شتى من بلاد المسلمين فرُبَّ دعوة منك أو دعم. يُغيُّر اللهُ حالهَم ويَفتحُ عليهم من بركاتِه ..
وكذا المجاهدينَ الصادقينَ المرابطينَ على ثغورِ المسلمين، وعلى حدودِ بلادِنا، فأقلُّ حقٍّ لهم أن يكونَ لهم منكَ دعوةٌ صادقةٌ؛ بأن ينصرهم الله ويحفظهم ويثبتهم، ورَحِمَ اللهُ من افتقدناهم في هذا العيد ممن نزلوا بضيافة أكرم الأكرمين.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
أيّتها الأختُ الْمُسْلِمَة: إنّ اللهَ تَعالى قدْ أنْزلَ فِيكِ سُوَراً وآياتٍ تُتْلَى إلى يَوْمِ الْقِيامة؛ فاستَمْسِكِ بِشرعِ اللهِ، إِنَّ الْأَمَلَ مَعْقُودٌ عَلَيكِ فِي تَرْبِيَةِ جِيلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُ نَفْسَه وَيَنْهَضُ بِأُمَّتِهِ، فَكُوْنِي أُمًّا تَصْنَعُ أُمَّةً، فَإِنَّ إمَامَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ نَشَأَ يَتِيمَاً فَصَنَعَتْهُ أُمُّهُ رحمها الله بِرِعايَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، فَصَارَ أُمَّةً فِي رَجُلٍ، وَكُلُّ عِلْمِهِ وَجِهَادِهِ وَنَفْعِهِ لِلْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ طُوَالَ الْقُرُونِ .. فَلِأُمِّهِ الَّتِي رَبَّتْهُ وَأَدَّبَتْهُ وَقَامَتْ عَلَيهِ مِثْلُ أَجْرِهِ .. لِأَنَّهَا صَنَعَتْهُ إِمَامًا، وَلَمْ تَتْرُكْهُ عَابِثًا.
وَكَانَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ -رحمهما الله- تَلْتَقِطُ الْأَوْرَاقَ التَّالِفَةَ لَهُ لِيَكْتُبَ عَلَى قَفَاهَا دُرُوسَهُ، وَمَا رَدَّهَا الْفَقْرُ عَنْ صُنْعِ إِمَامٍ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
مؤلم أيَّتُهَا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ: أن تَنْتَشِرُ بينكن مَظَاهِرُ البَذَخِ وَالإِسْرَافِ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ التي قَدْ تؤَدِّي إِلَى سَلْبِهَا، مؤلمٌ أيضاً والله هذا الافتنانُ بوسائلِ التواصلِ
стр. 154
والهواتفِ الذّكيةِ الذي أغرق بعضكَن في لجُجٍ من عدمِ الحياءِ، وقلةِ الغيرةِ إلاّ ما شاء الله! ! مؤلم جداً استجابةُ بعضِ الغُفلِ لاِسْتِنْسَاخَ الْأُسْرَةِ الْغَرْبِيَّةِ الشَّقِيَّةِ الْمُفَكَّكَةِ وجلبها للبيوتِ والأسرِ المسلمةِ، لِنَقْلِ الْمَرْأَةِ مِنْ فَضَاءِ الْإِسْلَامِ الرَّحِيبِ إِلَى حُرِّيَّةِ الْغَرْبِ الضِّيقَةِ، عَبْرَ دعَايَاتٍ مُضَلِّلَةِ، وَأُطْرُوحَاتٍ زائِفَةِ، إي والله لَا عَاقِلَةَ تَرْضَى بِذَلِكَ فَضْلًا عَنْ مُؤْمِنَةٍ تقيّةٍ عَفيفةٍ، فَاحْذَرْنَ مَصَائِدَ الْأَعْدَاءِ، وَدَعَوَاتِهِمْ الْمُزَخْرَفَةَ بِتَحْرِيرِ الْمَرْأَةِ، فَلَيْسَتْ إِلَّا ذُلًّا وَإِهَانَةً وَاسْتِغْلالًا.
