← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خطبة عيد الأضحى ١٤٣٨ ه ـ (١) الحمد لله حمداً حمداً ... والشكر له شكراً شكراً ... الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكرٌ وكبّر .. الله أكبر عدد ما حمد الله حامد وشكر .. الله أكبر ما سطع فجر الإسلام وأسفر .. الله أكبر كلما لبّى حاج وكبّر .. والحمد لله على نعمائه التي لا تحصر وعلى آلائه التي لا تقدر، والحمد لله جعل يوم العيد فرحاً وبشراً وثواباً، فهو في كل سنة يتكرر. وأشهد أن لا إله إلا الله كل شيء عنده بأجل مقدَّر .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أنصَحُ من دعا إلى الله وبشَّرَ وأنذر ... صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم المحشر. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).

стр. 177

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ. أَيُّهَا الأحبة: إِنَّنا في يَومٍ عَظِيمٍ وَعِيدٍ كَرِيمٍ، خَتَمَ اللهُ بِهِ أَيَّامًا مَعلُومَاتٍ، وَتَوَّجَ بِهِ لَيَاليَ مُبَارَكَاتٍ، إِنَّهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ وَأَعظَمُهَا، إِنَّهُ يَومُ الحَجِّ الأَكبرِ وَيَومُ النَّحرِ، تَتلُوهُ أَيَّامٌ ثَلاثَةٌ مَعدُودَاتٌ، هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ للهِ ؛ قَالَ ﵊: «أَعظَمُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ يَومُ النَّحرِ ثُمَّ يَومُ القَرِّ». رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ (١). وَقَالَ ﷺ : «يَومُ عَرَفَةَ وَيَومُ النَّحرِ وَأَيَّامُ التَّشرِيقِ عِيدُنَا أَهلَ الإِسلامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ». رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَفي رِوَايَةٍ: «يَومُ الفِطرِ وَيومُ النَّحرِ وَأَيَّامُ التَّشرِيقِ عِيدُنَا أَهلَ الإِسلامِ .. » (٢). وَقَالَ ﵊: «أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ اللهِ». رَوَاهُ مُسلِمٌ (٣). اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ. لَقَد شَرَعَ اللهُ لَنَا - مَعشَرَ المُسلِمِينَ - في سَابِقِ أَيَّامِنَا ولاحِقِهَا عِبَادَاتٍ جَلِيلَةً، وَجَعَلَ لَنَا شَعَائِرَ عَظِيمَةً، وَلَقَد حَثَّنَا تَعَالى وَحَضَّنَا عَلَى تَعظِيمِها، وَجَعَلَ

стр. 178

ذَلِكَ عَلامَةً عَلى تَقوَى القُلُوبِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، وَفي إِضَافَةِ التَّقوَى إِلى القُلُوبِ بَيَانُ أَنَّهَا مَحَلُّهَا وَمَنشَأُهَا، وَكَفَى بِهَذَا حَثًّا عَلى إِصلاحِهَا وَالاهتِمَامِ بها؛ قَالَ ﷺ : «التَّقوَى هَاهُنَا» وَأَشَارَ إِلى صَدرِهِ (٢). وَقَالَ ﵊: «أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلبُ» (٣). فلنحرص على صلاح قلوبنا وإزالة ما فيها من شوائب .. فإنها دليل ومُعين على صلاح الظاهر .. ومن أعظم ما يصلح القلوب بل هو أوجب الواجبات .... توحيدُ الله جل وعلا .. قال الخالق سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤). نعم التوحيد هو أساس الأمن والسعادة .. قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٥)، ولم يلبسوا أي يخلطوا إيمانهم بشرك؛ كما فسرها النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ ..

стр. 179

وفي الصحيح أيضا دخل أعرابي على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ الأعرابي: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (١)، وفي رواية فلما ولى قال النبي ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» .. رواه البخاري (٢). اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ. وَمِن تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ أَن لا يَكتَفِيَ المُسلِمُ بِصَلاحِهِ في نَفسِهِ حَتَّى يُصلِحَ غَيرَهُ، فَيَأمُرَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ، وَيَدعُوَ إِلى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، قَالَ ﷺ : «مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لم يَستَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَستَطِعْ فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ» (٣) .... نَعَم -أُمَّةَ الإِسلامِ- المُؤمِنُ المُعَظِّمُ لِشَعَائِرِ اللهِ، لا يَرضَى أَن تُمتَهَنَ تِلكَ الشَّعَائِرُ أَو أَن يُجَاهَرَ بِالمَعَاصِي، ثُمَّ يَمُرَّ كُلُّ هَذَا عَلَى سَمعِهِ وَبَصرِهِ فَلا يُحَرِّكَ سَاكِنًا، وَمِن ثَمَّ فَهُوَ لا بُدَّ أَن يَتَّقِيَ اللهَ مَا يَستَطِيعُ، وَيَجتَهِدَ في الإِنكَارِ قَدرَ طَاقَتِهِ، فَيَأخُذَ عَلَى يَدِ مَن تَحتَ سُلطَتِهِ، وَيُوَجِّهَ بِلِسَانِهِ مَن لا يَدَ لَهُ عَلَيهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ قَلبَهُ لا يَنفَكُّ مِن غَيرَةٍ يَتَقَلَّبُ حُرقَةً وَأَلَمًا، وَنَفسَهُ تَكَادُ تَميَّزُ مِن حَسرَتِهِ غَيظًا وَهَمًّا.

