أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله
أَيُّهَا الأخوة: لماذا تكرر ذكر إنزال السكينة في سورة الفتح أكثر من مرة؟
ثمة ارتباط بين الإيمان والسكينة، ودليل على أن حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح حتى لوكان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك، ولذا في الآية الأولى أخبر تعالى عن منته على المؤمنين بشكل عام بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة ﵃ لما جرى ما جرى بين رسول الله ﷺ والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم.
стр. 212
وفي الآية الثانية قال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١).
أخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول ﷺ تلك المبايعة "بيعة الرضوان" التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة - لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله ﷺ لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت، معظماً له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله ﷺ من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، فعلم ما في قلوبهم من الإيمان، فأنزل السكينة عليهم شكراً لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، وأثابهم فتحاً قريباً وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاء لهم، وشكراً على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
стр. 213
وفي الآية الثالثة قال جل وعلا: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين.
وألزمهم كلمة التقوى وهي "لا إله إلا الله" وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، وكانوا أحق بها من غيرهم .. (و) كانوا " أهلها " الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: وكان الله بكل شيء عليما (١).
وهكذا - أَيُّهَا الأخوة - إذا اجتمع الإيمان والتوكل والرضا بقضاء الله والتسليم والاستجابة لله وللرسول ﷺ والعمل بالأسباب فإن الله تعالى سينزل السكينة وتنقلب الأمور إلى فتح ونصر لم يكن يتوقعه المؤمنون ..
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى حول معالم أخرى من هذه السورة.
* * *
стр. 214
معالم من سورة الفتح (٢)
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: ولا زال الحديث عن معالم تلك السورة العظيمة سورة الفتح .. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١)، ومع الأحكام والأخبار والمعاني، والسنن الكونية والشرعية التي يستضيئ بها المؤمنون في حياتهم.
وتبيّن أنّ الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صدَّ المشركون رسول الله ﷺ لما جاء معتمراً في قصة طويلة صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله ﷺ على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده فعل.
وبسبب ذلك، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله ، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، ولهذا عندما يقّدر الله أمراً من الأمور
стр. 215
الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! ! حقاً ما أحوجنا إلى هذه المعاني في العصر! !
وتجلت لنا - أَيُّهَا الأخوة - سننٌ كونية وشرعية أخرى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
في (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة ﵃ فيها رسول الله ﷺ ، تبيّن أنّ كل داعية إلى الله، ومجاهد في سبيل الله تعالى .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! ! فهل من يتكفل الله بحفظه ونصره يُهزم أو يقهر؟ !
وثمة ارتباط - أَيُّهَا الأخوة - بين الإيمان والتوكل والسكينة، ودليل على أنّه في حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم، وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح، حتى لو كان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك، وثمة ثلاث آيات في الفتح دلّت على ذلك ..
أَيُّهَا الأخوة: ومن أعظم معالم هذه السورة العظيمة؛ سورةِ الفتح أنها تحدثت عن فضلِ أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ إنهم صحابةُ رسول الله ﷺ ، وكأنها تشير إلى الخير والفتح والنصر والتمكين في اتباع منهجهم وحبهم والدفاع عنهم، وأنّ الخزي والعار والذل في الانتقاص منهم والبعد عن منهجهم وطريقتهم ﵃ ..
стр. 216
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
فأخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين صحابة رسول الله ﷺ الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: وهي الطمأنينة، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة (٢).
وقال جل وعلا في آخر السورة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
فأخبر تعالى عن رسوله ﷺ وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك
стр. 217
ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أي: فوصفهم بكثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.
﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ فهذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي: قد أثرت العبادة - من كثرتها وحسنها - في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم.
ثمّ أوضح الله تعالى مضرب مثلِ الصحابة ﵃ في الإنجيل، وأنهم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال (١).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أولئك هم أصحاب رسول الله ﷺ و ﵃ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ..
стр. 218
ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك، في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: "لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية .. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك (١).
وثمة سنة كونية قدرية أنّ كل من جمع الله الإيمان والعمل الصالح والإخلاص لله والاحتساب عند الله؛ رزقه الله سعة رزق، ورضى منه سبحانه، بل ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) حتى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: عن ابن عباس ﵁: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ يعني: السمت الحسن.
وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
قال بعض السلف: إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.
وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن
стр. 219
الخطاب ﵁ أنه قال: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته» (١)، اللهم أصلح سرائرنا وعلانيتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
ومن معالم هذه السورة العظيمة في قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢).