حَفِظَ اللهُ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَيهِنَّ سِتْرَهُ، وَحَمَاهُنَّ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَدَعَوَاتِ الْمُفْسِدِينَ.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ... الله أكبر الله أكبر ... ولله الحمد
أَيُّهَا الأحبة (١): اجتمعَ اليومَ عيدان: جمعةٌ وعيد، ولله الحمد والمنة .. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:
"من صلى العيد يوم الجمعة .. رُخِّص له في ترك الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام، فيجب عليه إقامتها بمن حَضرَ لصلاتها ممن صلى العيد، وممن لم يصل العيد، والدليل ما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» (٢)، فدل ذلك على الترخيص في الجمعة لمن صلى العيد في ذلك اليوم، وعلم عدم الرخصة للإمام، لقوله في الحديث «وإنا مجَمِّعون»، وما رواه مسلم عن
стр. 155
النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ» (١)، وربما اجتمعا في يوم فقرأ بهما فيهما، ومن لم يحضر الجمعة ممن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر، عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ.
الموفقُ من خَتَمَ عبادَتَه باستغفار .. واستمَّر على العملِ الصالحِ، ومن العملِ الصالحِ إتباع رَمَضَانَ بِصِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، وَأَحْسِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ..
أَعَادَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَينَا وَعَلَيكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وثبتا وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
* * *
стр. 156
الاستنصار بالدعاء
وعشر ذي الحجة (١)
الحمد لله العلي الأعلى؛ خلق فسوى، وقدر فهدى، وإليه الرجعى، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عمَّ فضلُه على العالمين فخلقهم ورزقهم وهداهم إلى ما ينفعهم، ودفع عنهم ما يضرهم، ووسعت رحمته كل شيء فرحم بها خلقه، ونال المؤمنون الحظ الأوفر منها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ أتقى هذه الأمة قلوباً، وأزكاهم عملاً، وأكثرهم علماً، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 157
فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله ؛ فإن الأيام قد أسرعت بنا إلى قبورنا، وأنقصت شهورنا وأعوامنا، وما ذاك إلا من أعمارنا، ولن نجد أمامنا إلا أعمالنا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: في الله: ها نحن نعيش قي خضّم الأشهر الحرم التي يضاعف فيها الثواب والعقاب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢).
قال القرطبي: لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظَّم شيئاً من جهةٍ واحدةٍ صارت له حرمةٌ واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهاتٍ صارت حرمتُه متعددةً فيضاعف فيها العقاب بالعمل السيء، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال ...
ومع ما تمر به الأمة في هذه الأزمنة من ويلات وضعف وتفرق ونكبات .. فإن مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ لُجُوءَهُمْ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي الْمُلِمَّاتِ، واستغلال الأوقات الفاضلة العظيمة بالتضرع لَهُ، وَالانْطِرَاحِ عَلَى بَابِهِ، وَطَلَبِ الحوائج
وَمِنْ أَشْهَرِ قَادَةِ الْمُسْلِمِينَ صَلَاحُ الدِّينِ، وَقَدْ لَازَمَهُ الْقَاضِي ابْنُ شَدَّادٍ فِي مَعَارِكِهِ؛ فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى فِي مَعَارِكِهِ أَوْقَاتَ دُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: وَكَانَ أَبَدًا يَقْصِدُ بَوَقَعَاتِهِ الْجُمَعَ سَيَّمَا أَوْقَاتُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ تَبَرُّكًا بِدُعَاءِ الْخُطَبَاءِ عَلَى الْمَنَابِرَ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ.
وَحُكِى عَنْهُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَمْ يَنَمِ اللَّيْلَ مِنْ هَمِّ مَعْرَكَةٍ كُبْرَى، فَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْنُ شَدَّادٍ بِالْإِخْلَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ وَاسْتِنْصَارِهِ، وَتَقْدِيمِ صَدَقَةٍ بَيْنَ يَدَيِ ذَلِكَ، يَقُولُ: فَفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى الْعَادِةِ، وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْأذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَرَأَيْتُهُ سَاجِدًا وَدُمُوعُهُ تَتَقَاطَرُ عَلَى شَيْبَتِهِ، ثُمَّ عَلَى سِجَّادَتِهِ، وَلا أَسْمَعُ مَا يَقُولُ، فَلَمْ يَنْقَضِ ذَلِكَ اليَوْمُ حَتَّى وَصَلَتْ رُقْعَةٌ ... فِيهَا أَنَّ الفِرَنْجَ مُخْتَبِطُونَ ...