стр. 180

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ. وَمِن شَعَائِرِ اللهِ المُعَظَّمَةِ مَا شَرَعَهُ تَعَالى لَنَا في هَذَا اليَومِ مِن هَذِهِ الصَّلاةِ العَظِيمَةِ، وَمَا يَتلُوهَا من ذَبحِ الضَّحَايَا وَنَحرِهَا، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَرْ﴾ (١). وَعَن البَرَاءِ ﵁: قَالَ: خَطَبَنَا النَّبيُّ ﷺ يَومَ النَّحرِ فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبدَأُ بِهِ في يَومِنَا هَذَا أَن نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرجِعَ فَنَنحَرَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَد أَصَابَ سُنَّتَنَا ... ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢) ...... أَلا فَضَحُّوا - أَيُّهَا المُسلِمُونَ- شُكرًا للهِ وَاقتِدَاءً بِسُنَّةِ نَبِيِّكُم، وَكُلُوا مِن ضَحَايَاكُم وَأَهدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا، وَاختَارُوا مِنَ الضَّحَايَا أَطيَبَهَا وَأَسمَنَهَا وَأَغلاهَا ثَمَنًا وَأَجمَلَهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، سَمُّوا اللهَ وَكَبِّرُوا، ومَن كَانَ مُحسِنًا لِلذَّبحِ فَلْيُبَاشِرْهُ بِنَفسِهِ، وَمَن كَانَ لا يُحسِنُ فَلْيَحضُرْ ذَبِيحَتَهُ، أَخلِصُوا للهِ وَاطلُبُوا مَا عِندَهُ فَـ ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم﴾ (٣) .... وَإِيَّاكُم وَالمَعِيبَةَ بِأَحَدِ عُيُوبٍ أَربَعَةٍ عَدَّهَا إِمَامُكُم ﵊ فَقَالَ: «أَربَعٌ لا يُجزِينَ في الأَضَاحِي: العَورَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالعَجفَاءُ الَّتي لا تُنقِي» (٤). رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَصحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ.

стр. 181

وَاعلَمُوا أَنَّهُ لا يُجزِئُ مِنَ الإِبِلِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ خَمسُ سِنِينَ، وَلا مِنَ البَقَرِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ، وَلا مِنَ المَعزِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ، وَلا مِنَ الضَّأنِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشهُرٍ، وَالشَّاةُ الوَاحِدَةُ تُجزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَهلِ بَيتِهِ، وَلا يُبَاعُ مِنهَا شَيءٌ وَلا يُعطَى الجَزَّارُ أُجرَتَهُ مِنهَا، وَوَقتُ الذَّبحِ مُمتَدٌّ مِن بَعدِ صَلاةِ العِيدِ إِلى غُرُوبِ شَمسِ اليَومِ الثَّالِثِ مِن أَيَّامِ التَّشرِيقِ، وَيَحرُمُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشرِيقِ، فَكُلُوا فِيهَا وَاشرَبُوا، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَ اللهِ بِالإِكثَارِ مِن ذِكرِهِ بِالتَّكبِيرِ وَالتَّهلِيلِ وَالتَّحمِيدِ، في أَدبَارِ الصَّلوَاتِ وَفي جَمِيعِ الأَوقَاتِ، وَبَرُّوا وَالِدِيكُم، وَأَحسِنُوا إِلى جِيرَانِكُم وَفُقَرَائِكُم، وَاجتَنِبُوا المَعَاصِيَ والمُنكَرَاتِ، جَمِّلُوا عِيدَكُم بِإِفشَاءِ السَّلامِ وَإِطعَامِ الطَّعَامِ وَصِلَةِ الأَرحَامِ، تَصَافَحُوا وَتَصَالَحُوا، وكونوا إِخوَانًا مُتَحَابِّينَ: ﴿وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلتُم سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) ... تقبل الله منا ومنكم صالح العمل .. ورزقنا وإياكم شكر النعمة .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .. الخطبة الثانية: الحمد لله معيد الجمع والأعياد .. وجامع الناس ليوم لاريب فيه .. إن الله لا يخلف الميعاد.