يقول سبحانه مخبراً عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله - ﷺ -: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة
стр. 220
القتل؛ ولهذا قال: ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.
ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلاً ذريعاً (١).
فانظر يا عبدالله! ! كيف ردَّ الله إبادة كفار لوجود مؤمنين صالحين بين أظهرهم فهل يخطر ببال أحدنا أن لا يدفع الله عن المسلمين شراً، والمؤمنون الداعون الموحدون بين أظهرهم، وقد دفعها عن الكفار لوجودهم بين أظهرهم؟ ؟ إنها رحمة الله تعالى بالمؤمن! ! فكن دائماً وأبداً مكرماً للصالحين فإن الله يدفع البلاء عنك بسببهم ..
ثم يخبر الله تعالى في آية عظيمة من آيات الفتح، وسنة كونية جارية لامحالة فيقول عزّ من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ (٢)، يا لها من بشارة أن الله تعالى سيعز هذا النبي الرسول ﷺ وهذا الدين ويظهره وينصره على سائر ملل أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول،
стр. 221
فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم ومليين ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، نعم العاقبة والغلبة لهذا الدين ولأتباعه من المتقين والله شاهد على ذلك جلّ شأنه (١) ..
ولا زال في الحديث بقية عن معالم هذه السورة العظيمة فاستبشروا وأملّوا ..
* * *
стр. 222
معالم من سورة الفتح (٣)
صلح الحديبية
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: وهذا لقاء ثالث عن معالم تلك السورة العظيمة سورة الفتح .. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ويكفي أنها تحدثت عن قصة صلح الحديبية الذي سمّاه الله تعالى فتحاً مبيناً؛ لما تضمن بعده من اتساع دائرة الدعوة لدين الله تعالى، ودخول الناس أفواجاً، ومما جاء في قصة هذا الصلح العظيم، وأصحاب بيعة الشجرة بيعة الرضوان ..
كان النبي ﷺ قد رأى في المنام أنه دخل مكة مع المسلمين محرمًا معتمرًا، فبشَّر بها أصحابه، وفرحوا بها فرحًا شديدًا، وقد اشتاقت نفوسهم إلى زيارة البيت العتيق والطواف به، فخرج ﷺ سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، وكان معه ﷺ ألف وخمسمائة على الصحيح، ولما كانوا بذي الحليفة قلّد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، حتى إذا كان قريباً من عُسفان أتاه خبرٌ أنّ المشركين قد جمعوا له الأحابيش، والجموع ليصدوه عن البيت، فاستشار النبي ﷺ أصحابه فيهم؟ فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي ﷺ : فروحوا إذاً، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : إنّ خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا
стр. 223
ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقتَرة الجيش، وانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنيّة التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ فألحّت فقالوا: خلأت القصواء! خلأت القصواء! ، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت به فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبّرضُه الناس تبرُّضاً، فلم يُلْبِثُه الناسُ أن نَزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّي حتى صدروا عنه ..
وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليه رجلاً من أصحابه، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عُمَّاراً وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله مظهر دينه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عماراً فقالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه أبان حتى جاء مكة ..
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح فرمى رجل من أحد الفريقين رجلاً من الفريق الآخر، وكانت معركة وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما
стр. 224
وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل فدعا إلى البيعة فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا فأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان.
ولما تمت البيعة رجع عثمان ..
فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العُوذُ المطافيل وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، قال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا إلا القتال فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذَّنَّ اللهُ أمره.
قال بُديل: سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وقد سمعته يقول قولاً فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول: كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي ﷺ ، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي ﷺ نحواً من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهاً وأرى أو شاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه قال:
стр. 225
من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي ﷺ وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروةُ رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أي غُدَر أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه، فوالله ما تنخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها جلده ووجهه وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ...
ثم قال لهم: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته فقالوا: ائته فما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدن قد قُلّدت وأُشعرت وما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام مِكرز بن حفص فقال: دعوني آته فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر، فجعل يكلم رسول الله ﷺ فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي ﷺ : قد سهل لكم من أمركم فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً فدعا الكاتب فقال: اكتب بسم الله الرحمن
стр. 226
الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو؟ ! ، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : إني رسول الله وإن كذبتموني اكتب: محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضَغْطة، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، وبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد! فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي ﷺ : فأجزه لي قال: ما أنا بمجيزه لك قال: بلى فافعل، قال:
ما أنا بفاعل قال مِكرز: بلى قد أجزناه، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً، قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذاً ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه، قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطوِّف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله ﷺ ورَدَّ
стр. 227
علي أبو بكر كما رد علي رسول الله ﷺ سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً ..