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِالله هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١).
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: نحن مقبلون على عشر ذي الحجة وهي عشر عظيمة مباركة، فضَّلها الله تعالى على غيرها من الأيام، فأقسم سبحانه بها في كتابه العزيز ﴿وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٢)، جاء في حديث جابر ﵁ عند الإمام أحمد: أنها عشر ذي
стр. 162
الحجة، واختصها الله تعالى بذكره سبحانه في قوله ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (١).
فالأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، وقد اختار الله تعالى أن يكون العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها؛ كما جاء في حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: «ما الْعَمَلُ في أَيَّامِ العشرِ أَفْضَلُ من العمل في هذه، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ولا الْجِهَادُ إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» رواه البخاري (٢).
قال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه؛ وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره".
وقد ذكر شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما الله-: أن أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان باعتبار أيام التروية وعرفة والنحر، وأن ليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة باعتبار ليلة القدر فيها.
ومع انفتاح الدنيا على كثير من الناس باتوا يستغلون كلَّ إجازة قصيرة أو طويلة، في الترفيه واللعب والغفلة والسفر، ولربما كان ذلك بما يضرهم من تضييع الجمع والجماعات، والتهاون بالصلوات، وترك نوافل العبادات، والغفلة عن ذكر الله تعالى وشكره، وقد يشاهدون في أسفارهم ومتنزهاتهم منكراتٍ لا يستطيعون إنكارها،
стр. 163
ولا يفارقونها فيتحملون آثام سكوتهم عنها، وقد يوقعون أنفسهم أو أولادهم فيما حرم الله تعالى عليهم، وهم في غنى عن ذلك.
وسبحان الله! ! .. الحجاج يقدمون من كل فج، ويتحملون كثرة النفقات، ومشقة السفر، وشدة الزحام والانتظار في المطارات؛ لأداء مناسكهم، وتعظيم شعائر الله تعالى، وذكره في الأيام المعلومات، وهؤلاء على العكس من ذلك، يتحملون مشقة الرحلة، وعَنَتَ السفر ونفقاته، فيما يشغلهم عن عمارة هذه الأيام بذكر الله تعالى وعبادته ..
إن مشقة العمل الصالح تزول ويبقى الأجر، وإن لذة المعاصي تزول ويبقى الوزر، وإن من الخسران أن تكون هذه العشر المباركة عند الناس كغيرها من الأيام! !
عباد الله: .. ومن كان في نيته أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره من أول ليالي العشر؛ لما جاء في حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النبي ﷺ قال: «إذا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَنْ يُضَحِّيَ فلا يَمَسَّ من شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شيئا» وفي رواية «فلا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا ولا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا» رواه مسلم (١).
وليت شعري لعّل من تعوّد على حلق لحيته طوال العام أن تكون هذه العشر بداية لتركها إلى الأبد فيلقى الله بها امتثالاً لسنّة المصطفى ﷺ ..
عاشوراء وفضل آل البيت
إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: في الله: ولا تزال نفحات المولى تساق إلينا ... ومن كرمه وجوده شرع مواسم الخيرات .. عمل قليل وأجور كبيرة ... ونحن نعيش في شهر من الأشهر الحرم .. التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١).
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» رواه البخاري (٢).
وقوله تعالى في الآية: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، أي في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها.
стр. 166
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» رواه مسلم (١).
قوله: «شهر الله» إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم.
أَيُّهَا الأخوة: ومن صفات أهل السنة والجماعة الاتباع لا الابتداع، ولهذا دائماً ما يطبقون أوامر النبي ﷺ كما هي ويخالفون صفات المشركين واليهود، ولما قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «مَا هَذَا»؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» رواه البخاري (٢).