стр. 182

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولاند ولا مضاد .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل العباد ... صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم المعاد، وسلم تسليماً كثيراً ... أما بعد: فيا عباد الله، اتقو الله تعالى: ﴿ ... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (١). الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ... الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الأعمال بالخواتيم، فلا ننقض غزلنا أنكاثاً .. وأي عبادة ختمت باستغفار فهي أحرى بالقبول ... ومن علامات قبول الطاعة أن توصل بطاعة أخرى ... وسنة التكبير باقية إلى غروب شمسِ يوم الثالث عشر ... قَالَ مَالِكٌ: وَيُكَبِّرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ وَالْمُسَافِرُونَ وَكُلُّ مُسْلِمٍ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ وَحْدَهُ، وَتُسْمِعُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا التَّكْبِيرَ، كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ فِي بَيْتِهَا. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ... الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 183

تَذَكَّرنَ -يَا نِسَاءَ المُؤمِنِينَ- قَولَ الحَبِيبِ ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ المَرأَةُ خَمسَهَا، وَصَامَت شَهرَهَا، وَحَصَّنَت فَرجَهَا، وَأَطَاعَت زَوجَهَا، قِيلَ لها: ادخُلِي الجَنَّةَ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ شِئتِ» (١). ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ... الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. أَيُّهَا الأحبة: اجتمع اليوم عيدان جمعةٌ وعيد ولله الحمد والمنة .. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: من صلى العيد يوم الجمعة .. رُخِّص له في ترك الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام، فيجب عليه إقامتها بمن حضر لصلاتها ممن صلى العيد وممن لم يصل العيد، واستدلوا بما رواه أبو داود في سننه عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، قَالَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» (٣).

стр. 184

وبما رواه أبو داود في سننه أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» (١)، فدل ذلك على الترخيص في الجمعة لمن صلَّى العيد في ذلك اليوم، وعلم عدم الرخصة للإمام؛ لقوله في الحديث "وإنا مجمعون"، ولما رواه عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵄، قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يقرأُ في العِيدينِ، وفي الجُمُعةِ بسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ» (٢)، وربما اجتمعا في يوم فقرأ بهما فيهما، ومن لم يحضر الجمعة ممن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر، عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصلِّ الجمعة. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ... الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد .. * * *

стр. 185

خطبة للجمعة في يوم الأضحى ١٤٣٨ ه ـ (١) إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعِينه ونستَغفِره ونتوب إليه، ونعوذُ باللهِ مِن شرور أنفسِنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مضِلَّ له، ومَن يضلِل فلا هادِيَ له، وأشهَد أن لا إلهَ إلاّ الله وَحدَه لا شريكَ لَه، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليما كثيرا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤).

стр. 186

أَيُّهَا الأخوة: ومَنْ قَرَأَ حَدِيثَ بَدْءِ الوَحْيِّ، وَقِصَّةَ البِعْثَةِ حِينَ لَمْ يَكُنْ بِالأَرْضِ مَنْ يَدِينُ بِالإِسْلامِ، ثُمَّ قَارَنَ ذَلِكَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ فِي الأَرْضِ، وَبِمَا يَرَى مِنْ أَفْوَاجِ الحَجِيجِ الَّتِي تَمْلَأُ الحَرَمَ المَكِّيَّ وَمَا حَوْلَهُ عَلِمَ عَظَمَةَ اللهِ تَعَالَى فِي تَذْلِيلِ قُلُوبِ المَلايِينِ مِنْ خَلْقِهِ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَزِيَارَةِ مَشَاعِرِهِ، وَأَدَاءِ مَنَاسِكِهِ، وَعَلِمَ فَضْلَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالهِدَايَةِ لِلْإِيمَانِ، وَالانْتِسَابِ لِخَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَلَهَجَ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى وَشُكْرِهِ وَذِكْرِهِ وَتَكْبِيرِهِ، وَحَافَظَ عَلَى قَلْبِهِ مِنَ الزَّيْغِ، وَعَلَى إِيمَانِهِ مِنَ الذَّهَابِ وَالنَّقْصِ بِتَزْكِيَتِهِ وَنَمَائِهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. لَقَدْ كَانَتْ مَكَّةُ - حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى - مُقْفِرَةً مِنَ الإِيمَانِ الحَقِّ، مُمْحِلَةً مِنَ الهُدَى والرَّشَادِ؛ حَتَّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا النَّبِيَّ الهَاشِمِيَّ ﷺ فَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ ﵂ وَآزَرَتْهُ وَأَيَّدَتْهُ وَثَبَّتَتْهُ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى الإِيمَانِ حَتَّى رَأَيْتُمْ كَثَافَةَ الحُجَّاجِ وَقَدْ غَصَّتْ بِهِمُ المَشَاعِرُ المُقَدَّسَةُ فِي مَشْهَدٍ مَهِيبٍ يَمْلَأُ القُلُوبَ تَعْظِيمًا للهِ تَعَالَى. وَأعْمَالَ الخَيْرِ لا تَهْدِي صَاحِبَهَا إِلاَّ إِلَى خَيْرٍ، وَلِذَا حَكَمَتْ خَدِيجَةُ ﵂ عَلَى أَنَّ مَا يَعْتَرِيَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَوَادِرِ الوَحْيِّ بِأَنَّهُ خَيْرٌ، وَاسْتَدَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِهِ ﷺ لِلْخَيْرِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ، وَإِكْسَابِ المَعْدُومِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَإِعَانَةِ النَّاسِ عَلَى النَّوَائِبِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ، وَفِي هَذَا تَرْغِيبٌ لَنَا عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ، وَبَذْلِ المَعْرُوفِ، وَالإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ؛ فَإِنَّ عُقْبَى ذَلِكَ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. وإنّ السعيد والله من يَشْتَاقُ لِكَلامِ اللهِ تَعَالَى، وَيُدَاوِمُ عَلَى تِلاوَتِهِ بِخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ مُسْتَحْضِرًا قِصَّةَ بَدْءِ الوَحْيِ وَتَنَزُّلِ القُرْآنِ؛ ذَلِكَ الكِتَابُ الَّذِي بِهِ عَرَفْنَا رَبَّنَا بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَتَعَلَّمْنَا مَا يُقَرِّبُنَا إِلَيْهِ، وَمَا يُبَاعِدُنَا عَنْهُ؛ فَحَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَاهَدَهُ، وَلا نَهْجُرَ تِلاوَتَهُ وَحِفْظَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَالعَمَلَ بِهِ، وَإِلاَّ نَكُونُ قَدْ