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ : قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله: أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ... ثم رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (٢) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (١)، فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
تبيّن أنّ الفتح المذكور هو صلح الحديبية إذ اتسعت بعده دائرة الدعوة لدين الله ، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلذا سماه الله فتحا مبينا أي: ظاهراً جلياً،
стр. 228
ولهذا عندما يقّدر الله أمراً من الأمور الكونية أو الشرعية يجب على المؤمن أن يجزم بأن تقدير الله هو الخير بعينه! !
وفي (بيعة الرضوان) التي بايع الصحابة ﵃ فيها رسول الله ﷺ ، تبيّن أنّ كل داعية إلى الله، ومجاهد في سبيل الله تعالى .. فالله تعالى متكفل بحفظه ونصره! !
ودلّت السورة والقصة على أنّه في حالة الاضطراب والفتن والصعوبات والابتلاءات لا يترك الله المؤمنين وحدهم، بل يثبتهم وينزل عليهم السكينة والطمأنينة والنصر والفتح حتى لو كان ظاهرُ الحال غيرَ ذلك ..
أَيُّهَا الأخوة: وأشارت السورة إلى الخير والفتح والنصر والتمكين في اتباع منهج الصحابة ﵁ وحبهم والدفاع عنهم، وأنّ الخزي والعار والذل في الانتقاص منهم، والبعد عن منهجهم وطريقتهم ﵃ (١).
وانتزع الإمام مالك، في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك (٢).
ومن العبر والسنن الكونية في قوله ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾ أن الله يحفظ البشرية بوجود الصالحين المؤمنين الموحدين بين أظهرهم، ويدفع البلاء عن الناس بسببهم ورحمة بهم.
стр. 229
ثمّ البشارة العظيمة في أن الله تعالى سيعز هذا الرسول ﷺ وهذا الدين ويظهره وينصره على سائر ملل أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١)، فالعاقبة والغلبة لهذا الدين، ولأتباعه من المتقين، والله شاهد على ذلك جلّ شأنه (٢).
أَيُّهَا الأخوة: تلك شذرات متفرقة حول تلك السورة العظيمة التي تُنْعم المؤمنين بهداياتها في كل زمان ومكان، لم نتكلم إلا عن أجزاء يسيرة منها، ولكن لعلّه يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
فاللهم اجعلنا من المتدبرين العاملين بكتابك، وسنة نبيك ﷺ .
* * *
стр. 230
حاجتنا للسكينة
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: مع خضّم هذه الضوضاء داخل النفوس وخارجها، ومع تراكم أعباء الحياة الماديّة والمعنوية، يحتاج المرء أن يستدل بهدايات الكتاب والسنّة، ليخفف ما يعانيه من الضغط النفسي والمعنوي، ولتصفو نفسه ويزدان إنتاجها ويعظم، وليّقدر الأمور حق قدرها ..
السكينة والطمأنينة نعمةٌ من الله عظيمة للمؤمنين لا يملكها أي أحد، ولا يشعر بها إلا من جرّبها وعايش آثارها، السكينة وسيلةٌ بل عمود من أعمدة الثبات: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١).
السكينة والثبات يتحلى بهما المؤمن المتدبر للكتاب والسنة منحةً من الله تعالى، قارئ القرآن الملازم لتلاوته وتدبره يدرك ذلك .. يتحدّث ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة (٢).
стр. 231
وهذا من فقهه للكتاب والسنة، ثم يذكر ابن القيم تجربته الشخصية مع هذه الآيات فيقول: وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه، فرأيت لها تأثيراً عظيماً في سكونه وطمأنينته.
إنها لحاجةٌ عظيمة لنا نحن في الزمن أن نتدبر مثل هذه الآيات ونقف معها:
في آية البقرة قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١)، ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قيل: معناه فيه وقار، وجلالة.
فعن قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار.