زاد مسلم في روايته: «شكراً لله تعالى فنحن نصومه» (٣) وفي رواية للبخاري: «ونحن نصومه تعظيماً له» (٤) ورواه الإمام أحمد بزيادة: «وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا» (٥).
روى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ
стр. 167
اللَّهِ ﷺ «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِع» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رواه مسلم (١).
قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً، لأن النبي ﷺ صام العاشر، ونوى صيام التاسع.
وقال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر.
نعم .. نحن نصومه اتباعاً للنبي ﷺ شكراً لله تعالى ...
لا كما يفعله بعض المبتدعة من مآتم وأحزان كما تنقله كثير من وسائل الإعلام .. تطبيقاً مخالفاً لأوامر النبي ﷺ ..
ألم ينهَ النبي ﷺ عن شق الجيوب ولطم الخدود .. بل صح عنه أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (٢) ... هل سبق وأن أقام النبي ﷺ مأتماً يتكرر كل عام؟ ! ! ... خاصةً وقد استشهد في زمنه ﷺ من هو من آل بيته ومن أحب الناس إليه! ! ؟ ؟ ... استشهد حمزة وجعفر وقبلهم توفيت خديجة ﵃ أجمعين .. ولم يُقِم ﷺ شيئا من تلك المنكرات ..
أَيُّهَا الأحبة: إنه لا نزاع في فضل الحسين ﵁ ومناقبه بل ومن يشك في ذلك فهو ضال مضل؛ فالحسين ﵁ من علماء الصحابة، ومن سادات المؤمنين في
стр. 168
الدنيا والآخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء، وابن بنت أشرف الخلق ﷺ ، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر ... شنيع ... محزن لكل مسلم، وقد انتقم الله من قتلته فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، فأصابتهم العاهات والفتن ...
والمسلم الحق هو الذي يتعلم منهج الإسلام في الحب والكره ... ويكون متبعاً لمحمد ﷺ وآل بيته لا مبتدعاً لخرافاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان ..
ولكرم النبي ﷺ كرمت ذريته، ولشرفه شرف آل بيته، ومحبة النبي ﷺ وآل بيته ﵃ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?
«أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» رواه مسلم (١).
وآل بيته ﷺ هم أزواجه وذريته وقرابته الذين حرمت عليهم الصدقة .. هم أشراف الناس، وقد قال النبي ﷺ : «فاطمةُ سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ» رواه البخاري (٢)، ... وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «فَاطِمَة بِضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ أَغْضَبَهَا
стр. 169
أَغْضَبَنِي» (١) وفي رواية في الصحيحين أيضًا: «فَاطِمَة بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» (٢).
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» (٣)، كما قال النبي ﷺ عن الحسن بن علي ﵁: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» رواه البخاري (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للحسن ﵁: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» متفق عليه (٥).
وقد قال الله تعالى في قرآن يتلى إلى قيام الساعة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٦)، ومعلوم أن هذه الآية نزلت في أزواج النبي ﷺ لأن ما قبلها وما بعدها كله خطاب لهن ‡، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأصحابه: قولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ
стр. 170
مَجِيدٌ» (١). وهذا يفسر اللفظ الآخر للحديث: «اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمدٍ» (٢)؛ فالآل هنا هم الأزواج والذرية كما في الحديث ....
وهذا هو منهجنا نحن أهل السنة والجماعة ومنهج آبائنا من قبلنا بل ومنهج سلفنا الصالح .. نحبهم ونتبعهم ونعادي من عاداهم، وليس لدينا بحمد الله تقية أو مخادعة أو تحليلاً للكذب ففي الصحيحين: أن أبا بكر ﵁ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» (٣).
وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ شهد بالرضا لعلي بن أبي طالب ﵁ والسبق والفضل، ولما وضع الديوان بدأ بأهل بيت النبي ﷺ ، وكان يقول للعباس ﵁: «والله لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لحب النبي ﷺ لإسلامك» (٤).
كما استسقى بالعباس، وأكرم عبد الله بن عباس، وأدخله مع الأشياخ، كل ذلك في صحيح البخاري وغيره.