стр. 187

فَرَّطْنَا فِي أَعْظَمِ شَيْءٍ هُدِينَا إِلَيْهِ وَضَلَّ عَنْهُ غَيْرُنَا؛ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ... ﴾ (١). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .. الخطبة الثانية: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مبارَكًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد: فاتقوا الله عباد الله .. أَيُّهَا الأخوة: ولازلنا في عيد كريم مبارك .. ومن لم يشمّر للطاعات من الأضاحي والتكبير والصدقة وصلة الرحم فليبادر .. واستدامةُ الطاعات من عواملِ الثبات، وقد قال الحقّ سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢).

стр. 188

فهذه أربعةُ أمور تنتُج عن الطاعةِ: الخيريّة والثباتُ والأجر والهِداية؛ وفي سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١). فانظر إلى اقترانِ الذِّكر بالعملِ والترقّي في درجاتِ الإيمان! ! ومَن مَنَّ الله عليه بطاعة وقربةٍ فليزدَد من الله قُربى حتّى يكونَ منتهاه الجنّة. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). * * *

стр. 189

الفتور بعد مواسم الطاعات (١) إنَّ الحمد لله .. أما بعد: فيا عباد الله: ربط الله تعالى تحقيق التقوى بأولي الألباب، فقال جل ذكره: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) .. وفي آية أخرى جعلها وصية للأولين والآخرين .. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣). ١ - بل أوضحَ سبحانه أن كُلَّ هذا لأجلنا - والله تعالى غني عنّا - ولذا قال في تتمة الآية ... ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ .. فليسأل كُلٌّ منَّا نفسَه هل حقق التقوى .. ! ! ؟ التقوى التي تجمعُ محبةَ الله والخوفَ منه ورجاءَه! !

стр. 190

والأيامُ تسرعُ بنا إلى لقاءِ ربِّنا، فتُقَرِّبُ كلَّ بعيد، وتُفني كلَّ جديد، ولا يبتدئُ عامٌ إلا وينتهي، وها هو ذا رمضان مرَّ في لمح البصر، وأعقبه الحج ثم مضى سريعاً وينتهي به العام الهجري؛ فيخلفه عام جديد، وبالأمس أُغلقت المدارسُ وغداً تُفتحُ، وهكذا تمضي الأيامُ بالعمر، حتى يبلُغَ الأجلُ، والحازمُ من استودع في أيامه ولياليه عملاً صالحاً ينفعُه، وادخرَّ في عمره ما تكون به نجاته، والمخذول من يأكلُ ويشربُ ويلهو، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ يَوْمِهِ وَأَمْسِهِ، ولا يعتبرُ بما مضى من عمرِهِ؛ ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١). أَيُّهَا الأخوة: حالةٌ تصيبُ كثيرينَ منّا بعد مواسمِ الطاعاتِ فبَعدَ الهمةِ العاليةِ، والإقبالِ على الله يبدأ بضعفٍ وقصورٍ، فيتعثرُ ممشاه ويبدأ ضوؤه بالانحسار ... ربما يكون طبعياً في بدايته لكن المصيبةَ إذا استَمَّر هذا الضعفُ والتكاسلُ ... الفتورُ عن الطاعة لم يسلم منه حتى بعضُ الصالحين .. بل هو مدخلٌ من مداخلِ الشيطانِ إليهم، بل إن نَفَس الشيطانِ فيه طويلٌ، وكيدَه في الإصابةِ به متنوع، حتى يقتنعَ صاحبُه أنه فيه على حق، وأنه كان على خطأ أو تطرف. وهذا الداءُ قد يَتقَمَّصُ في نفس المصاب به شخصيةً أخرى، وهي الكآبةُ أحيانًا أو الحيرةُ، أو الخوفُ، أو الانطواءُ أو نحو ذلك .. وما ذاك إلا لأن العبد