وقال الربيع: رحمة، وقال عطاء: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون إليه (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: في تفسير هذه الآية: و ﴿التَّابُوتُ﴾ شيء من الخشب أو من العاج يُشبه الصندوق، ينزل ويصطحبونه معهم، وفيه السكينة - يعني أنه كالشيء الذي يُسكنهم ويطمئنون إليه - وهذا من آيات الله "وقال" وصار
стр. 232
معهم - أي التابوت - يصطحبونه في غزواتهم فيه السكينة من الله : أنهم إذا رأوا هذا التابوت سكنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم" (١).
وفي موقفٍ للنبي ﷺ يوم الهجرة لو نظر أحد المشركين إلى ما تحت قدمه لرأى النبي ﷺ وصاحبه أبا بكر ﵁.
قال الشيخ ابن سعدي: فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال.
﴿إِذْ يَقُولُ﴾ النبي ﷺ ﴿لِصَاحِ بِهِ﴾ أبي بكر لما حزن واشتد قلقه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، بعونه ونصره وتأييده. ﴿فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الثبات والطمأنينة، والسكون المثبت للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنّه وقال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)، وفي الحديبية يعظم الخطب على صحابة رسول الله ﷺ من تلك الشروط التي ظاهرها هضمٌ لحقوقهم، وفي هذا الموقف الشديد تنزل السكينة إذ يقول الله تعالى:
стр. 233
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١).
يقول الشيخ ابن سعدي: يخبر تعالى عن منّته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة ﵃ لما جرى ما جرى بين رسول الله ﷺ والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيماناً مع إيمانهم. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر (٢).
стр. 234
وفي الحديبية أيضاً تكون بيعة الرضوان إذ يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (١).
فيخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول ﷺ تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة "بيعة الرضوان" أن رسول الله ﷺ لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت، معظماً له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله ﷺ من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإيمان، ﴿فَأَنزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شكراً لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءً لهم، وشكراً على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
стр. 235
وفي الحديبية أيضاً تنزل السكينة ويقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (١).
﴿فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث لم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ وهي "لا إله إلا الله" وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ من غيرهم ﴿و﴾ كانوا ﴿أهلها﴾ الذين استأهلوها لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢).
نسأل الله تعالى أن ينزل علينا السكينة والطمأنينة والأمن والإيمان ويصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
стр. 236
أَيُّهَا الأخوة: السكينة يجعلها الله في القلوب وقت القلاقل أو الفزع أو الاضطراب داخل النفس أو خارجها، فتثبت وتسكن وتطمئن، وهي من نعم الله العظيمة على العباد.
لما فتح النبي ﷺ مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم ﷺ في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة.
فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي ﷺ ، يركض بغلته نحو المشركين ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة.
فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم الله المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم.
وذلك قوله تعالى ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف.
стр. 237
﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لم تفدكم شيئاً، قليلاً ولا كثيراً، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ﴾ بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: على رحبها وسعتها، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: منهزمين (١).
﴿ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
أَيُّهَا الأخوة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن هنا أدرك شيخ الإسلام أن هداية هذه الآيات، وتلاوتها وتدبرها مما يزيد الإيمان، ويقوّي التوكل على الله وحده، ويثبت النفس على الحق، فكان ذلك باعثاً لتلاوتها وتدبرها حتى تتنّزل السكينة والطمأنينة على العبد، وهذا هو سر كلام ابن القيم عن شيخه -رحمهما الله- وقوله: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة.
فمن قرأ آيات السكينة في مواقف الخوف والفزع، أو في مواقف الشبهات والفتن، أو عند الهم والحزن، أو عند اشتداد وسواس الشيطان، يقرؤها رجاء أن يثبت الله قلبه بما ثبت به قلوب المؤمنين فلا حرج عليه، ورُجي أن يكون له ذلك، كما كان لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولكن على ألا ينسب استحباب قراءة هذه الآيات، وبهذه الكيفية، إلى الشريعة، ولا يتخذه عبادة تشبه عبادة الأذكار والأدعية الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة (٣).
стр. 238
ممارسة عبادة الشكر اليومية
إنّ الحمد لله ...
نِعَمٌ تتوالى علينا بحمد الله .. وقد أصيب أقوامٌ بالخوف والقلق والقتال، نِعَمٌ وأرزاقٌ تأتينا رغدًا من كل مكان وإخوانٌ لنا لا يجدون لقمة العيش إلا بتعب وعناء، وربما ماتوا من الجوع والإقلال، وإن لم يكن فالقتال وتسلط الضُّلال.
فالحمد لله على نعمة التوحيد والحمد لله على نعمة الأمن والإيمان والرزق والصحة.