стр. 171
وقد روى إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل في فضائل آل البيت وحفظ للأمة أحاديث كثيرة في ذلك، منها ما رواه عن عبد المطلب بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ قال لعمه العباس: «وَاللَّهِ، لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ، وَلِقَرَابَتِي» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون وصية رسول الله ﷺ فيهم حيث قال يوم غدير خم: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» رواه مسلم (٢)(٣).
وقال الطحاوي: "ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق" (٤)
стр. 172
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "لآله ﷺ حق لا يشركهم فيه غيرهم ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر قريش، وقريش يستحقون ما لا يستحقه غيرهم من القبائل" (١).
وقال في موضع آخر: "وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله ﷺ على الناس حقوقًا، فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقوقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو والجفاء، ونحن ما أنكرنا إلا ادعاء الألوهية فيهم وإكرام مدعي ذلك" (٢) انتهى كلامه.
وقال إمام أهل السنة في زمانه الشيخ عبد العزيز ابن باز: "والشيخ محمد - يعني ابن عبدالوهاب - وأتباعه الذين ناصروا دعوته كلهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ الذين ساروا على نهجه ويعرفون فضلهم ويتقربون إلى الله سبحانه بمحبتهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضا؛ كالعباس بن عبد المطلب ﵁ عمّ رسول الله ﷺ ، وكالخليفة الرابع الراشد علي بن أبي طالب ﵁ وأبنائه الحسن والحسين ومحمد ﵃، ومن سار على نهجهم من أهل البيت" انتهى كلامه.
إن حبهم يقتضي اتباعهم والسير على نهجهم لا دعاءهم وإقامة المآتم والأحزان التي لم يفعلوها هم بل وأنكروها ﵃.
стр. 173
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
إن من يخالف منهج أهل البيت رضوان الله عليهم بحيث يدعوهم ويشركهم مع الله تعالى فهو كمثل من قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (٢).
نعم إن منهج أهل البيت هو الإيمان بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣).
والإيمان بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٤).
وبقوله تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه ... ﴾ (٥).
стр. 174
فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا .. واجعلنا ممن حقق التوحيد.
واحشرنا في زمرة محمد ﷺ وآل بيته الطيبين الأطهار، وصحابته الكرام الأبرار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
إن عقيدتنا في وجوب حب آل بيت النبي ﷺ و ﵃? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?
وليعلم هؤلاء أن الذي أمر بحب آل البيت أمر بحب الصحابة واتباعهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، من هم المهاجرون والأنصار؟ أليسوا صحابة رسول الله ﷺ : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
стр. 175
الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١)، من هم المؤمنون الذين كانوا مع النبي ﷺ .. أليسوا صحابة رسول الله ﷺ .. ألم يقل الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
لقد خاب قوم زعموا أنهم يحبون آل البيت .. فكذبوا عليهم ونسجوا حولهم الأساطير ودعوهم من دون الله، بل قال بعضهم عياذاً بالله دعاء أهل البيت أفضل من دعاء الله وحده: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٣)، والمسلم العاقل يدرك أن حب آل البيت لا يبيح الكذب عليهم، ودعاءهم والغلو فيهم، ولا يبيح الطعن بخير خلق الله بعد الأنبياء وهم الصحابة ﵃.
وبهذا أحبتي فاز أهل السنة بالخير كله بحب آل البيت وحب الصحابة، وباتباع البيت، وباتباع الصحابة رضي الله عن الجميع، والحمد لله رب العالمين ...
* * *
стр. 176
خطبة عيد الأضحى ١٤٣٨ ه ـ (١)
الحمد لله حمداً حمداً ... والشكر له شكراً شكراً ...
الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكرٌ وكبّر .. الله أكبر عدد ما حمد الله حامد وشكر .. الله أكبر ما سطع فجر الإسلام وأسفر .. الله أكبر كلما لبّى حاج وكبّر .. والحمد لله على نعمائه التي لا تحصر وعلى آلائه التي لا تقدر، والحمد لله جعل يوم العيد فرحاً وبشراً وثواباً، فهو في كل سنة يتكرر.
وأشهد أن لا إله إلا الله كل شيء عنده بأجل مقدَّر .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أنصَحُ من دعا إلى الله وبشَّرَ وأنذر ... صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم المحشر.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).