стр. 191

الصالح المداوم على الطاعة غرضٌ كم تمنى الشيطان أن يصيبَه بسهمه المسموم؟ ! ! ، ليرديه قتيلَ الضعفِ الممقوت، والانتكاسةِ المهينة. ولكن ما أهونَ هذا الشيطان، وما أقلَّ حيلته، وما أضعفَ كيده إذا واجهه المؤمن بسلاحِ الإيمان المضَّاء! ! ، ونورهِ الوضَّاء! ! فراجع أسبابَ ضعفَ إيمانه، ونظرَ في عللَ فتورِه وتقصيرِه، واتخذَّ من أسبابِ الثبات على دينه ما ينصرُه على الشيطان في هذا الصراع العنيف .. فمن فقهِ العبد كما قال أبو الدرداء: أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم: أيزداد هو أم ينتقِص؟ اهـ .. فضعف الإيمان في القلب من أخطر أسباب الفتور: لأنه وَرَدَ عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "القلبُ مَلِكُ الأعضاء، والجوارحُ جنودُه ورعاياه، فإن طابَ الملك طابت الجنودُ والرعايا، وإن خَبُثَ الملك خبثت الجنودُ والرعايا". قال عبد الله بن مسعود ﵁: "اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر - أي العلم - وفي أوقات الخلوة".اهـ ويقول شيخ الإسلام: "إِذَا لَمْ تَجِدْ لِلْعَمَلِ حَلَاوَةً فِي قَلْبِكَ وَانْشِرَاحًا، فَاتَّهِمُهُ، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى شَكُورٌ. يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُثِيبَ الْعَامِلَ عَلَى عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَلَاوَةٍ يَجِدُهَا فِي قَلْبِهِ، وَقُوَّةِ انْشِرَاحٍ وَقُرَّةِ عَيْنٍ. فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَدْخُولٌ" (١). اهـ

стр. 192

وانتبه من ضعفِ الإرادة والهمةِ، وإن ضعفت فتعاهدها بالتدريب ولو بشيءٍ يسير يومياً يكبر شيئاً فشيئاً .. قال ابن القيم: "اعلم أن العبدَ إنما يقطع منازلَ السيرِ إلى الله تعالى بقلبه وهمتِه لا ببدنه، فالتقوى في الحقيقة تقوى القلب لا تقوى الجوارح .. قال - جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١)، فهداية القلب ثمرةٌ للإيمان، ولو هدى الله قلبك استقامت جوارحك كلها على الطاعة .. ومن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام وقال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٢). قال ابن القيم: "فالسابقون في الآخرة إلى الرضوان والجنات هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات، فعلى قدر السبق هنا يكون السبق هناك ... "اهـ أَيُّهَا الأخوة: ومن أخطرِ ما يديمُ الفتورَ: الاستهانةُ بصغائرِ الذنوب، والنبي ﷺ يقول: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» (٣)،

стр. 193

بل وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ» فَقَالَ بِهِ هَكَذَا (١). قال ابن عباس ﵄: "إن للحسنة نوراً في القلب، وزيناً في الوجه، وقوةً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة ظلمةً في القلب، وشيناً في الوجه، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق" (٢). قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣)، أي: محبةً ومكانةً في قلوبِ عباده المؤمنين. يتشعب الفتور بالنفس عندما تصاحب ذوي الهم الضعيفة والإرادات الدنيئة الدنية، فمن الناسِ مَنْ تُذَكِّرُكَ وجوهُهُم بالمعاصي، وتستثيرُ كلماتهُم شهواتُك الكامنة، وتحرِّكُ كلماتُهم ووجوههُم وكلماتُهم غرائِزُك الهاجعة، فإياك أن تصحبَ هؤلاء فهم والله الداءُ بعينه .. ! ! وكما قيل: انْجُ بنفسك واضربْ مع أهلِ كل عبوديةٍ بسهم، بمعنى: اصحب أهل الصلاح، واضرب معهم بسيف واصحب أهل الإنفاق، واضرب معهم بسهم، واصحب أهل القيام واضرب معهم بسهم، واصحب أهل الذكر واضرب معهم بسهم.