كثيراً ما يتحدث علماء التنمية البشرية عن أنّ: ممارسة عبادة الحمد والشكر لله في الحياة اليومية له تأثير عجيب يبعث طمأنينة وسعادة وسكينة وتوفيقاً (١)، والحقيقة أنّ الكتاب والسنة سبقتهم في ذلك، بل الأمر أعم وأشمل من هذا، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢).
стр. 239
فالشكر يزيد النعم .. كما أن الكفر يذهبها، هكذا كانت نصوص المفسرين إنها صريحة الدلالة ... إنها عامة .. إن الزيادة في كل شيء .. في الصحة ... في المال .. في الجاه .. في النصر .. في العز والرفعة .. في كل شيء.
قال ابن القيم:
"قرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (١) ..
إلى أن قال: وعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره"
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)(٣) انتهى كلامه.
كثيرةٌ هي آيات الشكر في القرآن تزيد على الخمسين آية، ويكفي أن الله تعالى وصف العظماء من خلقه بأنهم من الشاكرين، فنوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤).
стр. 240
وإبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وأوصى الله موسى ﵇ بقوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
ومحمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه قالت عَائِشَةَ ﵂: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (٣).
أيها الأخ المبارك:
تكون ممارسة عبادة الشكر اليومية بما يلي:
أولاً: المحافظة على الفرائض وخصوصاً الصلوات المكتوبة جماعات في المساجد:
المحافظة على الفرائض والواجبات وعدم الإخلال بها وترك المعاصي والمنكرات وإنكارها، وهذا الأمر من أوجب الأمور في المحافظة على النعم .. ابدأ بنفسك ثم من تعول قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٤).
стр. 241
ثانياً: أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وأذكار النوم:
والتي منها التسبيح بحمد الله، كما جاء في حديث جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ أم المؤمنين ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ » قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١).
ومنها ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» (٢).
ومنها كذلك ما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» (٣).
ثالثاً: الصدقة اليومية ولو بشكل يسير:
وأما سجود الشكر: فيكون عند تجدد نعمة أو حدوثها كان النَّبِيِّ ﷺ «كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلَّهِ ﵎» (١).
يقول الإمام البهوتي الحنبلي:
"وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ لَهُ وَلِلنَّاسِ أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ .. وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ " (٢) انتهى كلامه.
سادساً: الشكر المطلق في أي وقت:
إذ كما أنّ الشكر يكون عند تناول النعم، فيكون أيضاً في أي حال وأي وقت قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣).
أقول قولي هذا واستغفروا الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
أَيُّهَا الأخوة: ومما تكون به ممارسة عبادة الحمد والشكر اليومية.
سابعاً: شكر من أسدى لك معروفاً أو خدمة من الناس.
стр. 244
فقد روى الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (١).
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» (٢).
ثامناً: المحافظة على النعم:
بعدم كفرها ومن كفرها عدم شكرها ضد الاسراف ..
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣)، فلا تأخذ ما هو زائد عن حاجتك، وإن فضل شيء فأعطه من هو محتاج وإياك ورميها فقد تضيع منك وقت ماتكون أشد حاجةً إليها، ومن أخطر كفران النعم ارتكاب ما يغضب الله تعالى إذ كيف ينعم عليك وأنت تعصيه! ! وهذا مؤذن بزوال النعمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٤).
وأخيراً أيها الأخ المبارك:
стр. 245
تذكر أن الشكر كما يقول ابن القيم:
"أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا" (١) انتهى كلامه.
هذه النقاط إذا مارستها بشكلٍ يومي أخي الكريم وحافظت عليها، فستجد أن حياتك الدنيوية تغيّرت تغيّراً جذرياً نحو الأفضل وكنت من الله أقرب وفزت برضوانه، ولقد قام بعض الأطباء بتجارب كثيرة لدراسة تأثير الشكر على الدماغ ونظام المناعة والعمليات الدقيقة في العقل الباطن، ووجدوا أن للشكر تأثيراً محفزاً لطاقة الدماغ الإيجابية، مما يساعد الإنسان على مزيد من الإبداع وإنجاز الأعمال الجديدة. كما تؤكد بعض الدراسات أن الامتنان للآخرين وممارسة الشكر والإحساس الدائم بفضل الله تعالى يزيد من قدرة النظام المناعي للجسم!