стр. 194

وفي الحديث: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (١) نعم لأنك إذا رأيت الموفقين سبقوك احتقرت نفسك وسارعت الخطى لتلحق بالركب .. وإن من أعظم البيئاتِ التي يتجدد فيها إيمانُك مجالس العلم، قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ومثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، وأولو الألباب هم من يعون هذا .. ! إن القصدَ والاعتدالَ في الطاعات بلا إفراطٍ أو تفريط من خيرِ ما يُعين على دفعِ الفتورِ بل والمسارعة في الخيرات ... ألم يقل النبي ﷺ للثلاثةِ الذين قَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ،

стр. 195

وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١)، وقال أيضاً ﷺ : «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» (٢)، وفي رواية: «فَلْيَرْقُدْ» (٣). ابدأ بالأسهل فالأسهل حتى يفتح الله لك أبواباً من الطاعة ... قالت عائشة ﵄ في الصحيح: إن أول ما أُنزل من القرآن سورة فيها ذكر للجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، لا تزنوا لا تشربوا الخمر، تقول: ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا لا ندع الخمر ولا الزنا أبدا .. (٤). واجعل لنفسك ورداً من القران والأذكار الواردة والنوافل: فإن لها تأثيرا عجيباً في الثباتِ مع المحافظة على الصلوات في جماعة، ولنتأمل هذه الآية التي وردت في قصة شعيب مع قومه الذين قالوا له: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٥)؟ ! . فهم مع كفرهم يدركون أن للصلاة تأثيراً على استقامة سلوك الإنسان وتوحيده بل حتى في معاملاته المالية!

стр. 196

ويقول الله جل شأنه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ (١). عليك بالمداومة على الاستغفار في السحر ولو شيئاً يسيراً حتى تكتب عند الله من المستغفرين بالأسحار، مع التذلل والتضرع والدعاءِ لربِ الأرض والسماء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» رواه البخاري (٢). جعلنا الله وإياكم من أوليائه .. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه .. الخطبة الثانية: الحمد لله: أيها الأخوة: سُرْعَانَ ما يَبْطُلُ العملُ إذا كان لغيرِ الله .. فآآهٍ ثم آآآهٍ على أعمالٍ ضاعت قُصد بها غيرُ وجهِ الله .. والله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) ... بل وقال لنبيه ﷺ :

стр. 197

﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (١)، بل الأمرُ أعظم من ذلك فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» رواه مسلم (٢). رزقنا الله الإخلاص في القول والعمل، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته .. * * *

стр. 198

كثرة ذكر اليهود في القرآن الحمد لله: أَيُّهَا الأخوة: المتأمل في القرآن الكريم يجد كثرة ذكر اليهود فيه، وذكر صفاتهم، وقصصهم، فيا ترى ما السر في ذلك؟ لما قدم الرسول ﷺ المدينة كان بها ثلاث قبائل من اليهود هم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، ولعلمه ﵊ بطباعهم وصفاتهم، وغدرهم وخيانتهم، واحتقارهم لأي جنس بشري غيرهم، أراد أن يعقد ﵊ معهم معاهدة أمان، وفعلاً حصل العهد، ولكن سرعان ما خانوا العهد وتطاولوا على نبي الله ﷺ ، فكيف تعامل النبي ﷺ مع خيانتهم؟ فأمّا بنو قينقاع فهم أول من خان العهد من اليهود، وذلك بسبب إخلالهم بالأمن ومجاهرتهم بالعدوان بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر، فجمعهم الرسول ﷺ في سوقهم وقال لهم: "يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً في بدر فقالوا له إنك قابلت أناساً لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت إنا نحن الرجال". فأظهروا العداء للمسلمين، فسار إليهم الرسول ﷺ في السنة الثانية من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى قذف الله الرعب في قلوبهم، فنزلوا على حكم النبي ﷺ فأمر بإخراجهم من المدينة، فخرجوا إلى بلاد الشام.

стр. 199

وأمّا بنو النضير فقد ذهب الرسول ﷺ إليهم يطلب مساعدتهم في دفع دية قتيلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ، فقالوا: نعينك يا أبا القاسم، ثم تآمروا على قتله بإلقاء حجر عليه من على سقف منزل كان يجلس إلى جنب جداره، فأخبره الله بذلك، فرجع إلى المدينة وجمع المسلمين ثم سار إليهم، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة وحاصرهم فامتنعوا بحصونهم، ولكن الله قذف في قلوبهم الرعب، فوافقوا على حكم الرسول ﷺ ، وسألوه أن يسمح لهم بالخروج ويترك لهم أموالهم ودماءهم وما حملت الإبل، ففعل الرسول ﷺ فخرجوا من المدينة بعد أن خرّبوا بيوتهم بأيديهم، إلى خيبر وبلاد الشام، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار﴾ (١). وأمّا بنو قريضة فقد اتفقوا مع الأحزاب على مهاجمة المسلمين من الخلف، وبعد نهاية غزوة الأحزاب أمر الله الرسول ﷺ بالمسير إلى بني قريظة، فقال الرسول ﷺ للذين معه "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فساروا إليهم وحاصروهم خمساً وعشرين ليلة حتى أتعبهم الحصار وشق عليهم، ثم نزلوا على حكم الرسول ﷺ ، وكان ذلك في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة فشفعت لهم الأوس، فقال ﷺ : يا معشر الأوس "ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم"

стр. 200

قالوا: بلى، فقال الرسول ﷺ "فذلك إلى سعد بن معاذ"، فجيء بسعد ﵁، وقد أصيب بسهم في غزوة الأحزاب، فقال: إني أحكم فيهم: أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسْبي الذراري والنساء، فقال الرسول ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" وبذلك انتهى وجود اليهود في المدينة. لقد كان ﷺ يُدرك خيانتهم للعهود، فهم أصحاب عبارة: "لا يوجد وعود مقدَّسة" قال الله تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾ (١)، وقد كان ﷺ يدرك تحريفهم للكلام سواءً كان مكتوباً أو مسموعاً أو مقروءاً، قال الله تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا﴾ (٢)، وقد كان ﷺ يدرك إفسادهم في الأرض، ولهذا فهم في جميع استطلاعات الرأي أكثر الشعوب في العالم إثارةً للمشاكل .. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٣).

стр. 201

أَيُّهَا الأخوة: لهذه الصفات التي قلّ أن توجد في غيرهم، ولمكرهم وعدم أمن جانبهم وخطرهم، وخيانتهم وقتلهم الأنبياء والصالحين، والعلماء والدعاة: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ (١). لهذا كله أكثر الله تعالى من ذكرهم في القرآن، وحتى لا ينخدع بهم أي مسلم، صدَّق ذلك التاريخ والواقع، فلقد أكثروا من العصيان والتمرد حتى غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، ووصفهم فِي الْقُرْآنِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٥) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢). وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمُ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ تَمَامَ الظُّهُورِ فِي تَارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا حِمَايَةَ أَنْفُسِهِمْ فِي أَيِّ حِقْبَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ كَانُوا يَحْتَمُونَ بِغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَقْوُوا وَيَسْتَأْسِدُوا إِلَّا بِسِوَاهُمْ، وَفِي هَذِهِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣)، وَلِذَا جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَحْذِيرُنَا مِنْ فعل ما فعلوا؛ حتى لا يُصِيبنَا مَا أَصَابَهُمْ؛ فَإِنَّ سُنَنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحَابِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ

стр. 202

مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١)، وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ. ولقد كانوا يعرفون الحق ويكتمونه ويتواصون فيما بينهم على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُون﴾ (٢). وهم من أبخل خلق الله فلا يغرنكم تظاهرهم لدعم المحتاجين أو غيرهم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٣) بل هم سُرّاق ويأكلون أموال الناس بغير حق، ويتعاملون بالربا والغش والرشوة .. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (٤)، وقال تعال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥). ومع جمعهم للمال وخداعهم ومكرهم إلا أنّ الله تعالى وصفهم بالجبن الشديد والخوف: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا

стр. 203

يَعْمَلُون﴾ (١)، ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُون﴾ (٢). نسأل الله أن يكفينا والمسلمين شرهم وكيدهم .. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله .. ومع ذكر الله تعالى لصفاتهم والتحذير منها ومنهم في القرآن، فإنّه جل وعلا سيصدق وعده حيث قال: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾ (٣) (٤).

стр. 204

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 205

معالم من سورة الفتح (١) بسم الله .. رب يسر وأعن يا كريم الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: السور القرآنية عندما تنزل فهي ليست مجرد أحكام وأخبار، إنها أبعد من ذلك إنها تنزل موضحةً بجلاء مع الأحكام والأخبار والمعاني سنناً كونية وشرعية، يستنير بها المؤمنون طريقة عيشهم وحياتهم ليسعدوا في الدارين، وثمة سورٌ قرآنية عظيمة نحن بأمس الحاجة اليوم إلى فقه معانيها، والسنن الكونية والشرعية التي جاءت فيها، ولن نستطيع في هذا المقام الإحاطة بها لكن سنستظل ببعض معالمها. ثبت في الحديث الصحيح عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: هلكت أم عمر نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، فقال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل فيّ قرآن،

стр. 206

فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: «لقد أنزلت علي سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [أي: سورة الفتح]» (١). وفي صحيح مسلم عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُمْ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ (٢)، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)، مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» (٤). ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ (٥). هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله ﷺ لما جاء معتمراً في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله ﷺ على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده فعل.

стр. 207

وبسبب ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله ، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك الفتح، ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وذلك - والله أعلم - بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في الدين بكثرة، وبما تحمل ﷺ من تلك الشروط التي لا يصبر عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته ﷺ ، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ويتم نعمته عليك بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، ويهديك صراطاً مستقيماً تنل به السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي. وينصرك الله نصراً عزيزاً أي: قوياً لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم. ولهذا عندما يقّدر الله أمراً من الأمور الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! ! ما أحوجنا إلى هذه المعاني في العصر! ! ثم ذكر الله تعالى آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال:

стр. 208

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). خبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس .. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر. ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات.