يقوم الدكتور Robert Emmon وفريق البحث في جامعة كاليفورنيا بدراسة الفوائد الصحية للشكر، وقد وجد بنتيجة تجاربه على الطلاب أن الشكر يؤدي إلى السعادة، وإلى استقرار الحالة العاطفية وإلى صحة نفسية وجسدية أفضل. فالطلاب الذين يمارسون الشكر كانوا أكثر تفاؤلاً وأكثر تمتعاً بالحياة ومناعتهم أفضل ضد الأمراض، وحتى إن مستوى النوم لديهم أفضل (٢).
اعتز بهويتك فأنت مسلم !
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: فلما كان الشباب هم عماد الأمم، صار الاهتمام بهم، والمحافظة عليهم هو هدفاً سامياً من رسالة الإسلام.
فسيرة نبينا ﷺ ، وأصحابه تنبئنا بأن الشباب هم مصدر القوة، وصناع المجد، وعنوان المستقبل .. روي عن ابن عباس ﵄: «ما أتى الله عبدًا علمًا إلا شابًا، والخير كله في الشباب» ثم تلا قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣)(٤).
стр. 248
ولذا كان من الواجب على العلماء والمربين تنبيه الشباب إلى ما يحاط بهم من انحرافات سلوكية، وأفكارٍ شاذة، تجرهم إليها شياطين الإنس والجن، وتوجيههم والأخذ بأيديهم.
ومن أخطر الأمور التي تُحاك ضد الشاب المسلم سلخه من هويته الإسلامية وأخلاقه الحميدة، ومن ثمَّ تصييرُه تافهاً يتبعُ أتفه منه، ضعيفَ الشخصية مقلداً تبعاً لا يملك من أمره شيء، لايسعى إلا إرضاء شهوات نفسه ونزواتها، لا يفرق بين حرام وحلال، ثم ينسى بعد ذلك اعتزازه بكونه ينتمي إلى خير أمّةٍ أخرجت للناس فلا أمر بمعروف ولانهي عن منكر، وينسى شموخه بكونه يتبع سنة محمد ﷺ أفضل البشر وسيد ولد آدم، ويتنكر لآبائه صناع المجد والحضارات الذين فتحوا العالم ونشروا توحيد رب الأرض والسموات، ولايدرك كونَه مسلماً وأنّه متى ابتغى العزة بغير الإسلام فقد أذله الله.
ومن مظاهر تضييع هوية المسلم ما يلي:
أولاً: التساهل بالشعائر من فرائض وسنن، والتهاون بها، وأخطر من ذلك الاستهانة بها ووصفها بالشكليات والرجعية والتخلف، فتنقلب المفاهيم والمباديء الشرعية عنده إلى ميوعة وتبعية مقيته، والله يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١).
стр. 249
روى الإمام الطبري عن سعد، عن زيد بن أسلم: أن رجلاً مِن المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تَبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء! فقال له عوف: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسول الله ﷺ ، فذهب عوفٌ إلى رسول الله ليُخبره، فوجد القرآن قد سبَقه، قال زيد: قال عبدالله بن عمر: فنظرتُ إليه مُتعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تنكبُهُ الحجارة، يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (١)، فيقول له النبيُّ ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ما يَزيدُه (٣).
وقد نهى الله عن هذا الفعلِ القَبيحِ فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤)، وبَيَّن سبحانه أن القدْحَ في الدين والاستهزاءَ به - خصوصًا شعائره التعبدية - هو ما كان عليه المشركون والكفَّار المخالفون للمسلمين، فإذا نادَوْا للصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا؛ لعدم عقلِهم ولجهلهم العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٥)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 250
تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)(٢).
ثانياً: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: التشبه بالكفار في اللباس والهيئة وقصات الشعر، فإنّ مما يحرق الفؤاد بعض شخصيات شبابنا ومظاهرهم وألبستهم المائعة وقصات شعورهم، وقد قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ: أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ , وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْض أَفْعَالهمْ اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلا مِنْ اللِّبَاس وَغَيْره, أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوْ الْفُجَّار أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّف وَالصُّلَحَاء الأَبْرَار (فَهُوَ مِنْهُمْ): أَيْ فِي الإِثْم وَالْخَيْر (٤).
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين -أي: مصبوغين بالعصفر- فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (٥).
ثالثاً: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: جلد بعض المسلمين ذاوتهم وأوطانهم وأمتهم وتذمرهم واحتقارهم لكل عمل جليل يُقام، إنّ جلد الذات والهزيمة النفسية