стр. 209

وكان ذلك الجزاء المذكور للمؤمنين عند الله فوزاً عظيما، فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين. وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوؤهم؛ حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا، وغضب الله عليهم بما اقترفوه من المحادة لله ولرسوله، ولعنهم أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً (١). وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذاباً وأحق منهم بما وعدهم الله به. ثم وصف الفريقين - المنافقين والمشركين-، فقال: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، وهو ظنهم أن النبي ﷺ يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام. ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (٢) عليهم دائرة السوء أي: ما يظنونه ويتربصونه

стр. 210

بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم، والمعنى: أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم (١). وهنا تتجلى - أَيُّهَا الأخوة - سنن كونية وشرعية أخرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). هذه المبايعة هي (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة ﵃ فيها رسول الله ﷺ ، على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، بل حتى لو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم يبايعون الله ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: فمن نكث فلم يف بما عاهد الله عليه فإنما ينكث على نفسه أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ أي: أتى به كاملاً موفراً، فسيؤتيه أجراً عظيماً لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه (٣). وهكذا كل داعية إلى الله وجاهد في سبيله .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! ! فهل من يتكفل الله بحفظه ونصره يُهزم أو يقهر؟ !

стр. 211

أقول قولي هذا وأستغفر الله .. الخطبة الثانية: الحمد لله أَيُّهَا الأخوة: لماذا تكرر ذكر إنزال السكينة في سورة الفتح أكثر من مرة؟ ثمة ارتباط بين الإيمان والسكينة، ودليل على أن حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح حتى لوكان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك، ولذا في الآية الأولى أخبر تعالى عن منته على المؤمنين بشكل عام بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة ﵃ لما جرى ما جرى بين رسول الله ﷺ والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم.

стр. 212

وفي الآية الثانية قال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). أخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول ﷺ تلك المبايعة "بيعة الرضوان" التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة - لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله ﷺ لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت، معظماً له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله ﷺ من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، فعلم ما في قلوبهم من الإيمان، فأنزل السكينة عليهم شكراً لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، وأثابهم فتحاً قريباً وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاء لهم، وشكراً على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.

стр. 213

وفي الآية الثالثة قال جل وعلا: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين. وألزمهم كلمة التقوى وهي "لا إله إلا الله" وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، وكانوا أحق بها من غيرهم .. (و) كانوا " أهلها " الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: وكان الله بكل شيء عليما (١). وهكذا - أَيُّهَا الأخوة - إذا اجتمع الإيمان والتوكل والرضا بقضاء الله والتسليم والاستجابة لله وللرسول ﷺ والعمل بالأسباب فإن الله تعالى سينزل السكينة وتنقلب الأمور إلى فتح ونصر لم يكن يتوقعه المؤمنون .. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى حول معالم أخرى من هذه السورة. * * *

стр. 214

معالم من سورة الفتح (٢) الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: ولا زال الحديث عن معالم تلك السورة العظيمة سورة الفتح .. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١)، ومع الأحكام والأخبار والمعاني، والسنن الكونية والشرعية التي يستضيئ بها المؤمنون في حياتهم. وتبيّن أنّ الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صدَّ المشركون رسول الله ﷺ لما جاء معتمراً في قصة طويلة صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله ﷺ على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده فعل. وبسبب ذلك، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله ، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، ولهذا عندما يقّدر الله أمراً من الأمور

стр. 215

الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! ! حقاً ما أحوجنا إلى هذه المعاني في العصر! ! وتجلت لنا - أَيُّهَا الأخوة - سننٌ كونية وشرعية أخرى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). في (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة ﵃ فيها رسول الله ﷺ ، تبيّن أنّ كل داعية إلى الله، ومجاهد في سبيل الله تعالى .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! ! فهل من يتكفل الله بحفظه ونصره يُهزم أو يقهر؟ ! وثمة ارتباط - أَيُّهَا الأخوة - بين الإيمان والتوكل والسكينة، ودليل على أنّه في حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم، وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح، حتى لو كان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك، وثمة ثلاث آيات في الفتح دلّت على ذلك .. أَيُّهَا الأخوة: ومن أعظم معالم هذه السورة العظيمة؛ سورةِ الفتح أنها تحدثت عن فضلِ أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ إنهم صحابةُ رسول الله ﷺ ، وكأنها تشير إلى الخير والفتح والنصر والتمكين في اتباع منهجهم وحبهم والدفاع عنهم، وأنّ الخزي والعار والذل في الانتقاص منهم والبعد عن منهجهم وطريقتهم ﵃ ..
следующие страницы →